حكاية رجل مات في الربيع
12-17-2010 01:09 PM

حكاية رجل مات في الربيع

أحمد الملك

منذ حوالي العام، منذ ان انتقلت للسكن في هذه المدينة الصغيرة وانا أراه كل صباح طوال ايام الاسبوع، اجده دائما يجلس في مدخل البيت يراقب اسراب الحمام التي تمرح فوق الغابة الصغيرة المسماة : حديقة الكتّاب ، في انتظار موزع البريد الذي يحضر دائما في العاشرة صباحا، لا اجد تفسيرا لشعوري بالحزن عند رؤيته، سوي احساس غامض ينتابني كلما التقيته، بأنه انسان وحيد، ليس فقط في هذا العالم، بل انه محكوم بوحدة ابدية حتي لو عاش في عوالم اخري .
أشعر كما لو ان العالم كله يشاركني نفس ذلك الشعور، وانا اعبر في طريقي لمدرسة اللغة الهولندية التي ادرس بها، اعبر امام دار العجزة، اري كبار السن يراقبون المارة من الشرفات الغاصة بالزهور، اتذكر كلما مررت امام دار العجزة، قصة صديقنا الذي لم يبلغ العشرين من العمر وكان يسكن معنا في بيت واحد قبل سنوات، كان مهملا لا يهتم بنظافة البيت، وكان يجد دائما اعذارا واهية ليتهرب من اداء واجباته المنزلية، وكنت اجد اهماله مفيدا احيانا، ففي اليوم الذي يقرر فيه ممارسة واجباته تكون النتيجة طعاما لا يصلح للاستخدام الادمي.
كان صديقنا أحمد يضيق ذرعا باهماله وذات مرة اعلن ان مثل صديقنا المهمل هذا ينبغي ان يترك ليعيش في الصحراء حيث لن يكون هناك التزامات عليه القيام بها !
تصادف وجود زائر معنا ينتمي لمنطقة الصحراء في المغرب العربي فرد بغضب :
انتم تجهلون الصحراء ، هذا لا يستطيع ان يعيش يوما واحدا في الصحراء! ،
قال صديقنا احمد مندهشا : يعني انه لن يستطيع العيش حتي في الصحراء .
فقال الصديق الزائر : لا يستطيع .
فقال صديقنا أحمد ضاحكا : ماذا ننتظر اذن لنأخذه الي دار العجزة !
حين اعود في نهاية اليوم ، اجده جالسا بحزن في الحديقة الصغيرة امام البيت، رجل في حوالي الاربعين من عمره، ممتلئ الجسم قليلا، اسود البشرة، او بصورة ادق كما نقول في السودان، أخضر، وتذّكرني كلمة اخضر بابن عم كان يعيش في امريكا مع زوجة امريكية، وذات مرة زاره والده هناك، وكان والده أسود البشرة، قالت الزوجة الامريكية حين رأته اسودا وليس اسمرا مثل ابنه،
your father is black !
والدك اسود اللون !
فرد عليها قائلا :
No, he is green !
كلا انه أخضر !
أجده جالسا في الحديقة الصغيرة في شمس ابريل الباهتة التي بدأت علي وقع خطواتها تدب خطوات الحياة في العالم المثقل تحت وطاة شتاء قاس، احييه من علي البعد ، افكر أنه يستذكر تفاصيل الحياة ، في ذلك الوطن البعيد الذي مزقته الحروب الاهلية، غروب الشمس في المحيط، ومزارع الموز، و اشارات زمان سعيد بدأت تفاصيله تنسرب من الذاكرة .
يرتفع احيانا جهاز تسجيله بصوت عال، خاصة في عطلة نهاية الاسبوع، موسيقي شبيهة بموسيقانا، وان كان ايقاعها اسرع قليلا، اشبه بالموسيقي الاثيوبية،
فجاة أتي الصيف، تتحول المدينة من حولي مع ارتفاع درجات الحرارة الي غابة من الزهور والاشجار،
يستغرقني نفس برنامجي اليومي، لا يغير من رتابة الحياة سوي تقلب الطقس، يعطيك احساسا حين يتحسن فجأة ، تشرق الشمس ويتوقف المطر تشعر بالفرح، ان ثمة اوقاتا تستحق ان تعاش، ان ثمة ذكريات يجب ان نعيشها مرة اخري ، ان عجلة الزمان تصبح في متناول احلامك، لا تنتبه الي انك غارق في وهم الفرح الصغير، الذي يعتاش عليه الناس هنا، شمس مشرقة لساعات قليلة تصبح مناسبة للفرح.ارتفاع غير متوقع في درجات الحرارة يجعل الناس يتحللون من ثيابهم ويهرعون للشواطئ .
فجأة شعرت بخلل في ايقاع الاشياء من حولي ، وانتبهت الي انني لم اري جاري الصومالي منذ ايام، لم التقيه في صباحات انتظار ساعي البريد حيث الرسالة التي لن يقرأها مطلقا ولن يستبيح دفء حروفها التي تعبق برائحة الوطن البعيد .
اختفت موسيقي نهاية الاسبوع وجلسات الخامسة مساء في حديقة زهوره الاخيرة .في ربيع الوحدة الاخير، الوقت الاسوأ للموت في زمان يعود فيه العالم تدريجيا لصخب الحياة بعد فترة موات الشتاء،
كان رجال الشرطة قد اقتحموا البيت بعد بلاغ من بعض اصدقائه الذين اعتاد السهر معهم احيانا، ليجدوه ميتا في فراشه .
جهاز الموبايل ايضا كان يلفظ انفاسه الاخيرة، مطلقا صفيرا متقطعا يعلن ان بطاريته تحتاج للشحن، وعلي شاشته الصغيرة عبارة
7 missed calls .



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1695

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#60438 [ras babi abdalla babiker ]
0.00/5 (0 صوت)

12-18-2010 06:41 AM
The Tragedy of being a Sudanese

The Tragedy of being a Sudanese
what a tragedy....
yes brother they do
they rap the men
yes sister they did rap you
they do not want us to look them in the eyes
......
this is happening to us
because
we refused our mother Africa
we called the first Arab
we saw our father
we signed The Pactum
we spat on the face of Kush
we did not see the blackness of the land
we the Sudanese
we are sons of bitshsheees
we have no respect for women
......
men were witnesses of the sister torture
no-woman was there
the judge was a man
the two bastards were males
the crowd was of some men
damned them mothers fakakars
no-woman was there to beat them.


أحمد الملك
 أحمد الملك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة