المقالات
السياسة

08-26-2013 09:45 AM



30 يونيو المصرى سيحدث تغييرات ضخمة ليس على الخارطة المصرية الداخلية فحسب ، بل ان المؤشرات تتجه الى تغيير يمتد خارج مصرالى المنطقة العربية و الى تخوم الاقليم ، ان الذى حدث بعد عزل الرئيس المصرى د. محمد مرسى و المواجهة و الضغوط التى تعرض لها حزب التحرير و العدالة و جماعة الاخوان المسلمين و التى دفعت بالجماعة لتكون فى مواجهة مع الاكثرية الساحقة من المصريين و تصاعد نبرة المنادين باقصاء الجماعة من الحياة الساسية المصرية و اى جماعة اخرى تتخذ من الدعوة الدينية غطاءآ لتمرير الاجندة السياسية و القفز الى سدة الحكم و بالعدم ارهابه و محاربته وتهديد السلام الاجتماعى الداخلى و تقسيم المواطنين الى مسلمين وكافرين، كل هذا وتداعياته ستترك أثارها على الوضع الداخلى المصرى لسنوات عديدة و تمتد نتائجها الى مناطق امتيازات الاسلام السياسى و على الاخص جماعة الاخوان المسلمين و التنظيم الدولى للجماعة ، فمن ناحية فأن المرحلة الدموية التى دشنها الاخوان بعد عزل مرسى فى رابعة و النهضة والتى أستهدفت كل شئ ، المواطنين والشرطة والجيش والكنائس ومؤسسات الدولة ، هذه الحملة المخططة من العنف لم تستثنى أحدا ولم تبقى شيئا ، تخسر الجماعة للمرة الرابعة ولاتتعظ وتعميها شهوة السلطة من ادراك أن مصر دولة متعددة تاريخيا ، وحتى فى ظل الحكم الشمولى أستطاع المصريين خلق مناخات للتنوع الثقافى وبالرغم من كل الظروف أستطاعت الحركة الفنية والمسرحية الابقاء على وتيرة معقولة من التواصل مع الجمهور وأستمرت حركة التنوير بثبات مع الوضع فى الاعتبار أزدياد نفوذ الجماعات الدينية والسلفية مستغلة الفقر و احتياجات البسطاء من المواطنين المصريين ،
الجديد فى أمر التغير المصرى هو أنفتاحه خارجيا ، متطلعا الى استعادة دور مصر " الريادى " فى المنطقة وتبنى رؤية أستراتيجية تربط أستقرار الاوضاع الداخلية فى مصر باستقرار الاقليم العربى ، مع ادراك كامل لما يعترى الاقليم من ضعف وما يواجهه من تهديدات ، هذه صحوة مصرية بعد سنوات من الانكفاء على الذات والتخلى طواعية أو بضغوط أمريكية وغربية عن الاهتمام بالشأن العربى ... إن مايحدث فى مصر بعد عزل مرسى يرسل أشارات تتمرد على الاوضاع التى كانت سائدة ورغبة اكيدة فى التحرر من قيود المساعدات الامريكية و الاروبية ، 30 يونيو قلب الطاولة على مشروع الشرق الاوسط الجديد ،و يمهد الطريق الاستعداد لتولى زمام المبادرة فيما يختص بالتوسع والتغلغل الايرانى والتركى وتدخلهما السافر فى شئون الدول العربية ،يظهر ذلك فى عزم السلطة المصرية الجديدة فى التصدى لمحاولات توطين المتشردين فى سيناء ،ان اهم نتائج التغييرحتى الان تتعدى أسقاط مشروع " أمريكا – الأخوان " بهدف تمكين " الاسلام المعتدل"فى الحكم فى كل الشمال الافريقى كمرحلة أولى لعودة الخلافة بزعامة الخديوية الجديدة (تركية - مصرية ، تتعدى ذلك لاعادة ترتيب البيت العربى بهدف التصدى ومواجهة تكتل الاصطفاف الشيعى الذى تقوده ايران ويضم العراق وسوريا ولبنان وأجزاء من الخليج ، و يمكن من اجهاض محاولات حثيثة لخلق قطبين اسلامين بقيادات شيعية من جهة واخرى سنية تتحالف مع امريكا لضرب اى امكانية للوحدة العربية و شغل المنطقة فى حروب طائفية على نطاق واسع ، تمتد حيرة المراقبين والمحللين من الموقف الامريكى مما يحدث فى المنطقة ، الامريكان ودون مقدمات أكتشفوا ان ماتفعله الحكومات العربية لايتفق مع المعايير الامريكية وكأن هذه الحكومات قد استلمت مقاليد للحكم قبل سنوات قليلة أو أن المعايير الامريكية هى فى طور التكوين ، المعايير الامريكية تصطف مع الشيعة فى العراق و البحرين و لكنها ضد الشيعة فى ايران و سوريا و لبنان ، المعايير الاخلاقية الامريكية مع حكم الاخوان فى مصرو ( بين بين فى تونس و ليبيا ) و ضد حكمهم فى السودان ، متى يعلم من بيدهم الامر ان الامريكان مع مصالحهم فقط و لا يضعون بالآ للعناوين التى تحكم فى بلادنا ، ان الامل يأتى هذه المرة من مصر ، على مستوى السلطة المؤقتة تصريحات تحمل اكثر من رسالة مفادها ان (مصير مصر يتحدد داخل مصر ، ايران وتركيا لن تقودا المنطقة العربية ، مصر عائدة لممارسة دورها القومى ) ، هكذا قالت الرئاسة المصرية وبلسان الناطق باسم الرئيس عدلى منصوريقول بعد أجتماع مع الاستاذ سامح عاشور رئيس الحزب الناصرى فى مصر ونقيب المحامين المصريين ورئيس اتحاد المحامين العرب ، و لهذا دلالات عظيمة و التزامات كبيرة و تحديات تستلزم اصطفاف القومين على كل المستويات، غنى عن القول أن صيغ العمل القومى السابقة أثبتت فشلها سوى كان ذلك على مستوى الاحزاب والتيارات القومية من بعثية وناصرية أو على صعيد الجامعة العربية وعليه لابد من اجراء المراجعات الضرورية لتحرير العمل القومى من هيمنة الدولة وسطوة الانظمة، ان التحديات التى تواجه الامة كافية لوحدها للتحريض على لم شمل الامة استهداءآ بالمشروع القومى فى التوحد بالتراضى و على اساس التحرر من كل القيود بارساء قيم التسامح و الديمقراطية و سيادة حكم القانون ،، ليس من الممكن تصور اى جدوى لمشروع عربى من دون ان تكون مصر هى مركزه و قلبه ، فيا ايها الذين يؤمنون بالقومية و حلمها المشروع تضامنوا مع مصر، وهذا بمثابة دعوة للجميع ،،



تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 931

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#752699 [imadeldin]
5.00/5 (1 صوت)

08-26-2013 01:53 PM
السلام عليكم
يا راجل ديمقراطية شنو؟ هو انت فاكر السيسى حا يترك مدنى يصل الى رئاسة الجمهوريه؟ إذا فرضنا جدلا ان هذا حدث فأول ما يفعله الرئيس الجديد هو عزل السيسى لانه خائن ويخاف ان ينقلب عليه كما فعل بمرسى. لذلك لن يترك السيسى هذا الدور الريادى الذى وجده واعانه عليه العلمانيين وسترى قريبا بعد ان ينتهى من الاسلاميين سوف يأتى دور العلمانيين ليقول لهم شكرا لكم انتهت مهمتكم, وكل من يحاول ان يعارض سيجد مصير الاسلاميين. وقعوا فى نفس الخطأ الذى وقع فيه حزب الترابى بعد انقلاب 88. لا يمكن ان ينقلب احد على الديمقراطيه ليحقق الديمقراطيه. العلمانيين جن جنونهم بعد الدستور الاسلامى الذى وافق عليه 64% من الشعب المصرى لذلك كان لابد لهم ان يتحالفوا حتى لو مع الشيطان ليسقطوا هذا الدستور, فى حين ان هذا الدستور كان فى مصلحتهم لو جرت انتخابات, لان الناس سوف يختارون مرشحيهم على اساس الكفاءه والخبره, لان موضوع الشريعه قد حسمه الدستور, ولن يستطيع اى داعيه ان يقول للناس انتخبوا فلان لانه يدعوا الى الشريعه ولا تنتخبوا فلان لانه علمانى كما حدث فى الانتخابات الى مضت, ولكنهم بغبائهم اضاعوا الفرصه. فالينتظروا تانى 30 سنه الى ان يقنع السيسى منها.


#752531 [بريش منصور]
0.00/5 (0 صوت)

08-26-2013 10:47 AM
أولاً: مقدمة
قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 138)، في هذا البيان- بحول الله وقوته- رد علمي موضوعي على كل من (خطيب الحرم المكي وإمامه، وكذا شاغل منصب الإفتاء في مصر سابقًا، وأزهري يُدعى سالم عبد الجليل، وعمرو خالد، وغيرهم ممن يرون رأيهم)، راجيًا من الله تعالى القبول.


ثانيًا: تهيئة وتوطئة


من خلال مقطع "يوتيوب" لوازرة الدفاع المصرية، ولا سيما إدارة الشئون المعنوية، ظهر فيه صور شخصية، لكل من (سالم عبد الجليل) وقد ظهر بزي أزهري، بينما الصورة الأخرى لــ (عمرو خالد) وقد انبرى وافترى الأول على المعتصمين- في رابعة والنهضة وسائر مدن ومحافظات أرض الكنانة بأنهم بغاة- وأوجب على الدولة استخدام السلاح ضدهم للقضاء عليهم، وشايعه في ذلك قرينه في هذا المقطع، في استخدام العنف ضد الفكر، وقوة السلاح في مواجهة الرأي تعزيزًا وتأكيدًا حتى يتوهم الجنود عند سماعهم لهذا المقطع أنهم في عمل بريء في سفك الدماء المحرمة، وإزهاق الأرواح البريئة، وهكذا تحريفًا وتزييفًا لعقيدة الجيش المصري، وتحويل معاركه بعيدًا عن العدو الحقيقي الفعلي للأمة، وانحرافًا لمسار خط سير الجيش، بل تجرَّأ الأول- الأزهري- على تجريد هؤلاء المتظاهرين والمعتصمين من مصريتهم، وأنهم ليسوا على دين ولا منطق ولا عقل فيما خرجوا فيه ويطالبون به، وأفصح عن أن مهمة الجيش المحافظة على الأرض والعرض والدم والمال، ويبدو أن المعتصمين في رابعة والنهضة، والمتظاهرين في سائر ميادين مصر ليسوا مصريين بناءً على مقدمة كلامه في تجريدهم من مصريتهم ولذا أحلَّ للجيش سفك دمائهم وانتهاك حرماتهم، وفي صدر كلامه أنكر نكسة الثلاثين من يونيو 2013م ولم يعتبرها انقلابًا بل ثورة بدليل خروج الشعب، وما كان له أن يرى سوى ذلك، حتى تُصدِّر الشئون المعنوية صورته وصوته، أيقول إنه انقلاب، وتنشر الشئون اللامعنوية قِيْله!، فماذا هو قائل لمستشار شيخ الأزهر- رئيس مجمع اللغة العربية- الذي صدع الحق ولم يخش في الله لومة لائم، وجهر بأن ذلك إنما هو انقلاب عسكري مكتمل الأركان- وما هو قائل للسناتور الأمريكى جون ماكين الذي جهر بذلك- واستدل الأزهري بما لا ينهض معه دليلاً أن ما حدث هو ثورة وإرادة شعب، وهذا تلبيس إبليس، أولاً: شتان بين الخروج في الخامس والعشرين من يناير 2011م، والخروج في الثلاثين من يونيو 2013م، الأول كان إجماعًا شعبيًّا، والثاني كان هناك انقسام شعبي بين مؤيد ومعارض، ولما افترق الخروجان، افترق عليه موقف الجيش، في الخروج الأول بإجماع شعبي سانده الجيش فقلَّت الخسائر، وحُقنت دماء، وانحسم الأمر، بينما الخروج الثاني كان الانقسام الشعبي بين مؤيد ومعارض، واستقوى المعارض بالجيش، وانقسم الشعب بتدخل الجيش إلى قاتلٍ ومقتول؛ فقد أسفرت الأيام عن الوجه الكالح للمعارض ومن استقوى به، عن أن المعركة ضد الإسلام ومن يُمثله.



ثانيًا: شتان بين عدد الخارجين في الخامس والعشرين من يناير 2011م والخارجين في نكسة الثلاثين من يونيو 2013م، والتي اشتد فرح اليهود بها أشد من فرحهم بنكسة يونيو 1967م، فقد كفاه الجيش المصري المؤونة حيث انكفأ إلى الداخل ووجَّهَ سهامه وسلاحه إلى شعبه لا إلى اليهود ولا يخفى ذلك على متابع!! وفعل بأفراد شعبه المخالفين له في الرأي والمعارضين لانقلابه وبغيه وغدره، ما لم يفعله باليهود، بل قتل وسحق من أفراد شعبه في سويعات من نهار وما زال، أضعاف ما قتل من اليهود في ربع قرن أو يزيد، ثالثًا: العدد الذي خرج في نكسة الثلاثين من يونيو 2013م يحتاج إلى شهادات موثوقة من أهل العدالة والنزاهة بحقيقة هذا العدد، ما هو السبيل القانوني الصحيح بل ما هو المستند الشرعي الذي اعتمدت عليه أيها الأزهري وكذا شاغل منصب الإفتاء سابقًا- مما ستلقون به ربكم، بأحقية هذا العمل والخروج على الرئيس الشرعي المنتخب، وما دمت مع البيادة، فكيف تبلغ السيادة العلمية، والحيادية العلية، والنزاهة اليقينية، والعجيب أن من كان يشغل منصب المفتى سابقًا، لا يتورع عن أن يقول إنه مع البيادة حيث يقول نصًّا: "أنا مع الجيش"، وليس ذلك بدعًا ولا غريبًا على بدعيات الرجل، وتاريخه مما أُنزِّه قلمي ولساني عن الخوض فيه، ولكني أدور مع الحق- حيث دار بحول الله وقوته-، وأسوقه ممهورًا بالدليل والبرهان ليتقدم اتضاحًا، وتتأخر الشبهة افتضاحًا، فأولى بأمثاله أن يقول: أنا مع الحق، كائنًا مَن كان الذي معه الحق، جيشًا أم شعبًا أم فردًا أم جماعةً، رئيسًا أم مرؤوسًا، والأعجب الأغرب في كلام الأزهرى- سالم عبد الجليل- في وصفه لمعتصمي ومتظاهري رابعة والنهضة وسائر ميادين مصر بأنهم بغاة، وجاء كلامه دون دليل من كتاب أو سنة، فجاء حديثه عاريًا عن الحقيقة، ولكنها النفس حين تزل، ويستبيح المرء لنفسه أن يقول على الله بغير علم، فيوبق نفسه ويبيع أخراه، ودينه بعرض من الدنيا، وعلى شاكلته شاغل منصب الإفتاء في مصر سابقًا، فيصف المعتصمين والمتظاهرين- المطالبين بالشرعية المتمثلة في عودة الرئيس المنتخب من اختطافه القسري وعودة الدستور المستفتى عليه وكذا مجلس الشورى، والقائلين بحرمة الخروج على هذا الحاكم الشرعي- يصفهم بالخوارج ويستحل سفك دمائهم، ليبوء بإثمه وإثم من أفتاهم بالقتل فقتلوا، وإثم شهداء مجزرة الساجدين، والمنصة وحرائر المنصورة، والأربعاء الأسود، (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (المائدة: 29)، ويُغالط الرجل- أعني شاغل منصب الإفتاء سابقًا أقول: يُغالط نفسه ويخون الأمانة العلمية؛ حيث اعتبر قائد الانقلاب هو القائد الشرعي المجمع عليه، والخارج عليه يحل قتله، حيث يقول: هناك من يريد أن يشق الصفوف، والنبي صلوات الله وسلامه عليه- يتكلم "إذا كنتم جميعًا على رجل- وليس جماعة- هكذا يقول: وهذا هو الذي حدث في ثورة ثلاثين يونيو- هو يسمي ذلك ثورة- خرج الشعب؛ ولذلك كان الجيش معه، إذًا نحن جميعًا على رجل، وجاء مَن يريد أن يفرقكم فاقتلوه كائنًا من كان".. يا صاحب الفضيلة هل نسبة التصويت التي فاز بموجبها الرئيس مرسي بولاية أمر مصر لمدة أربع سنوات كانت أصوات الجماعة أم أصوات الجميع يا فضيلة الشيخ ؟؟؟!! يا فضيلة الشيخ: كم النسبة التي يحكم أوباما جميع الشعب الأمريكي ؟؟ !! لا يحكم شعبه فحسب؟؟!!! كم النسبة التي بها رجحت كفة الرئيس الفرنسي الحالي على منافسه ساركوزي!!! إن الرجل يغالط نفسه، ويلعب بالأحداث والأحاديث الصحيحة، الحديث الشريف الذي ساقه صحيح، ولا ينطبق على قائد الانقلاب- بحال من الأحوال- بقدر انطباقه على الرئيس الشرعي، إذا ما نظرنا إلى نسبة التصويت التي أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات وتسلَّم الرجل مقاليد الأمور في البلاد بموجبها، وكان هذا بمثابة عقد بين الأمة والحاكم الشرعي إلى أجل، والواجب الشرعي، الصبر حتى يبلغ الكتاب أجله، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: 1)، أما قائد الانقلاب فمن الذي انتخبه، مَن الذي اختاره؟! وعلى كل حال نبرأ إلى الله تعالى من هذه الافتراءات والاتهامات، ومن كل قطرة دم أريقت بغير حق، ولما كان الواجب على أمثال هؤلاء بل كل المسلمين قول الحق، وتحرِّيه، وألا نقول ما ليس لنا بحق لقوله تعالى: (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) (المائدة: 116)، وكان التكليف بأن نقول القول السديد (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (النساء:9)، وقوله تعالى: (يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب: 70 – 71)؛ ولأن الله تعالى أخذ على أمثالنا العهد والميثاق، بالبيان والتوضيح، وأن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في الله لومة لائم، وحذرًا من إثم الكتمان الذي توعد عليه الله تعالى أهل العلم في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ*إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 159-160)، لهذه المنطلقات كلها من النصوص جاء هذا البيان ردًّا على كلٍّ مِنْ: من كان يشغل منصب الإفتاء سابقًا، ومن ظهروا في مقطع اليوتيوب لوزارة الدفاع المصرية إدارة الشئون المعنوية، (صاحب الزي الأزهري، سالم عبد الجليل، وعمرو خالد) بل ردًّا كذلك على خطيب الحرم المكي- الذي زاد في اسمه على قائد الانقلاب بانحشار حرف الدال بعد السين الأولى، وإمامه في مباركته لانتهاك حرمة المؤمنين الراكعين الساجدين، الصائمين القائمين، وغيرهم فقد كان الأحرى بخطيب الحرم، أن يستحضر وهو في الحرم وينصح لإمامه، أن هؤلاء الركَّع السجود أعظم عند الله حرمة من حرمة الكعبة، ولكنها الفتنة، وزلة العَالِم زلَّةٌ للعالَم، كما سأتناوله في ردى على شيخ الأزهر، بحول الله وقوته، أقول وبالله التوفيق: البغاة والخوارج لهم أحكام مبثوثة في كتب الفقه المبسوطة والموجزة، وأصل هذه الأحكام قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[1]) وقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: 9 و10)، والسؤال المهم الآن هل هؤلاء المتظاهرون بغاة أو خوارج تنطبق عليهم هذه الآيات وأحكامها حتى يحل لأنظمة الحكم مواجهتها بالسلاح أم لا؟؟، وهاك الجواب مؤصلاً- بعدم بغيهم بعشرين دليلاً- ومفصلاً.


ثالثًا: الدلائل والبراهين على أن هؤلاء المتظاهرين ليسوا بغاة:


1- فالبغاة لهم شوكة ومنعة- لَا يَتَحَقَّقُ الْبَغْيُ بِدُونِهَا- بِحَيْثُ يُمْكِنُ بِهَا مُقَاوَمَةُ الْإِمَامِ (السلطان وجنوده، أو بِحَيْثُ لَا يَسْهُلُ الظَّفَرُ بِهِمْ، وليس لهؤلاء شوكة ولا منعة، وإنما هم أُنَاس عُزَّل، تلقَّوا بصدورهم العارية طلقات الأعيرة النارية، وتمَّ إشعال النيران في أجسادهم، وبعضهم ما زالت الروح تجرى في أوصاله، ومن الأدلَّة التاريخية الدالة على أن هؤلاء ليسوا بغاة ولا خوارج ما وقع في عهد عليّ- رضي الله عنه, فإن عليًّا لم يتعرض لهم- أي للخوارج- حتى استعملوا القوة, ولم يعتبرهم بغاة إلا بعد استعمالها [2] بل البغي هنا قد كان من قادة الانقلاب وأعوانه، ومفتيه، هل لو كانت لهم شوكة ومنعة، أكان يتم اعتقال من اعتقل، وفي مقدمتهم المرشد، وقتل مَن تمَّ قتله، وفيهم حفيد البنا، وكريمة البلتاجي، ونجل المرشد؟؟!!

2- 2- ليسوا بغاة، إذ البغاة هم الخارجون على الإمام العادل القائم بأمر الله تعالى، وليس الأمر هكذا هنا، كما استوعبه القاصي والداني، حتى طفح الكيل وأظلم الليل، وبلغ الحزام الطبيين، فالْخُرُوجَ عَلَى الْجَائِرِ لَيْسَ بَغْيًا [3]، والجائر هنا من ظلَّ ثلاثين عامًا يعيث مصر فسادًا وبغيًا وعدوانًا حتى خرجت عليه جموع الشعب في الخامس والعشرين من يناير 2011م، وكذا الجائر هنا ربيبه الذي غدر وخان العهد وحنث في اليمين، وقاد الانقلاب على الشرعية وسقك دماء الساجدين، الصائمين، وما زال.
3- ليسوا بغاة فلم يحملوا سلاحًا فقد وَعَوا أن النبي صلوات الله وسلامه عليه حذرهم من اللجوء إلى هذه الوسيلة فقال: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا" [4]، ولما كان حمل السلاح مؤديًا بصورةٍ أو بأخرى إلى إيذاء المسلمين كان تحريم تعاطي مثل هذا وغيره من الأسباب المفضية إلى الأذية بكل وجه، وفي الحديث حجة للقول بسد الذرائع". ‏وفي رواية "مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنَّا".[5] "من رمانا بالنبل فليس منا" [6]، والمنظمات الدولية التي وصلت إلى ميدان رابعة شهدت بعدم حملهم أو احتواء أماكن اعتصامهم على أسلحة، ولما نسب إليهم وزير خارجية الانقلاب زورًا وبهتانًا أنهم شاهدوا الأسلحة كذبوه جهارًا نهارًا. وذلك ليس سرًّا، بل هو متداول مشهور.

4- ليسوا بغاة إذ لَيْسَ فِيهِمْ مُطَاعٌ [7]، إذْ لَا شَوْكَةَ لِمَنْ لَا مُطَاعَ لَهُمْ، لَا يُكْتَفَى فِي قِيَامِ شَوْكَتِهِمْ بِكُلِّ مُطَاعٍ بَلْ لَا تُوجَدُ شَوْكَتُهُمْ إلَّا إنْ وُجِدَ الْمُطَاعُ، وَهُوَ (إمَامٌ) لَهُمْ (مَنْصُوبٌ) مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمْ [8]، فكم أعيا المراقبين البحث عن قيادات لهم ومراكز توجيه لهم، فلم يرجعوا حتى بخفي حنين، وإنما الذكاء الجمعي الذي تجاوب معه كل أطياف الشعب- على اختلاف حرفهم ومهنهم وأعمارهم ودرجات تدينهم ومِلَّتهم- في كل محافظات مصر وخارجها، بل تجاوب معهم كذلك غير المصريين بل غير عرب كما في اليابان في ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م -، وماليزيا، وتركيا وغيرها من بلدان العالم، تضامنًا مع المتظاهرين ضد الانقلاب والمعتصمين في رابعة والنهضة وغيرها من ميادين مصر، عجيب!!

ما الذي أصاب شعوب هذه البلدان من ظلم وجور المخلوع والخائن؟!!، أهو شعور الإنسانية العام، القرآن الكريم فيه شاهد لهذا، وكذا التاريخ، أما القرآن الكريم فقد قال تعالى: "مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً" [9]، وأما التاريخ فلما عُزل المنصور بن عمران عن القضاء، جعل الناس يسبّونه. وكان فيهم رجل يلجّ (يبالغ) في أذاه فقال له: يا هذا أسأت إليك قطّ؟ قال: لا. قال: فما حملك على هذا الذي تأتيه؟ قال: سمعت الناس يشتمونك فساعدتهم، فأنشد المنصور:

غير مطالبين وترًا ولكن.. مال دهر على أناسٍ فمالوا
وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلى ذَمِّهِ ... ذَمُّوْهُ بِالحَقِّ وَبِالبَاطِلِ
مقالة السّوء إلى أهلها.. أسرع من منحدر سائل [10]
قلت: لا عجب في ذم أناس لولاة جور وظلم وحيف، ولا سبيل ولا سلطان لهؤلاء الولاة عليهم، ولم يمسسهم منهم سوء، في القرآن الكريم ورد أن الملائكة- وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون- يلعنون من يلعنه الله، ويلعنه عموم الناس، قال تعالى: "كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ*أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ*خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ*إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [11]، "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ" [12]، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله أما بعد فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرة اللّه عليك واعلم أنك لا تأتي الناس شيئًا إلا كان زائلاً عنهم باقيًا عليك واللّه آخذ للمظلوم من الظالم والسلام [13] كل ذلك ليحذر الإنسان في سلوكه مما يجلب عليه اللعنة من الخالق، والمقت من المخلوقين، وقد قيل قديما: إياك وما يعتذر منه، وقيل: من عرَّض نفسه للتهم فلا يأمن من إساءة الظن، وقالوا: حسبك من شرّ سماعه. وكان من الأدب الجم: التحفظ من أن تكون عرضة للمقالة القبيحة وإن كانت باطلاً.



5- ليسوا بغاة: لأنهم ليسوا متأولين [14]، فلم يخرجوا لإنكار أمر منكر يحتمل التأويل، أي يحتمل أن يكون منكرًا، ويحتمل غير ذلك، كالمرتدين [15] بل خرجوا لرد الظلم البيِّن ودفع البغي القطعي، والعدوان السافر، على السلطة الشرعية المتمثلة في الرئيس المنتخب، والدستور المستفتى عليه، والمجلس المنتخب بأنزه انتخابات شهدتها مصر وشهد لها العالم، وفي القرآن العزيز: "لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا" [16]، وقال تعالى: "وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ" [17].



6- ليسوا بغاة: لأنهم ليسوا معاندين كمانعي الزكاة[18]، فلم يعاندوا في منع حق وجب عليهم.



7- ليسوا بغاة: فلم يتركوا الجُمع والجماعات فقد أقاموا الجمع والجماعات، بل صلوا التروايح والتهجد على سمع وبصر العالم كله، في ساحة الميادين، حيث يعتصمون، وحيثما أدركتهم الصلاة. فكيف تقول عنهم يا عبد الجليل إنهم بغاة، بأي وجه حق ؟؟؟!!


8- ليسوا بغاة فلم يتحصنوا بحصن، آووا إليه، ولا بمعسكر عسكروا فيه، بحيث يُمْكِنُهم مَعَه مُقَاوَمَةُ الْإِمَامِ فَيَحْتَاجُ فِي رَدِّهِمْ إلَى الطَّاعَةِ لِكُلْفَةٍ مِنْ بَذْلِ مَالٍ وَتَحْصِيلِ- وَإِعْدَادِ – رِجَالٍ[19] وَنَصْبِ قِتَالٍ لِيَرُدَّهُمْ إلَى الطَّاعَةِ[20]



9- ليسوا بغاة: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا إخَافَةَ الطَّرِيقِ، ولا ترويع الآمنين، فَيكون حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ قُطَّاعِ طَرِيقٍ، فيواجهوا بالسلاح، بل كانوا دعاة أمن وسلام، وطلاب حق ودعاة خير ووئام، ولم يصولوا على غير المسلمين، مما كان يتوهم ويُروَّج له، بل إن غير المسلمين التحموا معهم، وكوَّنُوا ملحمة رائعة قلَّ أن يوجد لها نظير في العالم. أعان كل واحد منهم الآخر على إقامة شعائر دينه بسماحة منقطعة النظير وبحراسة انتفت معها مزاعم التعصب والفتنة الطائفية المدعاة، بل تم خلال هذه الاعتصامات إشهار حالات إسلام غير مسلمين، فالحقيقة جمع هؤلاء المتظاهرين والمعتصمين دعاة حق مسلوب، وأصحاب مطالب مشروعة، سلبت حقوقهم، ونهبت ثروات بلادهم، وحيف عليهم، وتعثر بهم السبيل، ولم يجدوا من الراعي - الذي سقط بثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، ولا من قادة الانقلاب الغادرين الخائنين، وإن زعموا أبوة رحيمة، ولا أخوة شفيقة، ولا رعاية حميمة، ولكن وجدوا أنفسهم تحت هذين الحكمين- قبل الخامس والعشرين من يناير 2011م ومن الثلاثين من يونيو 2013م- أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، لا يجدون قوتًا في بيوتهم، ولا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً، وأمام أعينهم وتحت سمعهم وبصرهم، يعب أناس من المال حتى التخمة، وهم يتضورون جوعًا.



والله تعالى سائل المخلوع والخائن عنهم يوم القيامة- سواء أدركتهم يد العدالة في الدنيا أم لم تدركهم، فمن استطاع الإفلات من عدالة الدنيا فلن يُفلت من عدالة الآخرة، ولئن انبرى وبرع محامون ليجادلوا بالباطل عن هؤلاء الطغاة البغاة من الانقلابيين وأركان الدولة العميقة، فلسوف يخزيهم الله- جميعًا يوم القيامة قال تعالى: "هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا" (النساء:109).



10- هذا ومما يدل على أن هؤلاء المعتصمين والمتظاهرين ليسوا بغاة، وإنما دعاة حق، ومن ساند أو ظاهر هذا الانقلاب من أفراد العامة، من أركان الدولة العميقة، ومن فلول الحزب الباغي أو من غير الحزب، أو من زعماء العالم المزيفين، ليسوا على حق في اتصالهم بقادة الانقلاب، ومؤازرتهم ومناصرتهم، وتأييدهم لهم، ما تقرر في الشرع من حرمة ذلك قال ابن عابدين، -[21] رحمه الله تعالى: "َإن الْمُسْلِمِينَ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى إمَامٍ وَصَارُوا آمِنِينَ بِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِظُلْمٍ ظَلَمَهُمْ بِهِ فَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الظُّلْمَ وَيُنْصِفَهُمْ. وَلَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يُعِينُوا الْإِمَامَ، عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى الظُّلْمِ، وَلَا أَنْ يُعِينُوا تِلْكَ الطَّائِفَةَ عَلَى الْإِمَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى خُرُوجِهِمْ عَلَى الْإِمَامِ" [22]، ومما هو مقرر أصوليًّا: أن الإعانة على الحرام حرام.



11- ليسوا بغاة فلم يَتَعَرَّضُوا لِحَرِيمِ أَهْلِ الْعَدْلِ [23]، فلم تؤثر حالة واحدة تم فيها التعرض لامرأة كبيرة أو صغيرة بخدش حياء، أو تدنيس ثوب، أو تجاوز حدود بل شاع العفاف، وانتشر الطهر في النفس قبل الواقع المعاش.



12- ليسوا بغاة فلم يَأْخُذُوا مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ مَا لَيْسَ لَهُمْ،أَوْ يَمْتَنِعُوا مِنْ دَفْعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ بل مُنِعوا حقوقهم وانْتُهكت حرماتهم، (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) (البروج: 8).



13- ليسوا بغاة فلم يَتَظَاهَرُوا عَلَى خَلْعِ الْإِمَامِ الَّذِي انْعَقَدَتْ بَيْعَتُهُ [24] بحق؛ بل بالزور والبهتان والغش والبطلان؛ مما أقرَّ به رأس النظام بأن العملية الانتخابية شابها ما شابها، وشهد به القاصي والداني وبدليل ما تقرر من العزم على إعادة الانتخاب في بعض الدوائر، وترافع إلى القضاء متظلمون، وأقُصي الكفاة والأخيار، وتم التمكين لأزلام النظام، وسدنته، هذا حال ما قامت عليه ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، وما وقع في الثلاثين من يونيو 2013م فقد وقع الانقلاب، غدرًا وخيانةً للعهد، وحنثًا في اليمين، وإفسادًا في الأرض، وتكميم الأفواه، وإغلاق القنوات، وقصف الأقلام التى من خلالها تتضح الصورة الأخرى بل الوجه الحقيقي لمجريات الأحداث، حتى يكون الناس على بينةٍ من أمرهم، وشاع الاستبداد والقمع، والمصادرة للحريات منذ اللحظة الأولى للانقلاب، وألغيت قرارات، وتم بمجرد الإنقلاب تعطيل وإيقاف وإلغاء مشاريع، جبارة عملاقة كانت ذات بال في تعديل المسار الاقتصادي للبلد، وذلك مما لا يخفى على متابع.



14- ليسوا بغاة، فخروجهم إنما هو لإزالة جور أو- رفع ظلم [25].



15- ليسوا بغاة، ولو تنادوا بعزل (الراعي العام)- والمراد به هنا الرئيس المؤقت المُعيَّن أو قائد الانقلاب - أو بعصيانه وعدم طاعته أو بالامتناع عن أداء ما عليهم من واجبات تقوم الدولة على استيفائها[26].


16- ليسوا بغاة: فلم يرتكبوا جرمًا، ولم يفعلوا محرمًا، بل المجرمون- في دولة الانقلاب- آمنون، مطمئنون، فقد أمِن الملحدون في عهد هؤلاء الطغاة الانقلابيين، وأخيف المُوحِّدون، وأوحِشَت المساجد، وأونست البِيَعُ والكنائس- ولكن إذا فعل الخارجون شيئًا محرمًا عوقبوا عليه باعتباره جريمة عادية [27]، لا على خروجهم وتظاهرهم وجؤارهم بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وإزالة الظلم والعسف، وسائر ما ترتب على الانقلاب من آثار، ومن الأدلة على ذلك ما قاله علي- رضي الله عنه- بعد أن جرحه ابن ملجم, قال علي- رضي الله عنه- لابنه الحسن: أحسنوا إساره؛: أطعموه واسقوه واحبسوه, فإن عشت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت وإن شئت استقدت, وإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به. أنه أشار بالقصاص منه فقد اعتبر عليٌ- رضي الله عنه- جريمة ابن ملجم جريمة عادية ولم يعتبره باغيًا لأن خروجه لم يكن مغالبة [28].



هذا هدي الخلفاء الراشدين الذين قال فيهم رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" صحيح الجامع (رقم2549)، ولكن مفتي قائد الانقلاب والشئون المعنوية للجيش المصري اعتبروا المعتصمين المتظاهرين في كل المحافظات بغاة هكذا بلا تأصيل ولا دليل وأنَّى لهم الدليل والبرهان على ذلك ولو ابْيضَّ الغراب، إلا في دولة البوليس، حيث تُكال التُهم، ويتم تفصيل المؤامرات ويأمن الخائنون، ويخاف الأمناء، وتُلَوَّث صحائف الشرفاء، لقد جاءت فتوى من ظهروا في مقطع اليوتيوب الذي عليه شارة وزارة الدفاع المصرية لتدفع بالجيش المصري متخذًا من هذه الكلمات الشوهاء، ستارً ط ا وغطاء ليُحاكي الجيش ما فعله الحزب الشيوعي الصيني في أخريات القرن الماضي عندما امتلأ ميدان السماء بالطلاب المطالبين بالحرية، فسحقهم بالدبابات،" وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" النساء: (115) " يروى الحضرمى يقول: دخلت مسجد الكوفة من قِبَل أبواب كندة, فإذا نفر خمسة يشتمون عليًا وفيهم رجل عليه بُرْنُس يقول: أعاهد الله لأقتلنَّه, فتعلقتُ به وتفرقتْ أصحابه عنه, فأتيت به عليًا فقلت: إنى سمعت هذا يعاهد الله ليقتلنَّك, فقال: ادْنُ, ويحك من أنت؟ فقال أنا سور المنقرى. فقال عليٌ: خل عنه. فقلت: أُخَلِّى عنه وقد عاهد الله ليقتلنَّك؟! قال: أفأقْتُلْه ولم يَقْتُلني[29]؟ أرأيت يا صاحب الفضيلة، يريد الرجل الذي جلب من هدَّد بقتل الخليفة العادل ختن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أن يتنزع تفويضا من الخليفة الشرعي – لا المؤقت ولا الخائن لسفك دم حرام، فيأبي عليه لأن الله تعالى يأبى ذلك ورسوله والمؤمنون. " وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" النساء: (115)


17- إن هؤلاء المتظاهرين ليسوا بغاة، ولو نفضوا أيديهم من يد قائد الانقلاب وأعوانه وحكومته ؛ لبغيهم وظلمهم وتضييعهم للأمانة وعدم قيامهم على مصالح الشعب، وتفريطهم في دم أبناء وطنهم الذي أهدر على يد الصهاينة المتعصبين على الحدود بدم بارد ، في كل ذلك لا يعدون به بغاة، ولا أدل ولا أنص على ذلك من مثل ما وقع من بعض الصحابة – رضي الله عنهم - في صدر الإسلام, من الامتناع عن البيعة المشروعة ؛ فقد امتنع عليٌ – رضي الله عنه - عن مبايعة الصديق أشهرا ثم بايع, ورفض سعد بن عبادة مبايعته ولم يبايعه حتى مات. وكامتناع عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير عن المبايعة ليزيد. ولم يعتبرهم أحد بذلك بغاة ؛ حتى يوجب قتالهم وقتلهم.


18- إن هؤلاء المتظاهرين ليسوا بغاة فلا يحل قتالهم، ولا سفك دمائهم،فها هو الخليفة الراشد علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – لم يعتبر الخارجين لمجرد خروجهم وتجمعهم – اعتصامهم - بغيا وعدوانا يقتضي قتالهم وقتلهم، كان يخطب يومًا فقال رجل بباب المسجد: لا حكم إلا لله, وهى عبارة كان الخوارج يتنادونها يُعرِّضون بقبول عليٍ التحكيم. فقال عليٌ : كلمة حق أريد بها باطل, لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله, ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم معنا, ولا نبدؤكم بقتال[30]. أرأيت هدي الخليفة الراشد . فما بال هؤلاء الانقلابيين، ومن أصدروا لهم الفتاوى، بأي دليل وبأي مستند شرعي، استباحوا حرمات الراكعين الساجدين الصائمين القائمين والشيوخ والأطفال والنساء بل أشعلوا النيران في المصابين وهم داخل الخيام حتى تفحمت أجسادهم مما لم يسبق له مثيل؟؟



19- إن هؤلاء المتظاهرين ليسوا بغاة،فلم يقطعوا سبيلا، ولم يعتدوا على أحد قائم بعمله، ولم يقاتلوا أحدا ؛ كتب عمر بن عبد العزيز إلى الولاة في شأن الخوارج قائلا: إِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْقَوْمِ أَنْ يَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ فَسَادٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَتَنَاوَلُونَ أَحَدًا وَلَا قَطْعَ سَبِيلٍ مَنْ سُبُلِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَذْهَبُوا حَيْثُ شاؤوا وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمُ الْقِتَالَ فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ أَبْكَارِي مِنْ وَلَدِي خَرَجُوا رَغْبَةً عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَأَرَقْتُ دِمَاءَهُمْ أَلْتَمِسُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ والدار الآخرة [31]، وكان من سيرة الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه - في الخوارج: ما ورد من أنه لما كتب إليه عدى بن أرطأة أن الخوارج يسبونك, فكتب إليه: إن سبونى فسبوهم, وإن شهروا السلاح فأشهروا عليهم, وإن ضربوا فاضربوا[32]. أرأيت لم يأذن بإشهار السلاح والضرب إلا معاملةً بالمثل، وإلا فمن أين لهؤلاء المفتين ما ذهبوا إليه في تضليل الرأي العام، وتجرئيهم الجيش على شعبه، حتى يقتل الأخ أخاه، والابن أباه. أولم تتعالى الأصوات هادرة، ومتجاوبة مع المرشد، ثورتنا سلمية، سلميتنا أقوى أقوى من الرصاص.؟؟!!


20- ولا يعتبر الخروج – التظاهر والاعتصام - بغيًا عند مالك والشافعي وأحمد والظاهريين إلا حينما يبدأ هؤلاء الخارجين باستعمال القوة فعلاً, أما قبل استعمالها فلا يُعتبر الخروج بغيًا ولا يُعتبرون بغاة، ويعاملون كما يعامل العادلون ولو تحيزوا في مكان وتجمعوا – أي اعتصموا - ولو كانوا يقصدون استعمال القوة في الوقت المناسب, ولكن ليس ثمة ما يمنع من منعهم من التحيز وتعزيرهم على التجمع بقصد استعمال القوة ولإثارة الفتنة. أما أبو حنيفة فيعتبرهم بغاة- إذا كان تجمعهم أي اعتصامهم بقصد القتال - ويعتبر حالة البغى قائمة من وقت تجمعهم بقصد القتال - والامتناع من الإمام لأنه لو انتظر حقيقة قتالهم ربما لا يمكنه الدفع. وعلى ذلك فقد التقى رأي الإمام أبي حنيفة مع الأئمة الثلاثة والظاهريين بأن هؤلاء المعتصمين والمتظاهرين ليسوا بغاة، إلا إذا توفرت القرائن على قصد المعتصمين والمتظاهرين القتال، ودون إثبات ذلك خرط القتاد، لأنه عزيز الملتمس، بعيد المقتبس، هذا ومذهب الشيعة الزيدية يماثل مذهب أبى حنيفة في هذا. والأصل عند الجميع أن البغاة لا يحل قتالهم إلا إذا قاتلوا, فمن نظر إلى حقيقة القتال اشترط أن يقع القتال فعلاً, ومن نظر إلى وجودهم في حال قتال اكتفى بتجمعهم بقصد القتال والامتناع[33] ما أنصع هذا التقرير الذي حرَّره شهيد الإسلام القاضي : عبد القادر عودة – عليه سحائب الرحمة - ومنه تتبين أيضا أن هؤلاء المعتصمين والمتظاهرين ليسوا بغاة، وأنه يحرم قتلهم بل قتالهم إلا إذا قاتلوا أو كان حالهم حال قتال ودون تبَيُّن هذا من دون قرائن خرط القتاد كما أسلفنا، فكيف أيها المفتى تجرؤ على أن تُحِل ما حرَّم الله، ورسوله -صلوات الله وسلامه عليه .؟؟؟!!!


21- إن هؤلاء المتظاهرين ليسوا بغاة، كما أسلفنا، وإنما هم طلاب حق ودعاة إصلاح سدت في وجوههم الأبواب، وحيل بينهم وبين قول كلمة الحق، وإحقاقه، وتحقيق الصالح للعباد والبلاد، وسد النظام في وجوههم أبواب الحوار والمراجعة أو قل الرجوع إلى المسار الديمقراطي الذي تواضع الكل عليه، وصار ما يُسمى بخارطة الطريق كقرار فرعون القديم " مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى " ووصدت في نفوسهم بواعث الأمل، وكممت الأفواه، وقصفت أقلام الحق، وتم إقصاء دعاة الحق عن المنابر،في المساجد، والصحف وأجهزة الإعلام، والمجالس النيابية، بتزييف إرادتهم في الانتخابات، فلم يكن أمامهم بد من ركوب متن الطريق، ليسمع صوتهم، وليصل أنينهم إلى سمع كل ذي سمع، قاصي وداني، بل إلى سمع العالم الحر، وذوي الضمائر الحية، والفطر السليمة، انتصارا وانتصافا، قال تعالى: "لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا" [34] أولم يأمر النبي صلي الله عليه وآله وسلم من تأذي من جاره، - عندما تفاقم أذاه-، وبلغ السيل الزبي من ضره وانتشار شره، أولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى الطريق العام ويجلس بمتاعه فيه، أمام ناظري المارة والغادي والرائح، يستلعنهم على الجار المؤذي، حتى أقلع عن ظلمه، وكفَّ عن بغيه وغَيِّه، لمَّا كان فيه بقية من خير، عن أبي جحيفة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره، قال: "اطرح متاعك على الطريق". فطرحه، فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما لقيت من الناس؟ قال: "وما لقيت منهم؟". قال: يلعنوني. قال: "لعنك الله قبل الناس". فقال: إني لا أعود. فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ارفع متاعك فقد كفيت". ورواه الطبراني والبزار بنحوه إلا أنه قال: "ضع متاعك على الطريق، أي على ظهر الطريق". فوضعه، فكان كل من مر قال: ما شأنك؟ قال: جاري يؤذيني. فيدعو عليه، فجاء جاره فقال: رد متاعك، فلا أؤذيك أبدًا" [35]، وهو في مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- بلفظ-: أن رجلاً أتى النبي-صلَّى الله عليه وسلم-، فشكا إليه جاره. فقال: يا رسول الله، إن جاري يؤذيني. فقال: (أخرج متاعك، فضعه على الطريق). فأخرج متاعه، فوضعه على الطريق. فجعل كل من مر عليه قال: ما شأنك؟ قال: إني شكوت جاري إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمرني أن أخرج متاعي، فأضعه على الطريق. فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم اخزه. قال: فبلغ ذلك الرجل. فأتاه، فقال: ارجع، فوالله لا أؤذيك أبدًا [36] " أرأيت كيف أن الرأي العام كان له دوره في تقويم انحراف واعوجاج الجار وقد كان سبيل ذلك الطريق العام، بمعناه ولفظه البدهي وقد تكون وسيلته توظيف كل وسائل الإعلام (من صحف ومدونات ومطويات ومنشورات وقنوات واليوم الشبكة العنكبوتية، ومواقع النت المتطورة التي جعلها الله تعالى جندا من جنوده المعاصرة) لإظهار السوء الذي طفح، والظلم الذي ربى، والبغي الذي طم والبلاء الذي عم أرجاء النفس والناس، والهدف رفع الظلم ورد البغي، والتغيير والإصلاح، وقد يكون بإمكان هذا الجار الذي تأذي أن يتحول، إلى سكن آخر، أما الرعية التي يؤذيها راعيها ويظلمها فأين تتحول؟ وإلى أين تذهب؟، وعليه فالشارع والطريق العام خير منبر، والتكاتف والتآزر من كافة الفئات وأصحاب الحرف، سبيل لا نظير له لكفكفة يد الراعي الظالمة، وتقليم أظفاره .رحم الله زمانا، كان الراعي في هذه الأمة يستشعر المسئولية الجسيمة، والتبعة العظيمة الملقاة على عاتقه، والتي يأتي بها يوم القيامة أعتقه عدله، أو أوبقه جوره، ها هو الفاروق يستشعر هذه المسئولية والتبعة، فيقول :" لو عثرت بغلة بالعراق، لقد خشيت أن يسألني الله تعالى عنها يوم القيامة لِمَ لَمْ أسوي لها الطريق، ويتعثر شباب، وطبقات بأكملها في الشعب، ولا يحس بهم الراعي، ولا تتحرك فيه شعرة، ولا ينبض عرق بدمه هشاشة لحال هؤلاء وأولئك لطول الأمد، وقسوة لقلوب.



وها هو الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز يتذكر الموقف العظيم بيد يدي ديان السموات والأرضين، ويتوجس خيفة من زلة القدم، فيزرف الدموع تململا من شدة وطأة التبعة وجسامتها، ويشعر به أهله، فلم يعُد له تواجد بينهم ولا حضور، فتسأله زوجه فاطمة بنت عبد الملك، أن يبثها شجنه ومشاعره، لعلها تتعظ، وتتيقظ،وإلا فما انفكت عنه، وما أخلته وشأنه، عَن عَطاء قَالَ: قلت لفاطمة بنت عبد الْملك: أَخْبِرِينِي عَن عمر بن عبد الْعَزِيز. قَالَت: أفعل، وَلَو كَانَ حَيا مَا فعلت.



إِن عمر رَحمَه الله كَانَ قد فرَّغ للْمُسلمين نَفسه، ولأمورهم ذهنه، فَكَانَ إِذا أَمْسَى مسَاء لم يفرغ فِيهِ من حوائج النَّاس فِي يَوْمه دَعَا بسراجه الَّذِي كَانَ يسرج لَهُ من مَاله ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ أقعى وَاضِعا رَأسه على يَدَيْهِ، تسيل دُمُوعه على خديه يشهق الشهقة تكَاد ينصدع لَهَا قلبه، أَو تخرج لَهَا نَفسه، حَتَّى يرى الصُّبْح. وَأصْبح صَائِما فدنوت مِنْهُ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ ألشيء كَانَ مِنْك مَا كَانَ؟ قَالَ: أجل، فَعَلَيْكِ بشأنكِ، وخلِّيني وشأني. فَقلت: إِنِّي أَرْجُو أَن أتعظ. قَالَ: إِذًا أخْبرك، إِنِّي نظرت قد وجدتني وليت أَمر هَذِه الْأمة أحمرها وأسودها، ثمَّ ذكرت الْفَقِير الجائع، والغريب الضائع، والأسير المقهور، وَذَا المَال الْقَلِيل والعيال الْكثير، وَأَشْيَاء من ذَلِك فِي أقاصي الْبِلَاد، وأطراف الأَرْض، فَعلمت أَن الله عز وَجل سائلي عَنْهُم، وَأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجيجي، لَا يقبل الله مني فيهم معذرة، وَلَا يقوم لي مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجَّة، فرحمت - وَالله يَا فَاطِمَة - نَفسِي رَحْمَة دَمَعَتْ لَهَا عَيْني، ووجع لَهَا قلبِي، فَأَنا كلما ازددت ذكرا ازددت خوفًا فأيقظي أو دعي [37]. أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ" [38] أُولَئِكَ أكفائي فجئني بمثلهم.



أولئك آبائي فجئني بمثلهم..... إذا جمعتنا يا جرير المجامع [39].



هذا وللحديث صلة بحول الله وقوته.


---------------


محمد وداعة
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة