إنهم يخطفون المقطف
08-25-2013 04:31 PM



هناك مثل سوداني عتيق يلخص حالة سوء الظن العريض التي تفضي إلى المعاندة والممانعة في تلقي العون والإغاثة ومد يد المساعدة لذوي الكربات والحاجات، بل ووضع المتاريس أمامهم حتى لا يقدموا معوناتهم، والمثل يقول «جو يساعدوه في حفر قبر أبوه دس المحافير»، أي أن الناس قد هرعوا لهذا الذي توفى والده ليساعدوه في حفر القبر الذي يستر فيه الجثمان، إلا أنه للغرابة خبأ عنهم أدوات الحفر، ومما قيل في قصة هذا المثل، أن من دس المحافير إنما فعل ذلك لأن على والده المتوفي دين واجب السداد، وكان لا بد أولاً حل الدين قبل الدفن ولهذا دس عن المشيعين المحافير مخافة أن يسرعوا في دفن والده قبل سداد ما عليه من دين، فهل يا ترى لهؤلاء الذين دسوا المحافير عن الناشطين من الخيرين والمتطوعين لتقديم الاغاثات والمعونات لمنكوبي كارثة الامطار والسيول التي ضربت العاصمة واجزاء أخرى من البلاد، إتاوة من أي نوع يريدون منهم ان يسددوها قبل ان يقدموا معوناتهم، أن يدفعوا مقدماً فاتورة مساعدتهم لهؤلاء المتضررين، سواء أكان هذا الدفع سياسياً أو حتى مادياً..
يقابل هذا المثل السوداني، مثل آخر شعبي عروبي يقول «جو يساعدوه في دفن أبوه خطف المقطف وجرى»، والمقطف لمن لا يعرف هو «القفة»، أو ما شاكلها، وهذا العربي أمره أعجب من مواطننا السوداني، هرب من المشهد كله وترك جثمان والده في العراء مخلفاً وراءه حيرة ودهشة المشيعين الذين حاروا جواباً وتفسيراً لفعلته، أمعتوه هو ومجنون لا يدرك ما يفعل، أم أنه لص إعتاد الخطف ولو كان كفن أبيه، أم ابن عاق لا يهمه إذا دفن أبوه أو أكلته الكلاب، أم هو ابن مزيف نسب إلى أبيه زوراً، ومن يوم هذه الفعلة النكراء صار ما جرى مضرباً للمثل على كل شخص أو جماعة أو بلد تقف حجر عثرة في سبيل من أراد خيرهم، وبالطبع فإن أي خير يجده منكوبو السيول والامطار يعينهم على العودة إلى ممارسة حياتهم الطبيعية الحكومة هي المستفيد الأول منه، ولهذا كان غريباً ومريباً أمرها وهي تعمل بحماس على وضع العراقيل و«الكلتشات» أمام من هبوا طوعاً لمساعدتها على احتواء الآثار والاضرار الفادحة التي خلفتها الكارثة وسأضرب على ذلك مثالين...
المثال الأول الصادم والذي يصدم أول ما يصدم القيم والاعراف السودانية المرعية والمستقرة حول النفير والضرا ونجدة الملهوف وإغاثة المنكوب هو القرار الحكومي الذي قضى بالقضاء على المبادرات الاغاثية الشعبية بما فرضه عليها من اجراءات متعسفة تعصف بالعمل الطوعي الشعبي الاهلي التلقائي والطبيعي الذي عُرف به السودانيون في مثل هذه الحالات الحرجة التي أكثر ما تحتاج اليه هذه الروح الوثابة والاداء الانسيابي السهل والسريع المبرأ من أي غرض غير سرعة انقاذ ما ومن يمكن انقاذه باعجل ما تيسر، خلافاً للاداء الرسمي البيروقراطي السلحفائي الذي يعتبر في حد ذاته كارثة أخرى، فأن تفرض الحكومة على كل المبادرات الشعبية الطوعية أن لا تمارس أي عمل طوعي اغاثي الا بعد الحصول على اذن مسبق من عدة جهات رسمية، وبعد الاذن عليها كل صباح أن تملأ اورنيكاً خاصاً، وبعد ان تملأه عليها ان تملأ خزانة الحكومة بسداد رسوم تستقطع من مال الاغاثة، ماذا يعني كل هذا غير ان الحكومة تريد ان تقضي على هذا الجهد الطوعي النافع على طريقة القط الذي انتهر الفأر وقال له لا تثر علىّ الغبار وهما في عرض البحر، للاسف كان لها ما أرادت فتوقفت جهود معروفة ومشهودة من أبرزها جهد مجموعة نفير...
ومن حكومة البحر الاحمر جاءنا شيئاً عجبا، إذ أفاد مراسل الصحيفة المثابر محمود ود أحمد، أن الحكومة هناك أوقفت الهلال الاحمر السوداني عن ممارسة نشاطه الأصيل في إغاثة وعون المتضررين بحجة أقل ما توصف به أنها العذر الاقبح من الذنب، قال إيه لان عمل الهلال الأحمر يناقض عمل وزارة الشؤون الاجتماعية مع أن الهلال الاحمر ذو باعٍ طويل وتاريخ مديد في هذا العمل قبل أن تنشأ ولاية اسمها البحر الاحمر بعشرات السنين... فلمصلحة من يتم ما يجري إذا كان هو بكل المقاييس ليس في مصلحة المتضررين والمنكوبين؟!...

الصحافة


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1803

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#752716 [غصن الرياض المايد]
0.00/5 (0 صوت)

08-26-2013 03:14 PM
جماعة هي لله جن جنونهم لما راوا الشباب قد شمروا عن السواعد وعقدوا العزم وأخلصوا النيه وتيمموا صوب اهليهم من المنكوبين والغرقى ووقفوا معهم بصدق وسلموهم ما تيسر من الإعانات قكان الدعاء من كلا الطرفين بأن يسدد الله الخطى ويخلف عليهم ويجيرهم في مصيبتهم. وكان قرار آكلي السحت ومال الصدقات والزكوات أن يكون توزيع الإغاثة عن طريقهم وحدهم ليزدادوا غني وثراء على حساب الجوعى من بني وطني و يرقصوا طربا على آهات المنكوبين ويقفزوا فوق أجساد الكادحين.

إن أصحاب الجباه الساجدة والأيادي المتوضأة لا يريدوا لأحد سواهم أن يقوم بالواجب وأن سبقهم فهو عميل وصاحب أجنده.


#752158 [شرقي]
0.00/5 (0 صوت)

08-25-2013 10:04 PM
ما لا تعرفونه عن ايلا كثير والكوارث التي تحدث في شرق السودان خاصة في جنوب طوكر كثيرة لا يعلمها احد وتقصير ابناء المنطقة كان السبب الاكبر في تمادي ايلا وبطانه الفاسدة اما منعه للهلال الاحمر فهذا امر غير مستغرب فمن قبل طرد المنظمات التى كانت تقدم وحدها خدمات صحية في المنطقة بفزاعة التجسس ومن يومها المنطقة تعيش في شح رهيب للغذاء والمياه والدواء ,, منطقة جنوب طوكر يعيش فيها ما يقارب نصف المليون او اكثر ليس فيها عربة اسعاف واحدة!!! ورغم هذا يصفق الكثيرين لهذا الوالي المتاجر بقضية الشرق المنهوب بتواطؤ رهيب من حكومة البلويت


ردود على شرقي
United States [نص] 08-26-2013 02:25 AM
سكان جنوب طوكر حصلو نصف مليون شخص دي طبعا من كرامات الانقاذ وزير داخليتها سكان منطقة جنوب طوكر قبل تعين رئيس الطلبة الاريترين وزير داخلية كانو اقل من تلاتة الف شخص حكومة عجيبة تطرد المنظمات بحجة انها غير مرخصة وغير شرعية وتستقبل اللاجئين وتديهم الجنسيات وكمان تعينهم وزراء


#752061 [كروري]
5.00/5 (1 صوت)

08-25-2013 07:03 PM
مشكور أستاذ حيدر على المقال.

طبعاً أنا ما اندهشت من فعل الحكومة هذا لأنهم يفوقون سوء الظن العريض كما وصفهم الجمهوريون قبل أن يسرقوا السلطة بعشرات السنين.
يعني باختصار أنا لو سمعت غدأ بأن الحكومة السودانية طالبت الحكومة المصرية باعدام الرئيس المعزول مرسي و الله العظيم و كتابه الكريم لن أندهش ولو للحظة واحدة!!!!!


#752020 [yasir abdelwahab]
5.00/5 (1 صوت)

08-25-2013 05:50 PM
المناضل صلاح عووضه...حيدر المكاشفي. الاستاذ فيصل محمد صالح.. المعتصم بالله عثمان شبونه. دكتور .زهير السراج.....
. الحلفاوي الضكر الطاهر ساتي......حتي الكوز التائب عثمان ميرغني...
ما تسطرونه هذه الايام لا يشبه تاريخكم....

عارف اكل العيش. صعب .ومن بيده في الماء ليس كمن بيده في النار..
جريدة..لن يسمحوا لكم بها..
لكن قناة.. الفضاء واسع..
عثمان ميرغني لهط ما يكفيه الي جنا جناه...وبحب الشهرة والكيزان عارفين وابو القدح عارف..
استقطبوه. مش قالو الضرورات...اعملوا قناه..قولوا واكتبوا..وكفاكم جبنا..ولكم في ابناء الراكوبة..خير مثال..
ساتبرع لكم واخرين.. عندما اتاكد من جديتكم


#752019 [وحيد]
1.00/5 (1 صوت)

08-25-2013 05:49 PM
ما حدث من ايقاف و توقيف للمبادرات الانسانية هو عمل طبيعي من حكومة الانقاذ و يتسق تماما مع اخلاق سلاطينها... الانقاذ جاءت ضد المواطن و همها الاول ابتداع كل الوسائل التي تزيد معاناته و تكيل عليه الهموم كل يوم ... تلك سياسة الدولة الرسالية التي نراها كل يوم و في كل مكان و على جميع مستويات الحكم ... اي عمل خيري لغوث المواطن يعتبر عملا ضد سياسات الدولة .... الانقاذ قالت في ايامها الاولى انها لا تمانع ان يفنى ثلثي الشعب السوداني و يعيش ثلث واحد ( غالبا جماعتهم فقط) و منذ ذلك الحين تعمل الانقاذ لتحقيق الموت لثلثي السكان بالحرب و التجويع و القضاء على الخدمات الصحية و الزراعة و الصناعة .... مستشفى جعفر بن عوف كان يقدم خدمات طب الاطفال مجانا و ذلك لا يتفق مع " شريعة" الانقاذ فوجب اغلاقه الى الابد ... نفير و غيرها تنقذ حياة المواطن و ذلك ضد سياسات الدولة لذلك يجب ايقافها ...


#752000 [الغضنفر]
0.00/5 (0 صوت)

08-25-2013 05:24 PM
اقترح عليك و على زملائك يا أستاذ المكاشفي أن توجهوا نقدكم و تفتحوا نيراكم على الشعب السوداني.

لماذا ؟ هذه الطغمة السافلة و أعنى بها المسئولين تعمل من أجل مصلحتها من خلال النهب و القمع و الاعتقالات و تكميم الأفواه و الاغتصاب و القتل و بالتالي توطيد أركان حكمها لأكبر فترة ممكنة. فلماذا تنتقدونها ، أليس النفس أولى من الصاحب ؟؟ أليس للسلطان و الجاه و النساء و القناطير المقنطرة من الذهب و الدولارات طعم الشهد المصفى ؟؟؟

إذا تريدون بنا خيراً ، فقط كيلوا لنا السباب و الشتائم ليل نهار لعلنا نستفيق من سباتنا و ننفض عن كواهلنا الجبن و الخنوع و الخضوع و نخرج إلى الشوارع كما فعلت شعوب الربيع العربي الأشاوس و لا نعود ألى مخابئنا إلاّ و قد دككنا كراسيهم و زلزلنا الأرض تحت أقدامهم.

هيا ، أبدأ أنت و زملاؤك منذ الغد...

شكراً لسعة صدرك


ردود على الغضنفر
United States [عادل] 08-26-2013 10:44 AM
نعم أخي الغضنفر حقا هذا هو الفيل الذي يجب ان يطعن وليس الحكومة فهي ظله ويجب علي الصحفيين ان يطعنوا الفيل وبقسوة كي يهز ذيله ...إذ آن الأوان وهذا إن كان فعلا قد تبقى من الاوان ما قد ينقذ


امال عباس
امال عباس

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة