المقالات
السياسة
مَا الخَيرُ العَام ؟ ...ترجمة لـنعوم شومسكي
مَا الخَيرُ العَام ؟ ...ترجمة لـنعوم شومسكي
11-05-2015 08:37 PM


يعاود شومسكي في هذا النص, الذي يلخص مضمون المحاضرة التي ألقاها في جامعة كولمبيا, 6 ديسمبر 2013, الإشتغال بعُمق على قضايا الإنسان و إشكالات الوجود البشري. فهو يحاول, من خلال طرح التسأول عن ماهية الخير العام, أن يسبر عميقاً كل ما يخلق إحساساً مشتركاً بالرضى و التوازن بين مختلف المجموع البشري المعاصر, أي حقوق البشر الطبيعيَّة و مصالح الناس في كل الأزمنة و الأمكنة, مُقارباً عدة أطروحات نظرية تعالج الحقوق الطبيعيَّة من زوايا و أبعاد مختلفة. و كالعهد به دوماً و أبداً, و بإحتدامهِ الأخلاقي الناصِع, يَلِجُ شومسكي الفكر الليبرالي الغربي المؤسِّس نظرياً لجل هذه القضايا, مُشرَّحاً الإختلالات العميقة التي تَكتنِف التجربة الحيَّة المُعاشة: أي التناقض الكبير بين ما ينشد البشر تحقيقهُ و ما يمارسونهُ و يفعلونهُ على أرض الواقع المُعاش. فالإختلال كامن في الإحساسات و المعايشات من جهة, و بينها و بين تصورات البشري لما يجب أن يكون عليه وجودهُ الحق, من جهةٍ أخرى.إن شومسكي, من خلال هذا الإشتغال العميق, لا يُلامس روح عصره و قضاياه الشائكة و المعقدة فحسب, و لكنه أيضاً يرتاد آفاقاً أرحب و يفتح مساراتٍ جديدة لقضايا الحقوق الإجتماعية و السياسية و الإقتصادية. فليس الخير مقصوداً لذاته و بتمامهِ المُطلق, و إنما ما ينيرهُ من نشدان و تحقق يجسدهما العمل الدؤوب على أن تصون التجربة البشرية المعاصرة الحقوق الطبيعيَّة و العيش الكريم:أي ما يجعل الحياة المعاصرة أكثر إمتلاءاً و أقل خواءاً. أن يتحقَّق الإنسان بوصفه إنساناً فحسب, عبر إحتمال الوجود و معايشته بنيل كل فرد و مجتمع لحقوقه الطبيعيَّة.

النص:

البشر كائناتٌ إجتماعية. أما نمط الكائن الذي يكونهُ شخصٌ ما, فإنه يعتمد بشكل جوهري على الشروط الإجتماعيَّة و الثقافيَّة و المؤسساتيَّة التي تُشكِّل أسلوب حياتهُ. لذا, فإننا نجد أنفسُنا مُنقادين للإنخراط في جُملة من الترتيبات الإجتماعيَّة التي تُفضي بدورها إلى كُلَّ ما يتعلَّق بحقوق البشر و رفاهيتهم, أو تلك التي ترتبط بُكلَّ ما يصبو إليهِ نُشدانهُم من تطلُعات و مطامح ـ بتعبيرٍ آخر, الخيرُ العام. و لتحديد منظور الرؤية, فإنني أطمحُ إلى النفاذ إلى ما يبدو أنهُ يُمثَّل بالنسبة لي حقائق بدهية, أي تلك التي ترتبط بفئة هامة من المبادئ الأخلاقية, و التي لا تكون ذات طابع عالمي فحسب, و إنما أيضاً تستمد عالميتها بشكل مُضاعف, وذلك عندما نختبرها عملياً و نرفضها في آنٍ واحد. إذ تبدأ هذه الحقائق في الإنبثاق و التسلسُّل من مبادئ عامة جداً, كتلك التي تتمثَّل في أنهُ ينبغي أن نطُبِّق على أنفسنا ذات المعايير التي نطبقها على الآخرين ( إن لم يكُن على نحوٍ أكثر قسوةً ), إلى مذاهب أكثر خصوصية و دقة, كتلك التي تختَّص بالعمل على الإرتقاء بالديمقراطية و حقوق الإنسان, على الرغم من الزعم على عالمية هذه القضايا, حتى مِن قبل مَن هُم أكثر وحشيَّة و قسوة ـ و ذلك على الرغم من وجود سجل واقعي مروَّع و مُعتَم.
إنَّ أفضل نُقطة للإنطلاق تبدأ من العمل الكلاسيكي لجون ستيوارت مل " مقال في الحُريَّة ". إذ يصيغُ, في إقتباسٍ تأسيسي, الآتي: " إنَّ الأساس الجوهري, المبدأ المُرشِد, و الذي يتكشَّف حيالهِ كُلِّ جدالٍ مبثوث في ثنايا هذه الصفحات, يتمحور بشكل أساسي حول: الأهمية الجوهريَّة و المُطلقة للتطور الإنساني في سياق تنوَّعهٌ الأكثر خصوبةً و ثراءاً ". إنَّ هذه الكلمات المُقتبسة من فيلهلم فون همبولت, مؤسس الليبرالية الكلاسيكية, تحيل, في سياقٍ من التقصي, إلى أن المؤسسات التي تعمل على تقيَّيد هذا التطور تفتقر إلى أي مشروعية, ما لم تُبدي بطريقةٍ ما القُدرة على صوغ مسوغات حيال ذلك.
إنَّ إنشغالنا بالخير العام ينبغي أن يحثنا على إيجاد سُبل ما مِن شأنها أن تُسهِم في بذر كُل ما قد يُمكَّن التطور الإنساني من بلوغ تنوَّعهُ الأكثر خصوبةً و ثراءاً.
و بالمثل, نجد أن آدم إسميث, أحد مُفكري عصر التنوير, و الذي يُشاطِر نظرائهِ الرؤية نسبياً, يَشعُر أنهُ لا ينبغي أن تكون هنالك صعوباتٍ بالغة التعقيد تحول دون التأسيس لسياسات تتمحور حول الطبيعة الجوهرية للإنسان. فمن خلال " نظرية الشعور الأخلاقي " لاحظ إسميث " إلى أي حد يمكن إفتراض كم يكون الإنسان أنانياً.إذ تُبرهن بعض النزوعات في طبيعتهُ على ذلك, بحيث تحثُّه على البحث عن تحقيق مصلحتهُ من ثروة الآخرين, و نزوعهُ إلى إنتزاع كُل ما يكون مصدر سعادة للآخرين من أجل سعادتهُ هو, على الرغم من أنهُ لا يستطيع الحصول على أيِّ شيء منها غير التمتُّع بالنظر إلى النعيم الذي تَغَدقهُ هذه الثروة على من يحوزونها و يملكونها". و يشدَّد إسميث على تلك القوة المُتأصلة التي تفرض سُلطتها, و التي يُطلِق عليها " السلوك القذر لسادة الجنس البشري " ـــ " الكل من أجلنا, و لا شيء من أجل الآخرين ". لكن ربما, بحسب إسميث أيضاً, تُخفِّف " النزوعات الخيِّرة و الرحيمة المُتأصلة في الطبيعة البشرية " من غلواء هذه الداء العِضال.
و على الرغم من غرق الليبرالية الكلاسيكية في مياه الرأسمالية الآسنة, إلاَّ أن ما أبدتهُ من حس إنسانوي لم يمُت بعد. إذ نجد أن رودلف روكر, المُفكَّر و الناشط الفوضوي من القرن العشرين,قد أخذ بمعالجة أفكار شبيهة بتلك التي محضها إسميث البحث و التقَّصي. إذ يصف روكر ما يُسميه ب " سيادة إتجاه في التطور التاريخي للكائن البشري " يُكافح من أجل " تحرير و إطلاق كُل القوى الفردية و الإجتماعية في الحياة ". و قد كان روكر مأخوذاً بتقليد فوضوي بلغ ذروتهُ في الإتجاه العُمالي الثوري ـ و بمصطلحات أوربية, نموذج مُتنوَّع من " الإشتراكية الليبرالية ". إلاَّ أن هذه النموذج المُشتق من الإشتراكية, و كما يُشدَّد روكر, لا يرسُم ملامح و أبعاد " نظام إشتراكي ممركَّز و مُغلق ذاتياً ", بحيث يمنح إجابة شافية لكل الأسئلة و المشكلات التي تطرحها الحياة البشرية, و لكنهُ لا يعدو عن كونهُ إتجاه في التطور الإنساني يُكافح و يعمل من أجل تحقيق ما تعمل على تثويرهُ التصورات و الأفكار التنويريَّة.
و لكي يكون مفهوماً, و فضاً لأي إلتباس, فإن الفوضوية تُعد جُزءاً من سلسلة واسعة و متعددة الأطياف من الفكر الإشتراكي الليبرالي, و ما يرتبط به من تجارب و ممارسات, كتلك التي تشمل الإنجازات التي حققتها الثورة الإسبانية ( 1936 ), و التي بلغت الأبعد من خلال المشروعات المملوكة للعمال و التي تنتشر اليوم في الحزام الريفي الأمريكي, في شمال مكسيكو, و في مصر, و العديد من البلدان الأخرى, إلاَّ أن ثُقل هذه المشروعات العمالية الصغيرة تتركَّز في إقليم الباسك في إسبانيا, كما أثمر هذا الإتجاه عن توليد العديد من الحركات التعاونية في العالم, إضافةً إلى تغذية أحد أكثر روافد الحركة النسوية إيجابية, فضلاً عن مبادرات العمل المدني و حقوق الإنسان.
إنَّ النزعة الأكثر توسَّعاً و شمولية في سياقات التطور الإنساني تبحث عن تحديد طبيعة بُنى التراتبية و السلطة و السيطرة, و التي تعمل بدورها على تقييد التطور الإنساني, و من ثم إخضاع هذه البُنى لتحديات العقلنة الذاتية: أي أن تُحاكم نفسك على نحو يبرهن على سلامة المسوغات. أما إذا لم تكُن هذه البُنى قادرة على تلبية تطلُعات هذا التحدي، فإنهُ ينبغي أن يتم تعريتها و تفكيكها, و طبقاً لما يعتقدهُ الفوضويون, " تجديدها جذرياً من أسفل ", كما لاحظ ذلك مُعلق مثل ناثان شنايدر.
جزئياً، تبدو هذه الأصوات كما لو أنها تُجسَّد حقيقةٌ بديهية: لماذا يدافع كل شخص عن البنى و المؤسسات غير الشرعية ؟. لكن هذه الحقائق البدهية تحمِلُ على الأقل حيادية كونها حقيقة تعمل على تمييِّز هذه المؤسسات و البُنى عن نموذج جيد للخطاب السياسي. و أعتقد أن هذه الحقائق تُعدُ مفيدة بوصفها حجر الزاوية الذي ينهض عليه إيجاد الخير العام.
و بالنسبة لروكر, " فإن المشكلة التي تلح على عصرنا تتمثَّل في تحرير الإنسان من لعنة الإنفجار الإقتصادي و من العبودية الإجتماعية و السياسية ". و ينبغي أن نلاحظ أن النموذج الليبرالي الأمريكي يختلف إختلافاً كبيراً عن التقليد الليبرالي الكلاسيكي, من خلال قبول الدفاع عن العمال و مناصرتهُم في وجه طغيان ملاّك الأعمال و الإقتصاد, و أيضاً حماية أي شخص من قيود الأسواق و خصائصها التدميرية. و بكلمات روكر, يبدو من الشائع إعتبار أن الفوضوية تنُاهِض الدولة, عندما تُناصر " أي نموذج إداري يعمل على التخطيط لإدارة الأشياء من أجل مصلحة الجميع؛ كما يكمن وراء ذلك حلقة واسعة من فيدراليَّات المجتمعات ذات الحكم الذاتي و مواقع العمل. و اليوم, نجد أن الفوضويون يعملون على تكريس هذه الأهداف لتدعم بشكل دائم سلطة الدولة لصالح حماية الناس و المجتمع و كوكب الأرض نفسهُ من كل أشكال الخراب التي يعيثها رأس المال الخاص الممُركَّز. إذ لا يوجد في ذلك تناقض. فالبشر يكابدون العيش و يعانون في وجودهم الإجتماعي الحالي. إن الوسائل الموجودة حالياً يجب أن يتم إستخدامها لحماية و فائدة الجميع, حتى لو كان هدفاً طويل الأمد يعمل على بناء خيارات بديلة.
و في البرازيل, نجدهمُ في أوساط حركة العمال الزراعيين " يتحدثون عن توسيع نطاق و أرضية القفص " ـ قفص مؤسسات الدولة السلطوية و التي يمكن أن يتم توسيعها من خلال الكفاح الجماهيري المُشترك ـ كما حدث ذلك بشكل حيوي و فعال على مر العديد من السنوات. و بوسعنا أن نوسَّع أبعاد الصورة للتفكير في قفص مؤسسات الدولة السلطوية لحمايتها من الوحوش البربريون الذي يجولون في الخارج: النهابون, المؤسسات الرأسمالية المدعومة من قبل الدولة والتي يتم تكريسها من حيث المبدأ لتحقيق أرباح خاصة, إضافة إلى فرض سلطتها و سيطرتها على غمار الناس و تهميش مصالحهم, على الرغم من تنميقات الخطاب الرسمي بتبجيل هذه المصالح لكن على مستوى الممارسة و المبادئ و حتى القانون يحدث فصل مؤثر و فعال .
معظم العمل الجدير بالإهتمام في الأوساط الأكاديمية لحقل العلوم السياسية يمكن أن يُقارن بالمواقف العامة و السياسات الحكومية. من خلال أطروحته البحثية " الإزدهار و التأثير: اللامساوة الإقتصادية و السلطة السياسية في أمريكا ", يكشف الباحث بجامعة برنستون, مارتن جيلنز, أن غالبية سكان أمريكا محرومين بشكل مؤثر من حقوقهم الشرعية. فحوالي ( 70% ) من السكان, من يعيشون على الحد الأدنى من منحنى الثروة/الدخل القومي, ليس لهم تأثير فعال على السياسات العليا للدولة, طبقاً لما توَّصل إليه جيلنز. و بالصعود إلى أعلى المنحنى, فإن هنالك زيادة بطيئة في حجم التأثير. ففي أقصى الحد الأعلى من المنحنى نجد هولاء الجذابون المترفون الذي يلقون بتأثيرهم على السياسة, بوسائل معروفة. ليكون النظام الناتج بلوتوقراطياً و ليس ديمقراطياً. أو ربما, بشكل ألطف قليلاً, و كما يطلق عليه الباحث القانوني كونور جيرتي, " الديمقراطية الجديدة ", شريك آخر لليبرالية الجديدة – النظام الذي من خلاله يستمتع فيه القلة بالحرية, إضافة إلى توفر الإحساس العالي بالأمن الذي يستشعره الصفوة فحسب, و لكن في خضم نظام تكون فيه الحقوق العامة أكثر شكلية. و بالمقارنة, و كما يكتب روكر, فإن النظام الديمقراطي الحقيقي من المتوقع أن يعمل على إنجاز خاصية " خلق إتحاد بين مجموعات حرة من الرجال و النساء على أساس العمل المشترك و التخطيط الإداري للإشياء من أجل مصلحة المجتمع ".
ما مِن أحد أخذ الفيلسوف الأمريكي جون ديوي بوصفه فوضوياً, على الرغم من آخذ أفكارهُ بعين الإعتبار. فهو يرى أن:" السلطة اليوم تَكمُنُ في السيطرة على وسائل الإنتاج, المؤسسات المالية, النشر العام, النقل و المواصلات. أيٌ من يملك هذه الوسائل, بوسعهِ أن يحكُم الحياة في بلده ", حتى لو كانت الديمقراطية بأشكالها هي السائدة. و حتى تبقى هذه المؤسسات في أيدي العامة, فإن السياسات ستظل تلقي " بظلالها على المجتمع من خلال الأعمال التجارية الكبرى" كما هو مرئي و ملحوظ اليوم. هذه الأفكار تقود بشكلٍ طبيعي إلى إجتراح رؤية للمجتمع تتأسس على سيطرة العمال على المؤسسات المنتجة, كما تم إستبصار ذلك من خلال رؤى مفكري القرن العشرين, أبرزهم كارل ماركس – و على نحوٍ أقل – جون إستيوارت مل. فقد كتب مل: " إن شكل التكوين الإجتماعي, مع ذلك, إذا ما عمل الكائن البشري دوماً على تطويره, ينبغي أن يتم توقعهُ بوصفه الشكل السائد, على أساس أن تنهض هذه الرابطة الإجتماعية للعمال أنفسهم على شروط المساوة, الملكية الجماعية لرأس المال من خلال الإنخراط في أعمالهم, و العمل تحت إدارة مديرين منتخبين يستبدلون أنفسهم تلقائياً".
إن الأباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية كانوا مدركين لمخاطر الديمقراطية. فمن خلال نقاشاتهم و مجادلاتهم حول وثيقة الدستور, الصيغة الأساسية, حذر جيمس ماديسون من هذه المخاطر. و من الطبيعي أن يتم أخذ إنجلترا كنموذج. فقد لاحظ ماديسون " في إنجلترا اليوم, إذا ما تم منح كل طبقات المجتمع حق الإنتخاب و الإقتراع, فإن ملكية ملاك الأراضي من الممكن أن تكون غير آمنة. إذ أن قانون الإصلاح الزراعي سرعان ما يأخذ مجراه, مما يضعف و يقيد حق الملكية ". إن المشكلة الجوهرية, التي يُلامسها ماديسون مُستبصِّراً, تتمثل في أن " تشكيل نظام ننشد أن يدوم لعصور " كان ينبغي أن يتأسس على حكام حقيقيين من أقلية غنية, و ذلك لتأمين حقوق الملكية. إن الخطورة التي تنجم عن المساوة و حق الإقتراع للجميع, تخويل مُطلق السلطة على الملكية التي تكون بحوزة من يملكونها بدون المساهمة فيها ". إن البحاثة يتفقون بشكل عام مع تقييم الباحث جوردون وود، من جامعة برنستون, الذي يرى أن " الدستور كان بشكل جوهرى وثيقة أرستقراطية صممت لفحص النزوعات الديمقراطية لتلك الفترة ". و قبل ماديسون, بزمنٍ بعيد, نجد أن أرسطو, في كتابه " السياسة", عالج نفس المشكلة مع الديمقراطية’ فمن خلال مراجعته و تقييمه لعدد متنوع من النظم السياسية, توصل أرسطو إلى أن النظام الأفضل, أو ربما على الأقل أفضل النظم السيئة, هو الذي يأخذ شكل الحكومة. و لكنه يُشرِّح الخلل: إن الغالبية العظمى من الفقراء يمكن أن يستخدموا سلطتهم التصويتية لإنتزاع ما يملكه الأغنياء, و هو ما يكون غير عادلاً. إن ماديسون و أرسطو توصلا إلى حلول متناقضة: فأرسطو, من جانبه, ينصح بتقليل فوارق اللامساوة, بحيث من الممكن التوصل إلى كل ما يتعلق بخلق إجراءات دولة الرفاه. بينما نجد أن ماديسون، من جانبه, توصل إلى التقليل من سطوة الديمقراطية. و في سنواته الأخيرة, نجد أن توماس جِفرسون, الرجل الذي صاغ إعلان إستقلال الولايات المتحدة الأمريكية, كان قد قبض جوهر طبيعة الصراع, و الذي كان بعيداً عن نهايته. و لقد كان جِفرسون أكثر إنشغالاً بقضايا حيوية حول المساوة و مصير التجربة الديمقراطية. فقد كان يميز بين " الأرستقراطيين و الديمقراطيين ". فهولاء الأرستقراطيون " هم من يخافون ولا يثقون في الشعب, و الذين إنتزعوا منه القوة و السلطة ووضعوها في زمام و تحت مقاليد الطبقات العليا ". و بالمقارنة, نجد أن الديمقراطيين " يتماهون مع الشعب و يثقون فيه, إذ يرون أن معظمه ينزع إلى النزاهة و السلامة, و ذلك على الرغم من أن هولاء الأرستقراطيون لا يضعون معظم حكمتهم في متناول المصلحة العامة ". و اليوم, نجد أن الناجحين من "أرستقراطيو" جفرسون " من المحتمل أنهم ينخرطون في النقاش حول الدور القيادي الذي ينبغي أن يلعبوه: التكنوقراط, المثقفين الموجهين سياسياً, أو المصرفيين و التنفيذيين.
إنها من الوصايا السياسية تلك التي تتمثَّل في بحث التقليد الليبرالي الأصيل وهو يتفكك و ينبني جذرياً من أسفل, بينما الصناعة تتغيير, كما يشير إلى ذلك ديوي, " من النظام الإقطاعي إلى نظام إجتماعي ديمقراطي ", بحيث ينهض تحت إدارة العمال, مع إحترام كرامة المنتج كشخص أصيل في العمل, و ليس كأداة في أيدي آخرين.
و كخُلد كارل ماركس القديم -" صديقنا القديم, خُلدنا القديم, من يعرف جيداً كيف يعمل تحت الأرض, لينبثق فجأةً " – فإن التقليد الليبرالي يحفرُ دوماً مقترباً من السطح, و دوماً ما يكون مهيئاً لينبجس, أحياناً بطرقٍ خاطفة و غير متوقعة, باحثاً عن أن يحقق حول ما يبدو بالنسبة لى تجربة منطقية حول الخير العام.

[email protected]




تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1381

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ترجمة و تقديم: معز الزين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة