المقالات
السياسة

08-25-2013 10:13 AM


إنه نموذج للجدل البيزنطي. فما حدث في مصر إنقلابا أم ثورة، و ان الديمقراطية إنتهت بعزل الرئيس المنتخب ديمقراطيا د. محمد مرسي وبين الديمقراطية لم تنتهي بعد ولكن إنحرفت بقرارات مرسي الذي لم يكن ديمقراطيا فوجب عزله و وضع خارطة طريق جديدة لتصحيح المسار.
هذا الجدل سبب حالة من إختلال التوازن العقلي والتفكك الفكري والإستقطاب الحاد والذي إمتد لكيل إتهام كل للآخر كخيانة الوطن والعمالة وغيرها. وعلى المدي البعيد سيزيد المقت والبغض المجتمعي الذي يؤدي في الختام لنشوء مجتمع الكراهية.
فكلا الفريقين يريد ان يوضح عن وجهة نظره المنطقية في السعي لمصلحة الوطن و المحافظة على الديمقراطية. ولم ولن ينجح أحد بهذه الطريقة والجدل الإنفعالي بسبب عدم القوامة بالقسط والشهادة بالحق ولو على النفس والمتحالفين والمؤيدين.

لم يحصر الجميع نفسه للتركيز في مصلحة الناس بحقن دماءهم والمحافظة على إستقرارهم وأمنهم وعلى نسيج المجتمع وتغليب مصلحة الوطن العليا بتعزيز نقاط الإتفاق. فسقط الكثير من الأبرياء ونسي الجميع قضيتهم التي ضاعت وسط كل هذه الدماء.

فهل هذا اللون الأحمر الذي يجب أن يدفعه الجميع ثمنا للديمقراطية ليعيشوا حرية، كرامة، عدالة إجتماعية؟. ما هي نقاط الديمقراطية "المتفق عليها" بين الطرفين لكي يجنبوا الأبرياء هذا المستنقع؟. هل يمكن ان يكون لنا نظاما ديمقراطيا مختلفا ويقينا شر هذا الطريق؟.
ومن قال لك أساسا إن نظام حسني مبارك لم يكن ديمقراطيا؟، فبمفهومه كان ديمقراطيا. فقد إستشهد في ثورة 25 يناير للتحول الديمقراطي 386 شخصا فقط. ولكن أنظر بعدها كم سقط من الناس. فمنذ ذلك الحين وإلى اليوم يسقط الكثير من الأبرياء ويسفك دم الكثير في سبيل الديمقراطية التي لا يتفق الكثير على مفهومها.

الأستاذ عبد العزيز الصاوي في مقاله " مصيرنا المظلم مع اسلاميي السياسة وديموقراطييها" يضع يده على المأساة إذ يقول: (الحقيقة الكبري التي اثبتتها التطورات المصرية الاخيرة هي ان شمس الديموقراطية العربية تزداد كسوفا رغم بزوغ شمس الحرية في ربيعها منذ عامين. إذا كان ( الليبراليون العلمانيون ) يضطرون للجوء الى وسائل متناقضة مع الديموقراطية شكلا وموضوعا لترجيح الكفة ضد الاسلاميين فمعني ذلك أن المنفذ الوحيد للتقدم نحوها وهو تنمية الوعي الديموقراطي بوسائل أخري قد انسد، ولنسمه المنفذ الذاتي نظرا لانعدام المنفذ الموضوعي المزدوج الذي توفر من قبل للنموذج الاوروبي: الاصلاح الديني والطبقة الوسطي. بعد أن ادخل الاسلاميون الدين في السياسة بنجاح مستثمرين ظروفا مصرية وعربية مواتية بنتائج كارثية فيما يتعلق بتلك التنمية، تأتي هذه التطورات لاستكمال عملية التعطيل وترسيخها بأدخال القضاء في السياسة واستعادة الجيش إلى قلبها. هذه خسارة كبيرة يصعب تعويضها فيما يتعلق بتأهيل العقل المصري- العربي والاسلامي بالذات ليكون رافعة للديموقراطية المستدامة المزدهرة في غياب روافعها الموضوعية راهنا)...
ويضيف: (علي أن المهمة الاصعب والاهم كانت ولاتزال استكشاف مختلف الوسائل الممكنة للتركيز علي لب المعضلة وهي تنمية الوعي الديموقراطي. وفي تقدير صاحب هذه المقاله الذي كان قد دعا المعارضة المصرية لنظام مبارك قبل 11 يناير/ كانون ثاني 2011 إلى القبول بخيار توريث جمال بأعتباره الاكثر واقعية وقتها والاقل مرارة من غيره والافضل كتمهيد للانتقال الديموقراطي... في ظل غياب الفهم السليم لأزمة الديمقراطية بأعتبارها راكزة في قلب تجربة تاريخية تنويرية- مقارنة بالتجربة الأوربية- لم يقدر لنا المرور بها، فأن شق طريق الوصول اليها يحتاج إلى تفكير خلاق حتي لانبقي طويلا في أتون الفوضي غير الخلاقة التي يوشك إسلاميو السياسة وديموقراطيو السياسة علي زجنا فيها، اولئك الذين يفصلون بين الأعلام والشعارات التي يرفعونها..) [حريات: 19-08-2013].

لابد من ديمقراطية وإن طال السفر ولكن يتضح لنا أن المشكلة ليست في الديمقراطية بل إنما الوعي الديمقراطي. وربما طول السفر لها أهون من أن تأتي وليس هناك إتفاق في مفهومها البسيط: قبول الآخر وإحترامه مهما كان الإختلاف؛ وعيش حرية، عدالة إجتماعية، كرامة إنسانية.
فالثوابت هي الأهم وما لايفهمه الكثير إن الديمقراطية ليس لها وجه محدد فهي متغير المتغير، وتولد ذاتها بذاتها في شكل تطويري. وكلما تعتقد انك وصلت للديمقراطية، ستجدا أنك متعطش لمزيد من الديمقراطية وهي عدة شعب. فأعلى شعبها وطن يسع الجميع وادناها إحترام الأخر للأخر والصدق/الشفافية شعبة من شعب الديمقراطية.
الغرب وصل إلى هذه الصيغة.

صديق قال لي اننا شعوب ستدفع الكثير لتصل فقط لفهم الثوابت الديمقراطية. لذلك أقترح التغير التدريجي. فقال لي أولا يجب أن لا يتدخل السياسيين في الأجهزة القضائية والمؤسسات الخدمية، أي إستقلالها التام. يصاغ الدستور بواسطة نخبة وطنية من التكنوقراط. الفقرات المختلف عليها في الدستور يصوت عليها. ليس هناك إنتخابات. تحصر الأحزاب في حزبين أو ثلاثة أحزاب بالكثير. كل الأحزاب الصغيرة، الموالية والفكة، يجب أن تتقارب وتنضم تحت جناح من يناسبها من الأحزاب الكبيرة. وبما انه ليس هناك إنتخابات لن تحدث تصدعات خلافية في المجتمع، فكل حزب سيأخذ فرصته في الحكم لمدة 4 سنوات ويأتي الحزب الذي يليه على ان يكون اختيار اول حزب يحكم بالقرعة التي تتم أمام الجميع وتبث في الإعلام. يشترط على جميع الأحزاب أن تعمل مع بعضها لمصلحة البلاد. وبالتأكيد الحزب الذي سيكون في دكة الإنتظار ليس من مصلحته عرقلة الحزب الحاكم وإختلاق المشاكل له. بل سيقوم بالنقد البناء للإصلاح لكي عندما يأتي للحكم لا يواجه بالمشاكل ويواصل قيادة البلاد بالصورة الصحيحة وهكذا...وبهذا يتعود ويتمرن الجميع على التداول السلمي للسلطة والحماية من الفساد السياسي.
قلت له يا أخي ديمقراطتيتك عينة؛ فماذا يمكن أن نسميها؟. وهل تنفع مع الذين يرون أنهم أفضل خلق الله ولهم توكيل من عنده ولهم حق الوصاية على العباد. إنك أسقطت مراهقي السياسة وأطفالها وإزدراءهم وإقصائهم وتكبرهم. فهناك فريق إما أن يكون في الحكم او ترق منهم دماء أو ترق كل الدماء!.
قال لي هذا رأيي، وسميها كما شئت: ديمقراطية جمال مبارك أو ديمقراطية جمال الطين أو جمال فرفور، فالجمال شئ نسبي، ولكن الديمقراطية متغيرة ومرهونة بمفهوم وعي الشعب لثوابتها أولا.

والسؤوال الذي يفرض نفسه الآن، بعد كل هذا السفر المضني كيف لنا في السودان ان نصل ونحقق الديمقراطية من دون دفع أي ثمن أو بأقل تكلفة ممكنة؟.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 755

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




سيف الحق حسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة