المقالات
السياسة
سقوط الإسلام السياسي الأخواني
سقوط الإسلام السياسي الأخواني
08-21-2013 09:03 PM

في مقال للكاتب تحت عنوان "صعود الإسلامويين ودلالة التجربة السودانية" نشر قبل حول عام من الآن (الحوار المتمدن-العدد: 3847 – 1192012م), قدم الكاتب, من خلال تحليله لتجربة الأخوان المسلمين في السودان, مخططا يتتبع صعود الإسلام السياسي في نسخته الأخوانية والمسار المتوقع لسقوطه. الفكرة المركزية في ذلك المقال كانت انه: ((لولا هامشية موقع السودان في الذهنية العربية, فان الفشل الكارثي لتجربة حكم الإسلامويين في السودان وما ترتب عليها من تقسيم للبلاد وحروب وكوارث, كان سيشكل بداية لإنحسار تيار الإسلام السياسي إقليميا سواء في وعي النخب او الجماهير الشعبية, مثلما شكلت هزيمة 1967 نهاية المشروع القومي العربي التقليدي. والحال كذلك, فإنه يرجح عدم الإعتداد بهكذا تجربة ما لم يصل الإسلامويون الى السلطة في أحدي البلدان العربية المركزية كمصر, وان يوصلوها الى ما اوصلوا اليه السودان او الى درك أشبه. من ثم يمكن أن تستقر في الوعي الجمعي حقيقة أن الإسلام السياسي هو المشكلة وليس (الحل) كما يزعم مروجوه. وإن الإسلامويين (وهذا هوالأهم) لايمتلكون في الواقع أي برنامح للحكم الرشيد غير أجندة وراثة الدولة الوطنية وتحويلها الي ملكية خاصة بالجماعة ومؤيديها بموجب فقه (التمكين) ومن ثم العمل على البقاء في السلطة بأي ثمن)). المقال اذا اعتبر وصول الإسلامويين للسلطة في مصر وفشلهم المحتوم في الحكم هو السبيل الوحيد الذي سيفضي الى سقوطهم كبديل في الوعي الجمعي. الا ان ما لم يكن يتوقعه كاتب المقال هو ان يحدث ذلك السقوط بعد حوالي سنة واحدة فقط من حكمهم في مصر. وان تتسع دائرة الرفض خلال هذه المدة القياسية لتشمل أكثر من 30 مليون مصري نزلوا الى الميادين والشوارع مطالبين بإنهاء حكم المرشد. فماذا حدث ولماذا. وهل تشكل ثورة 30 يونيو بداية النهاية بالنسبة للإسلام السياسي الأخواني؟
يبدو ان ما عايشته الجماهير خلال سنة واحدة تحت حكم الأخوان من حملة واسعة ومتسرعة هدفت الى الإنفراد بالسلطة وأخونة مؤسسات وأجهزة الدولة,وكذلك فشل الأخوان في إدارة الإقتصاد حيث تصاعدت الأزمات وتدهور الوضع الإقتصادي بصورة غير مسبوقة, وفشلهم السياسي الذي لخصه الإعلان الدستوري الذي حاول الرئيس المعزول مرسي من خلاله تكريس السلطات بيده وجعل قراراته نهائية ومحصنة ضد الرقابة القضائية وكذلك الدستور الإسلاموي الطائفي الذي انفرد الأخوان بصياغته, والإنهيار الأمني وصعود قوى الإرهاب, وإصرار الأخوان على إقصاء كافة القوى السياسية غير الإسلاموية وفشلهم في الوصول الى حد ادنى من التوافق معها, كل ذلك وغيره من تجليات الفشل السياسي جعل القسم الأكبر من الجماهير يستشعر الخطر ويقرر, بعد حوالي سنة واحدة من رئاسة محمد مرسي, تصحيح مسار ثورته وإسقاط حكم الأخوان.
شهد العالم في 30 يونيو 2013م نزول أكثر من 30 مليون مصري للميادين والشوارع مطالبين بإنهاء حكم المرشد, في ما وصف بأنه أكبر حشد في تاريخ الجنس البشري. تدخل الجيش جاء إنحيازا لهذه الإرادة الشعبية. الذين يصفون ما حدث بأنه إنقلاب عسكري يغمضون أعينهم عن رؤية واقع إنتفاضة هذه الملايين وينكرون وجودها. وينكرون أيضا حقيقة ان موقف الجيش في 30 يونيو يتطابق مع موقفه في 25 يناير عندما قرر في المرتين الإنحياز للشارع. 30 يونيوهي اذا ثورة ثانية او إكمال لثورة 25 يناير وتصحح لمسارها. المهم في ما حدث, من وجهة نظر هذا المقال, هو واقع الرفض الشعبي الواسع لبرنامج الأخوان. وغض النظر عن التطورات السياسية التي شهدتها مصر بعد 30 يونيو, وسواء تدخل الجيش المصري او لم يتدخل, فإن ثورة 30 يونيو شكلت ليس فقط هزيمة سياسية وإنما أيضا هزيمة فكرية وسقوطا جماهيريا لمشروع الإسلام السياسي الاخواني. خروج أكثر من 30 مليون مصري مطالبين بإنهاء حكم المرشد يعني في المقام الأول ان ما سماه البعض "بالكتلة الحرجة" وهي الغالبية غير المنتمية حزبيا قد انفصلت عن مشروع الإسلام السياسي الاخواني, وإنحازت لمشروع الدولة المدنية الديمقراطية. هذا السقوط الجماهيري العريض للمشروع الأخواني يؤشر لتحول تاريخي وبداية جديدة في تاريخ مصر والدائرتين العربية والإسلامية بحكم حجم مصر وموقعها ودورها. وبحكم مركزية وأبوية التنظيم الأخواني المصري بالنسبة لبقية حركات الإسلام السياسي إقليميا ودوليا. هذا السقوط يفتح افقا تاريخيا جديدا لمستقبل يتجاوز الإسلام السياسي الأخواني ومشروع الدولة الدينية الطائفية الذي يتضمنه وبالمقابل تكريس وترسيخ أسس الدولة المدنية القائمة على المواطنة والحقوق المتساوية.
هناك تحليلات رائجة تعزو فشل جماعة الأخوان الي سيطرة التيار "القطبي" المتطرف على قيادتها وبالمقابل تهميش "الإصلاحيين". الواقع ان وجود تيار إصلاحي (خصوصا داخل الأخوان المصريين) هو محض خيال. ليس هناك ما يشير الى بروز تيار إصلاحي له اطروحاته ورموزه وسط الأخوان. كذلك كان هناك حديث رائج مع وصول الإسلامويين للسلطة في مصر وتونس وقبل دخولهم في هذه الأزمة عن إحتمالات تبني حركات الإسلام السياسي في المنطقة للنموذج التركي, الذي يقبل العلمانية وفصل الدين عن الدولة, وينفتح على الغرب ثقافيا وإجتماعيا وليس فقط سياسيا. الإعتراض الذي يرد هنا هو ان حظوظ تبنى النموذج التركي عربيا ضعيفة جدا ان لم تكن منعدمة. فالمسحة اللبرالية التي تميز تجربة الإسلامويين الاتراك ليس مصدرها - في تقدير الكاتب - محددات الاسلام السياسي الأخواني ومنطلقاته كايدويولوجيا ثيوقراطية وانما طبيعة وخصوصية التكوين التاريخي والثقافي للمجتمع التركي, كمجتمع شبه أوروبي- صناعي. وطبيعة "الإسلام التركي" ذاته كإسلام تحقق فيه, بالنتيجة, قدر من الإصلاح الديني, خلافا للإسلام الأصولي العربي. ومن ثم فإن مغزى تلك التجربة هو ان درجة الدمقرطة و الإنفتاح الموجودة فيها هي نتيجة وليس سببا لإنفتاح المجتمع. لهذا السبب فإن الإحتمالات الضعيفة جدا لتبني النموذج التركي- ولو في جوانب محدودة- يرجح الكاتب, اذا حدثت, ان تكون من جانب أخوان تونس وليس مصر. وذلك لذات الأسباب بحكم أن المجتمع التونسي- نسبيا- هوالأكثر حداثة وليبرالية مقارنة ببقية الشعوب العربية. وذلك كنتيجة مباشرة لإصلاحات أبورقيبة والتحديث الذي ابتدره في المجتمع, خاصة في مجالي نظام التعليم ومناهجه وتطوير أوضاع وحقوق المرأة التونسية, ومن ثم ضيق فرص قبول و نجاح نموذج أخواني "سوداني", وليس نتيجة لعملية تحول ديمقراطي حدثت داخل عقل إسلامويي تونس. بالمقابل فإن أخوان مصر هم الأكثر شبها (بإخوانهم) السودانين من حيث إنغلاقهم وتطرفهم ولذلك عملوا خلال فترة حكمهم القصيرة على إستنساخ النموذج السوداني مصريا من خلال أستعجال خطوات أخونة الدولة, وكذلك من خلال التعامل مع بقية القوى الوطنية (غير الإسلاموية) ليس كشركاء في الوطن وإنما كأطراف معادلة صفرية يجب التخلص منها, مما قادهم الى هذا المأزق. وفي هذا الخصوص فإن طريقة إدارتهم للدولة خلال سنة حكمهم لمصر ولاحقا طريقة إدارتهم للأزمة بعد عزل مرسي يقدمان خير دليل على هذا التحليل.
الحقيقة الثانية التي لا مهرب منها هي ان الأخوان لا يملكون اي برنامج للحكم سوى أجندة وراثة الدولة الوطنية من خلال برنامج التمكين. ومفهوم التمكين اوسع من مصطلح "الأخونة" الرائج في الكتابات المصرية. وذلك لأن التمكين, (كما في التجربة السودانية التي تشكل مرجعا تطبيقيا للكاتب) يتضمن عملية "الأخونة" وهي العمل على الإستيلاء على كافة مؤسسات الدولة وأجهزتها السياسية والإدارية والقضائية والعسكرية. ومن ثم إخضاعها لتغيرات بنيوية تشمل إبدال وإحلال ليس فقط الكوادر البشرية وإنما أيضا الهياكل والنظم والسياسات. والهدف النهائي هو ان يتم تحويلها من مؤسسات عامة ومهنية الى أفرع حزبية مسيسة وملحقة كلية بالتنظيم الإخواني ((إبتلاع الدولة بواسطة تنظيم الجماعة)). بالإضافة لذلك فإن مفهوم التمكين يتسع ليشمل ايضا التمكين الإقتصادي للجماعة وأعضاءها وذلك من خلال إستخدام السلطة للإستيلاء على نصيب الأسد من الثروة القومية وإستخدام الثروة لتأمين إستدامة البقاء في السلطة, وهكذا تكتمل دورة التمكين. وفقا لهذا المفهوم, فإن فقه التمكين هو في الحقيقة ترجمة سياسية للفقة القطبي الذي افتى في كتاب «معالم فى الطريق» بتكفير الدولة والمجتمع ودعى لهدم هذه الدولة والمجتمع "الجاهليين" وإقامة المجتمع المؤمن ودولة الخلافة الراشدة. الحقيقة التي لا مهرب منها هي ان هذا الفكر القطبي هو الذي يشكل الأجندة الحقيقية للأخوان. وفي هذا الخصوص فإن حقيقة أجندة الأخوان يجب البحث عنها فيما يفعلون (سلوكهم وممارستهم السياسية) وليس فيما يقولون (خطابهم وشعاراتهم الدينية). في هذا الخصوص دخلت الجماعة, خلال مدة حكمها القصيرة, في إشتباك حاد مع كافة مكونات الدولة المصرية وفي وقت واحد (القضاءالجيشالإعلامالشرطة..الخ). بعد نجاح ثورة 25 يناير, لم يصمد الأسلامويون أمام إغراء وبريق السلطة وتراجعوا سريعا عن وعودهم التي قطعوها بعدم خوض الإنتخابات الرئاسية. وبعد ان تحقق لهم فوز مرسي بالرئاسة لم يكتف الاخوان بسيطرتهم على السلطتين التنفيذية و التشريعية وإنما عملوا على إخضاع السلطة الثالثة (القضاء) او بالحد الأدنى إضعافها حتى لاتعود قادرة على القيام بدورها الرقابي في إطار عملية التوازن والرقابة المتبادلة Check and Balance مع السلطتين التشريعية والتنفيذية. وذلك لأنهم خططوا لأن تكون سلطتهم وسيطرتهم مطلقه بما يتوافق مع متطلبات أفق "التمكين". شملت الحملة ضد السلطة القضائية, تشويه سمعة القضاة والتشكيك في حيادهم ونزاهتهم, أقالة النائب العام, تحصين قرارات الرئيس ضد الرقابة القضائية من خلال المرسوم الرئاسي الشهير, محاصرة المحكمة الدستورية..الخ. وما حدث مع القضاء حدث مع الإعلام. وبحكم المعلومات التي تتوفر لأجهزة الأمن المصرية عن نشاطات الجماعة التي يشكل بعضها تهديدا مباشرا لمصالح البلاد العليا ويعرض أمنها للخطر, ولأن الأخوان يدركون إن الجيش المصري هو العقبة الرئيسية التي تقف أمام برنامج التمكين وحلم الدولة الإسلامية, وجد الأخوان انفسهم أيضا في مواجهة دائمة مع الجيش والأجهزة الأمنية. وقد رأينا كيف انتقلت هذه المواجهة , بعد إقالة مرسي, الى طور المواجهة المسلحة المفتوحة, خاصة في سيناء, بمساعدة "أخوانهم" من حركة حماس وغيرهم من الجماعات الجهادية. دلالة حالة الإشتباك والمواجهة الدائمة مع كافة مكونات الدولة المصرية, ولاحقا المواجهة مع الغالبية الساحقة من المجتمع المصري(والتي عبرت عنها أعمال العنف والحرق والإتلاف والإعتصامات والمسيرات المناهضة لعموم حركة الشارع المصري), هي ان برنامج الإسلام السياسي يتضمن نفيا وإلغاءا كليا او جزئيا لمكونات الدولة والمجتمع, بالقدر الذي يجعل الصدام بين الطرفين محتوما. الجماعة تضع نفسها مقابل المجتمع مثلما يتم وضع التنظيم مقابل الدولة. بسبب هذه الأجندة التمكينية, وسواء تعلق الأمر بالتجربة المصرية او السودانية او الفلسطينية او غيرها من تجارب حكم الإخوان, وغض النظر عن علاقات البلاد الخارجية وما قد تكون تواجهه من مخاطر او تحديات على المستوى الإقليمي او الدولي, فإن الأخوان ينقلون المواجهة الرئيسية الى الداخل ومع الداخل. يجعل ذلك اي محاولة لتطبيق برنامج كهذا من خلال آليات النظام الديمقراطي القائمة على ضمان التعددية والفصل بين السلطات وإحترام الرأي الآخر, محكوم عليها بالفشل المحتوم.
خطابات الأخوان وحلفاءهم الإقليمين والدوليين بعد 30 يونيو تعبر عن حالة إنكار تام للواقع وتخلوا تماما من الإشارة لأرادة الجماهير التي تجلت في الملايين التي نزلت الى الميادين والشوارع. وهم يتعاملون وكأن 30يونيو غير موجودة وانها لم تحدث, وكأن الأحداث بدأت بتدخل الجيش, لذا يصرون على وصف ما حدث بأنه محض إنقلاب عسكري. ومن ناحية أخرى يحرص خطاب الأخوان على إظهارهم بمظهر الحريص على حماية ثورة 25 يناير والنظام الديمقراطي. والواقع أن ثورة 25 يناير كانت ثمرة القتها الريح على الأخوان. صعد الإسلامويون الى السلطة بسبب انهم اكبر قوة منظمة وليس لأنهم هم من صنعوا الثورة. على العكس التحق الأخوان بقطار الثورة بعد ان فاتهم بمحطات عديدة. ذلك انه وبينما كانت القوى الثورية في مصر تعمل من أجل إسقاط نظام مبارك, كان سقف مطالب الأخوان هو إصلاح النظام وليس إسقاطه. نفس القوى الشبابية والقوى المدنية الحديثة التي صنعت ثورة 25 ينايرهي ذات القوى التي صنعت ثورة30يونيو 2013 واسقطت حكم الأخوان. بالرغم من خطاب إنكار الواقع, يدرك الأخوان انهم ليسوا في مواجهة فقط مع السلطة كما هو الحال قبل سقوط نظام مبارك, وإنما, بعد 30 يونيو, هم في مواجهة مباشرة مع غالبية الشعب المصري. ومن ثم فإن خسارة الأخوان وعزلتهم الجماهيرية تزداد كلما استمروا في خط المواجهة والتحدي للإرادة الشعبية. والصدام بين مسيرات الأخوان والمواطنين في أحياء القاهرة والأسكندرية وغيرها من المدن, والصور التي بثتها القنوات التلفزيونية لخروج معتصمي مسجد الفتح بالقاهرة تحت حماية الجيش خوفا من بطش الجماهير المحتشدة خير برهان على ذلك. مع هذا واضح ان قيادة الأخوان كانت قد اتخذت قرارا بمواجهة هذه الإرادة الشعبية ومقاومتها. ومثلما ظل الأخوان يصرون على خط الأخونة وإقصاء بقية المكونات السياسية ورفض الوصول معها الى الى تسوية حول قضايا ومهام الإنتقال الديمقراطي الأسياسية وعلى رأسها الدستور قبل 30 يونيو, استمروا على ذات خط المواجهة الصفرية بعد 30 يونيو. رفض الأخوان جميع المبادرات الداخلية والخارجية التي هدفت الى إيجاد طريق وسط للخروج من الأزمة يتضمن إحترام الإرادة الشعبية التي عبرت عنها خارطة الطريق التي طرحها الجيش, وفي ذات الوقت يضمن مشاركة الأخوان كطرف في العملية السياسية. تمترس الأخوان حول خيار أوحد غير واقعي وهو أعادة عقارب الساعة الى الوراء وعودة الرئيس المعزول. راهن الأخوان على نجاح خيار المواجهة من خلال الإعتماد على الإرهاب والعنف والإستقواء بالخارج. والعنف خيار يملك الأخوان مدخلاته بحكم ان قسم كبير من تنظيم الأخوان هو عبارة عن مليشيات مسلحة وبحكم مركزية فقه "الجهاد" ضد "الأعداء" في فكر الأخوان. كذلك وخلال فترة حكمهم إستغل الأخوان حالة التهميش الموجودة في سيناء لعقود عديدة وحالة الإنفلات الأمني الناتج عنه ليجعلوا منها ملاذا آمنا للمجموعات الجهادية والإرهابية بما فيها مليشيات الأخوان, أكثر مما كانت عليه في السابق. وواضح أن الأخوان إستثمروا في وجود هذا المجموعات في سيناء ليتم إستخدامها - من بين حالات أخرى- في مثل هذه الظروف. والغرض من تصعيد العنف بالإضافة الى إرهاب وكسر إرادة الطرف الآخر في المواجهة هو أيضا الرغبة الواضحة لدى قيادة الأخوان في وقوع عدد كبير من القتلى. والغرض الواضح من وقوع مئات القتلى هو إستدعاء التدخل الخارجي وفي ذات الوقت إنتاج وتصدير صورة للجماعة كضحية. كانت حسابات قيادة الأخوان ان الإرهاب والعنف وصور الحرائق والإعتصامات ونشر الفوضى واللاإستقرار و محاولات تعطيل حركة الحياة اليومية داخليا, وضغوط وتدخلات حلفاءهم الإقليمين والدولين قادرة على هزيمة الشارع والجيش مجتمعين وفرض إرادة الأخوان بالقوة. لكن يبدو ان الأخوان قد بالغوا كثيرا في تقديراتهم لحدود التدخل الخارجي ولكروت الضغط التي يملكها حلفاءهم الدوليين والإقليمين.
30 يونيو كشفت عن طبيعة وأبعاد العلاقة بين الأخوان المسلمين والإدارة الإمريكية ورهان كل من الطرفين على الآخر. تحت ضغط الأزمة صدرت دعوات علنية من قبل بعض قيادات الأخوان في مصر وبعض الرموز المرتبطة بالتنظيم الدولي للأخوان المسلمين كالقرضاوي, للتدخل الخارجي (سواء من قبل دول أجنبية او مجموعات جهادية) في مصر لإعادة حكم الأخوان. من جانب آخر مورست ضغوط مكثفة وغير مسبوقة على الحكومة المصرية الموقتة من قبل الإدارة الأمريكية وبعض الحكومات الأوروبية لإجبارها على التراجع عن قراراتها. شمل ذلك وقف تسليم مبيعات أسلحة للجيش, إلغاء مناورات عسكرية مشتركة, التهديد بوقف المعونات لمصر, والتلويح ببعض الإجراءات الأخرى التي قد تشمل صدور قرارات من مجلس الأمن الدولي ضد الحكومة المصرية. هدفت هذه الضغوط الى توفير مخرج آمن للأخوان بما يضمن الحفاظ على الجماعة بركائزها الأساسية وإستمرارها في العملية السياسية, وبعد فض أعتصامي الأخوان في القاهرة تهدف الضغوط الخارجية الى وقف الإجراءات الأمنية المتخذة في مواجهة العنف وتظاهرات الأخوان والى قطع الطريق امام إحتمالات حل الجماعة. وقد بلغت هذه الضغوط الأمريكية والأوروبية الرسمية على الحكومة المصرية الموقتة حد وصفها من قبل الرئاسة المصرية بانها قد تجاوزت كافة الأعراف الدبلوماسية (العربية – 682013م). بالإضافة الى ان هذه الضغوط كشفت عن طبيعة وأبعاد علاقة هذه الأطراف الأجنبية بتنظيم الأخوان, فإنها كشفت أيضا عن عدم إحترامها لإرادة الشعب المصري التي عبر عنها الملايين الذين نزلوا الى الميادين والشوارع في أكبر حشد عرفه التاريخ البشري. هذه الضغوط تعبر ايضا عن عدم إحترام هذه الأطراف الدولية لسيادة القانون المصري باعتبار ان بعض الموقوفين الذي يجرى الضغط لإطلاق سراحهم يواجهون تهما جنائية عادية وليسوا معتقلين سياسين كما وصفهم السناتور الأمريكي جون ماكين. ويتضح ذلك من أن هذه الضغوط على الحكومة المصرية الموقتة لا يترافق معها بالمقابل أي إدانة لمظاهر العنف والإتلاف الجنائي والإحراق للمتلكات الخاصة والمرافق العامة والكنائس الذي تورط فيه الأخوان. المهم فيما يتعلق بصورة الأخوان التي حرصوا على طباعتها في أذهان الجماهير, فإن هذه الوقائع تتناقض كلية مع مفردات خطاب الأخوان الرسمي المتمحور حول أطروحات شيطنة الغرب وعلى بث الكراهية بين الأديان والثقافات الأنسانية وعلى تكرار لازمة المواجهة السرمدية مع الغرب "الإمبريالي الصليبي الكافر". وتتناقض في ذات الوقت, وبشكل خاص, مع الخطاب الأمريكي الرسمي الذي يطرح علنا إستراتيجية الحرب ضد الإرهاب والجماعات الأسلاموية المرتبطة به. من هذا المنظور, 30 يونيو لعبت وستلعب دورا كبيرا في فضح هذا التدليس المزدوج وإسقاطه.
30 يونيو القت الضوء أيضا على أزمة العلاقة بين الأخوان والسعودية ودول الخليج (بإستثناء قطر). هذه الدول احتضنت الأخوان أبان صدامهم مع عبدالناصر في الخمسينات والسيتينات من القرن الماضي والأهم انها كانت, حتى سنوات قريبة, تشكل أهم الممولين والداعمين للأخوان. الأخوان المسلمون وقد اخذتهم نشوة صعودهم السريع على موجة ما عرف بالربيع العربي. وحفزتهم ايضا سياسات وإستراتيجيات بعض "القوى الدولية الفاعلة" المطروحة والتي برزت توجهاتها لإعادة "ترتيب" منطقة الشرق الأوسط وما يتطلبه ذلك من تغيير "لتحالفاتها الإقليمية" في المنطقة. والمؤشرات التي ترشح تنظيمات الأخوان المسلمين وحلفاءهم القطريين والأتراك كلاعبيين رئيسين محتملين في هذا الإطار. برزت قراءات عديدة رأت في التحولات الجارية إقليميا إتجاها لتحالف أمريكي-غربي مع الأخوان في إطار عملية إعادة رسم السياسات والتحالفات في الشرق الأوسط. عزز ذلك إنخراط الأخوان الشامل كطرف في لعبة المحاور الإقليمية والحروب الباردة بين بعض الأطراف المتنافسة حول قيادة المنطقة ولعب أدوار اقليمية رئيسية, وخصوصا الحرب الباردة السعودية القطرية. وفي هذا السياق امتدت اطماع الإسلامويين الى حدود التخطيط للإستيلاء على السلطة في بعض دول الخليج ((كالأمارات العربية المتحدة)). في هذا الصدد فإن 30 يونيو وما تبعها يمكن النظر اليها من هذه الزاوية كضربة قاضية لأي مشروع "شرق أوسط إسلامي أخواني". من جهة أخرى,- في تقدير الكاتب- فإن "نكبة" الأخوان الكبرى هي خسارتهم السعودية ودول الخليج (بإستثناء قطر) وليس فقط خسارة السلطة في مصر. وأن هذا المتغيير المتمثل في تحول السعودية والخليج من داعم وممول للأخوان الى خصم إقليمي لهم سيكون له تأثير كبير على مستقبل الأخوان السياسي, ما لم يتمكنوا من إستعادة علاقاتهم بهذه الدول من خلال إعادة تغيير تحالفاتهم الأقليمية.
مع ان 30 يونيو جاءت لتشكل هزيمة فكرية وسياسية للأخوان المسلمين ومشروعهم, الا ان الأخوان لن يختفوا من الساحة بين عشية وضحاها. فالأخوان تنظيم له عضويته وله أنصاره مهما تناقصوا وسيستمر حتى إذا تم حل الجماعة. ولكنه سيستمر- سواء في مصر او غيرها- كتنظيم مثل سائر التنظيمات السياسية وليس كبديل عنها. الذي سيبدأ في الإختفاء تدريجيا هو عدة أساطير وأوهام كرست عبر عقود من عمر تنظيم الأخوان. ويشمل ذلك اسطورة ان "الإسلام هو الحل" السحري لجميع المشكلات, ووهم "المد الإسلامي", وإن الأخوان هم القوة المهيمنة والبديل الوحيد المطروح أمام الجماهير. قد تتعرض الجماعة لإنشقاقات وقد تغير قيادتها الحالية, بإعتبارها مسؤلة عن هذه الهزيمة. لكن الذي يشك فيه الكاتب هو ان يقود ما حدث الأخوان الى إطلاق عملية نقد ذاتي جذري وشامل يتجاوز أيديولوجيا ان "الإسلام هو الحل" وإدعاء إمتلاك الحقيقة المطلقة, وينفتح على تأويل عصري وتقدمي للأسلام يتصالح مع العلمانية ومفاهيم الدولة المدنية والمواطنة وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرياته الأسياسية. والى تطوير برامج تفصيلية تخاطب قضايا المجتمع والحكم بدل الإعتماد على الشعارات الدينية الفضفاضة. وهو السبيل الوحيد لإعداد التنظيم وتأهيله ليعود كقوة سياسية جماهيرية على المدى البعيد. الذي يرجحه الكاتب هو ان يؤدي ما حدث الى تعزيز سيطرة التيار القطبي المتطرف الذي يقود الجماعة الآن بما يعنية من مزيد من التوغل في الإتجاه المعاكس نحو مزيد من العنف والإرهاب وتبني الفكر الجهادي التكفيري.


ناصف بشير الأمين
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1162

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#749799 [هيثم اشتراكية]
0.00/5 (0 صوت)

08-22-2013 01:56 PM
اولا : جماعات الكهنوت السياسي .. فقط لديهم ايمان اسطوري بإمتلاكهم لبرنامج كامل شامل .. وهم عمليا .. ليس لديهم وهو خارج السلطة .. غير المعارضة الغوغائية .. وان استلموا السلطة .. فمشروعهم الوحيد هو الهيمنة الحزبية على جهاز الدولة العسكري والمدني والاقتصادي .. اى حزبنة الدولة .. فهذا هو معيار النجاح والفشل عندهم .. لذلك وكما هو الحال عندنا ينتشر الجوع والفقر وتنتشر العطالة والرشوة والمحسوبية والاختلاس وتردي جميع الخدمات .. ويستشري الشقاق الاجتماعي الخ ومع ذلك هم يعلنون النصر الذي ليس بعده نصر .. طبقنا شرع الله اقمنا دولة الاسلام .. وعندها سوف يدافعون عن فسادهم واستبدادهم ويقمعون الشعب والمعارضة .. تحت مسمى الحرب على اعداء الاسلام اعداء الشريعة الخ اى الدفاع عن ظلمهم وعدوانهم .. بإسم الدفاع عن الله والرسول .. عن العقيدة والدين .. فهم عن حق تجار دين
ثانيا : برنامجهم وهمي و اسطوري .. وليس له من مجال للتحقق .. الا في السعى للهيمنة الكاملة على الدولة ..
لأنهم حتما عاجزين عن قيادة و تنمية الدولة الوطنية الحديثة .. فالقيادة والبناء تتطلب .. حزب سياسي مؤمن بمبدأ الحرية .. اى حق الانسان في حرية الاختيار في اطار عدم التعدي على حق الغير .. فهذا المبدأ هو مقدمة حتمية لا غنى عنها للإيمان بجميع حقوق الانسان الاخرى ..
فالحرية بمعنى حق الانسان .. فرد جماعة شعب .. في حرية الاختيار .. في كافة المجالات الفكرية والاخلاقية والفنية والتربوية والسياسية والاقتصادية والقانونية الخ لا وجود لها في فكر الاسلاميين .. وانا مدرك لحقيقة انهم تبنوا الحرية .. لكن هذا فقط مجرد شعار واحتيال .. لا غير .. فمعنى الحرية ومآله .. يقود الى حقوق الانسان المعاصرة الى اساسها هو عدم التمييز بين الناس على اساس الفكر او الدين او النوع .. و الشريعة الاسلامية تفعل ذلك ..
وبداهة ان الحقوق المعاصرة هى البديل الانساني المعاصر لجميع الشرائع الدينية بما فيها الشريعة الاسلامية .. و إن وجد من يغالط في ذلك .. فنقول له .. مفهوم الحرية يمكن ان يدخل في وعى المسلمين .. كوسيلة يتجاوزون بها مفارقة الكثير من النصوص الدينية لواقع اليوم .. اى وسيلة لتجاوز وهم الدستور الاسلامي والشريعة الاسلامية والدولة الاسلامية وقبل هذا وبعده لتجاوز وهم سياسية حاكمية اللة ..
لكن ابدا مفهوم الحرية الحالي لا وجود له في النص الاسلامي .. لكن فقط وجود مفهوم الحرية في عقل المسلم ممكن ثم ممكن .. وهو وسيلته الوحيدة للقبول بقيم حقوق الانسان الحديثة .. وسيلته الوحيدة للتوافق اجتماعيا و سياسيا .. مع دولة المواطنة الديمقراطية ..
فعلى انصار الدولة الاسلامية .. ان يجيبوا على الآتي :
1/ أ/ هل يقبلون بمعنى الحرية المذكور اعلاه ؟ ب/ وما هو معنى الحرية عندهم ؟
2/ أ/ اين هو وجود الحرية في النص الديني ؟ ب/ ومتى طبّقت ؟
ثالثا: الحكومة الامريكية ومن معها .. هم في الجوهر مع احزاب الكهنوت السياسي .. لأنهم يعلمون ان جماعات الجهل المقدس و العدواني .. هى خير من يعمل على تخريب و تدمير .. شعوب المنطقة .. وهذا الامر معلوم للبعض من زمن دعم الاسلاميين ضد الشيوعيين .. وهو الآن ظهر بشكل اوضح .. و كلما توسعت و قويت .. الحركة الجماهيرية المعارضة للاسلام السياسي .. ازداد و ضوح دعم حكومة امريكا ومن معها لهم


ناصف بشير الأمين
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة