المقالات
السياسة
من سيخرج من سورية بعد الضربة
من سيخرج من سورية بعد الضربة
09-04-2013 09:21 PM

هل تقبل أن يُقتل 50 ألف رجل في خمسة أيام أم يُقتلوا في سنتين؟ يبدو أن هذه هي المعادلة التي يحاول حلها معظم من يفكر هل هو مع الضربة العسكرية لسورية أم لا؟ هناك مليون لاجئ سوري في تركيا، ومثلهم في الأردن -وغيرهم في بلاد الله الواسعة-، وحتى هؤلاء ينقسمون حول كيف يريدون الضربة العسكرية؟ بعضهم قال: نعم نريدها عاجلاً، آخرون قالوا: نعم، لكن ليس بيد الغريب، نريد أن نقوم بها نحن.

ربما ليست الضربة حلاًّ سيئاً، لكن تأخرها هو السيئ، ولو قام بها حلف الناتو لكان أفضل من أن تقوم بها دولة مثل أميركا من دون غطاء دولي، فقد بات من المؤكد أنها ستأتي بعد الخراب وبعد تسلل المليشيات والمرتزقة والمتحمسين الذين فشلوا في الاستيلاء على السلطة في بلادهم فقرروا أن يحصلوا عليها في سورية. هؤلاء حين يسقط النظام لن يخرجوا، بل سيطالِبون بحصتهم في الكعكة، فهم لم يأتوا ليقاتلوا على أرضها من أجل الجنة، كما زعموا، وحين تتدهور الأمور لا يعود حسنها إلا سيئاً والعكس صحيح.

ما زلت أذكر حرب 2003 ضد العراق، شاركت فيها بالأماني والأحلام مثل كثير من الناس، بأن نهاية صدام ستكون هي نهاية مشكلات العراق، بخاصة بعد أن قرأت ما كتبه أدباء ومثقفون عاشوا حياتهم تحت استبداد وتعذيب وظلم صدام، كما أن احتلاله للكويت كان الجريمة التي لم يعد لها من غفران، وهو من فتح قبراً كبيراً لشعارات الوحدة العربية وما تلاه من انقسام عربي، فاكتشفنا أننا العرب لم نكن يوماً في وحدة إلا في الأغاني والشعارات. لهذا، حين دقت طبول الحرب كنت ممن يقف في جمهور المتحمسين لها، مثلما يقف رجل روماني يشاهد مصارعة العبيد يفتك بعضهم ببعض من أجل المتعة وحيازة القوة. وقعت الحرب وعاش العراق فوضاه الخلاقة، وفي أحد مظاهرها مات طبيب جراح -زوج زميلتنا العراقية - بقنبلة زرعت في شارع، هو الذي عاش منفياً طوال عهد صدام هارباً من الإعدام. لو أن صدام قتله لكان موته على الأقل ذا قيمة، لكن أن تموت لمجرد أن تكون رقماً في عدد ضحايا لا أكثر، فهذا هو الرعب نفسه. اليوم سورية تقف على حافة بئر مشابهة لا تَعِدُ إلا بالجحيم، لأن طاغية جديداً استلزم تأديبه من الدول الكبرى. هذه المرة ستكتفي بضعضعة أعمدته كي يسهل إسقاطه من الداخل: خطة خفية، طيارات ذكية، صواريخ عبقرية وإعلام خبيث.

هل ستُطيح الضربة بالطاغية وحده أم ستطيح -كما حدث مع صدام- بالبلاد كلها؟ لماذا لا يسقط الطاغية عادة وحده؟ ولماذا يجر البلاد كلها معه إلى الخراب؟ إن كان القصف الأميركي وما تلاه من فوضى قد هدم المباني والآثار والأسواق والمؤسسات في العراق، فإن بشاراً فعل الشيء نفسه في عامين. النتيجة واحدة، والصور تجعلك تظن أن سورية خاضت حرباً عالمية، فأسواقها التاريخية هُدّمت، والبيوت والسيارات أحرقت، هذا غير الجثث طبعاً والقبور واللاجئين... كان لا بد من أن يضع الطاغية بلاده وشعبَها حزاماً حول خصره كي ينالهم ما يناله، يشبهون مختطفي المدنيين الذين يضعون شفرة السكين على رقبة الضحية كي يجعلوا حياتهم رهناً بحياة الضحية. يبدو أن الناس تدفع ثمناً لسقوط الطغاة، لأنهم بشكل أو بآخر ساهموا في صناعته، فهم من تواطأ معه وبرر ظلمه، بل وجعلوا ظلمه من التقوى، فقد قابلت سيدة سورية في دبي خرجت في بداية الثورة السورية، وتعمل هناك في شركة أجنبية، قالت لي مدافعةً عن بشار الأسد: «صحيح أن بشار سَجَن وطغى وأطلق يد جماعته في البلاد فاحتكروا الثروة وسرقوا الناس وتسلطوا عليهم، فوالدي تاجر السيارات هو واحد من الذين اشتروا منهم سيارات بالملايين ثم رفضوا دفع ثمنها، لكن على القليلة»... وسكتت، ربما اكتشفت أنه لا يوجد مبرر لهذه الجرائم، إلا أنني أشفقت عليها فقلت: «ربما تقصدين على الأقل كان يوجد أمن؟»، فقالت بحماسة وكأنني أنقذتها: «نعم، نعم، على القليلة كان يوجد أمن». من المحزن أن يكون سقف مطالب المواطن بعد 100 عام من قيام الدولة الحديثة أن يكون آمناً ولو سرق الرئيس عيشه وحرية تعبيره وكرامته. وفي كل الأحوال، حتى الأمن لم يعد موجوداً اليوم في سورية، فماذا يقدم بشار لمواطنيه؟

صدام حسين كتب كتاباً اسمه «اخرج منها يا ملعون» فخرج هو، بقي أن نعرف من سيخرج من سورية بعد الضربة ومن سيدخل إليها من الشياطين. الله يستر.


د. أحمد السر أحمد
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 910

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#760188 [sanganez]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2013 05:39 PM
لكن في مصرنا العربية سقط الطاغية مع أضيق المحيطين به فقط, ذلك أن ثورة شباب مصر المثقف الحر قد فاجأت صناع القرار الدولي, لكن الصناع هؤلاء لايلدغون من الجحر مرتين, فتكالبوا على ثورة شباب سورية وجعلوا الثمن باهظا ومن دون سقوط الطاغية حتى اللحظة, وإلى أن يضخموا حفلة إسقاطه وبقرار منهم لابيد الشعب.
أما حول الأمن فكبار السن العرب رضوا بالأمن وتنازلوا عن الحرية والكرامة والعدالة كرها وطواعية, واستأنس حرامية المال العام واستباحوا ثروات البلد وميزاته في المحسوبية وأورثوا أولادهم رغد المال الريعي , فلا حاجة لهم لثورة الشباب الحر, فقارون المال لايريد تكسر أضلاع مربع الإستبداد حتى لاينكسر ضلعه.


#759537 [مواطن]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2013 02:18 AM
الكاتب يهاجم الشهيد صدام حسين ويحمله كل الخطايا وينسى أن حكام الخليج العملاء وحسني
البارك ومعهم الأسد الأب هم من أوصلوا الأمة العربية للانقسامات بدءا من كامب ديفيد وانتهاءا
بمؤامرة حكام الكويت (المرتزقة ) وحسنى البارك على حقوق العراق ..
الشهيد صدام حسين أمة في رجل ..... وان عاد الكاتب لترهاته عدنا ...


ردود على مواطن
[عصام صبحي محمد 44] 09-05-2013 05:42 PM
لننظر في الصوره الكبرى افغانستان دخلها الامريكان بعد الروس و سيخرجون منها،تاركينها مقسمه بين طالبان المتشدده و حكومه كرزاي التي نخرها الفساد و ليس هنالك من امان.العراق خرج منها الامريكان و دخلت في دوامه العنف الطائفي و الفساد الاداري و قد يكون لها الامان بعد عشر سنين اخرى. ليبيا اخرجت القذافي و دخلت في دوامه الفساد الاداري و الخلل الامني و تسيطر المليشيات شيئا فشئ في مفاصل الدوله و تحذو حذو الصومال التي لم تخرج من ازمتها منذ 22 عاما. قد تصل مصر و تونس لبر الامان بوجود جيش و ان مستقرين. حتى روسيا دخلت في دوامه الامن في القوقاز و الفساد في روسيا، حتى جاء رجل المخابرات بوتين، لتستقر و لكن مع تلاعب في الحكم ليبقى لخمس دورات حاكم روسيا الديمقراطيه! اما شعب سوريا فهم بين جزء من مطرقه القاعده و الجهاديين من طرف و سندان الاسد القمعي و الفاسد، و لا ننسى اسرائيل و مصلحتها في وجود دول طائفيه بلا جيوش او امان. هل علينا دفع ثمن المانيا و اليابان بعد الحرب العالميه، وقد لا نصل لشئ، مع شعوب مغيبه. المشكله هائله و لا توجد حلول جاهزه و ليس من ضمان لاي شئ.


د. أحمد السر أحمد
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة