المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية

12-19-2010 10:55 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

(( هذا أو الطوفان !)) ا

الفاضل عباس محمد علي
fadilabbas@live.com

أبو ظبي 18/12/2010

أعلن الرئيس البشير البارحة أنه مستعد للتنازل عن حصة الشمال في بترول الجنوب المنصوص عليها في اتفاقية نيفاشا، لحكومة الجنوب، إذا صوت الجنوبيون لصالح الوحدة في الاستفتاء الوشيك.

أولاً: لنا أن نتساءل: من الذي أعطاه الحق لمثل هذا التنازل؟ أليست هناك مؤسسات تقرّر في مثل هذه الأمور الجسام، كمجلس الرئاسة أو الوزراء أو البرلمان؟ أم أن هذه دولة الرجل الواحد، الفرعون الذي طأطأ كل الرؤوس و مشى فوق الهامات؟؟ بلى إنها كذلك، و الآن فقط استطعت أن أفهم ما قاله لي أحد الخواجات الخبراء عندما كنت أنظّر له عن ثمة انتفاضة مقبلة بالسودان.. قال:-

Yours is a one-bullet regime. You are one bullet away from freedom.

و على نفسها جنت براغش؛ فلقد كشف الرئيس البشير القناع الذي كان يتمنطق به و عرّى نفسه تماماً، و أصبح جلياً أن التخلّص منه هو التخلّص من هذا النظام الشيطاني الذي أوشك أن يودي ببلاد كان اسمها السودان.

ثانياً:- هل هذه الفكرة الألمعية - أي التنازل عن نصيب الشمال - كافية لإثناء الجنوبيين عن التصويت لصالح الانفصال، الأمر الذي لا مراء فيه بشهادة كل المراقبين المحايدين؟ لماذا تأخّر هذا العرض لست سنوات كاملات.. ليأتي في الزمن الضائع؟! أم أنها جرسة و بهدلة و انعدام بوصلة أمام كابتن السفينة الموشكة على الغرق؟ ثم، هل يظن البشير أنه يستطيع أن يشتري كل شيء و كل شخص في أي وقت؟ أم أن هذه هي العقلية التي ظل يفكر بها طوال عقدي حكمه الكالح و المنهج الذي اتبعه في إخصاء الرجال؟ لربما أغراه النجاح الذي حققه مع د.لام أكول و رياك مشار عندما حمل لهما الدكتور علي الحاج حقيبة مكدسة بملايين الدولارات و سلمها إياهما في فرانكفورت عام 1993 فنكصا على عقبيهما و انسلخا من الحركة الشعبية و أصبحا طابوراً خامساً بمنطقة الناصر بأعالي النيل، مع زمرة من أبناء

النوير و الشلك المسلحين، حتى قدما للخرطوم عام 1997 ليوقعا اتفاقية السلام من الداخل! وربما أغراه كذلك انصياع المعارضة وتدجينها بعد حفنة دراهم و تعيينات في جهاز الأمن و الجيش.. و تعويضات خاصة ببعض الممتلكات في الخرطوم و الخرطوم بحري! مهما يكن، فإن هذه الوسيلة لن تنجح مع الجنوبيين لأن الاستفتاء قد حسم أمره بلا رجعة، وحتى لو انطبقت السماء مع الأرض لن يؤجل، و البشير و نظامه الّلزج يدرك هذه الحقيقة تماماً، فلقد ظل سكوت قرايشن المبعوث الأمريكي يذكرهم بها آناء الليل و أطراف النهار، إذ أن الذكرى تنفع المؤمنين؛ و لكنهم يناورون و يطلقون الوعود الفضفاضة و القول المرسل على عواهنه للاستهلاك المحلي الشمالي؛ يريدون أن يلقوا في روع المواطنين الشماليين المحتارين أنهم يبحثون عن مخرج.. و أنهم لا يريدون للجنوب أن ينفصل... و أنهم مستعدون لبذل النفس و النفيس في سبيل وحدة السودان؛ و كل ذلك حتى لا يتحرك الشارع الذي أصبح يغلي كالمرجل بسبب الكارثة المقبلة في أعقاب التاسع من يناير: ليس انفصال الجنوب فحسب، إنما ذهاب جبال النوبة و جنوب النيل الأزرق (بعد المشورة الشعبية)، و ذهاب دارفور كذلك و انضمامها لدولة الجنوب الوليدة بلا أدنى شك.

ثالثاً:- يكاد المريب أن يقول خذوني، فقد تزامن العرض الذي تقدم به البشير مع الوثيقة التي نشرها موقع ويكي ليكس حول التسعة مليار دولار التي أودعها البشير بإسمه في أحد المصارف البريطانية، مما حدا بموريس أوكامبو مدعي محكمة الجنايات الدولية أن يقول إن البشير في حقيقة الأمر ليس إلا مجرد لص لا يعرف الاختشاء؛ و موقع ويكي ليكس يحظى باهتمام العالم كله الآن، و لم يتشكك أحد في مصداقية ما ينشر من معلومات حتى الآن، والمراقبون يطالعونها ليقرأوا ما بين السطور و يتبينوا ما كان خافياً في سياسات العديد من الدول التي تعاملت معها الولايات المتحدة عبر القنوات الدبلوماسية. عموماً، حتى لو تمكّن البشير من تحويل ذلك الرصيد الخرافي إلى ملاذ آخر بجزر البهاما أو جنوب شرق آسيا، فإنه كان قد مر بأحد البنوك الإنجليزية، و تلك حقيقة لا تنتطح حولها عنزان، وهذه لعمرى همبته par excellence.

رابعاً:- هذه الموجة الأريحية التي جعلت البشير يتنازل عن نصيب الشمال فى نفط الجنوب... لا تطمس و لا تموّه الحقيقة البسيطة التي تقول بأن هذا النفط هو ملك الجنوب أصلاً؛ أليست هذه حالة من النصب الشمالي الذي كان يمارسه الجلابة مع الجنوبيين؟ كان الفلاح الجنوبي يأتي للمدينة حاملاً ديكاً يشتريه التاجر الجلابي بريال، ثم يقوم التاجر بنزع ريش الديك و بيعه للفلاحين الجنوبيين بواقع ريال للريشة الواحدة. و هذه النكتة الشائعة في أوساط الشماليين ليست بالضرورة حقيقية، و لكنها بلا ريب تعكس منهجية التعالي و الاستهبال و الاستغلال التي ظلت البرجوازية

الشمالية تتعامل مع الجنوبيين من خلالها، إلى أن جاءت قوى الاستنارة التقدمية التي أرست قواعد العدالة و المساواة فيما يختص بحقوق العمال و الفلاحيين و المهمشين الجنوبيين، و جاء من نفس هذه البوابة الراحل الدكتور جون قرنق بمشروعه المسمّى (السودان الجديد)، سودان ينصف المهمشين في جميع أرجائه، و مبني على أساس المواطنة و ليس الخلفية العرقية أو الدينية؛ و لقد حسب الناس في أول الأمر أن النظام الإسلاموي القابض نفسه قد اقتنع بهذه المفاهيم في آخر الأمر، بدليل جلوسه مع جون قرنق و رهطه لمدة عامين بمشاكوس و نيفاشا بكينيا - 2003/2005 - وتوصل لاتفاقية السلام الشامل التي قضت بأن يتحول السودان إلى دولة مدنية ديمقراطية تعددية، (عبر ما يسمى بعملية التحول الديمقراطي)، و استبشر الجميع خيراً بهذا الحل الوفاقي التاريخي الذي وضع حداً لحرب دامت نصف قرن... ووضع السودان في أول طريق التحول الاجتماعي و التقدم الاقتصادي الجدي. لكن تبيّن فيما بعد أن أخونجية النظام الحاكم فقط يتسربلون بالتقيّة و المكر الجبار، و لم يتنازلوا قيد أنملة عن أيدولوجيتهم الآحادية الإقصائية، تلك الأيدولوجية التي كشف عنها النقاب في الأسابيع الماضية شريط الفيديو الذي ظهر فيه العريف شرطة قدو قدو و زميله العتلّ الزنيم الآخر و القاضي غير العدل أبو كرفتة...يلهبون ظهر فتاة مسكينة بخمسين سوط عنج.. هي عبارة عن خمسين خنجر في قلوب الوطنيين السودانيين، و لو لم يحركوا ساكناً بسبب هذا الشريط فذلك يعني أنهم ليسوا على قيد الحياة، إذ (ما لجرحٍ بميّتٍ إيلامُ) كما قال أبو الطيب المتنبي.

خامساً:-

إن الخسارة الضخمة التي ستقع على كاهل الشمال بسبب انفصال الجنوب و ما سيتبعه من أحداث أخرى كتمزيق أوصال السودان و الحروب الشرسة المتوقعة في المناطق الحدودية، خاصة في أبيي، بدأت آثارها تظهر منذ الآن: فلقد تردّت الأوضاع الاقتصادية لدرجة سحيقة، و ارتفع الدولار مقابل الجنيه بصورة مفاجئة، و أخذ رأس المال في الهروب لخارج البلاد، و توقف الاستثمار الداخلي و القادم من الخارج بانتظار التاسع من يناير و مآلاته، و ارتفعت أسعار السلع ارتفاعاً جنونياً، مع انحسار الوفرة و اختفاء العديد من البنود الأساسية من الأسواق، و تفشت الأمراض الوبائية مع الانهيار التام للخدمات الصحية و تعسر الحصول على الأدوية؛ و بشكل عام يمر شمال السودان بأحلك الظروف التي مرت عليه منذ الاستقلال فى 1/1/1956.

و من الواضح جداً إنعدام أيّ كوّة للضوء أو أي منفذ أو مخرج من هذا القدر؛ و السودان يبدو كشخص حكم عليه بالإعدام و هو ينتظر التنفيذ مصفداً بالحديد و

الجنازير؛ أو كشخص قرر أن ينتحر و تلبسته حالة من الذهول التاتوني لا يستطيع معها أن يحرك يداً أو رجلاً.. حتى ينفذ قرار الانتحار الذي اختمرت فكرته في دماغه و ملكت أقطاره و انعدمت من أفقه أي خيارات أخرى.

لا نقول و الحالة هذه، اللهم خفّف علينا المصيبة التي أصبح لا مفر منها، و لكنا نقول لأهل السودان: بخ.بخ! ماذا دهاكم يا ابناء الرجال الصناديد؟ كيف يبيعكم و يشتريكم إعرابي مطعوم من حوش بانقا؟ إنه رجل واحد، كالخليفة عبدالله و الجنرال عبود و المشير نميري، و قد ذهب جميع هؤلاء، فكيف يستعصي عليكم هذا و هو أقلهم شوكة و شكيمة و أكثرهم لصوصية و جرماً و أضعفهم رهطاً و عدداً؟

بمعنى آخر، فإن المخرج الوحيد من المأزق الحالي بالسودان هو القضاء على نظام البشير و إعلان الدولة المدنية الديمقراطية التي وردت تفاصيلها في اتفاقية نيفاشا المرفودة بإعلان حقوق الإنسان، و هذا التحوّل الدراماتيكي سيأتي عن طريق:-

* انقلاب عسكري خاطف يأتي كتتويج للأنشطة العسكرية التي تقوم بها الحركات الدارفورية و الكردفانية الحاملة للسلاح حالياً بالأجزاء الغربية من الوطن، في تنسيق تام و تعاون و تكامل.

* انتفاضة شعبية في العاصمة القومية و المدن الكبرى (على نسق ما جرى في شندي قبل أيام بسبب الضائقة المعيشية)، و لكنها تستهدف إزالة النظام وتقترب من هدفها شيئاً فشيئاً، و ذلك لما تنضم لها الفئات الأخرى من قوى عاملة و طلبة مدارس و جامعات..الخ، مشفوعة بإضراب سياسي عام، و من ثم انحياز القوات النظامية للشارع كما حدث في أكتوبر 1964 و ابريل 1985.

* هذا، أو الطوفان؛ فبعد شهر واحد سيصبح السودان في خبر كان و سيحلّ به ما حلّ بالصومال، و لكن مبعث الأمل الوحيد هو تاريخ السودان الذي يزخر بالنضال الوطني و الوحدة في لحظات المحنة و الوعي السياسي عميق الجذور. فلربما تشهد الأيام القليلة القادمة نهاية حكم البشير. والسلام.


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1052

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#61562 [عبداللطيف]
0.00/5 (0 صوت)

12-19-2010 05:12 PM
فليعلم الشعب السوداني ان الثمن الذي سيدفعه للاطاحة بهذه العصابة الفاسدة مهما كان هو بالتأكيد أقل بكثير مما سيدفعه بعد التاسع من يناير أذا حث وان انفصل الجنوب واشتعلت الحرب في دارفور.


الفاضل عباس محمد علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة