المقالات
السياسة
السودان ما بين كوارث الطبيعة وكوارث الإنسان
السودان ما بين كوارث الطبيعة وكوارث الإنسان
08-28-2013 11:42 AM


بسم الله الرحمن الرحيم
السودان ما بين كوارث الطبيعة وكوارث الإنسان
قُدمت قبل فترة قصيرة إحدي حلقات برنامج سبعة أيام علي قناة ال BBC العربية، وتم تناول شأن السودان خلالها. والبرامج يقوم علي فكرة تناول أهم ما جاء في الصحف العربية خاصة والأجنبية عامة بالتعليق. عبر إستضافة صحفيين او معلقين سياسيين عرب في غالبيتهم وقليلا من الغربيين، وأظن أن ذلك بغرض التعرف علي وجهات النظر من الطرف الآخر. وإحدي فقرات البرامج تهتم بقضية، يظن معد البرامج او القائمون علي أمره، أنها لم تجد حظها من تسليط الأضواء الإعلامية عليها، خصوصا من جانب الصحف الكبري العربية منها والأجنبية. وفي هذه الفقرة بالتحديد تم تناول الشأن السوداني المشار إليه إعلاه، والمقصود أخبار الفيضانات والسيول التي إجتاحت البلاد هذا العام، كأحد لحظات غضب الطبيعة! والمؤكد أنه أمر طبيعي ومتوقع وحدث أكثر من مرة، وسيتوالي حدوثه كل فترة وفقا لقوانين الطبيعة، وله أسبابه العلمية والمنطقية. ولكن نقطة الخلاف والجدل او العلم والجهل او الفشل والنجاح، قد تكون في معرفة توقيته او دقة توقعه، او كيفية التعامل معه عند وقوعه وتقليل أخطاره!
وكعادة البرنامج يتم تقديم مقتطفات حول الموضوع المُثار، او نقاط متباينة لوجهات النظر حوله، عبر تسجيلات اولقاءات مع أصحاب الشأن او المسؤولين اللصيقين بتلك القضايا او أصحاب التأثير المباشر فيها، وذلك لمزيد من تسليط الضوء عليها. وفيما يخص القضية السودانية المشار إليها(الفيضانات والسيول) تم إيراد مقطع للسيد والي الخرطوم الدكتور عبدالرحمن الخضر، يتحدث فيه لمقدم البرامج الجيد علي قناة النيل الأزرق الأستاذ الطاهر حسن التوم(حسب التسجيل المعروض الذي لم يدم طويلا)، وتحدث فيه الوالي عن الفيضانات والسيول التي إجتاحت البلاد، وقدم الدكتور العلامة خلال حديثه وصفا لهذه القضية اي الفيضانات والسيول، مقللا من حجمها وتبعات آثارها وخطورتها بأنها ليست كارثة، لأن الكارثة حسب وصفه، يجب أن تصيب ما لا يقل عن نصف عدد السكان!! او هذه خلاصة ما عبر عنه في هذه اللقطات المقدمة. وأظن أن القائمين علي أمر هذا البرنامج في ال BBC لم يختاروا هذا المقطع عبثاً!(وسنعود لهذه الجزئية بشئ من التفصيل). المهم إتفق معظم المستضافين العرب بالذات، علي غياب هذه القضية عن الإعلام. وعزا بعضهم ذلك لسوء حظ السودان، الذي تترافق أحداثه الجسام، مع أحداث أخري حوله. مما يحجبها عن المتابعة او إعطاءها ما تستحقه من إهتمام. وأشار آخر الي ان الفيضانات ظلت تتكرر بإستمرار، وأن عجز الحكومات المتعاقبة عن علاجها، هو ما ظل يحدث في كل مرة! وهنالك راي آخر يري أن التعتيِّم الحكومي، هو سبب هذا التجاهل الخارجي(إحتمال يقصد نقص المعلومات الحقيقية) لأنه يظهرها بمظهر الضعف والفشل، وهذا بدوره يصب في صالح المعارضة. التي تستفيد بالتأكيد من أي سقطات لهذه الحكومة، وذلك ليس متاجرة بقضية إنسانية تستحق التعاون من قبل الجميع. ولكن لأن منطق الحكومة قائم علي قناعة، أنها قادرة علي حكم البلاد منفردة وأنها حققت إنجازات لا مثيل لها، وأن لا مكان لأحد في مشاركتها ثمرة تضحياتها ونجاحاتها العظيمة! وبالتالي عليها تحمل النتائج وحدها وفقا لمنطقها! وعكس إخوتنا العرب، لا أظن أن فشل هذه الحكومة يحتاج لأدلة إضافية، او مزيد من المآسِ والكوارث لتثبت ذلك العجز، الذي يسكن هياكلها ووظيفتها ومن يحملون عبء إستمرارها، مشاركة فعلية او بتقديم أي نوع من الدعم او التربرير يدفع عجلتها! والوحيد الذي قدم راي مخالف هو المعلق الأجنبي. الذي أكد أن هنالك إهتمام غربي، وبالذات من جانب الإعلام والحكومة الفرنسية ولجماعة نفير بالتحديد. وفاتني أن أذكر أن معظم المواد التي تم التطرق إليها، بخصوص الفيضانات والسيول في البرامج، مصدرها صحف سودانية كالميدان والصحافة والوطن، والصحيفة العربية الوحيدة التي تناولت الموضوع، وداخل صفحاتها الداخلية! هي صحيفة الشرق الأوسط اللندنية.
ويحمد لقناة ال BBC العربية إفرادها لمساحات جيدة لما يخص الشأن السوداني، وتوزيها للفرص بصورة مهنية، سواء للمعارضة اوالجانب الحكومي. ولكن مقارنة بحجم القضايا السودانية وكمية تعقيداتها، أعتقد أن علي القناة إفراد مساحات اوسع، للتعريف بها وإزالة اللبس عنها، وعن هذه الدولة المنسية او المهمشة في الإعلام والوجدان العربي. رغما عن بعض المجاملات او القضايا الإنسانية المأسة او الحروبات، التي تفرض نفسها علي قائمة الأخبار. ولكن تظل الحقيقة الجلية أن السودان كقطر وكتجربة سياسية وككيان ثقافي وحضاري ومعرفي، ظل يجد التجاهل والإهمال والتهميش. ويتعامل معه كملحق بالمجموعة العربية، او كالزائدة الدودية في الجسد العربي، التي لا يُعلم لها دور محدد، ولكن يتعامل معها فقط عند الإلتهابات، بإستئصالها(من البال) بغير رحمة للخلاص من آلامها وأوجاعها وخطورتها علي الحياة! او ينظر إليه كمن يفرض نفسه علي هذه القبيلة العربية، التي تضم سادة مكة وأمراء الخليج وترفُع الشوام ووصاية وزعامة الفراعنة. وبكلام واضح وبعيدا عن تذويق الكلمات، ظلت دول كالسودان وموريتانيا والصومال تعاني من عقدة اللون داخل هذه المجموعة. وعموما البشرة السوداء او السمراء او الخدرة باللفظة السودانية، حسب تدرج اللون اوموقف الواصف منه. ظلت تاريخيا تحتل مرتبة متواضعة اومكانة دونية في الذهنية والنفسية العربية، وتاليا يتم تجريدها من أي ميزات جمالية او إنسانية او قدرات أدارية او كفاءة علمية اوتأهيل للحكم ومسؤولياته! والأسوأ أنها يمكن أن تُتخذ كمطية للتندر وجلب الضحك الرخيص! وإذا حدث وأن خالف أحد المنتمين لها، هذه الشروط المجحفة التي توضع ضمنها وتؤطر لوصفها ولفهمها وللتعامل معها. فأن هذا الفرد او المجموعة الكاسر/ة لهذا الإطار الضيق والظالم. يجد القبول المتشكك او القابل للتراجع، تحت بوادر أي إنتكاسة او خلل ولو عرضي اي غير مقصود او مجرد نزعة فردية! مخالفة للمزاج الحاكم لهذه الجماعة العربية النقية او المدعية للنقاء! والمحتكرة للجمال والجدارة الشاملة(إدارية مهنية علمية إبداعية حق حكم الآخر ...الخ). وساعدها علي ذلك أن المجموعة ودعنا نصفها بالأفريقية، هي نفسها تُخضع ذاتها والآخر لنفس قيم ومعايير المجموعة العربية. ومن دون إخضاع هذه القيم والمعايير، لمبضع النقد او غربلتها جيدا، بعد مقارنتها بقيم أكثر موضوعية وعدالة وذات أبعاد عالمية او كونية. تضع الجميع أمامها علي قدم المساواة، بغض النظر عن الجهات والأعراق والديانات. التي يجدها الإنسان أمامه منذ ميلاده وتترافق مع تشكله ووعيه ونظرته للعالم من حوله، وبالتالي يستحيل عليها ان تحكم علي الأمور الخاصة والعامة بصورة عقلانية وعادلة، او تجردها من التحيزات الذاتية والمنفعة المتحصلة بواسطتها بوعيها او بدونه! لذلك ما يهم المعايير العاليمة العابرة للتكوينات الخاصة والرؤية الذاتية، هو المردود اونتائج عمل الفرد اوالمجموعة، ومدي إضافتها للحياة العامة او خصمها منها، او حضها علي السلم العالمي اوتفجيرها للحروب والنزاعات، او تشجيعها علي المبادرات الذاتية وتفجيرها للقدرات والطاقات والإبتكارات او تثبيطها للهمم وتقيدها بالتقليد والتكرار وبثها للمخاوف والإكراه...الخ، وبعد ذلك يتم التقييم. وكانت النتيجة المؤسفة لكل تلك الممارسات والتاريخ الصارخ بالتحيزات الظالمة ضد المجموعة الأفريقية، أن فقدت هذه الدول والمنتمين لها الثقة بأنفسهم وقدراتهم، وإستكانوا لدور التابع للمجموعة العربية، يتسقطون إعترافها ورضاها، صعب المنال وفقا لتكوينها السالف الذكر! والخلاصة أنهم أصبحوا كالأيتام( اي تحيز وإستعلاء وإستغلال ضد لون البشرة) علي هذه الموائد ولا يسمع لهم صوت او تقبل منه مشورة او تمنح لهم الأهلية الكاملة، للإنضمام لهذا النادي المغلق، والمستند علي تراث عظيم، من الفخر وعشق النسب ونقاء السلالة(أغلبه متوهم كما دل علم الوراثة الحديث!) وإمتلاك الصدر دون العالمين، وشرب الماء صفواً. وزاد الطين بلة والجهل أجنحة للتحليق في سماء الغرور، تدفق النفط وما تبعه من قوانين الكفالة للبعض، وشدة التأثر والأنجذاب للغرب(شكليا) وفرنسا بالتحديد للبعض الآخر، من زيادة وهم التفوق! ووضع مزيد من الحواجز علي دول الهامش المذكورة آنفاً. وفاقم من هذه الوضعية المأساوية المجحفة والمحزنة واللإنسانية، في حق المجموعة الأفريقية والسودانية بالتحديد، حبها وشدة تعلقها بهولاء السادة العرب! وشعورها بالهوان في حضرتهم، وفشلها في تقديم تجارب ناجحة، سواء تجارب سياسية علمية ثقافية اوتنموية تخلصهم من أغلال الحوجة المهينة لكرامتهم، وتجبر الآخرين علي تقديم فروض الإحترام والتقدير لها. والسبب في ذلك يعود لتعطيل نموها الطبيعي، السياسي والإجتماعي والإقتصادي، بإنقلابات عسكرية فرضت عليها تجارب مفارقة لحوجتها وإمكاناتها وبيئتها جبريا وعنفيا، مما حطم حيوية مجتمعاتها وثبط مفاعيل إنطلاقتها وتقدمها الي الأمام، وجعلها تتعلق مرضيا بهذا الأنموذج العربي. الغارق بدوره في بحور التخبط والتراجع والإستبداد، الذي لم تقوَ علي إخفائه مظاهر التمدن والتحضر الزائفة، التي تتمظهر في البني التحتية والخدمات(خليجيا بالذات)، ولم تعانق شقاف القلوب او يبرزها السلوك السوي او تعالج روح الإستعلاء الرابض في النفوس! والخلاصة إن غياب السودان وقضاياه ونبض مشاعر شعبه لدي المجموعة العربية. ظل هو الثابت الوحيد او السائد والمعتاد. والمتغير او الإستثناء هو حضوره او ذكره، و غالبا ما يحدث ذلك عند ظهور كوارث او أحداث جسام كما ذكرنا سابقا!
ونعود لقضية الفيضانات الغائبة عن الإعلام العربي، كما ذكر مقدم البرنامج علي شاشة BBC. وتركيزه علي تعليق والي الخرطوم وتعريفه للكارثة! وقد شعرت في تلك اللحظة أن مقدم البرنامج والسادة المستضافين، كتموا ضحكة مجلجلة لهذا التعريف الكارثي لمعني الكارثة. لتضاف لكارثة الفيضانات والسيول علي المصابين والمتعاطفين معهم، كوارث المسؤولين وفضائحهم علي الملأ! وغفلتهم ليس عن واجبات مناصبهم فقط! ولكن عن إستيعاب هذه الواجبات، وما تتطلبه من مهارة أداء، او مجرد إقناع للمتأثرين بأفعال وقرارات تترتب علي هذه الواجبات، المهدر دمها بفعل الإنقلابات العسكرية، والمجاملات السياسية والتنظيمية والعائلية والإجتماعية! وقد علق أحد المستضافين علي هذا التعريف ووصفه بالخاطئ! وحقيقة لا يحتاج المرء لمعرفة آراء المستضافين او غيرهم، لإستنكار هذا التعريف جملة وتفصيلا! ورغم جهلي بالتعريف العلمي للكارثة في حقلها السياسي او الإنساني او البيئي او غيرها من الحقول المعرفية. إلا أن هذا التعريف المغالي في فقدان الحس الإنساني والمسؤولية وروح التضامن مع الضحايا. يشكل قمة الإستفزاز ليس للضحايا فقط! ولكن حتي للمتابع العادي الذي لا تربطه صلة بالوطن من قريب او بعيد. ويدل علي مدي إبتعاد هولاء الحكام، السادرون في تبلدهم عن محكوميهم! وعن عظم غفلتهم عما يجري تحت أنظارهم العمياء. وإذا كان لا يتوفر لديهم أي قدر من الإحساس والتجاوب مع الضحايا لغربتهم عنهم وكرههم إياهم؟! فعلي الأقل كان عليهم وصف الواقع كما هو، كما تقتضي القليل من المصداقية والإنصاف! وبعد ذلك يمكن الحديث عن شكل التخفيف، من حجم الضرر او معرفة مسبباته ووسائل الحماية منه مستقبلاً. ولأن هذا التعريف المفارق للمنطق والإنصاف، حتي ولو كان ضحاياه حيوانات برية اونباتات صحراوية او أرض جرداء. يخالطه هوي سياسي وتنصل من تحمل المسؤولية وطموحات شخصية، إضافة الي أنه يتصادم مع روح العلمية والصدقية، التي يجب أن يتصف بها شاغل هذه المناصب الحساسة. إذا ما أردنا رد هيبة المنصب وإحترام شاغله! وكما أن التعريف يجب أن يتصف بالإحاطة والشمول, وإيصال رسالة تقرب الصورة والفهم لدي المتلقي بأوضح طريقة، لجعله في قلب الحدث. ليس لإستدرار عطفه او قبول تأيِّده! ولكن لحقه في المعرفة المجردة. وبعد ذلك مسألة مشاركته في حل الكارثة او مساهمته في التخفيف من حجم أضرارها، أو عدم إقتناعه و إمتناعه او تباطئه عن المشاركة! كل ذلك متروك لجهات أخري تتقن هذا الدور ولديها وسائل إقناعها وجذبها. لذلك إذا كان الوالي يقصد بهذا التعريف للكارثة(الجاهل بالكارثة) التخيف من أضرارها، او التنصل وحكومته من المساهمة الجادة في حلها، ورفع الضرر وتعويض الخسائر لكل الضحايا، فهذا يمثل الكارثة الحقيقية التي تحتاج للعلاج أولاً! أما إذا كان يعتقد فعلاً في هذا التعريف، فهنا الكارثة تكون أعظم. وعندها يكون أجتمع علينا، ليس قسوة قلوب الحكام وموت ضمائرهم وحدهما، ولكن جهلهم المركب رغم أنف الألقاب التي تزيِّن أسماءهم، ومعلوم أن الجهل مصيبة، ويجعل صاحبه جالب للمضرة، حتي إذا اراد بها المنفعة، فكيف يكون الحال إذا كانت المنفعة العامة نفسها منعدم في قاموسه؟! وعند هذه المرحلة بالتحديد يمكن وصف بلادنا بأنها بلاد الكوارث بكل أشكالها، الطبيعية منها والإنسانية، ولكن أشدها مصابا وأغورها تأثيرا وخطرا هي كوارث المسؤولين! من أمثال هذا الوالي الكارثة! علما بأن كوارث الطبيعة قد تكون بسبب الإنسان نفسه! ولكن السؤال اليس لوالي الولاية، مستشارون او جهات علمية مقربة منه؟ لمده بالبيانات الموثقة والمعلومات العلمية، بما فيها التعريفات لكل مسألة، قبل أن يستضاف ويتحدث عنها بإسهاب وكارثية كما فعل في اللقاء المشار إليه، والمؤكد أنه كان علي علم بموضوع الحلقة قبل وقتٍ كافٍ من تقديمها، وقد يكون معد البرامج ومقدمه وطاقم العمل رتبوا لكل التفاصيل قبل الإستضافة، وتمت مراجعتها معه، وهو من أعطي الضوء الأخضر لبثها وتقديمها!! والمحصلة أن الوالي بهذا التصريح الفضائحي، يجهل أوجب واجباته عند نزول الملمات والمحن! وهي علي الأقل معرفتها وتقدير حجمها وآثارها وتوابعها. لأنه إذا لم يعرفها ويقدر حجم أضررها او أنكرها من الأساس! فكيف يتسني له أن يضع لها معالجات او يخفف من وقعها علي المصابين! وحقيقة وبما أن وجود هذه الحكومة وبرافدها الإسلاموي، تمثل أعظم كارثة حلت بالبلاد، فهي تستمد شرعيتها ومبررات وجودها والتعاطف معها من أمثال هذه الكوارث، أي تتغذي علي النوازل والمحن، لذا إذا لم تجدها فهي تبحث عنها وتصنعها! بغض النظر عن الثمن الفادح الذي تدفعه البلاد! المهم عندها حصريا السلطة والمحافظة عليها لا غير!
وهو أيضا لا يعلم بحجم هذا الضرر وتداعياته، ورقة حال المصابين وفقرهم ومعاناتهم في تحصيل أمر المعايش العادية او الحياة العارية! ناهيك عن إعادة تأهيل وتعمير ما تم تدميره، بواسطة هذه الفيضانات والسيول. وضياع الأثاثات وقبلها الأرواح والإصابات لبعض المواطنين، والتعرض للجوع والمرض وسوء المآل! وضياع مدخرات السنين التي تحصلوا عليها بكد النحل وصبر النمل! وبعضها مازالت ديونها علي أكتافهم! في بلاد فُقدت فيها كل منافذ العمل النافع والكسب الحلال والصعود ببذل الجهد والعرق. وأصابها إعصار التفاوت الطبقي ومراكمة الأموال، عند أقلها جهدا وأكثرها بذخا وترفا، من دستوريين وسماسرة ومنظمين إسلامويين! لأنه لو علم ببعض ذلك لكان أكثر موضوعية، و لا نقول حنية او تجرد لقول الحق والإعتراف بالخطأ ولو لمرة واحدة. لأن تلك الفضائل خارج مدار شهوتهم للسلطة و الحكم!
وفي الحقيقة كارثة، ككارثة الفيضانات والسيول، لا تشكل إختبار لعقلية الوالي وطبيعة تفكيره، او الدوافع التي تحركه، كغيره من كوادر هذا التنظيم الكارِثي والحكومة الكارِثية! ولكنها تمثل أحد الأدلة المتكررة او مجرد علامة من العلامات التي لا تحصي ولا تعد، وتفصح بلسانٍ عملي كارثي مبين، عن طبيعة تكوين هذه النماذج الحكومية منها والتنظيمية الإسلاموية! فهذه النماذج لديها إعتقاد راسخ، بأنها خُلقت من أجل ان تحكم الآخرين، لتمتعها بقدرات سحرية لا تقهر وإمكانات عقلية فائقة، وضمير لم تخلق له عيون كي ينام! بمعني آخر هي موجودة وسابقة علي المسؤولية والواجب المترتب علي اي منصب او وظيفة، بل هما يتشرفان بهم! بمعني أوضح أنه كوالي او حاكم للولاية، مقدم علي المهام والأعباء المترتبة علي منصبه، وتاليا أي أداء يقوم به فهو من البديهيات، التي لا تخضع للتقييم او النقاش او المغالطات! أي أدائه متعالي علي القياس والمعايرة وفوق قدرات تقييم المحكومين هذا من جانب! ومن الجانب الآخر يجهل من يحاول التصدي لمهمة التقييم التعجيزية، الكثير من الحقائق والخفايا، التي يعلمها وحده! و لا يفصح عنها للعامة، كجزء من هيبة المنصب وقداسة سياساته، ولعدم ثقته في وعي وقدرة تحمل هولاء الأتباع القصر، مهما إمتلكوا من مقومات التقييم المتعارف عليها، لأن الإشكال في إشخاصهم كذوات، غير جديرة بمقارعة او مجادلة او مراجعة، من يفوقونهم حكمة و تجربة وتقوي وصلاح! أي يمارس المنصب السياسي كشيخ طريقة يمتلك الأسرار ولا يفصح إلا عن القليل منها، حتي لا يفقد هيبة مكانته او يتيح المجال لمن ينافسه في ملكه ومجاهداته وترقيه! وليظل هنالك جدار ولو وهمي، ولكنه يؤدي وظيفة الفصل بين الطرفين عن بعضهما، ويحدد إطار حركة ووظيفة وطموح كل طرف، وتاليا وهو الأهم إمتيازات ومكانة كل طرف! وفي ظل غياب نظام ديمقراطي او حكم رشيد، يفتح الطريق أمام إختبار المناصب وشاغليها، ويعيد الثقة للمحاسبة والتقييم بشفافية. وفي ظل وجود سلطة قهرية كنظام الإنقاذ(المعادي للسياسة والصالح العام). يكتسب ذلك السلوك المتعالي علي التقييم والمترفع علي الشعب! نوع من الحصانة! وهي ليست حصانة أمنية او سياسية بالمعني الضيق للكلمات. ولكنها حصانة معنوية تبلدية للأحاسيس والمسؤولية، وتاليا كل ما يصدر منها هو صحيح إبتداءً وفوق المراجعة، التي تفقد معناها وفاعليتها في حضورهم وممارساتهم! لأن الوالي مكتفي بذاته والمنصب مكتفي بالوالي! وأن السبب في بعض العثرات البسيطة والغير مقصودة، والمتعارضة مع تكوينه الكمالي السابق علي الأخطاء والتقصير! يرجع إما لغضب الطبيعة، وفي هذا إبتلاء من المولي عزَّ وجل، وفيه أجر ورحمة للمصابين، ودلالة علي صبرهم وعظمة إيمانهم وشكرهم علي منحهم، هذا الوالي التقي وحكومته المؤمنة والمسبحة ليل ونهار! او السبب يعود لتقصير من حوله، الذين لا يملكون عشر مقدراته، ولذلك يعجزون عن تنفيذ توجيهاته بحذافيرها، ويتسببون في هذا النوع من التقصير البسيط! الذي لا يستدعي كل هذه الزوبعة، والتخرصات التي يدعمها الحاقدون وأعداء النجاح او الكارهون لمشروعهم الرسالي من أعداء العقيدة والدين، بمعني يتم إلباس التقصير الأنساني والأخطاء التي ترتبط بالأداء البشري، لباس الدين وتاليا تحريم النقد او القبول المطلق لكل ما يصدر وينتج عن من يتبني المشروع الديني! حتي ولو خالف هذا الأداء فهمهم أنفسهم للدين! ولكنهم بعد علمهم أي نزول النوازل، يمكن لأولئك المقصرين ان يتعلموا من حكمة قادتهم، ويسارعوا بتلبية توجيهات قادتهم علي جناح السرعة! وهكذا تستمر الكوارث ويستمر التبرير، ويظل المسؤول بعيدا عن كل تلك الأجواء، معزولاً في قصر أوهامه السوبرمانية! بل ويظهر بمظهر أنه قام بواجبه وزيادة، ومجرد زيارته المتأخرة او مواساته التي تصدر من طرف اللسان، فضل ومِنَّة منه، تستقيم مع عمق تدينه وجهاده في سبيل الله، وسعيه لنشر الفضيلة علي سطح الأرض، والفضيلة عنده تعبر عن نفسها، في شكل مساهمات مالية من جيب الحكومة الخاص بعد خصم أتعابه! تُسخر في بناء جوامع فخمة وأعراس جماعية، للحفاة العراة الجوعي من غالبية المواطنين، مما يؤكد أن هذه الجماعة نبت مقطوع حتي عن التراث الديني الصوفي، الذي وسم الشخصية السودانية وتاريخها البعيد منها و القريب، وتحضرني هنا حكمة جميلة منسوبة، لشيخنا وحكيمنا فرح ودتكوك قبل ما يزيد عن المائة عام، والقائلة حسب ما يتردد علي اللسان العام( مافي دين بلا عجين) وبما أنها حكمة وبصيرة مستقاة من الواقع، وأكدتها الوقائع وعركتها الأيام وصقلتها السنين، وهي مسبقا صادرة من لسان صادق وقلب سليم لرجل من القرية عظيم. فهي مفارقة لهذه الجماعة الجشعة ومعادية للنظام الفارض للجوع، ومفسرة لغربتهم عن واقعهم ومجتمعهم وزمانهم ومكانهم! ولمزيد من التقوي يتم الإعلان عن تبرع جزافي في الهواء الطلق، ودون الرجوع أو إستئذان لبيت المال! فقط من أجل سماع هتاف وتهليل الجماهير المغلوبة علي إمرها، وتدفعها حوجتها لتصديق كل شئ بغير تدبر وتمحيص، أو كشف لسم جلب الدعم المستقبلي المدسوس في رحم هذا التبرع! الذي برعت فيه هذه النوعية من القيادات، الخاوية من أي منفعة او قدرة علي البناء والتعمير! وتعتقد واهمة أن الفضيلة تتنزل علي الأرض، بمجرد إطلاق لحي او مداعبة لحبات المسبحة امام الكاميرات، او علامة او ماركة مسجلة علي الجبهة الرطبة الندية! وتلاوة بعض آيات الذكر الحكيم التي تخدم أغراضهم الدنيوية! أي إتخاذ الدين الحنيف كوسيلة لتبرير الأفعال وجلب المنافع بكل الوسائل، وقد ينطبق عليهم قوله تعالي( يُخادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ اِلاَّ اَنْفُسَهُمْ
وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة 9) صدق الله العظيم . ولا ندري هل هذه الجماعة وأتباعها علي علم او جهل، بانهم منذ أن دخلوا علينا بانقلابهم الفاجر! بدأ الدين والقيم الخيِّرة تخرج من مجتمعنا ودولتنا يوما بعد يوم! وأن وهَمْ الفضيلة الذي يتلفحونه في غدوهم ورواحهم، عبر بعض الطقوس والشعائر الشكلية، التي لا تكلفهم الكثير من الجهد والمال! وفي نفس الوقت تدر عليهم عائد عظيم وإستثمار مربح! بطاقتها التأثيرية العالية علي شعب متدين بالفطرة. لن يدوم مدي الحياة ولن يقوي علي مقاومة تيار التناقض بين المثال والواقع، ومصيره الإنقلاب ضد مدعيه! والخلاصة أنه تم خلال هذا العهد الحكومي العقيِّم، وعلي أيدي أعضاء هذا التنظيم الإسلاموي الشبحي الغشيِّم. أكبر عملية إهانة للمناصب السياسية والمهنية، وتمت أكبر عملية سطو علي الوظيفة العامة، وإفراغ للمؤسسات من مضمونها ووظيفتها، والخدمة العامة من إنضباطها وحياديتها. وتم إطلاق لمارد الفساد من عقاله، ليتعملق ويملأ كل الفضاء الوطني ويتخلل كل الأرجاء والأفراد، ويكتسب صفة العادية وشرعية التواجد والإعلان! لدرجة جعلت المواطن لا يميز بين كوارث الطبيعة وكوارث المسؤولين، وجعلته يفقد الثقة في الساسة والمسؤولين والنخب التي تتصدي للشأن العام، وهذا بدوره أعظم كارثة، وأصعب علاجا من كوارث الطبيعة، التي يمكن التصدي لها مسبقا بكثير من الإحتياطات، او إزالة آثارها في فترة وجيزة من الزمن، بقليل من الهمة والجدية ومعرفة الإحتياجات الفعلية. أما رد الثقة في العملية السياسية والفاعلين السياسين، والنخب المهمومة حقا بالصالح العام. فهذا أمر في غاية الصعوبة ويحتاج لجهود مضنية ونماذج مقنعة وقوة تحمل وتسامح و تضحيات و نفس طويل، ولكنه ليس بمستحيل علي شعب صعب المراس، وضاربة جذوره في أعماق التاريخ، ونهل من نبع الحضارة منذ بواكير فجر البشرية.
أما فيما يخص كارثة الفيضانات والسيول(غصبا عن تعريف الوالي القاصر عن وصف الحال وتحمل مسؤولية المآل!) فنسأل الله في البدء، اللطف بالضحايا. وأن يجدوا كل العون الذي يخفف من وقع الضرر عليهم ويعوضهم علي الأقل الخسارة المادية. وأن يمنحهم علي المدي القريب حكاما اكثر دراية ومسؤولية وكفاءة ورأفة بهم وبحالهم. ويجنبهم شر الكوارث ما ظهر منها وما بطن. وفي كل الأحوال أن ما حدث قد حدث، وإستنادا الي مقولة منسوبة الي سبينوزا ( إذا وقعت واقعة عظيمة، لا تضحك ولا تبكِ وإنما فكر)، يجب أن تكون النظرة الآن في كيفية التخفيف من هذه الأضرار لأقصي مدي، بالتخلص من المياه الراكدة المصدر الأساس للأمراض والأوبئة، وتوفير ملاذات آمنة للضحايا من خيام وغيرها من وسائل السكن التي تتلاءم مع هذه الأوضاع. وتحديد الإحتياجات الفعلية العاجلة من الغذاء والكساء والأدوية والأمصال. وإسعاف الحالات العاجلة والخاصة. وإعداد خطة شاملة وواضحة ومؤثرة بكل الإحتياجات، وبمشاركة كل التخصصات والإستعانة بالسفراء والخبراء في كل المجالات، لإستقطاب دعم مقنع يتناسب مع حجم الكارثة. علي أن يقسم ويوزع بعد الحصول عليه، حسب الأولويات وبكل شفافية وبعيداً عن تدخل الجهات الحكومية، ويدها الثقيلة وحشف كيلها وإستبطان تأيِّدها ومتاجرتها ومناصرتها! ومحاولة إشراك كل قطاعات المجتمع، كأفراد ومؤسسات في الداخل والخارج في تقديم الدعم والمساعدة. وهذا لا يمثل تسوُّل أو إراقة لماء الوجه الوطني، ولكنها لغة عالمية تفرضها هذه الأحداث الطارئة، والمتجاوزة لمقدرة الأفراد والدول، والكل معرض لها في أي فترة من الفترات. وفيما يلي البيت الداخلي، يمكن ان تكون هذه المشاركات بداية لخلق حالة من التضامن العام بين إخوة الوطن، وإنطلاقة لتدشين فعل حقيقي لإزالة الحواجز بين المناطق والأعراق والديانات. والنظر بعين العطف الواجب لهذه الملمات. بغض النظر عن طبيعة الملمة او جهتها او المتأثرين بها. وعلي الرغم من أنها كارثة او حالة سلبية او مدعاة للخسارة والأسف، إلا أنها يمكن أن توظف إيجابياً، إذا ما تم التعامل معها بعقلانية وواقعية وعملية، وروح ساعية للإنطلاق الي الأمام، بعدم التوقف أمام العقبات والنكبات وندب الحظ والبكاء. فهي يمكن أن توظف لخلق حالة من التآلف الوطني بين جميع مكوناته كما اسلفنا، وهي قادرة علي التنبيه لإتباع الإسلوب العلمي في التخطيط والتنظيم والإدارة، في إدارة شؤون البلاد، بكشفها لكل عمليات التخبط والثغرات وعواقب الفساد والمجاملات في تولي المناصب وتحمل المسؤوليات. خاصة ما يخص تخطيط المدن والمشاريع القومية وعلاقتها بالأمطار والفيضانات علي سبيل المثال، أي بالدراسة المسبقة لمعرفة نقاط الضعف، سواء في مجري النيل او مجاري السيول. ويتم تأمينها او تبعد المخططات السكنية عن مساراتها. وعلي أن تتم عملية البناء بمواصفات جيدة، وبما أن جل المواطنين قد تم إفقارهم، عمدا أم عجزا أو تطاولا علي الحكم ومسؤولياته الجسيمة وإستسهالاً للسياسة، والولوج إليها من باب، الوجاهة والشعارات الجوفاء وتقديم المنافع الخاصة والعاجلة، علي الإستراتيجيات التنموية العلمية الجادة الشاملة، طويلة العمر بطيئة النتائج للنظرة المستعجلة، الناظرة لقضايا البلاد من منظور السياسة والحكم الضيقان وتلبية عاطفة الجماهير فقط. المهم بما أن معظم السكان فقراء ومعدمين، وإلا لإستخدموا المواد المسلحة والثابتة منذ البداية! وهنا يبرز دور الدولة والحكومات الصالحة، والواصلة الي الحكم عبر رغبة المواطنين ورضاهم، وتاليا قريبة من هموم المواطنين وحاجاهتم او علي الأقل خوفا مهنم ومن خيارتهم! بواجب البناء للمواطنين او الأقل إمكانات ودخل منهم، بمواد ثابتة وأسعار إقتصادية، تتلاءم مع طبيعة الأرض والبيئة المحيطة والتنبؤات المستقبلية اوالتغيرات الفجائية والمتوقعة، سواء في المناخ او زيادة السكان! وأن يتم تقصيِّد تلك المبالغ بصورة مريحة، تتناسب مع قلة دخلهم، وتعقيدات الحياة وزيادة مطالبها. علي أن تخصم من مرتبات العاملين بالدولة وتحديد أسس إسترداد تلك المبالغ لغير العاملين بالدولة، وفقا لمتوسط دخلهم الشهري. وتتم مكافأة كل من يسدد قيمة دينه بأسرع فرصة وقبل موعده. وأيضا يمكن تقديم دعم كبير للبنوك والشركات العقارية، وتشجيعها علي تقديم قروض وسلفيات ميسرة للراغبين في البناء بأسس ثابتة ومتينة، بإشراف البنك والجهات الهندسية في الدولة، علي أن يدفعا ثمن اي خسائر او أخطاء فنية او تجاوز للمواصفات، تحدث لاحقا او قبل العمر الإفتراضي للمبني، في العقد المبرم بينهما! لأن في ذلك ليس إستقرارا وحفظا لممتلكات المواطنين وتاليا حفظ لمصالح الدولة فقط. ولكن فيه تفعيل لقيمة المحاسبة والجدية من جانب، ومن الجانب الآخر فيه تشغيل لقطاع البناء، وفتح فرص عمل للعشرات من المرتبطين بهذا القطاع بتشعب تخصصاته. سواء كايدي عاملة مباشرة او تجارة وإنشاء مصانع ذات صلة متعلقة بعملية البناء. والمهم في هذا السياق، أن يرد الإعتبار لشفافية العطاءات الحكومية، ووزارة الأشغال السابقة، بكل سلطاتها وإستغلاليتها ومهنيتها ورقابتها وكفاءة كوادرها ودقة وإنضباط عملهم، أي كجهة او سلطة عليا، قرارتها نافذة علي كل الجهات، بما فيها رئاسة الجمهورية فيما يخص إختصاصاتها! وهكذا يتم التعامل مع كل الوزارت، بعد أن يتم التنسيق بينها، لمنع التضارب وتداخل الإختصاصات، كباب جالب لريح التعطيل والفساد! ولكن كل ذلك لا يمنع فتح تحقيقات شفافة في مؤسسات الأراضي و الشؤون الهندسية وكل الجهات ذات الصلة. التي تجاوزت المهام الموكلة إليها، وقامت بتخطيط وتوزيع مجاري الأنهار والسيول والأراضي الزراعية، مع علمها المسبق بها، وإلا لكانت عاجزة عن معرفة مهامها. مستقلة حوجة بسطاء المواطنين ورغبتهم في إقتناء بيت بالعاصمة بالذات و بأي شكل، يحميهم من شر تقلبات الطقس، ونار الإيجارات اللاسعة لجيبهم الفارغ ومهددة لسلامتهم النفسية والمجتمعية! وتكسبت من خلال هذه التجاوزات الكثير، لدرجة ما يمكن وصفه بتشكل مافيا الأراضي، وأمراء السمسرة وتجاوز او تطويع القوانين ومعرفة ثغراتها! وتفحص نظرتهم في إختيار الضحايا، وكل ذلك بسبب سرعة الثراء في هذا القطاع المثير الخطر! وكذلك يدعو التأمل والنظر في هذه الكارثة وتكرارها وتعاظم مضاعفاتها في العاصمة بالتحديد! التي توسعت بشكل إنفجاري، لكثرة القاطنين والراغبين في شد الرحال إليها كل صباح، دون أن يترافق ذلك مع تقدم في الخدمات يناسب زيادة سكانها! وتضجر اهلها القدامي الذين يشكون من تريِّفها! كأنها حائزة علي جائزة أكثر المدن، خضرة وتنسيق وتنظيم ونظافة وبهاء وجمال! وليست جزء من حال البلد الذي أحترف التراجع وعشق التدهور علي كل المستويات. وسكانها كغيرهم من ابناء الوطن شركاء في كل ذلك، أن لم يكن لهم قصب السبق في إحداث التغيير بالسلب او بالإيجاب! بمعني آخر هم يمثلون راس رمح و مقدمة التغيير بأوسع معانيه سياسي/إجتماعي/ثقافي ، او المختبر الذي تتخلق داخله مفاعيل التغيير، ومن ثم ينداح علي الآخرين. وهم من يدفع الثمن الأغلي من أكلاف التغيير، والجاني الأول والأكبر لثمار وأرباح التغيير! المهم أن الأمر كله يدعو الي إعادة النظر في شكل التنمية(النسبية، لأنه لاتوجد تنمية بالمعني الحقيقي للكلمة في كل البلاد، ولكن يوجد نوع من تسيير الحياة بالعافية!) غير المتوازنة بين العاصمة(مركز الحكومة والشوكة)، والتي تنال كل الرضا وتنعم بمعظم أموال التنمية الشحيحة أصلاً! بسبب فقر القيادات والمسؤولين وتخصصهم في (العك) السياسي من جهة، وجهلهم بمطالب التنمية الحقيقية من الجهة المقابلة. ولأن العاصمة تتركز فيها جل البني التحتية والخدمية وتاليا أصبحت منطقة جذب وتميز. وبين أقاليم البلاد الأخري، المفقرة والطاردة والمنسية. لدرجة أصبحت غير جاذبة لأهلها، بل وغير مؤهلة لتلبية حاجاتهم الأساسية في العمل والعلاج والصحة...الخ، ناهيك عن إغراء الغرباء عنها، الباحثين عن ضالتهم في العمل والثراء وجني المكاسب.
ولكن كل ذلك، يجب ألا يحرف بصرنا وهمتنا عن رؤية و تغيير العقبة الكيزانية الكؤود، التي تحول دون إنجاز أي معالجات للتعقيدات القائمة، او تقديم أمل في مستقبل واعد او مظان تطور او تقدم ولو في أدني درجة. سواء في شكل مشاريع تنموية شاملة وراعية لكل سكان البلاد. او في رفع مستوي دخلهم الذي يمكنهم ليس من إنجاز سكن مناسب يليق بآدميتهم(الفاقدة للإعتراف ممارسة) ويقيهم الخوف من تقلبات الطبيعة المعلومة، ويفتح لها مسارات لتمارس عاداتها من غير آثار سلبية علي الإنسان، الذي أجبرته الظروف علي الوقوف أمام قوانينها وتطويعها لمصلحته بالعلم والإرادة. والتعرض لغضبتها بالغفلة والتبديد لعطاءها، وعدم منحها حقها بالمحافظة علي توازنها البيئي! ولكن للوصول لمستوي من الرفاه متقدم، علي الأقل بالنسبة لقارة إفريقيا والدول النامية. بل وعليهم واجب الوقوف وتقديم العون والخبرات، لآخرين أقل حظا ونصيبا من ثرواتهم وموقعهم وتحديثهم وبعض رجالتهم العظماء. والأهم من كل ذلك أن يجد المواطن نفسه. ويبدع في أداء دوره المؤهل له والمقتنع به بكل حرية! أي تخليصه من دور الرعية والتابع, كشئ ثانوي يُتحكم فيه بواسطة، مجموعات تدعي الفهم والمقدرة، وتاليا فرض الوصايه عليه، وفي حقيقة الأمر إستغلاله لتعظيم مكاسبها ورفعة شأنها الذاتي! بمعني آخر تحرير المواطن من توسيله(إتخاذه كوسيلة) الي تغيئه( لو جاز التعبير، أي إعتباره غاية لحركة كل من يتحرك في المجال العمومي او يطرح نفسه كصاحب برامج او مشروع لتحسين شروط وجود المواطن علي الأض)!
ولن يتم كل ذلك إلا عبر، تغيير السلطة القهرية القائمة والعاجزة او الناكرة للحقوق الطبيعية للمواطن! أو إجبارها علي تغيير سلوكها ودفع ثمن أخطاءها، وقطعها نهائيا مع ماضيها المهدر والمنتهك لحقوق الأنسان، وإسلوبها الإستبدادي العنف الدموي الإرهابي في إدارة إمور البلاد، وتسببها في إحداث المزيد من الكوارث والأزمات كحكومة نكبات بإمتياز! لأن هذا النظام كما أسلفنا لا يمثل كارثة فقط! بل هو مصدر للكوارث او مُعَظِّم لآثارها عند وقوعها. لذك يعني إستمراره، إستمرار لمسلسل الكوارث والأزمات، أي هو والكوارث وجهان لعملة واحدة! وللأسف هي العملة المفروضة علي التداول في البلاد منذ الإنقلاب المشؤوم، والي أن يتكاتف الجميع ويعملوا بيدٍ واحدة للخلاص من هذا الكابوس الجاسم علي صدر هذا البلد المريض! والخطو خطوة متقدمة نحو بناء دولة المؤسسات والقانون، دولة العلم والمعرفة والتخطيط والنظام، دولة حقوق الإنسان والرأفة بالمواطن البسيط، دولة المحافظة علي البيئة والمستقبل! دولة تكتسب معناها وتؤدي وظيفتها، كوسيلة او آلية الغرض منها إدارة حياة المواطنين بصورة راقية وآمنة، وتنظم العلاقات بين المواطنين مع بعضهم البعض ومع كيان الدولة نفسه ومع بقية دول العالم. دولة قابلة للتغيير وقادرة علي المواكبة، والخضوع لإرادة المواطنين، أي الإرادة المنظمة التي تَطلِع بها الغالبية العظمي من المواطنين الأحرار عبر الإختيار الحر. والتي يتحول فيها المنصب الي دور وواجب ومهام، يكافأ من يشغله إذا ما أبدع في التعامل معه، او إبعاد كل من يفشل في القيام بهامه، ومحاسبة كل من يتجاوز مهامه وواجباته او يوظف المنصب لمصلحة شخصية او حزبية ضيقة! والخلاصة علي المواطن القيام بواجبه وكذلك المسؤول، ومن ثم نيل الكل لحقوقهم المشروعة. والأهم القيام بإنشاء مؤسسة مهمتها درء الكوارث بعد وقوعها والتعامل معها بمهنية وسرعة. وقبل ذلك القيام بالتنبؤات المسبقة والإنذار المبكر. بعد تزويدها بكل معينات العمل البشرية منها والتقنية. للقيام بواجبها علي أكمل وجه. بوصفها تتعامل مع جبهة شديدة الخطورة وعظيمة الأضرار، إذا ما فاجأت البلاد والعباد وهم غافلون! أما إذا وقعت الكوارث بعد القيام بكل الإحتياطات المتاحة، وتجاوزت بتوابعها كل حدود السيطرة. فعندها يجب توظيف كل إمكانات الدولة لإزالة الضرر والوقوف بجانب المتضررين، بإعتبارها حالة طارئة تستدعي شدة الإهتمام والتركيز والإنتباه. لأن حياة الإنسان أغلي شئ، وتتضاءل في حضرتها اي مطالب او أطماع مادية كانت او معنوية!
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1318

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة