المقالات
السياسة
القبطان والقرصان
القبطان والقرصان
08-27-2013 04:14 PM


القبطان هو من يمسك بدفة السفينة ويتولَّى قيادتها، ولكنَّ معنى هذه الكلمة يتمدَّد مجازاً ليشمل من يتولَّون القيادة في مختلف الحقول والشجون .. وفي المقابل يتجاوز معنى كلمة القرصان السَّطو المُسلَّح في عرض البحر أو الفضاء الجوي ليشمل السَّطو في فضاءات أخرى كثيرة.

عطفاً على التعاطي الحكومي مع كارثة السيول والفيضانات التي حلَّت ببعض ولايات السودان وخلَّفت خساراً فادحاً ومؤسفاً في الأرواح والممتلكات، قفزت إلى الذهن حادثتان ترتبطان بالقباطنة: أولاهما حادثة غرق "تايتنك" السفينة الأشهر في التاريخ الحديث والتي تذهب أغلب الرِّوايات إلى تحميل قبطانها "إدوارد سميث" القدر الأكبر من مسؤولية غرقها وهلاك الكثير ممن كانوا على متنها كونه كان مُعجباً بتصميم سفينته وضخامتها وفخامتها حد الغرور الذي جعله يعتقد جازماً أنها غير قابلة للغرق ويتجاهل احتياطات السَّلامة قبل وأثناء إبحارها .. فقبل الإقلاع قام السيد "سميث" بإنزال أكثر من نصف قوارب النجاة، التي وُزِّعت على جوانب السفينة وفقاً لعدد الركاب لإنقاذهم في حالة تعرضها للغرق، بحجة أنَّها تشوِّه منظر السفينة البديع وثقةً منه في أنَّ الركاب لن يحتاجوها .. بل إنَّه أصرَّ على أن تُبحِر "تايتنك" بأقصى سرعة لها متجاهلاً كل الرسائل التي التقطتها غرفة اللاسلكي بالسفينة من بعض السفن العابرة والتي كانت تنصحه بخفض السرعة بسبب الاقتراب من الدخول في منطقة مياه جليدية .. وعندما هرع إليه مراقب السفينة ليخبره بأنَّها على وشك الارتطام بجبلٍ جليدي، كان الوقت قد فات لحرف السفينة المندفعة بتلك السرعة الكبيرة عن اتجاه الجبل، فارتطمت به وتسرَّبت إليها المياه بكميات كبيرة هَوَت بها إلى قاع المحيط.

مثلما كان من الممكن لقبطان "تايتنك" أن يتفادى غرق سفينته، لو أنَّه اتبع الحرفية في ممارسة عمله ولم يتجاهل الرسائل التي التقطتها غرفة اللاسلكي، أو أن يتيح إمكانية انقاذ كلِّ من كان على متن السفينة لو أنَّه اتبع إجراءات السلامة وحمل معه ما يكفي من قوارب النجاة، فقد كان من الممكن لحكومة "الانقاذ" أن تدرأ، أو تخفِّف، عن مواطنيها مخاطر السيول والفيضانات لو أنَّها اتبعت الحرفية في ممارسة عملها، ولكنها - لسببٍ ما - لم تفعل حسب ما أكدَّه السيد والي الخرطوم، في مؤتمر صحفي يوم السبت قبل الماضي، بقوله: "الحكومة ما نبَّهت المواطنين بمخاطر الفيضان وكان من الممكن أن تتفاداه"، وذلك قبل أن يعترف بضعف البنى التحتية ويُعزِي تصدُّع الطرق الأسفلتية لعدم مطابقتها لمواصفات الجودة .. ولكي تستكمل دائرة العجز والفشل محيطها الكارثي، أُضيف قوسٌ آخر هو وضع العراقيل أمام مبادرات النفير الشعبي الإغاثي والتربص بالمعونات الخارجية وتسريبها للأسواق.

الفيلم السينمائي الشهير "تايتنك" يعرض مشهداً أخلاقياً ومأساوياً في آن واحد، لقبطان تلك السفينة المنكوبة، وهو أنَّه عندما أيقن أنَّ غرق السفينة أصبح أمراً حتمياً لم يفكر في أن يحجز لنفسه مكاناً في قوارب النجاة التي كانت سعتها تقل عن عدد الركاب الكلِّي، بل عاد إلى كابينة القيادة وأمسك بالدفة حتى أدركه الغرق وهو متشبثٌ بها .. لا أحد بالطبع كان يتوقع أو يرجو من قادة حكومة "الانقاذ" أن يلقوا بأجسادهم في مجاري السيول والفيضانات ليقضُوا غرقاً مع مَن قضَوا، لكن أقل ما كان مرجواً هو موقف أخلاقي في شكل استقالة يدفع بها أيٌ من الدستوريين، في المركز والولايات، الذين تتبع لهم الإدارات المسؤولة عن الفشل في تنبيه المواطنين بمخاطر السيول والفيضانات والقصور في تخطيط العمران السكني وتشييد البنى التحتية بالمواصفات المطلوبة والإدارات المسؤولة عن توزيع الإغاثة بالطريقة التي انتهت بجزءٍ منها للأسواق .. فالاستقالة تعني إتاحة الفرصة للتحقيق النزيه والمحاسبة العادلة على الفشل والقصور إلى جانب المراجعة النقدية الأمينة للسِّياسات والممارسات، وتعني قبل ذلك كلِّه اعتذاراً أخلاقياً للضحايا المشرَّدين وانحناءة أسف وخجل إنساني أمام شواهد قبور موتاهم وحطام منازلهم المنهارة.

الحادثة الثانية نوردها تعقيباً على تلك العبارة الصَّريحة الأسيانة التي أطلقها السيد والي الخرطوم وقال فيها: "عدم الثقة في الحكومة جعل أعمالها كلَّها لا تُصدّق" .. فبعد شهورٍ قليلة من حادثة غرق "تايتنك" كانت سفينة أخرى تقوم برحلة بين أروبا وأمريكا، وعندما أوغلت كثيراً في مياه المحيط جاءتها ريحٌ عاصفٌ وجاءها الموج من كلِّ مكان حتى ظنَّ مَن فيها أنهم قد أُحيط بهم .. ووسط هذا الجو المشحون بالقلق والخوف من معانقة الموت، طلب القبطان من الركاب أن يتجمعوا فى بهو السفينة انتظاراً لتعليماته باستخدام قوارب النجاة، إذا استدعى الأمر .. ومع مرور الوقت دون صدور تعليمات من القبطان، ولمَّا كانت حادثة "تايتنك" لم تزل في الأذهان، سرت شائعة بأنَّ السفينة تحمل قارب نجاة واحد سيستغله القبطان ومعاونوه تاركين البقية في مواجهة المصير المحتوم، فزاد القلق والخوف، إلاَّ أنَّ طفلاً صغيراً قفز على منضدةٍ وسط الجمع المرعوب وصاح فيهم قائلاً: "من فضلكم لا تصدقوا هذه الشائعة، أؤكد لكم أنَّ القبطان لن يتخلَّى عن واجبه .. لأنَّه أبي ويستحيل أن يهرب ويتركني للموت"، فكانت هذه الكلمات كافية لأن تعيد ثقة ركاب السفينة في قبطانهم ومعاونيه.

وليس بعيداً عن كلمات ذلك الطفل الحصيف ما أشار إليه الزعيم الهندي الراحل جواهر لال نهرو في إحدى الرسائل التي بعث بها إلى ابنته من السجن وقال فيها: "الحكومة الديمقراطية يا أنديرا تعامل الشعب كما يعامل الرجل زوجته وأولاده، يفكر حتى وهو على فراش الموت في حاضرهم ومستقبلهم وكيف يؤمِّن لهم حياةً كريمةً بعد رحيله .. أمَّا الحكومة الديكتاتورية فإنَّها تعامل الشعب كما يعامل الرجل عشيقته، تكون لمتعته أو لا تكون".

بين كلمتي القبطان والقرصان تتبدَّى جدلية القيادة الرشيدة الموثوق بها ونقيضها .. وإذا كان من يَصِلون للحكم والقيادة شرعاً يدركون أنَّ شرعيتهم تستند على استمرار ثقة المحكومين فيهم وأنَّ هذه الثقة رهينة بوجود مؤهلات فنية وأخلاقية تتعلق بكفاءة الأداء وعمق الإحساس بالناس الذين استأمنوهم أرواحهم ومصالحهم، فإنَّ من يَصِلون للحكم عنوةً، أو بشرعيةٍ زائفة، ليسوا بحاجة لهذه المؤهلات، لأنَّهم يستندون على قاعدة "لا يُسأل عمَّا يفعل" ولا يحملون أي عبء ضميري تجاه أرواح ومصالح من يحكمونهم، فيحوِّلون الحكومة من قبطان يقود سفينة الوطن لبرِّ الأمان إلى قرصانٍ يسطو عليها!!.



[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1442

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#753844 [فارس]
0.00/5 (0 صوت)

08-27-2013 10:22 PM
مفارقة الحكم للأخلاق تظهر بشكل يومي عند الإنقاذيين .. المقال لامس الحقيقة بمقاربات موفقة ولغة رفيعة..
حكومة الصادق المهدي فشلت في فيضان 88 والإنقاذ فشلت الآن، لكن الفرق أن الشعب كان يمكن ان يحاسب الصادق في اول انتخابات قادمة لو لم يقطعوا الطريق بانقلابهم المشؤوم ,, أما الإنقاذيون فحاسبهم عند الله.


#753836 [وا أسفاي]
0.00/5 (0 صوت)

08-27-2013 10:02 PM
مقال في الصميم .. ولكن اين هولاء من قول الخليفة الراشد عمر بن الحطاب "لو عثرت بغلة بالعراق لخفت ان يسالني لماذا لم اسوي لها الطريق"


#753828 [حامد]
0.00/5 (0 صوت)

08-27-2013 09:41 PM
Well-siad article and very expressive

هناك مصادر تاريخية تقول أن الفبطان سميث عندما أيقن من غرق السفينة أطلق النار على نفسه وانتحر تعبيرا عن تحمل المسؤولية نسبةً لأخطائه والله أعلم


#753761 [yasir abdelwahab]
5.00/5 (1 صوت)

08-27-2013 07:38 PM
اعجبني مقالك..لكن..هل تدري ان كل ما يسطر في الراكوبة يدرج في قوقل...
ما اوردته هنا فرية....كيف يتسني لقبطان ان يفعل ذلك ؟ حتي الفلم لم يقل ذلك..

بعضا من قراء الراكوبة برضو بفهمو..لا تختصروا عقولنا.. كل همنا ان ان نزيل السفله...
انت قلت

فقبل الإقلاع قام السيد "سميث" بإنزال أكثر من نصف قوارب النجاة، التي وُزِّعت على جوانب السفينة وفقاً لعدد الركاب لإنقاذهم في حالة تعرضها للغرق، بحجة أنَّها تشوِّه منظر السفينة البديع وثقةً منه في أنَّ الركاب لن يحتاجوها .. بل إنَّه أصرَّ على أن تُبحِر "تايتنك" بأقصى سرعة لها متجاهلاً كل


ردود على yasir abdelwahab
European Union [زياد] 08-27-2013 09:27 PM
غير رواية الفيلم هناك بعض الروايات فعلا تشير إلى أن قبطان تأتيك تعامل باستخلافه مع رسائل التحذير وتذكر بعض الروايات أن القبطان كان له دور بطولي وهو انه رفض أن يستغل قوارب النجاة لانها كانت تقل عن عدد المسافرين


#753724 [Abougadoura]
0.00/5 (0 صوت)

08-27-2013 06:32 PM
تايتنك دي ماكان قبطانها الصادق المهدي...وصلها لبر الامان ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ خلي فلسفتك وحكاويك الفاضية دي .


عمر الدقير
عمر الدقير

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة