المقالات
السياسة
الفوضى الخلاقة والشرق الاوسط الجديد
الفوضى الخلاقة والشرق الاوسط الجديد
08-28-2013 07:12 PM


الفوضى الخلاقة هي واحدة من الاستراتيجيات الامريكية لإحداث تغيير جزري على الاوضاع في الشرق الاوسط وهي تقوم على خلق اوضاع سياسية جديدة ومستقرة بعد فوضى كبيرة يعم المنطقة اي ان تحقيق الفكرة مرتبط بشكل كبير بنزاعات وحروب داخلية و إقتتال تشمل كافة ارجاء المنطقة المعنية ، ولقد ظهرت المصطلح الى قلب السياسة الخارجية الامريكية في الشرق الاوسط في عهد الرئيس الامريكي جورج بوش الابن اي بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م " تفجير برجي التجارة العالمية وجزء من مبنى البنتاغون بواسطة تنظيم القاعدة وزعيمها اسامة بن لادن الذي قتل مؤخراً في باكستان بواسطة قوات امريكية خاصة بعد مطاردة شرسة استمرت عقداً من الزمان وذلك في العام 2011م ، مهندسة فكرة الفوضى الخلاقة هي مستشارة الامن القومي ووزيرة الخارجية الامريكية كونداليزا رايس في عهد الرئيس جورج بوش فعندما سئلت عن الفوضى التي يمكن ان يولدها التدخل الامريكي في الشرق الاوسط قالت : " إن الوضع الحالي ليس مستقراً ، و آن الفوضى التي تنتجها عملية التحول الديمقراطي في البداية ، هي فوضى خلاقة ، ربما تنتج في النهاية ، وضعاً افضل من الذي تعيشه حالياً " لقد كان احداث الحادي عشر من سبتمبر نقطة فاصلة في التفكير الاستراتيجي الامريكي .
الجماعات الاسلامية كانت موجودة قبل تلك الاحداث لكن لم يكن الاهتمام الامريكي بها بمثل اهتمامها بعد الاحداث لانها عكست حجم تهديد الجماعات الاسلامية بالنسبة للولايات المتحدة التي استطاعت ضرب امريكا في حصنها الحصين الذي يُرصد لها ما يقارب الــــ800 مليار دولار سنوياً لحماية المصالح الامريكية في الخارج والداخل لكن تكتيكات تلك الجماعات جعل متخذي و صانعي القرار الامريكي ومراكز الدراسات للالتفات للثغرات التي تم الإغفال عنها لزمن طويل حيث تم تركيز محاربة الجماعات الاسلامية في الخارج وتم نسيان الداخل الامريكي وذلك للثقة في الاجهزة الامنية و الــسي اي اي وهي تمتلك احدث الاجهزة للكشف والحصول على اي معلومات تتعلق بتهديد امريكا وحلفائها ، لكن ما ظهرت إن تلك الاجراءات لم تكن كافية فكان لا بد من اتخاذ المزيد من الاجراءات وهو ماحدث بالفعل حيث تم غزو حركة طالبان وتنظيم القاعدة في معاقلها في افغانستان وشملت العراق في العام 2003م كما من المهم الإشارة إلا آن تنظيم القاعدة وحركة طالبان صنيعة امريكية بإمتياز بغرض محاربة الاتحاد السوفيتي اثناء فترة الحرب الباردة .
لا يمكن التكهن بما سينتهي اليه السياسة الامريكية في الشرق الاوسط في الوقت الراهن فالمشروع مازال في بداياتها وهي تسير ببطء شديد وتواجه بمقاومة شديدة لانها ليست جازبة بالنسبة للدول التي هي مسرح لتلك الاحداث وفي الجانب الاخر هي تحقق المصالح الامريكية الاستراتيجية في المنطقة على المدى البعيد فما كانت تشير اليها كونداليزا رايس إن الفوضى يمكن ان تخلق استقرار ليس لها فترة زمنية محددة يمكن ان تعود الاستقرار فيها لتلك الدول التي تعاني من الفوضى فافغانستان مازالت تعيش تلك الفوضى على الرغم من انها تتعافى إلا انها غير كافية فتنظيم القاعدة وحركة طالبان ما زالتا قادرتان على إلحاق الضرر بمؤسسات الدولة وانظمتها السياسية ومواطنيها ؛ و إضطر امريكا للاتفاق معها لفتح مكتب سياسي في قطر وقبلت بالتفاوض معها وهو ما يعني ان طالبان وتنظيم القاعدة ما زالتا قويتان و لا يمكن إزاحتهما من المسرح الامني والسياسي في افغانستان بعد اكثر من عشر سنوات من التدخل الامريكي ، مازال طالبان وتنظيم القاعدة يقاومان تقليم الاظافر وترويضهم ليتم التقليل من خطورتهم ، ووجدت الخطوة الامريكية معارضة شديدة من الحكومة الافغانية ورئيسها حامد كرزاي لانه يسحب البساط من تحته و يؤكد مدى فشل الحكومة في محاربتهم وهي لا تريد ان تظهر بمظهر الضعيف واحتجت كابول على تسمية مكتب طالبان في الدوحة ‘ المكتب السياسي لامارة افغانستان الاسلامية ’ وهو الاسم الذي كانت حركة طالبان تطلقه على افغانستان في ظل نظامها الذي حكم البلاد من 1996 الى 2001م و لا يزال المتمردون يستخدمونه ، ان قبول كرزاي للخطوة كان سيعتبر بمثابة اعتراف بنظام طالبان وغداة هذا الاعلان اعرب كرزاي عن استيائه الشديد واعلنت الرئاسة الافغانية تعليق مفاوضاتها حول اتفاق امني مع الولايات المتحدة لما بعد انسحاب قوات الحلف الاطلسي في نهاية 2014م وهددت بعدم اجراء محادثات مع طالبان في مكتب المتمردين في الدوحة مما جعل امريكا تتراجع في نهاية المطاف لحين الحصول على موافقة الرئيس الافغاني .
وفي العراق الذي كان صدام يمثل فيها تهديداً للمصالح الامريكية و للشعب العراقي والاقليم وفقاً للرؤية الامريكية على الرغم من انه كان حليفاً لها ، فالعراق ظلت محور النزاع والحروب التي جرت في الخليج منذ الثمانينات بدءاً بحرب الخليج الاولى في 1980م الى 1988م بين العراق وايران والتي حصل فيها العراق على دعم امريكي غير محدود لمحاربة ايران وحرب الخليج الثانية عقب احتلال العراق للكويت والتي عرفت بعاصفة الصحراء وحرب الخليج الثالثة وكانت مسرحها ايضاً العراق حيث تعرض للغزو الامريكي في 23 مارس 2003م لكن الولايات المتحدة لم تكسب الرهان في حربها بالعراق فالاوضاع الامنية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم وكذلك النسيج الاجتماعي تتعرض للتفكك بسبب النزاعات ما بين السُنة والشيعة والحكم الشبه الديكتاتوري لنوري المالكي الذي يدير البلاد بيد من حديد حتى آن نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي هرب من البلاد بعد إن حُكم عليه بالاعدام بسبب تهم واهية و ذلك في خلاف بينه و المالكي ، والتفجيرات الانتحارية ما زالت مستمرة بعد عشرة اعوام من الاحتلال الامريكي ، والسؤال الذي يطرح نفسه هو مدى نجاح السياسة الامريكية لاعادة ترتيب الشرق الاوسط وخلق الشرق الاوسط الجديد الكبير وفقاً للمفهوم الامريكي التي ستاتي بالهدوء وبانظمة اكثر سيطرة على الجماعات الاسلامية ؟ .
بعد تولي الرئيس باراك اوباما لمقاليد الامور في البيت الابيض في بدايات 2009م إختار زيارة المنطقة بعد 100 يوم من حكمه حيث تم اختيار القاهرة مكاناً ليلقي منه اوباما خطابه الموجه للعالم الاسلامي وهو ما يؤكد ان الرئيس باراك اوباما باعتباره كان يتابع فترة الرئيس بوش الابن عن قرب قد وضع رؤيته الخاصة واستراتيجيته لكيفية مواجهة الارهاب المتنامي والتقليل من خطورته دون مواجهته بصورة مباشرة كما فعل سلفه بوش لكن الفوضى الخلاقة لم تغيب عن ادارة اوباما كمشروع استراتيجي لخلق انظمة سياسية اكثر استقراراً واكثر قدرة في مواجهة الارهاب او حتى تطويعه ، اثناء الاعلان عن زيارة الرئيس باراك اوباما للقاهرة وتوجيه كلمة للعالم الاسلامي رفض الاخوان المسلمين الفكرة ولم ترحب بها إلا انها لم تكن تعلم إن الزيارة ستكون فاتحة خير لهم و لو مؤقتاً . لقد إحتوى خطاب اوباما في القاهرة سبعة محاور وهي على النحو التالي : المحور الاول كانت هي التطرف العنيف بكافة أشكاله ، المحور الثاني الوضع ما بين الاسرائيليين والفلسطينيين والعالم العربي ، المحور الثالث حقوق الدول ومسئولياتها بشأن الاسلحة النووية ، المحور الرابع هو الديمقراطية ، المحور الخامس الخامس الحريات الدينية ، المحور السادس حقوق المرأة ، والمحور السابع التنمية الاقتصادية وتنمية الفرص . سنركز في التحليل على محور التطرف والحريات الدينية مع التركيز اكثر على التطرف العنيف لارتباط المحورين بالاحداث التي سميت بالربيع العربي والتي اخرجت حكام ظلوا يحكمون لما يقارب الثلاثة عقود على قمة السلطة ففي خطاب الرئيس اوباما قال إن المتطرفين الذين يمارسون العنف إستغلوا التوترات في قطاع صغير من العالم الاسلامي بشكل فعال ، ووقعت احداث 11 سبتمبر 2001م واستمر هولاء المتطرفين في ارتكاب اعمال عنف ضد المدنيين ، وإن اعتبار البعض في امريكا والبلدان الغربية الاسلام معادياً ادى الى مزيد من الخوف وعدم الثقة ، و كان رؤية اوباما الرئيسية في القاهرة هو البحث عن علاقات جديدة مع الجماعات الاسلامية في العالم الاسلامي ولقد اعتقد اوباما إنه اكثر فهماً وقرباً بالنسبة للجماعات الاسلامية بحكم خلفيته حيث كان والده مسلماً ، ويمكن للجماعات الاسلامية ان تثق فيه اكثر حيث يشير البعض على ان اوباما نفسه كان مسلماً لكن الامر ليس مؤكداً إن كان حقيقة ام لا ؟ ، ولقد وجد فوزه قبولاً وارتياحاً لدي الكثير من الانظمة الاسلامية .
إن مجرد تفكير الولايات المتحدة بخلق شراكة استراتيجية مع الجماعات الاسلامية مهما كانت اتجهاتها من حيث ممارستها للعنف تعكس مدى الياس الذي تملك امريكا في حربها الضروس على الارهاب ، فزيارة اوباما للقاهرة كان يعتبرها الاخوان المسلمين بداية جديدة للمزيد من التضييق عليها لكنها كانت ضوء في نهاية النفق ادت الى سنين من الازدهار والتمتع بالسلطة والسيطرة في كل من تونس وليبيا ومصر ، لقد راهن اوباما في سياسته لمحاربة الارهاب على التحالف مع الجماعات الاسلامية فالتحالف معها ستجعلها شريكاً في التوسط بينها والجماعات الاخرى الاكثر تطرفاً وهو ما حدث فعلاً في تونس ومصر وليبيا في العام 2011م و ظلت امريكا قريبة كل القرب من عمليات التحول السياسي التي جرت في القاهرة حتى تاكدت من فوز الاخوان المسلمين في انتخابات رئاسة الجمهورية والتي اشار البعض على ضغوطات مورست لاعلان فوز الجماعة الاسلامية في مصر برئاسة الجمهورية بعلم من امريكا ، لقد كانت الاصوات في الجولة الثانية بين شفيق ومرسي متقاربة جداً وهو ما يرجح فكرة تزوير الانتخابات لكن الاحزاب السياسية المصرية التي شاركت في الثورة ساهمت في فوز الاخوان المسلمين بالسلطة لانهم قدموا كامل دعمهم السياسي حتى لا يفوز شفيق بالانتخابات لانه كان محسوباً لتيار مبارك وهو ما يعكس حالة الارتجال وعدم وجود اي خطط من قبل المنظمات المدنية والاحزاب السياسية للتعامل مع الوضع في مصر بعد الثورة او كيف سيتم إدارة البلاد بعد رحيل مبارك ، بعد شهور من تولي الاخوان على السلطة في مصر تدارك المصريين حجم الخطاء الذي ارتكبوه بدعمهم للاخوان حيث كان مرسي بعيداً كل البعد عن الواقع المصري وكان يعمل بكل جهده لتحقيق اهداف الاخوان المسلمين وظهر جلياً إن افكار الاخوان لم تتغير وانها ليست جاهزة لقيادة الدولة المصرية حيث كان انصار مرسي يحاصرون مؤسسات الدولة مثل المحكمة الدستورية ومدينة الانتاج الاعلامي و الاعلان الدستوري الذي اصدره مرسي الذي حصن به قراراته وإعفاء النائب العام وتعيينه سفيراً في الفاتيكان والكثير من الاخطاء التي لا تحصى لكن الدعم الامريكي اللا محدود ظلت مستمرة لجماعة الاخوان المسلمين مما يحير كل المراقبين عن كيف حدث هذا التحول في السياسة الخارجية و الامنية الامريكية من محاربة الجماعات الاسلامية و الارهابية الى دعمها سياسياً ومعنوياً و حتى مادياً حيث يشير البعض الى صفقات تقدر بالمليارات عقد بين الاخوان في مصر و الحكومة الامريكية وهو ما يطرح سؤال حول هل كان فكرة التحالف والشراكة مع الجماعات الاسلامية في الشرق الاوسط هي جزء من اليات تنفيذ فكرة الفوضى الخلاقة التي ستنتج في نهايتها الشرق الاوسط الجديد ؟ ام إن الفكرة استحدثتها إدارة اوباما من رحم الفوضى الخلاقة لكن بشكل اخر ؟ لقد كان إدارة الرئيس بوش اكثر صرامةً وحسماً في التعامل مع كافة اشكال التطرف والجماعات الاسلامية اينما وجدوا لذلك لم تتردد من شن حروب في افغانستان والعراق ؛ لم يكن من الممكن توقع موقف اخر خلاف الحرب الذي شنتها إدارة بوش وقام بتقسيم العالم الى اثنين من يدعمون الارهاب ومن يدعمون واشنطن في حربها على الارهاب لان الصدمة كانت كبيرة جداً جراء مقتل الالاف من المواطنين الامريكيين ، لكن إذا صحت إن التحالف مع الجماعات الاسلامية هي جزء من المخطط الذي رسمه إدارة الرئيس بوش فهذا يعني إن الاخوان كانوا عناصر وسيطة وإن امريكا كانت على علم إن الانظمة التي ستقوم على اساس إسلامي ستفشل في الحكم لانها ببساطة ستواجه بمقاومة كبيرة من قبل مجموعات كبيرة من الشعوب التي سيحكمونها و إن تلك المقاومة ستتحول الى كراهية لتلك الجماعات كما يحدث ، لذلك سيسهل القضاء عليه بشكل نهائي ، لكن لا اعتقد إن هذا الاتجاه هو ما يسير عليه الاوضاع حالياً ويبدوا ان الادارة الامريكية قد عرفت وتيقنت بصعوبة محاربة تلك الجماعات الاسلامية المسلحة والقضاء عليه لذلك كان لابد من التحالف معهم حتى لو ادى الامر الى مواجهة مع الاطراف الاخرى الرافضة للاخوان فسيكون المواجهة بين امريكا و تلك الجماعات مواجهات سياسية ودبلوماسية عكس المواجهة مع الجماعات الاسلامية التي بدات تنقل حربها الى الداخل الامريكي و الى الدول الاوربية لذلك يبدوا ان هناك تنسيق وتحالف جديد اصبح تجمع اوربا و امريكا من جانب و الجماعات الاسلامية من الجانب الاخر فبقاء تلك الجماعات الاسلامية في الحكم ليس الهدف النهائي لان عزلها كما حدث في مصر ستجعلها توجه طاقاتها للداخل المصري و إلى الداخل التونسي والليبي وستتناسى عدوها الاكبر الولايات المتحدة و يستمر الدعم المعنوي والمالي لها من قبل الدول الاوربية و امريكا وفي حال سير المشروع الامريكي كما خطط لها فهذا سيعني إن الجماعات الاسلامية ستشعر بالرضاء من الغرب وبالتالي سيسهل التقليل من خطورته علماً إن خطورة الجماعات المتطرفة لا تقتصر على امريكا بل هي تشمل كل اوربا .
إن الاحداث التي تجري في مصر وجدت اهتماماً كبيراً من قبل المجتمع الدولي والاقليمي حيث تم استدعاء السفراء المصريين في الخارج في كل من بريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول واغلقت كندا سفارتها في مصر وإستدعت الاكوادور وفنزويلا سفرائها في مصر وطالبت تركيا بعقد اجتماع طارئ لمجلس الامن الدولي وقطعت الدنمارك مساعداتها لمصر وهددت المانيا بالمثل فالتحرك الدولي ليس بسبب حجم الازمة في الداخل المصري فحصيلة قتلى وجرحى قبيلتي الرزيقات والمعاليا في السودان بلغت حوالي خمسمائة قتيل وجريح و الاف النازحين فلماذا لم يكن هناك حراك مماثل للطلب من الحكومة السودانية بوضع حد لتلك النزاعات و التي من المعروف ان السودان تستخدم القبائل ضد البعض لمحاربة الحركات المسلحة في دارفور إذن الإدانات الدولية لمصر ليست لاسباب انسانية بل بسبب المكان الذي يحدث فيه تلك الاحداث حيث يعتبر مصر قلب الشرق الاوسط و يعتبر دولة محورية لها تاثيرها الكبير في مجريات الامور كما لاسرائيل نفس الاهمية على الرغم من صغر حجم دولة اسرائيل إلا انها اوجدت لنفسها مكانة لا تخطئه العين ، فكان ينبغي للسياسة الامريكية ان تنجح في مصر حتى تستقر في بقية الدول او يتم الترحاب به لكن فشلها في مصر يعني فشلها في كامل المنطقة وهو بمثابة خسارة استراتيجية لامريكا التي تحاول اعادة ترتيب المنطقة بحيث يكون من السهل السيطرة عليها لذلك تعمل امريكا بكل ما في وسعه للتاثير في المعادلة التي بدات تتغير دون سابق انذار فتركيا تخشى بشدة ان يتحول ما يحدث في مصر إليها وخشية من انقلاب الجيش على السلطة الحاكمة ، الموقف يعكس حجم الازدواجية التركية في سياستها الخارجية والداخلية فقبل شهر من الان قام الحكومة التركية بفض اعتصام سلمي في ميدان تقسيم رافضاً التفاوض مع المعتصمين وتم تفريقهما بالقوة ؛ الذي حدث في ميداني رابعة العدوية والنهضة لا يختلف عن الشي الذي كان يحدث قي ميدان تقسيم لذلك ليس هناك مبرر لوصف ما حدث في مصر بالابادة الجماعية فسلطة الدولة كان لا بد لها ان تسود في النهاية و إلا فقد الدولة المصرية السيطرة على اراضيها وفقد القانون هيبتها وهو ما كان سيحول مصر الى سوريا جديدة على الرغم من ان سوريا مازالت عصية و قوية بينما يفقد الجماعات الاسلامية قوتها من حين إلا اخر ، سياسات إدارة اوباما نحو الشرق الاوسط تفشل من مكان الى اخر فالوضع في ليبيا مازالت خارج السيطرة ولا يمكن التنبوء بمستقبلها حيث يسيطر الجماعات الاسلامية المسلحة على مقاليد الامور ولقد اكد مقتل السفير الامريكي في ليبيا كريستوفر استيفنز إن تنظيم القاعدة جعلت من ليبيا محطة لها كما ان حركة النهضة في تونس تواجه بمعارضة شديدة ستتبلور في القريب العاجل في شكل اتجاه جديد لطرد حركة النهضة من السلطة ، التهديدات الامريكية لمصر مفترغة من محتواها فهي لم تستطيع ان تفرض على سوريا اجندتها على الرغم من الدعم الكبير الذي يتلقاه الجماعات الاسلامية المتطرفة في سوريا من قطر وعدد من دول الخليج بينهم السعودية و اوربا بكاملها و امريكا نفسها ، إلا ان تماسك دول جوار سوريا ورفضهم التجاوب مع السياسة الامريكية اطالت من عُمر الرئيس الاسد وجعل المراقبين يتساءلون عن مدى قدرة الولايات المتحدة في فرض اجندتها في المنطقة ؟ فروسيا وايران وقفا بقوة مع سوريا وقاما بتوفير كافة الاحتياجات الامنية والتسليحية وحتى الدعم المالي للنظام السوري بينما وقف كل من العراق و لبنان و القاهرة و الاردن و الكثير من الدول العربية دون تدخل في الازمة السورية . و تدخلت حزب الله في الازمة مما جعلت موازين الصراع تميل لبشار الاسد و ذلك لان حزب الله كمليشيا تعرف لحرب العصابات اكثر من الجيش السوري باعتبارها جيش نظامي ، ما يزيد من مازق الولايات المتحدة في المنطقة هو آن حزب الله هو الحاكم الفعلي في لبنان على الرغم من وجود اجهزة و مؤسسات الدولة الامنية والمدنية وغيرها .

عندما إختار الرئيس المعزول مرسي الجنرال السيسي كان بسبب ما يشاع انه اخواني او اخواني التوجه وملتزم دينياً لكن لا اعتقد ان جماعة الاخوان المسلمين قد راجعوا ملف السيسي كثيراً قبل تعيينه وزيراً للدفاع - كما ان ظهور السيسي في مسرح الاحداث السياسية المصرية عرض المشروع الامريكي للفشل ، فالرجل مثار الجدل قام فى عام 2006م بكتابة ورقة بحثية اثناء بعثة تدريبية في كلية الحرب التابعة للجيش الامريكي ولقد كان وقتها عميداً في الجيش ، الورقة البحثية كان بعنوان " مستقبل الديمقراطية في الشرق الاوسط " و هو ما يدل آن الجيش المصري لم يكن بعيداً من تحولات السياسة الخارجية الامريكية نحو المنطقة وكانت تعلم إن التحالف الامريكي والاخواني اتي لا محال لذلك لا يمكن القول إن ما حدث في مصر من ثورة وصعود الاخوان على اعلى هرم السلطة في مصر كانت الاجهزة الامنية لا تعلم بها وهو ما يطرح سؤال عن كيفية وصول الفريق السيسي الى منصب وزير الدفاع ؟ فقبل ان يكون الخيار المفضل للاخوان كان الشخص المقبول من قبل الجيش ؛ لا يمكن لنا ان نجزم إن الاخوان اخطاوا عندما اختاروا السيسي وزيراً للدفاع لكن لا بد ان الخطاء في مكان ما ، فمن المحتمل ان يكون حصل تحول وتطور لرؤية السيسي حول الديمقراطية والدين الاسلامي في الشرق الاوسط او إن ممارسات الاخوان المسلمين في فترة سنة من حكمهم جعله يغير موقفه من اهمية بناء ديمقراطيات في الشرق الاوسط لا يستبعد منها الاسلام وكذلك الاستعجال الاخواني على تنزيل افكارهم عن الحكم الى ارض الواقع في اقل من سنة قد جعله يستدرك خطورة وهشاشة بناء انظمة سياسية على اساس إسلامي ، و يرى السيسي في ورقته البحثية الذي قدمه في كلية الحرب إن هذه المرحلة من تاريخ الشرق الأوسط ، تعتبر قضية الديمقراطية مهمة ، وان الشرق الاوسط مستعد لاخذها في الاعتبار كما ان الانظمة الحاكمة و المستبدة لم تحقق طموحات شعوبها في الازدهار والتطور و إن تاسيس انظمة ديمقراطية لا يمكن ان تقف امامها قضية الدين الاسلامي وعلاقته بالدولة و ان الديمقراطية يمكنها ان تتعايش مع الممارسة الديمقراطية ، محور رؤية السيسي للشرق الاوسط هي أن العقيدة الإسلامية هى الأساس الذى سيتم بناء نموذج شرق أوسطي من الديمقراطية عليه . على ان يتم احترام الاديان الاخرى ، بينما كان يرى التحدي في كيفية إقناع الغرب بتلك الديمقراطية القائمة على الدين الاسلامي ، ماجعلنا نذهب الى الاعتقاد إن افكار السيسي قد يكون حصلت فيها تحول او إن ممارسات الاخوان فرضت عليه تغيير نظرته حول إشراك مبادئ الشريعة الاسلامية في الحكم مثل قوله " ينبغى أن تضع الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية المعتقدات الإسلامية فى الاعتبار فى أثناء تنفيذ مهامها ، التغلب على الفقر يتيح فرصة أكبر لظهور الديمقراطية بشكل أسرع ، لا يمكن أن يطالب العالم بديمقراطية ثم يدين نتائجها لأن حزبًا غير موالٍ للغرب تولى السلطة بشكل شرعى " وكان يقصد بالجزئية الاخيرة المتعلقة بتولي انظمة غير موالية للغرب حركة حماس في فلسطين عندما فازت بالانتخابات التشريعية في العام 2006م والتي كانت تؤهله لتشكيل الحكومة الفلسطينية لكن الخلافات ادت الى الانقسام الذي ما زال حتى اليوم حيث يسيطر حماس على قطاع غزة وفتح على الضفة الغربية ، المازق الامريكي في مصر تكمن في انها تتعامل مع رجل عسكري له رؤيته الخاصة حول كيفية بناء الديمقراطيات في الشرق الاوسط لذلك كان الموقف الامريكي يشوبه الارتباك الكبير وعدم الوضوح مما يؤكد انها لم تكن تتوقع ما حدث وهي تحاول مقاومته لكن يبدوا ان الوقت و الاحداث قد تجاوزت ذلك ، لقد اشار بعض الوكالات إن وزير الدفاع المصري رفض الرد على مكالمة هاتفية من الرئيس باراك اوباما اثناء اقتحام ميداني النهضة والعدوية وإن الموظفين بمكتب السيسي ابلغوا موظفي البيت الابيض إن رئيس مصر هو المستشار عدلي منصور لذلك يجب عليهم الاتصال به ، ومن الملاحظ ان اوباما يرفض التعامل مباشر مع الرئيس المؤقت لانه يرى ان الرئيس هو مرسي وهي نفس رؤية الاخوان المسلمين لكن رفض السيسي استقبال مكالمة اوباما يؤكد إن مصر ماضية في إجراءتها ضد الاخوان دون الالتفات على مدى حجم الضغوطات ورفض التدخل الامريكي في الشان الداخلي .
امريكا لا تريد آن تظهر كضعيف لذلك مواقفها متشددة جداً حيال ما يجري في مصر لكن الحقيقة هي لا تستطيع ان تفعل شيئاً فمصر هو المسمار الذي يمنع إنهيار وعودة شبح حرب 1967م و 1973م بين العرب واسرائيل ، إدارة اوباما لا تستطيع المخاطرة بتفجير الاوضاع في المنطقة ، مصر مهمة لامريكا باعتبارها تسيطر على معبر مهم جداً وهي قناة السويس بالاضافة الى اتفاقية كامب ديفيد واي محاولة امريكية لإيقاف المساعدات عن مصر ستكون نتيجتها المباشرة إيقاف تنفيذ إتفاقية كامب ديفيد ، كما ان التفاوض الاسرائيلي الفلسطيني الذي بداء برعاية امريكية لا يمكن ان يكتب له النجاح دون ان يكون لمصر دور فيها ، او دون آن يجد الدعم من كل من السعودية والاردن وباقي الدول العربية ، اما وقف المناورات الامريكية المصرية المسمى بالنجم الساطع وإيقاف تسليم طائرات الميج 16 فليست اولوية بالنسبة لمصر حالياً لان حربها حالياً كيفية القضاء على الجماعات المتطرفة الارهابية ، الولايات المتحدة لا تمتلك كروت قوية حالياً لتغيير الاوضاع بل هي في العكس تسير ضدها و لا بد للامبراطورية آن تسبح مع التيار ؛ لقد كشفت وسائل اعلامية إن اوباما في نهايات شهر يوليو كان يحاول الاتصال بالفريق السيسي في الوقت الذي كان يتحدث فيها مع الامير بندر بن سلطان مدير المخابرات السعودية الذي كان في طريقه الى موسكو حيث إلتقى بالرئيس فلاديمير بوتين لمدة اربعة ساعات وكان مدير المخابرات السعودي قد تلقى دعوة لزيارة واشنطن ولقاء الرئيس باراك اوباما إلا انه لم يرد على الدعوة و هو ما يؤكد إن إصرار اوباما على بقاء الاخوان و مواجهة الحكومة الجديدة سيدخله في ازمة دبلوماسية مع حلفائها في المنطقة حيث سيزداد الدعم العربي والخليجي على مصر .
من الواضح آن اوباما يواجه ضغوطاً كبيراً من الجمهوريين لوقف المساعدات الامريكية التي تقدم لمصر لذلك هو يحاول تقديم تنازلات بين الحين والاخر إلا انه غير واثق إن الضغوطات ستنجح مع مصر لكن الجمهوريين يحاولون إظهار اوباما كفاشل في سياسته الخارجية للاستفادة من تلك الخطوة اثناء الانتخابات القادمة ، الادارة الامريكية في حاجة لمراجعة مشروعها الكبير في الشرق الاوسط لانها لن تنتج عنها شرق اوسط جديد بمقاسات امريكية بل ستكون بمقاسات سيسية ( السيسي ) و إذا حصل الامر وفقاً لرؤية السيسي فهي ستخلق حكومات جديدة قوية اكثر عداء لامريكا ولسياساتها و حكومات ترفض التدخل الخارجي فوزير الخارجية المصري اشار الى آن مصر تفكر جدياً في مراجعة ملف المساعدات الامريكية طالما بدات امريكا تستخدمها ككرت للضغط .
إذا كان الرؤية الامريكية من فكرة الفوضى الخلاقة هو توطين الجماعات الاسلامية في السلطة بعد فوضى فلا بد لها ان تعيد التفكير في المشروع لانها ستفشل بكل تاكيد لان الجماعات الاسلامية مكروهة من قبل الشعوب اما إذا كان الغرض منها هو إبعاد الجماعات الاسلامية من مسرح الاحداث في الشرق الاوسط بشكل نهائي فهذا لا يعني ان امريكا ستحقق مكاسب كبيرة لان الانظمة التي ستسود بعد الفوضى ستكون اكثر استقلالية وسترفض اي محاولات امريكية لترويضها فبقاءها ستكون في ايدي الشعوب ، اليوم امريكا اكثر ضعفاً من اي وقت كان خاصة في سيطرتها على الاوضاع في الشرق الاوسط فهي اصبحت تساير الاحداث دون ان تصنعها بينما روسيا تكسب كل يوم و اخر من اي خسارة امريكية ؛ لكن هذا لا يعني ان امريكا في طريقها للانهيار و لا اظن ان مصر ستحاول استبدال امريكا بروسيا و تصر على إلغاء المساعدات الامريكية طالما ان باب التفاوض سيظل مفتوحاً لكن على الاقل قبل ان تصل الامور الى نقطة اللا عودة و ذلك إذا إختار امريكا المواصلة في طريق الضغط المستمر ، خطورة فكرة الفوضى الخلاقة هي انها ليست معروفة ان كانت ستنتهي بإستقرار دائم ام انها ستحول بعض الدول إلى مستنقع الفشل والفوضى الدائمة مثل سوريا .


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 4116

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#754644 [مواطن]
1.00/5 (1 صوت)

08-28-2013 11:12 PM
الكاتب وقع في مغالطة تاريخية وهي أن الشهيد صدام حسين كان حليفا للولايات المتحدة ولكن
العكس هو الصحيح هو أن الشهيد صدام كان من ألد أعداء الولايات المتحدة والصهيونية العالمية
ولو تفحص الكاتب في نوع السلاح الذي كات لدى العراق في عهد الشهيد صدام لوجد أنه روسي
الصنع ولم تكن لدى العراق في عهده رصاصة واحدة من صنع أمريكي ....


كور متيوك
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة