المقالات
السياسة
اعترافات محمودة
اعترافات محمودة
08-15-2013 03:22 AM


من المهم القول إن اعترافات السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية والتي أطلقها ثاني أيام عيد الفطر المبارك أمام عدد من الصحافيين، أنها اعترافات محمودة لأنها توثق لفترة عصيبة من تاريخ الصحافة في السودان تبوأت فيها بصورة غير مسبوقة مكاناً مظلماً في هوة سحيقة، وأصبحت أداة لتغبيش الوعي بدلاً من مهمتها المقدسة في التوعية والتنبيه، وحينما تأتي الاعترافات من أعلى قمة الجهاز التنفيذي فإن الحقيقة تبدو سافرة تكشف عن حجم الخسارات التي تكبدتها الحكومة والتنظيم والحزب حينما تصورت أن الغاية تبرر الوسيلة وان الاستعانة بمن وصفوا بـ «الانتهازيين» يمكن أن توصل إلى نتائج إيجابية.
وكان البعض يظن أن الأجسام التي صنعتها الحكومة لتنظيم العمل الصحفي بما فيها الجسم النقابي ربما تؤتي أكلها بعد انقضاء فترة العثرات الأولية، وكان الأمل في أن تتوفر وتولد الافكار الجيدة لتطوير العمل الصحفي، وتقوم هذه الأجسام بواجباتها الأساسية المنصوص عليها في أهدافها حين النشأة. ولكن للأسف الكبير انشغلت هذه الاجسام او ربما شغلت بسمفونية نادي جمع الجبايات الحكومي وفرض الرسوم على كل صغيرة وكبيرة دون أدنى اعتبار لموجبات تشجيع وتطوير وتنمية البنى التحتية للصحافة السودانية، وغاية ما برعت فيه حفنة من الدورات التدريبية غير العالية الجودة وإيفاد الكوادر الحزبية تحت ستارها، وهم يعلمون أنهم لن يستفيدوا منها ولن تستفيد منها العملية الصحافية.
لقد فشلت وفسدت العملية الصحافية في السودان بسبب الترتيبات والإجراءات التي عانت منها، وأصبحت السمة البارزة هي فرض القيود على حرية الصحافة وصناعة المعيقات ومحاربة حملة الأقلام من الصحافيين، وانزوى الاساتذة والصحافيون المحترمون في اركان المواقع الاسفيرية يمارسون فيها المهنية المحاربة، وبرز في المقابل من هم اقل قامة ليملأوا الفراغ العريض ليتنافسوا على خشبة مسرح السلطة ويحظوا بالإعلانات والعشاوات ويصطحبون في رحلات الكبار ذات المظاريف الدولارية مثل حقيبة جلدية خفيفة الوزن، واندثرت بموجب ذلك الطاقم الجديد الفنون التحريرية الموروثة من تحقيقات وحوارات وتغطيات وتحليلات مهنية لفائدة القراء، وأصبحت الإثارة الفارغة وتغبيش الوعي والتضليل السمة البارزة، بل تتصدر قوائم التوزيع في زمن الجهل والإملاق الفكري والمهني.
إن اعترافات النائب الأول لرئيس الجمهورية مهمة، بيد أن الأهم منها هو الإجابة عن الأسئلة التالية ثم ماذا بعد؟ ما هي آفاق الحل؟ هل ستترك العملية الصحافية لمثل هذه العقليات والقوانين المقيدة للحريات والبلد تقف على مفترق طرق؟ وكيف تتصرف السلطة في هذا القطاع العريض من الذين صنعتهم على مدى عقدين من الزمان وجعلت معاشهم وغناءهم وفقرهم ينصب حول ممارسة النهج الانتهازي الذي رعته؟ هؤلاء ليس لديهم ما يمكن ان يفعلوه خلاف ما جبلوا عليه سنين عدداً. والرأي هو أن يتم سحب البساط من تحت اقدامهم رويداً رويداً حتى لا يصبحوا مشروع معارضة للإصلاح والتجديد والتطهير، ولن يتم سحب البساط إلا بتغيير قانون الصحافة والمطبوعات وكل القوانين المقيدة للحريات، لأن القوانين السارية الآن اصبحت مطايا تمنح الانتهازيين الشرعية وتمدهم في طغيانهم، وحينما يتم تغيير القوانين بواسطة الصحافيين أنفسهم والخبراء القانونيين فإن كل لجان الطبخ تتوارى خلف الحجاب ويطويها النسيان.
ان الوسط الصحافي قادر على التعامل مع الدخلاء الكثر الذين تدفقوا على سوق الصحافة بهدف جني الأرباح من الإعلانات أو ممارسة تطويع المسارات، فهؤلاء مبلغ علمهم هو النقود وتدفقاتها سواء بمسح الجوخ ولعق الأحذية أو بقص الأخبار والمقالات وحجب المواد الحرة، وتبقى مهمة الحادبين من أهل السلطة، إن وجدوا، إيقاف العروض السخيفة وفتح المعابر أمام تطوير البنى التحتية، فالقوانين معيقة واللوائح يضعها مهووسون ومدخلات صناعة الصحافة باتت في قبضة المزايدات مع سبق الإصرار والترصد.

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 667

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد كامل
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة