المقالات
السياسة
كل الوان الظلام
كل الوان الظلام
08-11-2013 10:57 PM

كان الوقت قد شارف على الغروب عندما حضرت الآلة القبيحة التي تشبه الديناصور تشق طرقات البلدة في طريقها الى الساحة الشهيرة , اخذ المارة ينظرون اليها في توجس فهم يعرفون تماماً ماذا يعني حضور هذه المجنزرة الى البلدة , احبطت المحاولة الاخيرة للتمرد وشملت الاعتقالات كالمعتاد عدة اشخاص , كانوا أحد عشر شخصاً من مختلف الرتب العسكرية ومعهم خمسة مدنيين تجمهر المواطنون في الساحة ينظرون الى الآلة وهي تقوم بحفر الاخدود فيما كان عدد من العمال يجهزون الاعمدة , سيتم الاعدام في الفجر كالمعتاد , عند حظر التجوال لا أحد يخرج يرى ماذا يحدث , يسمعون دوي الرصاص داخل بيوتهم الكئيبة ويتم تسوية التراب , تنصرف المجنزرة ويعم الهدوء مرة اخرى مخلفاً انين ذوي الموتى خلف الجدران والدموع الصامتة التي تنسكب من حدقات العيون , هذه المرة كان العدد كبير وكان من بينهم العقيد عبد السلام زوج فاطمة , كانت فاطمة تراه كثيراً مجتمعاً بعدد من الرجال ليلاً واحيانا يجرج في ساعات الفجر الاولى ولا يعود الا بعد ثلاثة أو اربعة ايام , كانت فاطمة توقن بأن زوجها سيرحل يوماً ما بأي كيفية لانه صاحب رتبة عالية في الحامية وودائماً ينتقد سياسات الحكومة البغيضة , هذه المرة أحبطت المحاولة اصبح ينتظرهم المصير الاسود , ظلت هذه الافكار تدور في مخيلة فاطمة وهي تحيط طفليها المذعورين بساعدها ويترامى الى أذنها طقطقة السلاح وصةت الاقدام الثقيلة , ظلت تري بخيالها المكلوم العربة السوداء وقد نزل منها المحكوك عليهم مصفدين بأغلال ورصفهم في الاعمدة بحذاء الاخدود ثم صياح الضابط وتحرك كتيبة الإعدام التي تأخذ مكانها المعهود .
دوي الرصاص ممزقاً السكون وعلا الصراخ في عدد من بيوت البلدة , اخذت فاطمة تصرخ وهي تحضن طفليها في عنف رحل زوجها الان وانطفا صوت الحق من البلدة وهذا يعني استمرار البؤس والشقاء , مضت الايام تباعاً مخلفة ورائها ظلال من الحزن والكآبة على اهل البلدة , ثم حدثت أشياء غربية , تم ترقية عثمان الى رتبة عقيد لدوره الكبير في احباط المحاولة ,اسبغت عليه الحكومة أنواط الشجاعة والاخلاص وتم ترقيته لاحقاً ليصبح حاكماً للاقليم ورحل عن داره المتواضعة الى دار الحاكم , اثار ذلك التغيير المفاجىء دهشة فاطمة الطيبة التي لم يبقى لها من اصدقاء زوجها سوى ابراهيم الذي براته المحكمة وخرج حطام بشري من المعتقل , انطفات إحدى عينيه , اصيب برضوض في رجله , ما فتى إبراهيم وهو المخلص دائماً يزور فاطمة ويتفقد أحوال ولديها ويثني على زوجها الراحل ويجتر معها ذكريات كانت جميلة , أبراهيم من ضابط الصف يحب العقيد عبد السلام ويعرف أي معدن من الرجال كان , ظلت فاطمة تشفق على الحال الذي آل اليه ابراهيم دون ان تعرف السر الكبير الذي يطويه في صدره وفي ذات مرة اخبرها ابراهيم بكل شيء بعد فشل محاولة التمرد أخذت الحكومة عدد من الجنود والضباط كان من بينهم إبراهيم وعثمان أيضاً تعرض ابراهيم لعذاب شديد ضد رفاقه ويكشف سرهم ورفض رفضاً باتاً أن يشهد أو يكون شاهد ملك , عثمان الانتهازي أرتضى ذلك و كشف النقاب عن جميع المتامرين وسلم السلطة الوثائق والمستندات التي بحوزته .


كان الدور المناط على المقدم عثمان وافراد الجنود معه احتلال مقر الاذاعة المحلية وتباطاً وتم اعتقال المجموعة , لم يعترف الجميع من ضباط وجنود ماعدا عثمان الذي لم ينسى ان يقدم للمحكمة العسكرية فروض الطاعة والولاء , اعتبرته الحكومة أحد ابنائها المخلصين ومن ناحية اخرى تم اطلاق سراح ابراهيم بعد احالته الى حطام منهك , سرت هذه القصة وانتشرت بين أهالي البلدة البسطاء , ظل الاحتقار الذي يكنه المواطنون لعثمان الحاكم يؤرق مضجعه , الكل يبصق عندما تاتي سيرته في مجالسهم .. مضت السنيين وكبر الاولاد طارق وأمين وفاطمة تحثهما على الانتقام لوالدهما , كان ابراهيم يأخذ أمين الى المرتفعات المجاورة ويقوم بتدريبه على إطلاق النار ببندقية والده القديمة فهم أمين الذكي وتعلم الدرس سريعاً.

ظل أمين ينتظر اليوم الذي ياتي فيه الرئيس لزيارة البلدة ويريح البلاد من جبروته وقد اعتاد الرئيس الحضور في اعياد الحكومة للمدنية ليفتتح بعض المنشئات , أما طارق فقد هرب ذات مرة مستقلاً القطار الذي يتجه في محطة السكة الحديدية في طريقهما الى المدرسة تحرك القطار ومع دوي عجلاته اعتلمت في نفس طارق مشاعر عدة وقرر الهرب والقطار تزداد سرعته تعلق به بغته , شلت المفاجئة شقيقه وزادت سرعة القطار , ركض امين خلف القطار دون جدوى وغاب القطار في الافق خلف الجبال وفي المنزل عرفت فاطمة هروب ابنها طارق وانهارت باكية ولم تفلح مواساة أبراهيم لها يعودة ابنها يوما ما ومضت السنين تباعاً والحال كما هو وبدات البلدة تستعد لاستقبال الرئيس والحاكم عثمان في قمة جبروته وغطرسته , قتل زبانيته ابراهيم في ليلة ممطرة , وجده أمين يحتضر غارقاً في بركة من الدماء , قام مع نفر قليل من البلدة بأجراء مراسيم دفن له, أبراهيم الضميرالحي الذي يقض مضجع الحاكم واكبر حجر عثر له في الزواج من فاطمة الجميلة زوجة الراحل عبد السلام , كما تجمعه صداقة مع امين ابنها الذي فشل الحاكم تماماً في أن ينال رضا أو قدر يسير من الاحترام من هذا الولد المفعم بالحقد الدفين , وفي ذلك اليوم المشهود في العيد الخامس عشر للثورة , اصطف المواطنون المغلوب على امرهم لاستبقال قطارالرئيس وقد زينت شوارع البلدة بالاعلام وأقواس النصر طاف الرئيس بالبلدة وقام بافتتاح المنشئات الجديدة , السجن الجديد ودار المحكمة ولا شي اخر !! وفي اليوم التالي والرئيس في طريقه الى القطار مودعاً , محاطاً بكوكبة من الحراس المدججين بالاسلحة كان أمين في المنزل يبحث عن بندقية والده التي خباتها والدته بعد أن انساها الزمن الحزن على زوجها ورغبتها في الانتقام , اخفتها بعد ان احست بالخطر الذي يقدم عليه ابنها وبعد تفتيش وجدها , انطلق بها خارجا ً راته امه يعدو الى المحطة من نافذة المطبخ وفي يده بندقية , خرجت تولول , كانت المسافة بعيدة , اثار اندفاع أمين الذعر وسط الجمهور , تنبه الحراس واستغل أمين عنصر المفاجئة واطلف النار على الحاكم عثمان , تهاوى الحاكم مضرجاً بالدماء على الارض واندفع الرئيس الى داخل القطار مذعوراً وتحرك القطار بطيئاً .

أطلق الجنود النار على امين فسقط على الارض , تدافع المواطنون مذعورين ودب الرعب في الجميع وتوالى إطلاق النار وتساقط العديد من المواطنين بين جريح وقتيل وتحرك القطار مبتعداً انكفأت فاطمة تبكي على ابنها الذي يعاني النزع الاخير , كان القطار قد اختفى بين الجبال عندما سمع سكان البلدة دوياً هائلاً وسحابة من الغبار تغطي الافق حيث غاب القطار , يبدوا ان احد ما نسف القطار !! قطار الرئيس. من هو !! لا أحد يدري اخذ الجميع ينظرون نحو الافق المشتعل الذي يتصاعد منه الدخان الاسود الكثيف , كان هناك شخص يتقدم ممتطياً جواداً , دخل الغريب طرقات البلدة تتبعه نظرات الجمهور في دهشة يشوبها الأعجاب , بهذا الذي استطاع إزالة رمز الفساد والاستبداد من البلاد , تقدم الغريب نحو فاطمة وابنها المحتضر ترجل عن صهوة جواده وركع جوار أمه وشقيقه , بعين دامعة نظر طارق الى وجه شقيقه نظرة الوداع الاخير .




عادل الامين
[email protected]
1992


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 803

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عادل الامين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة