المقالات
السياسة
متاوقتنا ولا بلح شوقي
متاوقتنا ولا بلح شوقي
01-17-2016 09:07 AM

أرغب في هذه الكلمة الرد على مقالة الأستاذ شوقي بدري الأخيرة التي عقب فيها على كلمتي "نحن ناس متاوقة ساكت يا شوقي". ولكن أريد قبل ذلك أن التمس ممن يطلبون منا أن نكف عن هذا السجال لكراهتهم رؤية الكتاب متماسكين الحزز. وهذا أجوادية سودانية لا مكان لها في إعراب السجال الفكري. فمتى حجزنا الكاتبين عن السجال ارتكبنا ما صح قانونياً تسميته ب"التعرض للكاتب أثناء تأدية واجيه". فالسجال بين الكُتاب، متى التزم أصوله، هو عنكوليب الفكر. فهم ملزمون بتحرير المسائل بضبط مصطلحها، وتحري حقائقها، والتحقق من سلامة الاستدلال فيها. فالسجال هو ابن هذه البيئة. وتنعقد على الكاتب تبعة هذا التحرير إذا كانت الحقيقة هي مطلبه . . والأجاويد يمتنعون.

قال شوقي مطاعناً نزولي انتخابات الرئاسة لعام 2010 إنه قرأ الماركسية في الجامعة ولم يسمع بشيوعي (مثلي) يشارك في انتخابات يجريها نظام مستبد أو رجعي. وعلقت في كلمتي على ذلك بقولي إن الشيوعي مأذون أن يشارك في مثل هذه الانتخابات متى التزم أصولاً معروفة جاءت عند لينين زعيم الحزب الشيوعي الروسي ومدبر ثورة 1917. وذكرت له إن الحزب الشيوعي السوداني اقتدى به حين قرر دخول المجلس المركزي على عهد الفريق عبود الديكتاتوري (1963). فوجه قطاع الطلاب فيه على الأخص لقراءة هذا النص. وتوقع الحزب منا كشباب أهل فتوة ومشاحنة مع النظام ألا نقبل ب"الدنية" في نضالنا بالمشاركة في مؤسسة ضاربة ديمقراطياً. وووجدنا نص لينين يجيز مثل هذه المشاركة، بل يحرض عليها متى أزف شرطها الموضوعي بحسب خبرة حزبه في خوض انتخابات لمجلس الدوما، وهو برلمانهم، وكذلك مقاطعة تلك الانتخابات.

نفى شوقي في رده مشاركة لينين في برلمان الروس في عهد القيصر ونظامه الإقطاعي. فقال إن الدوما االتي شارك فيها كانت تلك التي جري إنتخابها بعد الثورة في 1917. ويؤسفني مرة أخرى القول إن الصواب جانب شوقي. فلينين شارك في الدوما تحت ظل نظام القيصر الإقطاعي وهي الدوما الثالثة في 1907 مباشرة بعد قضاء القيصر على ثورة 1905. وكتب مقاله "ضد المقاطعة" (أي مقاطعة الإنتخابات، الرابط في أسفل المقال) عن التكتيك الماركسي، ومتى يقاطع الماركسي المساهمة في مؤسسة تشريعية فاسدة، ومتى يشارك فيها على ضوء خبرة حزبه في التعاطي مع الدوما الأولى (1905) والدوما الثانية (1906) والدوما الثالثة (1907).

عرّف لينين المقاطعة في مقاله بقوله إنها نضال لا يقع في إطار المؤسسة الرجعية (سنلتزم بوصفها بالرجعية بديلاً عن وصوف أخرى) المعنية، بل لمنع قيام هذه المؤسسة. فعليه، فهي تستوجب كفاحاً جماهيرياً مباشراً ضد النظام القائم لأنها رفض له بالأفعال لا بالكلمات. فالمقاطعة بذلك إعلان بالحرب ضد النظام بصورة مباشرة. وبذلك فهي أكثر أنواع الصراع حسماً لأنها لا ترفض هيئة المنظمة المعينة، بل أصل وجودها ذاته. ومتى تحدث لينين عن المقاطعة كان يعني بها المقاطعة الناشطة التي تهاجم النظام خلافاً لتلك التي تقتصر على رفض المشاركة في انتخابات مؤسسته. فمشروعية المقاطعة قائمة في كشف الغطاء عن الأوهام الدستورية للنظام.

ثار خلاف بين الثوريين الروس حول المشاركة في الدوما الثالثة الرجعية. وقال لينين إن قرار مقاطعة الدوما وضع مناقشة التكتيك الثوري على الطاولة. ففريق من الثوريين رأوا في الطبيعة الرجعية للدوما الثالثة سبباً كافياً في ذاته لمشروعية مقاطعتها. وزاد بأن مثل هذا الرأي فاسد جداً. فهو، كماركسي، لا يصل إلى رأيه ناظراً إلى درجة رجعية هذه المؤسسة أو تلك ولكنه يعتبر بالظروف الخاصة للصراع ليقرر على ضوئها تطبيق سلاح المقاطعة.

وساقه هذا إلى النظر في خبرة حزبه في المقاطعة الناجحة وهي مقاطعة الدوما في 1905 التي أراد بها القيصر احتواء الثورة (1905) التي بدأت ضده. وكانت دوما رجعية جداً. فوسع تمثيل ملاك الأراضي (65 في المائة من النواب)، وضيّق تمثيل الفلاحين والعمال، وحرم غير الروس من التصويت. وبفحص المقاطعة نجدها تمت في هذه الملابسات:

1-كانت المقاطعة صراعاً لمواصلة الثورة حتى لا يحتويها مشروع القيصر الدستوري البرلماني المخادع.

2-وقام بها شعب في حالة ثورة شاملة في حالة إضراب عام توجه تمرد بحارة السفينة "بوتمكن" المشهور. وقال لينين إنه ربما لم يكن الشعب في حاجة لمن يدعوه للمقاطعة لأنه لن يأت بجديد لجماهير متسلطنة في زخمها الثوري تبني مؤسستها التشريعية خلال تمردها.

وجاءت بعد دوما 1905 دوما 1906. وسبقتها إجراءت قيصرية قمعت الثورة في ديسمبر 1905. وحالت النكسة دون الجماهير والاستجابة لدعوة حزب لينين لمقاطعة انتخاباتها. وكان الحزب واصل التحريض للمقاطعة معولاً على زخم الثورة وشرارته التي كانت تنقدح برغم البوليسية القيصرية. ولم تنجح المقاطعة كما نجحت في 1905.

وجاءت الدوما الثالثة (1907) في مناخ تسيدت فيه القيصرية. وبالمقارنة مع مقاطعة 1905 توصل الحزب إلى أن لم يتبق أساس ثوري لاتخاذ قرار بالمقاطعة. فقد انتكست الثورة ولن يستدعيها الحزب للوجود بصرخات الحرب المجردة. فلم تعد دعوة الناس لمقاومة التوهم الدستوري القيصري تجد أذناً صاغية.

صور لينين تحدي المؤسسات البرلمانية الرجعية من جهة مقاطعتها ودخولها كطريقين: مباشر ومتعرج ( zigzag). فالماركسي ملزوم بالنضال المباشر المباغت حين تتوافر الشروط الموضوعية له. ولكن لا يمنع هذا، وكررها لينين، من سلوك الطريق المتعرج متى لم تأذن الظروف الثورية. فكل طريق متعرج هو مساومة بين دولة النظام القديم التي لم يعد بوسعها قمع الجديد الثوري وبين الجديد الثوري الذي لم يقو بعد للاطاحة بالقديم. فالماركسية لا ترفض المساومة بشكل نهائي.

واستعان لينين بإنجلز الذي جادل برنامج لثوريين في (1874) قالوا فيه أإنهم ضد المساومة. فسخر منهم إنجلز. فالمسألة، في قوله، ليست هي رفض مساومة حكمت علينا بها الظروف (وأعتذر لينين للقاريء لأنه يستعيد نص إنجلز من الذاكرة). فالمسألة هي كيف نقنع الطبقة العاملة بالسير إلى غاياتها خلال كل الظروف حتى على طريق متعرج وبالمساومة. واضاف أن لطريق المقاطعة إغراء لا يقاوم لطبيعته الواضحة المباشرة. ولكنه لم يغرهم بخطوطه المباشرة في الموقف من دوما 1907. فما اكتنفهم حيالها هو الظرف التاريخي الذي وضع حزبهم في شروط ثورية منتكسة أحوجته إلى الطريق المتعرج.

وطرح لينين السؤال الذي يفرض نفسه: ماهي المقاييس التي نحكم بها إن كان الطريق المباشر هو الطريق الواجب إتباعه؟ ما هي القسمات المميزة في الظروف الموضوعية التي تجعل الطريق المباشر القاصد (المقاطعة) ليس مجرد شعار ولكنه شعار مناسب للنضال الواقعي؟.

وأنتهى إلى أن شعار المقاطعة للدوما الثالثة غير وارد ولا مسوغ له. ويخطيء الماركسي بشدة متى ظن أن شعار المقاطعة صالح لكل مؤسسة برلمانية قبيحة أم حسنة. ونصح أنها لكبيرة أن نطابق بين البلشفية والمقاطعة بمعنى أنه مطلوب من البلشفي أن يقاطع بغض النظر. ووجه الحزب أن ينشغل، بجانب التحضير بصورة يومية لانتخابات الدوما الرجعية، بالتحريض والدعاية بين الناس ليشرح لهم بإتقان الصلة بين هزيمة الثورة في ديسمبر 1905 وتردي الدستورية القيصرية. وأن يغرس في الناس القناعة الراسخة أن هذا التردي والتبذل لن يقف عند حد،بل سيتفاقم إن لم يصده نضال جماهيري صميم.

لاول مرة بعد قراءتي نص لينين هذا ثانية بعد نحو نصف قرن من الأولى بدأت ترتسم في ذهني صورة ثورة أكتوبر 1964 كتطبيق خلاق للينينية. فكان أستاذنا عبد الخالق محجوب لينيناً كبيراً. وهذه خاطرة ربما لم تقع لي بهذا الوضوح لولا جدالي مع شوقي. فالخلاف رحمة أيضاً وفتح وسعة. وأنتظر أن أدرس هذه الثورة على ضوء التكتيك اللينيني في وقت قريب إن شاء الله.

http://www.marxists.org/archive/leni...ycott/vii.htm#

[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2284

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1401619 [hulfa]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2016 09:11 AM
اقتباس(وأنتظر أن أدرس هذه الثورة على ضوء التكتيك اللينيني في وقت قريب إن شاء الله)وان شاء الله دي طلعت منك كيف ..او ليس لينين هو رسولكم الذي تقتدون وتهتدون به هل في رسالته التي ارسل بها اليكم وجود لله او اعتراف بوجوده ..اتمنى من لله جل وعلا الا يجعل لكم موطء قدم ابدا في ارض السودان ارض التدين وارض الايمان طالما انكم تعتنقون هذا الفكر المتخلف المنكر لوجود الله ولوجود الرسل والغيبيات عموما وفقا لما ورد أن ماركس الذي تؤمنون به قال (الدين افيون الشعوب)نسال الله لك ولمن معك الهداية والتوبة والاوبة مما انتم فيه من ضلال

[hulfa]

#1401462 [مراقب]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2016 01:03 AM
و الله يا استاذ انتو بعيدين كل البعد عن مشاكل البلد و عن الجيل الحالي و القبلو و البعدو..
ديناصورات عايشين في زمن لينين و فتوات امدرمان.
نخب فاشلة و متحجرة و الدليل على فشلهم ان الكيزان يحكمون السودان منذ 26 عاما قابلة للزيادة من غير مقاومة او معارضة تذكر.
الله لا جاب عقابكم

[مراقب]

#1401322 [قنوط ميسزوري]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2016 05:56 PM
يعني سيادتك شاركت في إنتخابات السفّاح عملا بالسنة ، و لكل سنته و أحاديثه الصحيحة، و بقيت زي السلفية و الأخوان. ياخي جميل جدا و أي حاجة و لا مخالفة النص الصريح هههههههههه
على أي حال ما زلت مستمتعا بالردحي بينكما

[قنوط ميسزوري]

#1401221 [السماك]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2016 02:28 PM
بروفيسور .. ما دعاني إلى هذا التعليق إلا الإنصرافية التي يجسدها هذا السجال بينك والأستاذ شوقي .. ونحن بالطبع لا ندعي النهوض بعبء توجيه أمثالكما .. نحن أصغر منكم عمراً وأقل خبرة .. ولكن نرى أن السجال فيما قال تروتسكي أو فيما شارك لينين لا يفيدنا كثيراً في الوقت الحاضر ..

ألا ترى أن الأولى بأمثالكما السجال في قضية هوية السوداني التي يتهافت في السجال فيه في الخرطوم الذين فارقهم العلم بسبب لهثهم للوصل إلى كراسي السلطة أو سرقة أرض أو قتلتهم المجاعة بسبب المحق الذي حل بالسوداني خلال سنين الإنقاذ .. ألم يكن الأولى بقلميكما السجال حول تنظيم الناس لإسقاط نظام الكيزان ؟؟

[السماك]

#1401130 [007]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2016 12:14 PM
والله يا شوقى الزول دة حيتلح بيك ليل نهار ما شفت كيف تلح بالدكتور منصور خالد عشرين سنة ولليلة مباريه وعبدالخالق محجوب خمسين سنة والعداد رامى وكلو قال وقال.

شيل شيلتك كلكم رباطاب وحلوها بيناتكم.

[007]

#1401033 [The Dove above.]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2016 10:46 AM
والله يا عبد الله دى سلفية جديدة؟؟ يعنى لينين شارك في 1905 وكنتاج لتقديرات تخصه وتخصه بلده وانت عايز تتبعه وقع الحافر على الحافر...طيب دى تبقى سلفية يسارية ؟؟؟ وبعدين لينين لما شارك كان يمثل قوى أجتماعية ( عريضة) أنت بتمثل منو؟؟ قال ايه عنكوليب الفكر ..ياخى جنيانى أنت؟؟ طيب خلينا من دى كيف تتبرر مشاركتك للنظام في مؤتمر الحوار الوطنى شنو وهنالك زملاء لك في الحزب سابقا داخل بيوت الاشباح ومنهم من قضى نحبه...برضوا في سابقة عند لينين عشان تجد ليها Rationale ...أنا شايف انو الدرب راح ليك في ماء الصراع الاجتماعى والسياسى مع إخوان الشيطان ...عشان كده رجعت عروبيا ولم تثبت كما ثبت الخاتم عدلان في عليائه السامقة ورفاقه الميامين؟؟ قرط على كده

[The Dove above.]

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة