المقالات
السياسة
طبطبة على كتف اليسار
طبطبة على كتف اليسار
01-14-2016 03:20 PM


ظلت تستوقفني ملاحظتان حول ازدواجية معايير توصيف حالتين تخصان الحزب الشيوعي من جهة و حزبي الأمة و الاتحادي من جهة أخري : الأولى هي تبؤ السيد عبد الخالق محجوب السكرتارية العامة للحزب الشيوعي السوداني في سن الخامسة و العشرين التي يقابلها صعود السيد الصادق المهدي لرئاسة حزب الأمة و هو دون الثلاثين ثم توليه رئاسة الوزارة عند بلوغه الثلاثين . أما الحالة الثانية فهي عدم عقد الحزب الاتحادي الديمقراطي مؤتمره العام منذ مؤتمره الأخير في سنة 1967 , يقابل ذلك أن الحزب الشيوعي عقد مؤتمره العام الرابع في ذات السنة , أي 1967 ثم تأخر مؤتمره التالي لأكثر من أربعين سنة ليعقد المؤتمر الخامس عام 2009 ..
لاحظت أن حالة صغر سن الصادق المهدي تقابل بكثير من الاستهجان باعتبارها دليلاً على سيطرة أسرية و تجاوزاً لكفاءات حزبية أكثر تأهيلاً من سليل الأسرة الطائفية , يذكر كل ذلك بلا أية إشارة لمؤهلات الصادق المهدي ؛ بينما يعتبر صعود عبد الخالق في تلك السن الباكرة دليلاً على العبقرية , بدون أية إشارة لتجاوزات أو سلبيات صاحبت صعوده صغيراً للموقع الأول .
و يعرف ـ في الحالة الثانية ـ أن الفترة الطويلة التي لم ينعقد فيها أي من المؤتمرين الخاصين بالحزب الشيوعي و الحزب الاتحادي هي فترة ساد في معظمها نظامان شموليان حظرا العمل الحزبي و ظلت الأحزاب موضع الملاحقة بما يحول دون اجتماع لجنة فرعية دعك عن مؤتمر عام .. و هي أسباب موضوعية لا تحتاج إلى شرح كثير , لكن الملاحظ أنها تفهم بلا كثير نقاش في حالة الحزب الشيوعي , لكنها لا تعتبر عذراً للاتحادي الذي عانى كغيره من تداعيات الحظر و الملاحقة ؛ فما أن يذكر هذا الحزب الكبير إلا و معه قرينة ثابتة عن عجزه عن عقد مؤتمره منذ عام 67 . و يثار مع هذا القول غبار كثيف من التندر و السخرية لتغطية النقص في الادعاء الذي يتجاهل عمداً الظروف السياسية التي عاشها الحزب طوال خمسة عقود , و لرسم صورة مزيفة توحي بأن الحزب ظل مقيداً منذ 67 , و كأنه لم يشارك في مقاومة و لا انتخابات و لم يشكل الجبهة الوطنية و لم يقد التجمع الوطني الديمقراطي .

المثالان المذكوران غير معزولين عن خطة عامة تنطلق من بعض الدوائر لخلق رأى عام رافض لهذه الأحزاب . تقوم الخطة على أساس أن الدولة كمفهوم حديث لا يمكن أن تبنى بتنظيمات تقليدية , فألصقت صفة التقليدية بالحزبين الكبيرين , و سارعت التيارات المضادة للحزبين إلى احتكار صفة الحداثة .. و تكتمل الخطة بحملة مكثفة تشبه غسل الأدمغة حتى يقرن التخلف بالتقليدية , و من ثم بالحزبين الكبيرين , فلا يكون من سبيل للتقدم سوى خط أحزاب اليسار التي روجت للخطة منذ الستينات .
ظهرت الأحزاب الكبيرة نتاجاً لتحالف بين مجموعات متعلمة مع كيانات تقليدية مثل الطوائف و القبائل , لإدراك الشريحة المثقفة في هذه الأحزاب أن ارتضاء ديمقراطية الصوت الواحد لكل مواطن تعني خلق تحالفات مع كتل جماهيرية كبيرة , و إلا فلتبحث هذه النخب عن صيغ سياسية أخرى تنافي الديمقراطية . و لم يدفع مثقفو الحزبين ثمناً باهظاً في التحالف حيث قدمت القوى التقليدية الكادر المثقف في الحزب لإدارة الدولة فقدم الاتحاديون أزهري و زروق و الشريف حسين و أبوحسبو و غيرهم و و قدم حزب الأمة عبد الله خليل و المحجوب و إبراهيم أحمد و عبد الرحمن على طه و غيرهم . هذه الصيغة المرفوضة من الحداثيين قابلها تحالف بين قوى مدنية حديثة مع قوة عسكرية حديثة "مسكينة الحداثة" , في اليسار و اليمين , فماذا كانت النتيجة ؟
ارتبط تحالف التقليديين دوماً بنظام لم يعرف الاعتقال و التشريد و التعذيب و الدم , في مقابل تحالفات الحداثيين التي ارتبطت بالضيق بالآخر و ما يتبعه من قهر و تسلط أفضيا إلى نهايات مأساوية لرموز الحداثة . و رغم الواقع العملي الذي برهن على سطحية الطرح النظري , لكن ما يزال التيار العام هو "التريقة" على أحزاب الديمقراطية , و الطبطبة على كتف اليسار , خاصة بعد أن صار ضحية لدكتاتورية صنعها بنفسه , و تتأجل الطبطبة على كتف الإسلاميين الذين ما زالوا في موقع الجلاد .. ليصبح تحول اليسار اللاحق الداعم للديمقراطية مدعاة لتثبيت خط هو أقرب للتدليل , حيث يغض الطرف عن أخطائه , و يتواصل تصيد كل هفوة تصدر عن الأحزاب التقليدية . أسوق مثالاً لذلك , التساهل تجاه ما يبيحه فاروق أبو عيسى لنفسه في الطعن في كل من يخالفه ؛ فقد عقد رئيس قوى الإجماع مؤتمراً صحفياً خصصه للهجوم العنيف على إعلان باريس , رغم ايجابيات واضحة في الإعلان .. لكن وجود أبو عيسى في جانب و وجود الصادق المهدي في الجانب الآخر أكمل أركان المثال موضع هذا المقال ؛ فلم يجد تصرف أبو عيسى على رعونته الاستهجان المستحق ـ مع التقدير لمقال كتبه الأستاذ كمال الجزولي . و لم يجد جهد الصادق المهدي ـ المهدر الدم , الإشادة المستحقة , رغم مزايا عظيمة في الإعلان , أبرزها زحزحة الجبهة الثورية عن أحادية الحل العسكري و عن اشتراط حق تقرير المصير .. و سبق لأبو عيسى أن شن هجوماً على رئيس حزب المؤتمر السوداني مشككاً في مصدر ثروته و متهماً إياه بما يشبه العمالة للحزب الحاكم , فهل يمكن أن يمر تصرف بهذه الخطورة لو صدر من ممثل حزب الأمة في قوى الإجماع , و هل من دلالة على مروره و كأن شيئاً لم يكن , غير خطة تغض الطرف عن يسار يعد لمقبل الأيام , و تتصيد أخطاء الحزبين الكبيرين المستهدفين حتى يزولا عن خارطة السودان "الحديث" ؟
و هل من خطر على الديمقراطية المرتجاة أكثر من تزييف الواقع و مغالطة الحقائق ؟



[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2025

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1400921 [اليوم الأخير]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2016 09:22 AM
عبد الخالق منتخب ،، الصادق تم توريثه من والده الإمام الصديق ،، و كفى

[اليوم الأخير]

#1400573 [sa]
0.00/5 (0 صوت)

01-15-2016 08:14 PM
مقال منطقي عقلاني ومتوازن ويعطي فكرة جديدة

[sa]

#1400517 [عادل أحمد]
0.00/5 (0 صوت)

01-15-2016 04:33 PM
يذكرني هذا بالطبطبة علي كتف الحركة الشعبية في الفترة التي تلت توقيع اتفاق السلام و التغاضي عن كل ما يصدر عنها من رعونة و تصرفات اقل ما توصف به انها طفوليةو محاولة تصويرها انها حاملة مفتاح الحل لمشاكل البلاد.

[عادل أحمد]

#1400459 [حسن محمد]
0.00/5 (0 صوت)

01-15-2016 10:05 AM
كلام الطير في الباقير!

[حسن محمد]

#1400298 [shawgi badri]
0.00/5 (0 صوت)

01-14-2016 07:07 PM
الاستاذ عادل لك التحية . ليس هنالك اي مقارنة بين ترشيح وفوز عبد الخالق بسكرتارية الحزب الشيوعي .
اولا كل اعضاء الحزب كانوا من الشباب . وعمر 25 سنة كان اكبر من اغلبية الاعضاء . والحزب لم يكن يتهيأ لحكم البلد . ولم يكن في امكان عبدالخالق ان يترشح للبرلمان . الاختيار كان ديمقراطيا . وبالمناسبة كان للحزب الشيوعي مؤتمرا في لندن قبل ربع قرن .
الصادق عندما اكمل الثلاثين كان لحزب الامة اعظم الكوادر والشخصيات العالمية والمتمرسة . اصدر اوامرة لطرد العم بشري النائب المنتخب ديمقراطيا في الجلين . واخذ دائرته . لماذا لم يترشح في امدرمان ؟ كان ولا يزال مرفوضا في امدرمان مكان ميلاده .
للحزب الشيوعي كثير من الغلطات . والسودانيون لسوء الحظ يبحثون عن شيوخ وملوك . وحزب الامة ملك للصادق . والانحادي ملك للميرغني . والشعبي ملك للترابي . والسودان ملك للبشير وجماعته .

[shawgi badri]

#1400278 [.زول ..]
0.00/5 (0 صوت)

01-14-2016 06:09 PM
أيا كان إنتماء الكاتب الطائفي ..فإننا نقول له .. أخطاء اليسار أو الإسلاميين في موالاة الإنقلابات التي أهلكت الأول بقرنيه و فضحت نوايا الثاني بفشل مشروعه غير الحضاري .. فكل ذلك لايبرر أخطاءتقليدية الطائفية و سيرها هي الآخرى خلف رياح مصالحها متى ما هبت عليها وإن كانت تبعثر الصفوف و تقض مضاجع الأحرار والحرائر ..الكل شريك بقدر ما في دمار الوطن و الركوب على ظهر الديمقراطية المكسور وصولاً الى ديكاتورية تتمثل في تحجر القيادات في عُقم طرحها دون الركون الى نهج المؤسسية أو الشورى .. ولكن المقارنة أو المقاربة بعيدتان جداً بين عدم عقد الحزبيين الكبيرين لمؤتمراتهما لمدة تقارب الخمسين عاما وعدم عقد الحزب الشيوعي لمؤتره إلا في العام 2009 ..فالحزب الشيوعي أعدم أمينه الشهيد عبد الخالق في أوائل السبعينيات و ظل سكرتيره الأستاذ نقد رحمهما الله .. في حالة إختفاء دائم ومطاردة متواصلة لم تنقطع إلا في فترة الديمقراطية القصيرة بعد إنتفاضة أبريل1985 ..بينما ظل رئيسا حزبي الأمة والإتحادي طليقين متحالفين أحيانا مع العسكر و مشغولين أحيانا أخرى بمطالب ذاتية لا تبرر الهروب من تشكيل المؤسسية الحزبية .. وذلك لشعورهما بقدسة زائفة .. لم تتلبس أهل اليسار الذين تتشتوا أيد سبا في دروب النضال السري ..!
أما أهل الإسلام السياسي فهم في الأساس لا يؤمنون بالديمقراطية والمؤسسية لا بينهم ولا لغيرهم ..فهو قوم ينتمون الى نظام لا يختلف عن الطائفية في شي فهو يعمل بنظام التقيد بالتعليمات التنظيمية مثلما يتكي قادة الطائفية على ذريعة قدسية إشارتهم لمتابعيهم ..!

[.زول ..]

عادل إبراهيم حمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة