المقالات
السياسة
الحركة الشعبية: خطوات تنظيم!!
الحركة الشعبية: خطوات تنظيم!!
08-07-2013 07:36 PM


بسم الله الرحمن الرحيم
الحركة الشعبية: خطوات تنظيم!!
بعد الإنفصال وذهاب دولة جنوب السودان، مغاضبة ومفارقة للجغرافيا والتاريخ المشترك ووحدة المصير! بسبب الرفض المستميت من قبل أوصياء العروبة والإسلام، لقبول إندماج إخوتهم في الجنوب بشكل طوعي، في دولة واحدة تحترم الجميع وتحتويهم، بكل ثقافاتهم وأعراقهم وطموحاتهم وصدق إنتماءاتهم. لا فرق فيها بين شمالي وجنوبي، إلا بمقدار ما يساهم به الفرد إيجابا او سلبا. او ما يقدمه لأمته دون أن يقدم بطاقة هويته او تعريفه أولاً، وبعد ذلك يتم تقييم هذا الدور او المجهود المقدم! وهو مجهود يكتسي بكثير من الظلال السلبية والتشكيك في سلامة النوايا، طالما صدر مِن مَنْ يوصف بأنه، أقل مرتبة او يخفي العداء ويضمر الحقد لأصحاب الدرجات العلي! الذين من حقهم وحدهم وضع معايير، لتقسيم البشر المتساكنين معهم في نفس الرقعة الجغرافية الي درجات! ومن ثم تقديم شهادة حسن سير وسلوك للآخر المرضي عنه او المتواطئ معهم، او علي الأقل من حقهم تحديد قيمة وأهمية أداء الآخر. وهو في هذه الحالة لا يعتبر مجرد راي او وجهة نظر في ذاك الدور او الأداء، ولكنه يرتبط بأبعاد تتجاوز الإختلاف في الراي والتقييم، الوارد والطبيعي بين اي جماعات متساكنة في حيز واحد او حتي داخلها. الي إلباس أحكامها إيحاءات دينية او وطنية، وتاليا تجر خلفها تهم التخوين وسلوك التعصب وسهولة نفي الآخر، ليس من الوطن فحسب بل من الوجود ذاته! وإكتملت هذه العملية الإنفصالية المؤسفة، عبر العقيدة الإنفصالية الصلبة التي تسكن كادر معتبر وأعضاء كثر داخل الحركة الشعبية ذاتها(تقويض لأهدافها المعلنة من الداخل) من جهة. ونفوس كثير من بسطاء الجنوبين، بتأثير نخبهم الإنفصالية عليهم من الجهة المقابلة. وبسبب التمييز ضدهم والتعالي عليهم، وميراث هضم الحقوق والأحقاد والحروبات والفتن. الذي غذي حالة من الغضب المكتوم لدي الإخوة الجنوبيين. وهذا الصوت الإنفصالي المكتوم، كان يجد لنفسه داخل الحركة الشعبية مساحات واسعة. ولكن وجود شخصيات كارزمية، لها حضور فكري وسياسي، ورؤية مستقبلية متقدمة. وعلي رأسهم القائد والمفكر الشهيد جون قرنق، مثَّل نوع من الحجب والسيطرة الكاملة عليه، او منعه من التعبير عن نفسه من منطلقات الحجة والإقناع. وكذلك صعوبة مجاراة رؤية القائد والمجموعة المحيطة به، المتجاوزة لتناقضات الماضي والحاضر، وفي نفس الوقت قادرة علي بناء لحمة وطنية جامعة، تعلي من شأن، الروح الجماعية والمشاعر الإنسانية والتضامن، لمواجهة عقبات المستقبل. ولكنه علي الرغم من كل ذلك، لم يقدر علي مصادرة او إقتلاع الصوت /الفكر/الإحساس الإنفصالي من العقول والوجدان. بسبب ثقل التراكمات التاريخية السلبية، وحجم التضحيات الضخمة التي قدمتها الحركة والجنوبيون ككل. وقد عبر هذا الصوت الإنفصالي، عن نفسه أصدق تعبير خلال الإستفتاء، لدرجة جعلت الوقوف في وجهه، يكلف صاحبه الكثير سياسيا وإجتماعيا، وإحتمال تاريخيا إعتمادا علي إدارة مترتبات الإنفصال!! لذلك كان نتيجة الإستفتاء عبارة عن إنفجار لمشاعر الغبن التاريخي والرغبة العارمة في الإنفصال، وهي تقارب النسبة المئوية الكاملة! مما تغني عن أي حديث في شأن الوحدة، إلا عبر الإحلام الوردية والتمنيات الطفولية، وبعد نظر بعض القادة والمفكرين، الذين أرهقتهم قوة البصيرة وقلة القدرة والحيلة، وغفلة جموع المخدوعين!
والإنفصال في حد ذاته يمثل دلالة عجز للنخب في كلا البلدين! لأنه يصادم وعي او حوجة اللحظة التاريخية الراهنة، التي تنحو نحو التكتل والإنضمام والإستفادة، من مزايا كل دولة من دول التحالف، او إقليم او مقاطعة داخل كل دولة، لتعظيم المنفعة المتحصل عليها. ولأن الإنفصال يخلق تناقضات جديدة، ويفجر خلافات وتعقيدات حقيقية او مصطنعة! قد تقود الي صراعات لا يحمد عقباها. تعصف بأي مكاسب متوهمة للإنفصال! وذلك بأسرع ما يخشاه أكثر المتخوفين تشاؤماً. او الإنفصال قد يكون نتيجة للهروب من مواجهة أوضاع داخلية، مأزومة وشديدة التعقيد، و لايمكن حلها إلا من خلال، توافق عام يحترم رغبات الجميع ويطمئن مخاوفهم! ولكن هذا التوافق يتناقض مع مصالح الجهات النافذة في السلطة، او من بيده تسيير دفة الأحداث. والتي بدورها فضلت الحصول علي مكاسب آنية، قصيرة النظر ومهددة بالضياع، ومثيرة للفتن ما ظهر منها وما بطن! بدلا عن الإستماع لصوت العقل، والتخفف من نزعات التملك والسيطرة الطاغية والتميز البليد! دونما إكتراث لخطورة هذه الغفلة والتعنت الأعمي المفضي للهلاك. وساعدهم علي هذا الوضع المغلوط! تغييب الجماهير العريضة، ليس عن مصالح ومحاسن وحدتها فقط. ولكن بتصوير تلك الوحدة، كشر مستطير، يستبطن الخطر علي أمنهم وسلامتهم وتماسكهم، ونقاء عرقهم وعلي مستقبل أجيالهم القادمة! وإن الحل الأمثل، يتمثل في المفارقة التي تخلصهم من الآخر وشروره وأحقاده. وعند هذه النقطة بالتحديد، يصبح الإنفصال ولسوء الحظ المطلب الأكثر إلحاحا، وتعمي الإبصار عن رؤية خطره، وما يحمله من عوامل تفجره الذاتي. ويتحول عجزه الي صراع أبدي لا ينتهي إلا بفناء أحد الطرفين، ولصعوبة ذلك عمليا تصبح النتيجة، مزيد من المآسِ والكوارث الإنسانية. والمحصلة النهائية هي الدوران في حلقة مفرغة، ما بين وحدة قسرية تعاني من تشوهات مجتمعية وإقتصادية وثقافية، ومخاوف تتغذي علي ترسبات تاريخية شديدة الوطأة علي النفوس، تعيق بناء مسارات الثقة والتقارب بين الأنا المتضخمة، والآخر المتهم والواقع تحت ضغط الخوف! وبين إنفصال دموي لا يستريح إلا بعد إفراغ كل شحناته من الغضب، التي لا يُعرف حجمها او مدي تأثيرها! أي بمنطق علي وعلي أعدائي. لأن الإنفصال في حقيقته رفض للآخر وعدم قبوله كما هو، بغض النظر عن الأسباب. والإنفصال يعمل فقط علي تكريس تلك الحقائق وجعلها حالة أبدية، أي ذاك الآخر مختلفا دوما، وتأكيدا لإختلافه تم ترسيم تلك الحدود والحواجز! وعلي أحسن الفروض وأكثرها تفاؤلاً، يمكن التعايش مع الآخر الذي أصبح الجار الجديد سلميا وعلي مضض، وواقعيا هذا نادر الحدوث! وأسوأها وكما تشهد كثير من حالات الإنفصال تكون العلاقة مع الآخر/الجار، محكومة بقانون الدم والتربص وإنتظار الفرصة لإزالة الآخر من الوجود. او التعامل بسخاء منقطع النظير مع كل ما يعطل او يدمر الآخر/الجار، الذي يتحول الي العدو رقم واحد، لتوجه نحوه كل أنواع الغدر والتربص اللامتناهيان!
وإستباقا لكل تلك العواقب الوخيمة، كان ميلاد او طرح مشروع السودان الجديد. كجهد نظري وتنظيري يستوعب كل تلك التناقضات المضمرة تاريخيا، بسبب الفشل والعجز عن حلها، أي هي ليست حالة قدرية تسلتزم وجودها وإستمرارها بكل سلبياتها وخطورتها، علي سلامة الوطن وأمن المواطن وعرقلة أي خطوات إنطلاق الي الأمام، لنصبح أسري لوضعية محلك سر!! وخلاصة المشروع حسب معرفتي المتواضعة به! هو التأسيس لوطن يقوم علي حق المواطنة، وإحترام الآخر والمشاركة وتقاسم منافع البلد. وحيادية الدولة تجاه كل الأديان والثقافات، علي أن تحترمها وتعطيها ما تستحقه من دعم وإهتمام. مع التركيز علي نظام الحكم، الذي يستوعب كل مناطق وأثنيات الوطن. يُعبر عنها و لا يُوظف لصالحها، يستوعبها و لا ينقاد لها! يحيط بها او يحكمها ولا يتغول عليها! بإعتبار هذا الجهاز وبشكله القديم من أكبر عقبات الإندماج الوطني! لأنه ظل تحت سيطرة جهات محددة(المدن علي حساب الأرياف) وأثنيات محددة. حاولت أن تصور أن هذا الجهاز السلطوي من إختصاصها، او أنها تحتكر حق إدارته، لمعرفتها الكبيرة وقيمها الرفيعة المتجاوزة لبقية الشركاء/الرعايا في الوطن. وهذا يعني عمليا ضبط إيقاع الجهاز السلطوي في إتجاه مصالحها حصريا! وحقيقة ما أضاف قيمة كبيرة لمشروع السودان الجديد ليس طرحه القوي، او زمان طرحه( في لحظة تاريخية حرجة تتربص بالوطن!) فقط! لأنه نفسه إستفاد بشكل او بآخر من مجهودات وتجارب سابقة عليه، حتي إذا إكتسبت طابع الفشل! ولكن ما أضاف له القيمة العالية والقوة المحركة والقدرة علي الإقناع. هو المجموعة المتبنية له، فهي مجموعة مشهود لها بالقدرات الفكرية الفذة، والإمكانات السياسية والتنظيمية الكبيرة، والشجاعة في طرح كثير من المسكوت عنه، بإسلوب لا يثير إحراج او جرح أي طرف، إلا إذا أراد هو ذلك وحده(متلقي حجج). وعلي الرغم من التقدير الكبير لكل شركاء هذا المشروع الطموح، إلا أن مساهمة شهيد مشروع السودان الجديد، القائد جون قرنق كانت ذات تأثير كبير، في إضفاء مزيد من الألق والحضور الطاغي، بل والساعي بين غمار الناس، لهذا الطرح المتقدم والشجاع. وأهمية جون قرنق في تقديري الشخصي، تتجاوز قدراته الفكرية والقيادية المشهودة المقدرة، والمعترف بها والمجمع عليها. الي أنه خلص التجربة السياسية السودانية، من إحتكاريتها لأسر وعوائل ومناطق محددة، وجعل هذه التجربة مفتوحة أمام الجميع، حقيقة وليس مجاملة او من أجل توازنات سلطوية! علي أن تتوفر فيمن يتقدم إليها، الشروط الموضوعية التي تمكنه من قيادة العملية السياسية، او المساهمة فيها بأي مجهود. بمعني أنه أنزل التجربة السياسية لعامة الناس ومَلكَها إياهم، سواء في أطراف المدن المنسية او في أقصي الريف المهمل والمهمش، او الأسر المتواضعة والذليلة والغير مذكورة(بوصف الآخر المتعالِ)، أي يمكن وصفه بقائد تحرير السياسة السودانية من الطائفية والأسرية والدينية والأيديولوجية المنغلقة علي ذاتها والمدينية( بوصف السياسة السودانية شأن مديني، يُنظر للريف خلالها كأرقام كمية، تساعد علي تفاعل العملية السياسية، دون أن تغير في قوانين عملها او حرف دفتها للنظر في إحتياجاته الأساسية، بغض النظر عن حجم مساهمته في تمدين هذه المدن و تَحمُل أكلاف ما تنعم به من تقدم نسبي. بوصفه منبع معظم الثروات ومدار الإنتاج والجهد الحقيقي، والأقل إستفادة من مردودهما. او حتي النظر إليه بعين العطف، وإعانته لتطوير آليات إنتاجه وحفظ فائض جهده، الذي يذهب بعيدا عنه!). فهو ردَ للسياسة السودانية قيمتها، بإعتبار السياسة وسيلة فعَّالة وأخلاقية ومنظمة، لإدارة حياة الناس وتحسين شروط حياتهم! إذا ما أُديت بشروطها ومستحقاتها وقيمها الصحيحة الخيرة. وخاصة المراكز القيادية التي ظلت محتكرة ومحجوز للبعض، حتي وهم في رحم أمهاتهم او قبل زواج آبائهم وأمهاتهم، كجزء من مخطط السيطرة وإحتلال هذا المركز، الذي أُمتهن كثيرا علي أيدي قادة، لا يملكون من مقومات هذا المنصب إلا الأسم والرسم فقط! أي قادة منزوعي القدرات، عديمي الملكات ، شديدي التمسك بالألقاب! ويستندون فقط علي بقايا هيبة مستمدة من ميراث الآباء، وهو ميراث لم يجد حظه كاملا من تسليط الضوء عليه، ليستحق هذا القدر من التقدير علي بيِّنة! أي هل قدم اولئك الآباء مصالح البلاد والعباد علي مصالحهم الخاصة في الرئاسة والقيادة؟ أم العكس هو الصحيح!! أي أن القائد الراحل جون قرنق، خلص مركز القيادة من القداسة المحيطة به، والتعظيم الذي يبذل لمن يشغله، كأنه فوق البشر ومنزَّه عن التقصير والخطأ وسوء التقدير والتصرف! وقرب القائد الي الجمهور، اولا بوصفه منهم، وعاش ظروف مشابهة لظروفهم، اي ظروف الغالبية. وثانيا ببساطته وخفة دمه وسعة قلبه، ووضوح الرؤية والهدف أمامه، وكأنه يلمسهما بيديه. كل ذلك أكسب مشروع الحركة الشعبية، قبول شعبي وأسع، لأنه لأمس هواجسهم، وشعروا بأنفسهم داخله.أي مشروع يتحرك بينهم ويتنفس معهم، ويشاركهم تفاصيل حياتهم الغبراء، ويعيدهم الي دأئرة الضوء والتأثير، ويعيد ثقتهم في المستقبل، ويَعِدهُم بالأمل والإستقرار. ولا يعني ذلك أن مشروع السودان الجديد وصفة مثالية، يؤدي الإيمان بها الي إنتقال السودان مباشرة، الي مصاف الدول العظمي. ولكن المقصود أنه وضع الأسس الصحيحة والسليمة، التي راعت الحساسيات التاريخية، والشروط الموضوعية، في تحديد الكيفية التي تحكم بها البلاد. وفتح الطريق علي مصرعيه، أمام الآفاق المستقبلية المبشرة بالخلاص من أخطاء الماضي. وهي أسس وبرامج تحتاج فقط الي إنزالها الي أرض الواقع، بمزيد من عزيمة وإرادة وبعد نظر الفاعلين السياسيين في كل الوطن.
لكل ذلك كان العشم في هذا المشروع كبيرا. في أن يحدث نقلة في التجربة والممارسة السياسية السودانية. بتخليصها من حالة العجز والشلل التاريخي، الذي عبر عن نفسه من خلال الفشل الذريع في إحداث إختراق جدي، في مسائل الحكم وتوزيع الثروة ومساهمة كل أبناء الوطن في إدارته! ومفارقة الأقوال للأفعال التي إلتصقت بالتجربة السياسية كجلدها، وبقول وأحد إمتهان كرامة التجربة السياسية السودانية! لذلك تطلعت النفوس المكدودة والأبدان الشقية والحواضر الباهتة والقري الناشفة بشغف لهذا المشروع، ليخطوا بها خطوة الي الأمام. بدل التراجع الي الخلف الذي حكم مسيرتها طويلاً! ولكن بوفاة القائد جون قرنق، تلقي المشروع ضربة كبيرة! مما يدلل علي المكانة التي يشغلها داخل هذا المشروع. كما أنها أحدثت أنتكاسة في عملية التطور والنضج التدريجي، التي عاشتها الجماهير لفترة بسيطة. وهي الفصل بين الأداء السياسي من جهة والجذور الأثنية او الدينية للقيادات السياسية من الجهة المقابلة. مع التركيز علي البرامج المطروحة، التي تتجاوب مع إهتماماتها، ومدي ملاءمتها للتحديات الماثلة علي الأرض، وتحدي الأصوات الدينية والعرقية، التي تريد أن تفرض عليها الوصاية كما إعتادت تاريخيا! ولكن للأسف يبدو أن المشوار مازال طويلا، ويؤكد ذلك فتور الحماس بمشروع السودان الجديد، بوفاة القائد جون قرنق كما أسلفنا. أي تولد إرتباط عاطفي جديد من نوع آخر، بإلباس المرحوم جون قرنق ثوب المخلص! مما يدل علي أن النواحي العاطفية، مازالت تتحكم في قطاعات كبيرة من الجماهير، وقد تجد لنفسها عدة سبل للتعبير عن ذاتها، وقد تتماهي في صورة وفاء لدين مستحق او تقدير لتضحيات جسيمة! مما يعطل من الملكات العقلية والموضوعية! وتاليا يضعف من عملية توجيه النقد لمكامن الضعف. مما يجعلها تتراكم وتتضاعف، لتحدث ذاك الشلل الكبير السابق ذكره! وبصورة أكثر وضوح نجد أن العاطفة، تشوش علي الموضوعية وتجرد الفكر من ملكاته النقدية وتجعله في خدمة المشاعر سلبية/إيجابية. وكل ذلك يقوض من أهمية أي دور علمي تنويري بنائي، ويصيب حيوية المجتمع بالجمود. ويجعل سقف طموحاته تودر في فلك شخصيات محددة! قد تكون مميزة وتملك قدرات هائلة في مجالاتها. ولكنها بأي حال من الأحوال، لن تغني عن مشاركة الآخرين وإسهاماتهم، إلا بإلغاء المجتمع نفسه او تصغيره وإزدراءه. كما أن التركيز علي قيادات محددة في كل المجالات، يضر بها هي نفسها بعدم تعريضها لمنافسة الآخرين وزيادة تطوير قدراتها، ويجعلها أكثر تحنط وتكلس وغرور. وفي نفس الوقت يحرم المجتمع من أصوات أخري مغايرة للقائد والزعيم، مما يعني ثراء المجتمع، وتاليا تقديم بدائل وطرق تفكير متعددة تتلاءم مع تعدد خيارات الحياة! والأخطر من كل ذلك يناقض المشاركة الجماعية ويضعف المؤسسية، كإسهام أكبر قدر من الأفراد في المجال العمومي، وفق ضوابط أو منهجية تستفيد بما يملكونه من مواهب او قدرات، وتوظفها من أجل الأهداف المحددة سلفا، وذلك يعطي الحلول المطروحة إمكانات واسعة لإستيعاب المشاكل والتعقيدات المحيطة. ويعطيها إمكانات المراكمة عن طريق البناء عليها، عبر الزمن وتبادل الخبرات والتجارب. بحكم تأسيسها مسبقا علي نظم أكثر ثبات وأستقرار وحياد. والخلاصة أن العاطفة التي تحرك قطاعات واسعة من الجمهور، تفسر هروب هذه القطاعات من تحمل المسؤولية، وذلك بإلغاء عبء السياسة التفكير القيادة التنمية...الخ علي أفراد محددين، ولو إتخذ ذلك طابع تقدير المواهب والقدرات والتعظيم لها، لتقف هذه القطاعات خلف خطوط العدو(مواجهة المشاكل الواقعية ومن ثم الإنخراط في حلها) وهي تبذل المدح بسخاء او تطلق اللعنات في الهواء علي أولئك المسؤولين، الذين تركت لهم المسؤولية تصديقا لمقولة منسوبة لماكس ليرنر(الناس يستسهلون ان يحكمهم غيرهم، اما ما يصعب عليهم فهو ان يحكموا انفسهم).
وما زاد الطين بلة أن المجموعة المحيطة بجون قرنق، بل هو نفسه. لم يحتاطوا لهذه الضربة، بتفعيل ضوابط المؤسسية داخل الحركة وعملية تبادل الأدوار، بما لا يخل بتماسكها وقوة أداءها، او يربطها بافراد معرضين للخطأ والتجاوز وأقدار الحياة. وهذا كان من عوامل ضعف المشروع ذاته، التي كانت تخفيها كاريزمة جون قرنق. لتتوالي الضربات علي مشروع السودان الجديد، الذي يتوسل المشتركات الوطنية والتاريخية والمصلحية. لتدعيم الوحدة الطوعية لأبناء الوطن الواحد. لتتفجر مشاعر الإنفصال المكبوتة لأعضاء داخل الحركة الشعبية، التي يتبني خطها العام قضية الوحدة. والأسوأ من ذلك أن الحركة الشعبية، عقب وفاة جون قرنق وتصدع تماسكها أو ضعف أهم عوامل تماسكها (الوحدة). قدمت تنازلات جوهرية في قضية الوحدة علي أسس ديمقراطية. لصالح الشريك الإنقاذي المتحكم في السلطة الإنتقالية خلال الفترة الإنتقالية، بما يخدم المزيد من سيطرته علي مفاصل السلطة في الشمال، علي حساب حلفاء الحركة من المعارضين، وبعض أعضاء داخل الحركة من الشمالين، وكل ذلك من أجل دعم الإنفصال. وبكلام صريح الدخول في مساومة مع حكومة الإنقاذ(الذاتي او الخاص)، وهي بيع الحلفاء ورفقاء الدرب والكفاح، مقابل تسهيل أمر الإنفصال، او الرغبة التي لا تقاوم، والدجاجة التي تبيض قبول وأدوات سيطرة مستقبلية، علي الجنوب ككل. وكل ذلك كان يأكل من رصيد الوحدة، كواحدة من أساسيات برنامج الحركة! إن لم يكن عمودها الفقري السياسي كما هو معلن، والذي أكسبها دعم قطاعت عريضة في الشمال. لدرجة أصبح فيها دعاة الوحدة داخل الحركة، كسيدنا هارون مع قوم موسي من شدة الحرج والعجز. وأصبح أبناء الشمال داخل الحركة كالغرباء، او كمن تم إستغفاله وإستغلاله، حتي الخروج بالإنفصال لبر الأمان! والحجج لدعم الإنفصال، سلفا متوافرة، سواء بأداء الداعمين للوحدة البائس والمفتقر للتنظيم والحماس وقوة الإرادة! او بسبب علو صوت وإمكانات ووسائل تأثير، الإتجاه الشمالي الداعم للإنفصال، وعلي رأسها كبيرها الذي علمها العنصرية، منبر السلام العادل!!! ونافذة إعلامه النافذة والمسيطرة ماليا وإعلاميا وأمنيا صحيفة الإنتباهة! وذلك من منطلقات عقدية وعروبية، خارج النص والموضوع، ولا تمت لمسألة الوحدة بصلة في التحليل النهائي، أي بإعتبارهما لصيقان بمسألة الهوية أكثر من كونهما مشاريع سياسية تنظر او تستهدف، إحتياجات المواطن الأساسية وتراعي مواهبه وقدراته، وتوظفهما لمصلحة جميع المتساكنيين، في الرقعة الجغرافية المسمي السودان. وكل ذلك عبر الوحدة في إطار التنوع، كأحد أدوات السياسة المبدعة والخلاقة لمعالجة إشكالات الهوية المعقدة. وبمعني آخر أن تقديم مسألة الهوية علي السياسة، كوضع العربة أمام الحصان, أو خلق لمشاكل جديدة بدلاً، عن حل المشاكل القديمة، لأن حلها يعني عمليا ممارسة السياسة الرشيدة. الخلاصة أنه بعد الإنفصال بانت كل الحقائق من كل الأطراف، والواقع العملي كان أكبر إختبار لصدق النوايا وإعلان للطوايا، من غير رتوش او تذويق فقد محله من الإعراب! سواء من جانب أبناء الشمال او الجنوب، وبالأصح الغالبية في جنوبنا الحبيب! ولحسن الحظ ما زال أوار الوحدة، حتي ولو في المستقبل البعيد، يغلي في نفوس وعقول كثير من العقلاء في الجانبين! المؤمنون بالوحدة ليس حبا فيها كيوتوبيا مستحيلة، تحمل رومانسية اللحظات الجميلة وهدوء النفس والبال وعطر القصائد والأحلام الوردية. ولكن لحاجتها الموضوعية ولبرهنتها علي نضج الفاعلين السياسيين، ولقدرتها علي توفير كل أسباب الإنطلاق والتقدم الي الأمام، ومنفعة شعوب كلا البلدين. او علي الأقل تخليصهما من حالة العداء المستحكمة، وشياطين الإقتتال التي تسكن جوف الإنفصال، وتطبيقه علي الأرض الملغمة، بسوء الظن والتحايل والتذاكي! او إستخدام جماهير البلدين كوقود للصراع بين النظامين في كلا البلدين، اللذان يرحلان مشاكلهما كلا الي الآخر! والدافع الثمن الغالي لسوء الفهم التاريخي كالعادة، هما البسطاء وغمار الناس في كلا الجانبين، الذين ظلوا علي الدوام يدفعون ثمن فشل وعجز النخب، التي تحكمهم وتتحدث بإسمهم وتتكسب من مشاكلهم وتعدهم بالمزيد!
وبعد الإنفصال وخذلان الحركة الشعبية بصفة خاصة، والإخوة المواطنون في الجنوب بصفة عامة لقضية الوحدة. رأفقت الدعوات الصادقة والأمنيات العريضة، الحركة الشعبية التي دانت لها السيطرة علي دولة جنوب السودان الحديثة. في تقديم نموذج للحكم يتفق مع برنامج السودان الجديد المطروح. وذلك حتي تلحق الفعل بالقول، الشئ الذي يكسبها مزيد من الإحترام والتقدير من الأعداء قبل الأصدقاء. او علي الأقل تقديم تجربة في الحكم، تختلف عن تجربة الحكم القاصر والعاجز في الشمال، بالإستفادة من كل أخطاء تجربة الحكم في السودان القديم، التي حاربت وناضلت ضدها الحركة، بصورة أثارت إعجاب وتعاطف ودعم الكثيرين! او تقدم نوذج في الحكم والقيادة، يراعي التوافقات المجتمعية والتعقيدات القبلية والظروف الإقتصادية التعجيزية للدولة المولودة حديثا. وإنعدام وجود تجربة سابقة يمكن البناء عليها او تفتح الطريق أمامها. أي البداية من نقطة الصفر! الذي يستدعي تضافر كل الجهود وتركيز المجهود، علي بناء هياكل حكم جديدة، قادرة علي المحافظة علي التعايش وحالة السلم الهش بين جميع مكونات المجتمع الجنوبي. والمسارعة بتبني مشاريع سياسية تعلي من الصالح العام، وتقطع مع الحيازات الخاصة والتملك العام! الذي يهدد خصوصيات وتباين حوجات مختلف القطاعات والمكونات. شديدة التأثر والتفاعل مع تلك السياسات المنزلة عليها سلبا او إيجابا، مما يستدعي إعطائها حقها في الإختيار وقول رايها بصراحة ونقد ما تراه خاطئ، والمشاركة في عملية البناء الوطني من موقع ندية مع حكامها! وكذلك كان المأمول من الحركة الشعبية، وبعد الإنتهاء من الترتيبات والمسؤوليات السياسية. أن تشرع في إقامة مشاريع إقتصادية وتنموية وخدمية، تستفيد من الإمكانات المحلية، وتراعي الظروف المحيطة ودرجة تطور المجتمع المحلي وإمكانات الدولة المادية الشحيحة، بتوظيفها بطريقة مثالية تعظم العائد من إنفاقها، او تدفع مخاطر داهمة عن الوقوع، وتسبيب كوارث لا يحمد عقباها! وأيضا إستغلال علاقات دولة جنوب السودان الخارجية الجيدة، والإستفادة من حالة التعاطف الدولية قبل خفوت بريقها، والإنشغال بقضايا أخري في مكان آخر مع مجتمع دولي يعمل كرجل الإطفاء، الذي يحرص علي إطفاء الحرائق دونما إعتناء بإزالة مسببات الحرائق، كانها دعوة مفتوحة لتجددها!! أي إجتهاد الحركة لتحويل التعاطف الدولي، الي فعل ملموس علي الأرض، في شكل مشاريع منتجة، تنقل إنسان الجنوب نقلة متقدمة، وتخلصه من أسر الفقر والجوع والمرض والجهل والإقتتال القبلي الذي أقعد به طويلاً. وذلك لأن المواطن لا يأكل سياسة او يتعالج ويعمل ويعيش في أمان بالخطب والوعود! المهم تقديم هذه الطريقة الجيدة في الحكم، لا تخدم الإخوة في الجنوب وبرنامج الحركة الشعبية فقط. ولكنها تدعم ثقة أبناء الشمال المؤمنين بهذا المشروع، أي إختبار حقيقي لواقعيته وصدق وعوده، وتشكيله لأول خطوات التخطي، لعتبات التعثر الوطني المزمنة. وتقديمه لبديل جاهز للخروج من نفق التجارب السابقة، التي أورثتنا الفشل والضياع والإنقسام! ولكن للأسف الحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب لم تكن علي قدر الطموح، وواصلت مسلسل الإنقلاب علي برنامج السودان الجديد! حيث نظمت إنتخابات وأشرفت عليها!! عبر ما تملكه من قدرات مادية وتنظيمية وإعلامية مقارنة بالآخرين المعدمين(إذا كان هنالك آخر في عرفها) وسيطرتها علي جهاز الدولة، أثناء الفترة الإنتقالية( وهي فترة الترتيب للمستقبل القادم، أي إذا صلحت الفترة الإنتقالية، بترتيب الأوضاع خلالها، والإستفادة منها من أجل التأسيس لمستقبل أكثر ديمقراطية ومشاركة، وتمت إدارتها توافقيا لصالح تجاوز عقبات البدايات، ساهم ذلك في إستقرار الدولة وتقدم الشعب والنتيجة صلاح البلاد ورفاهية العباد. والعكس صحيح! وهو ما وقعت فيه الحركة الشعبية، تحت ضغط الأطماع وعميان البصيرة والحكمة، حيث وظفت هذه المرحلة من أجل مكاسبها الخاصة والسيطرة المستديمة علي دولة جنوب السودان!). لتفوز بمعظم مقاعد البرلمان، ويفوز قادتها بمعظم الدوائر، ويستحوذون علي كل المناصب الهامة في الدولة، بعد السيطرة علي الولايات. إلا من بعض الحالات الشاذة لزوم المظهر الديمقراطي والشرعية المزيفة! ولكن من غير تأثير علي مجري السلطة، المحتكرة والمسيطر عليها كليا من قبل الحركة الشعبية! وبقول آخر أن الحركة الشعبية تعتقد أنها صاحبة الحق في الحكم والسيطرة بعد التضحيات التي قدمتها والوصول بالبلاد الي محطة الإنفصال، مطلب الجنوبين الأساس! أي الشرعية السياسية كتعويض للشرعية النضالية!! كأنما تلك التضحيات تستهدف السلطة حصريا، وليس قضايا معلنة، عن تظلمات وأخطاء تاريخية، إرتكبت في حق الجنوبين من قبل الحكومات في الشمال(الحكومات العسكرية ولغتها العسكرية حصريا)، مما يعني أن مصالح وحقوق مجتمع دولة جنوب السودان، كانت عبارة عن معبر او قضية حساسة تساعد علي كسب الدعم والإلتفاف حولها، او تدفع عنها شبهة العنصرية وإحتكار الصوت الجنوبي والسعي للإنفصال والحكم لاحقاً! المهم بعد تقديم هذه التجربة البائسة في إدارة المرحلة الإنتقالية وتاليا العملية الإنتخابية، التي أفضت الي سيطرتها المطلقة علي الحكم. لم تتأخر الحركة الشعبية في تقديم نموذج للحكم قائم علي سيطرة القائد(سلفاكير) كليا، وقادة الحركة من الصف الأول جزئيا، علي كل القرارات الهامة ومصادر المال وتوزيعه والقوة وتوجيهها، وفتح البلاد لتدخلات قادة دول الجوار للتدخل في قراراتها، وتدفق مواطنيهم للسيطرة علي فرص العمل ومصادر الرزق الشحيحة، وحرمان مواطن دولة جنوب السودان من تلك الفرص، الشئ الذي جعل مدن الجنوب الكبيرة، من المدن الأكثر تكلفة معيشة، وفقر في تقديم الخدمات في العالم! وإتضح ومن خلال تجربتها السابقة في الحكم، أنه ليس هنالك برنامج واضح او جهد ملموس، للحركة الشعبية للتطبقه علي الأرض كما وعدت أيام الإنتخابات! وأنها تدير البلاد بصورة عشوائية وغامضة، تفتقد للمهارة والحنكة والدربة. ويعكس الواقع المتردي لدولة جنوب السودان تحت قيادة الحركة الشعبية، أن هنالك فارقا كبيرا بين إدارة الدولة وإدارة الحرب! وبين رجل الدولة ورجل الحرب!وبمعني آخر لا يعني نجاح الحركة الشعبية في الحروبات اوكسبها للمعارك او إسهامها في الإنفصال. أنها مؤهلة سياسيا لإدارة دولة، والتعامل السليم مع مجتمع مدني، له مطالب حقيقية لا تجدي معها، مسألة الضبط والربط وطاعة الأوامر او ولي الأمر في كل شأن. وإنما العلاقة قائمة علي تعاقد بين نظام يوفر مقومات الحياة ويحتكر العنف وفق ضوابط. ومواطنون أحرار يلتزمون بإحترام القانون واللوائح ولهم حقوق وعليهم واجبات ضمن التعاقد، يستدعي الإخلال بها التعرض للعقوبة. ويؤكد كل ذلك الدستور والإنتخابات وغيرها من الممارسات، التي تؤكد رسوخ ذاك التعاقد ومدي شرعيته وإحكام العلاقة بينهما.وليست علاقة الإذعان والأوامر العسكرية التي ساحتها أرض المعارك، وليس ساحات المؤسسات السياسية والخدمية والمدن والأرياف. وبقول واحد النهج العسكري غير مؤهل البتة، لإدارة مجتمع او القيام بإعباء دولة!
ولكن كل ذلك لا يمنع أن الحركة الشعبية، قدمت بعض الأدوار الجيدة، مثل محاسبة بعض القادة علي أخطائهم. وهذا نادر الحدوث في تجاربنا السياسية، خاصة تلك المحاسبة البعيدة عن تصفية الحسابات الشخصية! او من خلال إدارتها الجيدة للخلافات مع النظام الذي يفرض الحكم علي جارها الشمالي أي نظام الإنقاذ سيئ الصيت والفعل! حيث أتسمت مواقف قادة الحركة او دولة جنوب السودان، بالهدوء والتعقل وعدم الإنجرار للتهديدات والعنجهيات غير المسؤولة، والتي تطلق من قادة الإنقاذ المتهورين! والتي لا تضع أي إعتبار لأرواح المواطنين في كلا البلدين، او المصالح الإقتصادية المشتركة بينهما، او الروابط الإجتماعية وعلاقات الرعي التاريخية، التي تمس معيشة وحياة جزء من مواطنيهم، دون خلق بدائل لهم، وغيرها من المآس التي لا حصر لها، التي تلحق بالمواطنين العادين، ولا ترد في خاطر أولئك المسؤولون الغافلون، الذين يسكنون القصور وتوفر لهم كل مستلزمات حياتهم بالزيادة والفخامة! و لا يفهمون غير لغة المكايدات والتسلط، والإستثمار في الحروب سياسيا وماديا! وما زاد الطين بلة والحكم صعوبة علي الحركة الشعبية، إن حكومة الإنقاذ المؤمنة! حاولت التتضيق وقفل باب المساعدات حتي الإنسانية كالطعام والعلاج، أمام دولة جنوب السودان تحت التأسيس، والفاقدة لمعظم مقومات الدولة. وكل ذلك بغرض إحراج الحركة الشعبية، وإجبارها علي الركوع وتقديم فروض الطاعة او تنازلات مذلة، حتي لو أدي ذلك للإضرار بحكومة الإنقاذ نفسها(قمة الحماقة!). أي بغرض الضغط علي الحركة الشعبية، لتقدم نموذج سيئ في الحكم، يحسب عليها وعلي الحركة الشعبية في الشمال! والمحصلة وبغض النظر عن الأسباب اوالمبررات ومدي معقوليتها او تفسيرها للأوضاع بطريقة أقرب للصواب! أن أداء الحركة الشعبية في الجنوب، لم يكن علي قدر الطموحات! سواء علي مستوي التنمية والبني التحتية او في مجال حقوق الإنسان او بتقديم تجربة سياسية متجاوزة ومتقدمة علي التجارب الفاشة للدول من حولها. وكل ذلك جعلها تتدحرج في ترتيب الدول الناجحة او القابلة للنجاح. وتحجز لنفسها مقعدا بإرتياح ومنذ وقت مبكر في صدارة قائمة الدول الفاشلة. وفقا لمؤسسات دولية تعني بهذا الشأن وليست لديها مصلحة في التجني علي أحد! ليجتمعا التعيس(حكومة الإنقاذ) وخائب الرجاء(حكومة الجنوب) في صعيدٍ واحد، وفي قائمة واحدة ومتجاورين أيضا. ولا حولة ولا قوة إلا بالله.
وسط هذه الأجواء والتعقيدات والصعوبات، التي تعاني منها حكومة جنوب السودان، المسيطر عليها بواسطة الحركة الشعبية كما أشرنا أكثر من مرة، تأتي الأنباء عن إقالة السيد سلفاكير لحكومة الجنوب، وإيقاف كبار القادة أمثال نائبه الدكتور رياك مشار وكبير المفاوضيين السيد باقان أموم والتحقيق معه وإحتمال تعرضها لإجراءات تأديبية، وهنالك تهم الفساد المالي التي تكررت أكثر من مرة مع البعض، وغيرها من الممارسات والخطوات التي إتخذها السيد سلفاكير بصورة منفردة. لتنطلق بعدها التحليلات والتكهنات لمغذي تلك الخطوات وتوقيتها، وكثير منها يري أن الدافع وراء تلك الخطوات، إستعدادات السيد سلفاكير لخوض الإنتخابات القادمة، وخطوة إستباقية منه لإبعاد أخطر منافسيه. أي تمت أقالة الحكومة وتوجيه التهم لأكبر منافسيه، ليخلو له وجه الساحة الإنتخابية خالياً، ويضمن طريق الفوز سالكا دون مطابات، خاصة أن المبعدين أكثر منه كفاءة وقدرة علي القيادة، وإدارة الدولة داخليا وخارجيا بطريقة متقدمة علي إسلوب سلفاكير الغامض، والمستند فقط علي وراثته لدور القائد الشاغر بسبب وفاة القائد جون قرنق هذا من جانب. ومن الجانب الآخر بسبب أدائه المتعثر خلال المرحلة الأولي من فترته الإنتخابية. لأن كل ذلك يضعف من إحتمالات إعادة ترشيحه مرة ثانية، في ظل الأوضاع الطبيعية التي تستند علي الأداء والمحاسبة او المكافأة!
ولو صحت هذه التحليلات وأظن أنها صحيحة، فهي تعد بالخطر القادم علي دولة جنوب السودان من قبل السيد سلفاكير! لأن هذه الممارسات تعني عمليا، بقاء السيد سلفاكير تحايلا او عنوة في السلطة، ليس لدورة او دورتين كما قد يتفاءل البعض! وإنما حتي رحيله عن الدنيا، وذلك بعد توريث أبنائه. او عن طريق القيام بإنقلاب ضده، ومن ثم الدخول في الدائرة الشريرة المعلومة للجميع! وبمعني آخر تحويل الحكم في دولة جنوب السودان الي دكتاتورية مغلفة بديمقراطية شكلية، قائمة علي صندوق تتحكم فيه لجان، يعينها ويحميها ويحفزها ويدعمها السيد سلفاكير. أي أن النتيجة معلومة سلفا وبنسبة خاضعة للمزاج والهوي الشرعي المزيف، وتأكيدا لشعبيته الطاغية وتسفيها لمزاعم المعارضة والأعداء والخونة. وغيرها من الممارسات التي عهدناه تاريخيا، في الشموليات القابضة التي أذاقت بلادها وشعوبها الأمرين من البطش والفساد، وسام قادتها، الأبرياء سوء العذاب، عنفا ودماء وعنجهية وخواء مادي وروحي! وأطلقوا العنان لأسرهم والمرضي عنهم من قبائلهم وأصدقائهم ومحاسيبهم للسيطرة علي أجهزة السلطة والإعلام والمال والمقدمة الإجتماعية، بغض النظر عن فقر أمكاناتهم المعرفية والإنتاجية والإدارية والأخلاقية! وما يستتبع ذلك لا يحتاج لشرح او تطويل او ضرب أمثلة في قارة افريقيا، او قارة النكبة والفقر والإستبداد! لأن الشمولية هي الشمولية والإستبداد هو الإستبداد والدكتاتورية هي الدكتاتورية، وجميعها تتقاطع مع بعضها البعض، او هي روح وثقافة وسلوك، يتجه نحو الإحساس بالتفوق تجاه الآخر، ومن ثم فرض هذا الإحساس جبريا او قهريا، لذلك سماتها وجوهرها واحد. مهما أحاطت بهم من ظلال وتعتيم ومظاهر ديمقراطية وتحرر ومشاركة ودستور وبرلمانات...الخ وصدق فاسلاف هافيل بقوله( إذا رايت ديكتاتورا فقد رأيتهم جميا). والخلاصة يسير إتجاه الأحداث في دولة جنوب السودان نحو، إعادة إنتاج الأنظمة الإفريقية العسكرية القبلية الشرسة، وبعضها كان تحريريا كالحركة تماما، ولكنها سقطت في إمتحان الحكم وهو الأصعب، لأنه يقوم علي الرغبة في الحصول علي أقصي المكاسب، وعدم تقديم أقل التنازلات، خاصة عندما يأتي عبر شرعية البندقية. لذلك يتخذ طابع الشراسة في المنافسة، والضرب تحت الحزام لوجاز التعبير! وعندها يصبح لا معني لتضحيات الحركة الشعبية والقائد سلفاكير. وتسقط كل تلك القيم النبيلة، والصورة الزاهية التي إرتبطت بسيرتهم النضالية الفذة! لتحل محلها في الذهن والوجدان طبائع الإستبداد الشرسة، وتترسخ في النفوس سلوك الطاغية وأفاعيله الظالمة. وعندها يصبح شعب الجنوب تحت رحمة الخيارات الصعبة! إما إيثار السلامة الشخصية والخلاص الفردي، مما يعني الرضا بحياة الذل والظلم والإستبداد والتعايش مع الفساد او المشاركة فيه او الهروب الي دولة أخري علي أحسن الفروض. أو ركوب موجة الخيار الثوري الصعب، بالثورة علي هذه الأوضاع الغير إنسانية، من أجل تغييرها الي واقع أفضل، يخدم حريتهم وكرامتهم ورغبتهم ويلبي مطالب حاجاتهم وطموحاتهم، في مستقبل أكثر إحتمالات إيجابية وضد اليأس ومشجع علي البناء والتعاون والترابط والأخاء! وذلك يعتمد علي درجة نضج المجتمع الجنوبي وقواه الحية، ونضوج الظروف المرئية والغير مرئية.أي تضافر محفزات الثورة الزمانية والمكانية والبشرية، وقضية او حادثة تفجر الإحتقانات وتكسر حاجز الخوف، ومن بعدها الطوفان الثوري الذي لا يقبل التراجع او بعض التنازلات، ويتصاعد سقف طموحه مع مرور الزمن! والأهم من كل ذلك وضوح خط السير قبل الثورة والأكثر وضوح بعدها.
لذلك الخوف كل الخوف وبعد كل هذه التضحيات التي قدمتها الحركة والمواطن في دولة جنوب السودان، أن نري الحشود تتدافع الي ساحات المدن في الجنوب، ونسمع شعارات تُردد في الشارع الجنوبي من شاكلة البشير ولا سلفاكير!! والجنوب دولة حرة وسلفاكير يطلع برة! لأن الوصول لتلك المرحلة، يعني أن إنسان الجنوب فقد كل العشم في قائده، ونسي تاريخه ونضاله. ولن يرضي بأقل من ذهابه الي دائرة النسيان مشيع باللعنات! ولكن المؤكد أن الكرة في ملعب القائد سلفاكير(مشكلة الحكام في الجنوب والشمال يبدو أنهم يلعبون بالسياسة، و لا يمارسون السياسة وفق مستحقاتها، لذلك تناسبهم قصة الكرة والملعب وهلمجرا!) والفرصة مازالت سانحة أمامه لتجاوز أخطاء الماضي، والقيام بعملية مصالحة وطنية. تلغي كل ممارسات الإحتكار ومظاهر الإستبداد السابقة، والتمايزات لصالح الحركة وإعضاءها مقابل كل التشكيلات الإجتماعية في الجنوب، البعيدة عن رحمة وعطف الحركة! وأن يفتح عقله وقلبه للنقد الموجه إليه والنصح المقدم له. أي أن يمد بصره وحكمته خارج الدائرة اللصيقة به، التي من المؤكد أنها الشريك الأساس فيما وصلت إليه الأمور من تعقيدات وفشل. وأن يسارع في إجراء كل التعديلات المطلوبة، للتوجه نحو آفاق ديمقراطية، تفتح الطريق أمام دولة جنوب السودان، للذهاب الي المستقبل، بثقة كبيرة وإرادة صلبة وآمال عريضة ومستحقة. وهذا إذا لم يقدم إستقالته كمبادرة منه، ليس للم الشمل وتجاوز وزر أخطائه فقط! ولكن أخطاء الحركة الشعبية ككل. وذلك لرد الإعتبار لها ولتضحياتها ولشهداءها، ولكل من تعاطف معها او آمن بطرحها ودافع عن برامجها. حتي يعيد الثقة في مشروع السودان الجديد، كأحد إبداعات الحركة الذي تجاوزت به. الطرح الفكري والتنظيري والسياسي المتداول في الساحة السياسية السودانية. لمقاربة المشكل السوداني الذي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم. وهو مشروع كما أسلفنا لا يحتاج لأكثر من قادة أصحاب إرادة حقيقية، يقبلون التحدي، ويألفون الحوار و يتعايشون مع الإختلاف ويحترمون الإنسان. وقادرون علي العمل وتنفيذ البرامج والوعود. والأهم من كل ذلك يسعون بجد وإجتهاد لتوفير بيئة من الحرية، تُعادي كل أشكال السيطرة علي الحكم والبلاد والعباد بصورة منفردة. وتدفع لترقية المشاركة والتعاون والنزاهة والشفافية، كأهم دعامات الحكومة الرشيدة المطلوبة بشدة في هذا الزمان العنيد.
وهنالك درس مستفاد مما يحدث في دولة جنوب السودان، يجب أن يعلمه الإخوة المواطنون في الجنوب الحبيب. قد يعين علي مسألة الوحدة لا حقاً بعد تخليصها من غطاء الشكوك وسوء الظن، الذي حجب كل محاسنها سابقا! وهو أن المشكلة لم تكن في إنسان الشمال الرافض لهم، علي إطلاق هذه الصفة! وإنما الإشكال كان دائماً في أنظمة حكم(غالبا عسكرية عنفية) تستغل التناقضات المجتمعية، وتوظفها لإكسابها شرعية مزيفة، او عطف لا تستحقه! وهي تعمل علي تخويف الجماهير من بعضها البعض، وتضخم هذه المشاكل حتي تبدو أنها المشكلة الأساسية. التي تُوظف لها كل الإمكانات وتُؤجل من أجل عيونها كل المطالب والإحتياجات. وكل ذلك ليعفيها من مسؤولياتها وواجباتها تجاه الشعب، ويعطيها عمرا جديدا وهي أصلا فاقدة للحياة! أضافة الي مشاكل تنموية وخدمية وسياسية معقدة وحقيقية، ساعد علي تفاقمها عدم تطوير تجربة ديمقراطية كاملة الدسم. لها القدرة علي حل كل التناقضات تلقائيا، بتوفير بيئة الحلول السلمية من جهة. وفتح المجال أمام تعدد الخيارات، وتاليا حيوية المجتمع ومساهمته في خلق الإستقرار من الجهة المقابلة. أي هي بيئة تعيد بذر بذور الثقة بين فرقاء الوطن، لكي تنمو وتثمر أوطان موحدة، وأكثر ثبات للمضي قدما، في دروب التطور والنماء. لذلك علي المجتمع المدني في دولة جنوب السودان، بكل تنظيماته وهيئاته وشبابه وطلابه وقطاعاته. أن يتجاوز مسألة القبلية كشرط أساس لإنجاز أهدافه. وأن يتخلص من مسألة إلقاء اللوم علي الآخر، وإتخاذه كشماعة تعلق عليه كل الأخطاء. والخروج من تحت عباءة المظلومية التاريخية، التي أصبحت لا تسع حجم التعقيدات في الدولة الجديدة، ولا تستر عيب النقص في القدرات او ضعف العزيمة والإرادة! وبدلا عن كل ذلك عليهم النظر الي الأمام، والتحرك بعزم نحو التضامن، من أجل تثبيت حقوق الإنسان، السياسية، الإقتصادية والثقافية، في دولة جنوب السودان. وعدم الإلتفات لا لوعود حكومية جوفاء، لا تقف علي واقع مادي يؤكدها علي الأرض. أو الإرتداد لحمل السلاح والإستجابة لصوت الفتن المدمرة، التي لن تخدم إلا الأعداء. وعليهم معرفة مطالبهم تماما، وتحديد أولوياتهم في حدود الإمكانات المتاحة! وسلك السبل وإستخدام الوسائل السلمية للوصول لتلك المطالب والغايات. ومن ثم المحافظة عليها وحمايتها من شر التغول والإستبداد والتفريط.
آخر الكلام:
نرجو من السيد سلفاكير بصفة خاصة، والحركة الشعبية بصفة عامة. أن لا يشمتوا بنا الطيب مصطفي وزفراته والإنتباهة ونباحها والمنبر وضلاله القديم!
كل عام وأنتم بخير، تصبحون علي حرية وتمسون علي ديمقراطية في وطن آمن. يسعي فيه المواطن المعارض، جنباً الي جنب وكتفا بكتف بجانب فرد جهاز الأمن، الذي ينحصر دوره فقط, في جمع و تقديم المعلومات للجهات المختصة، وفقا لنصوص دستور ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان، ويكتب بمداد العدالة وينّعَم بقداسة الإحترام ويُحصن من شر الإنتهاك، ويعلو علي الجميع! وطن لا يخشي المواطن فيه إلا صعوبات الإزدحام وتلوث البيئة، كأحد إفرازات المدن الحديثة! وطن يأمن المواطن فيه غدر حكامه وجورهم، وإنقلابات عساكره وطيشهم وبطشهم! وطن يأمن فيه عضو الحزب عواقف رأيه المخالف للجماعة، ومن ديمومة الرئاسة لدي الزعيم طوال حياته! وطن يأمن فيه الطالب من تجهم أستاذه وغضبه وضربه لمجرد خطأ وارد! ويأمن فيه الموظف قسوة وغرور ومعاكسة مديره! ويأمن فيه المواطن مماطلة وكسل وقلة إكتراث الموظف! وطن يأمن فيه الأبن سطوة والده والأب عقوق إبنه! والإخ قهر إخته والأخت إحتقار وإستفزاز أخيها! وطن يأمن فيه الجميع شر العقوبات الدولية والهموم الإقتصادية والديون التعجيزية، والهزائم الرياضية والتراجعات العلمية والثقافية والفنية، والكوارث الطبيعية والسياسية والإنحطاطات الأخلاقية! والأمراض المتفشية والهموم المستعصية. ونسألك اللهم العفو والعافية والكرامة في بلادنا الجريحة السودان وفي كل مكان.


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 793

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة