المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.سعاد ابراهيم عيسي
حتى لا نفقدهما معاً.... الوحدة والسلام.. أوقفــوا الركــض خلــف الوحــدة
حتى لا نفقدهما معاً.... الوحدة والسلام.. أوقفــوا الركــض خلــف الوحــدة
12-22-2010 12:30 PM

في الشأن العام

حتى لا نفقدهما معاً.... الوحدة والسلام

أوقفــوا الركــض خلــف الوحــدة

د.سعاد ابراهيم عيسي

نعلم أنه على الإنسان أن يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا، ولآخرته كأنه يموت غدا. وفى تلك الموازنة تحوط ايجابي يضمن لمن يلتزم بفلسفتها الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة. ينطبق ذات القول على معادلة استفتاء جنوب السودان، الذى انحصرت خياراته في أمرين لا ثالث لهما، إما وحدة مع الشمال أو انفصال عنه. وبما ان الشمال هو الأكثر تأثرا بحالتي الوحدة والانفصال، فإن عمله من اجل الوحدة دون الاهتمام بالانفصال، يصبح مثله مثل الذى يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا وينسى العمل لآخرته وإمكانية موته غدا. نقول هذا بعد ان تأكد أن القيادة بالشمال لا زالت تراهن على تحقيق الوحدة، بل ولا زالت تسعى حثيثا من أجل ذلك، حتى بعد أن وقفت ذات القيادة على استحالة الوصول إلى ذلك الهدف، عندما أعلنت بان الانفصال أصبح واقعا.. ليس ذلك فحسب بل الكثير من القيادات العليا الأخرى، قد وصلت إلى ذات القناعة، ومنها من حذر من الجري خلف سراب الوحدة، الذى مهما جدوا واجتهدوا وبذلوا من جهود في اتجاه تحقيقها، وصل بهم الجهد إلى ذات نتيجة الانفصال. لذلك فإن مواصلة الانشغال بمحاولات تحقيق الوحدة، وفى ظل هذه القناعات باستحالة تحقيقها، ستصبح مجرد حرث في البحر، بجانب الحرمان من استثمار الوقت المتبقي على قلته، في كيفية الاستعداد لما يمكن ان يقود إليه الانفصال من مخاطر ان لم نحسن الاستعداد لمواجهته منذ الآن.
ما دفعنا لهذا الحديث الخبر الذى جاء بالصحف فأحزننا كثيرا، من أن السيد رئيس الجمهورية سيغرى الجنوب بتنازلات اقتصادية وأمنية، بالطبع من اجل تغيير اتجاهه من الانفصال إلى الوحدة، الذى لم يتبق على بلوغ غاياتها أكثر من أيام معدودة. حيث وعد سيادته بان يتنازل الشمال عن كل نصيبه من عائدات النفط لصالح الجنوب، وبنسبة مائة في المائة، فضلا عن إدماج قوات الجيش الشعبي في صفوف القوات المسلحة، حالة أصبحت الوحدة خيار الجنوبيين. ثم سمعنا وشاهدنا ذات الخبر يرسله سيادته عبر قناة الجزيرة، فزادنا حزنا عندما استمعنا إلى رد الحركة الشعبية على تلك التنازلات، التي بعد الشكر عليها، رأتها وقد جاءت متأخرة أولا ،وفى نفس الوقت دون المستوى المطلوب.. المؤسف أن هذه التنازلات التي أعلن عنها أخيرا، لا احد يجهل أنها، أو الكثير غيرها، لا يمكن أن تغير من وجهة الجنوبيين نحو الانفصال ولو درجة، بعد ان أكملوا استعدادهم لميلاد دولتهم الجديدة، بما فيها تشييد قصرهم الجمهوري. ومن ثم تصبح تلك التنازلات وكأنها متهافت من الشمال على الوحدة، ومتشبث بها رغم انف الواقع الذى اقره واعترف به الجميع، بل وينشدها، أي الوحدة، وبأي ثمن كان، حتى ان كان ذلك الثمن التنازل عن ثروة البلاد وبكاملها، ورغم كل ذلك يتم رفضها. ان قرارات السيد رئيس الجمهورية يجب ان تجد طريقها للتنفيذ سالكا دون أدنى عثرات، ولن يتأتى ذلك إلا في حالة إصدار تلك القرارات بعد ان تستكمل كل خطوات التأكد من إمكانية تنفيذها، لذلك فان رفض الجنوب لما تقدم به سيادته من تنازلات في سبيل وحدة البلاد، قاد إلى الكثير من التنازل عن كرامة الشمال، الذى لم يستشار أو يشارك في تلك التنازلات مواطنوه بما فيهم من يقف مع الانفصال وذلك حقهم، كما وان المنح من الشمال والرفض من الجنوب تظهر الشمال وكأنه يستجدى الوحدة استجداء، بل وتنحني من اجل التقاطها بعد ان أسقطها الجنوب تماما من ميزان خياراته. وقد قلنا من قبل، ان كان أمر الوحدة قد وصل إلى تلك المراحل (بلاها) .
نعم نحن مع الوحدة ونتمناها، ولكننا لن نقبلها دون ان تجيء طوعا واختيارا وبرضاء الجميع، ودون أدنى انحناءة من اجلها. فالتنازل عن نصيب الشمال في النفط لصالح الجنوب، حتى ان سلمنا جدلا انه من حق أية جهة أن تتصرف فيه دون الرجوع إلى كل أهل الحق فيه، فان الجنوبيين لا ينظرون إلى ذلك التنازل على انه محمده، ولكنهم يرونه( حقهم ورجع ليهم). فهم ينظرون إلى ما يناله الشمال من عائدات النفط، وكأنه تنازل وتكرم من جانبهم لصالح الشمال، وليست العكس. فقد ظلوا يرددون دائما بأن حقول النفط جميعها تقع بأراضيهم، ومن ثم فهي ملك أيديهم، وعليه لا يجوز ان يغريهم الشمال ببعض من حقوقهم. ليس ذلك فحسب، فحتى الأموال التي صرفها الشمال أخيرا، ومن حر ماله الشحيح، لأجل تنفيذ بعض مشروعات تنموية بالجنوب، ولصالح الوحدة، لم تجد حظها من التقدير أو الاحترام، بل تم النظر إليها، هي الأخرى، باعتبارها بعض من أموال النفط التي اقتطعها الشمال من نصيب الجنوب، ومن ثم فهي أموالهم عادت إليهم مما لا يستوجب الشكر أو التقدير لدافعها. كما وان الجنوبيين ينظرون إلى الجري خلف الوحدة، وكأنما هو جرى خلف وحدة من أجل النفط وعائداته، أكثر من كونها وحدة مع المواطن الجنوبي. ويبدو ان النفط هو الحافز والدافع والسبب الرئيس للانفصال. فهل سمعتم الحديث عن منطقة أبيى دون ان يقرأ اسمها، (بالمنطقة الغنية بالنفط)؟
وبالرغم من أن القيادة العليا، وغالبية القيادات الأخرى حكومة ومعارضة، قد وصلت إلى قناعة أن كفة الانفصال هي الأكثر ترجيحا، حال إجراء الاستفتاء والوصول إلى نتائجه، إلا ان بعضا من تلك القيادات لا زالت تأمل في وحدة أصبحت في عداد المستحيلات. وليتها اكتفت بالأمل فقط، لكنها تستمر في محاولاتها، وبالصرف على تلك المحاولات، صرف من لا يخشى الفقر. ولا ندرى ما هي الحكمة من وراء إهدار أموال المواطنين فيما لا طائل من ورائه. أظنكم شاهدتم الإعلانات باهظة التكاليف، كبيرها وصغيرها، والتي تم نصبها ببعض الطرق الرئيسة، خاصة تلك التي تقع تحت نظر كبار المسئولين، كأنما هم المعنيون بقوتنا في وحدتنا، الشعار المعتمد لدى الهيئة العليا لدعم الوحدة. ونسأل عباقرة مثل تلك الأفكار، والداعين إلى تبنيها، والصرف بلا حدود عليها، بصرف النظر عن عائدها، هل تحقيق الهدف المنشود يمكن إدراكه عن طريق الحديث عنه عبر مثل تلك الإعلانات؟. ونسأل مرة أخرى عن مدى تأثير تلك الإعلانات في عملية ترجيح كفة الوحدة، التي يمسك المواطن الجنوبي، وبجنوب السودان، بكل خيوطها، بينما إعلانات دعمها لا زالت مشرعة ببعض من شوارع الخرطوم؟. ثم حتى ان توسع أصحاب هذه الإعلانات، ومن أجل مصلحتهم أيضا، في عملية نشرها لتشمل بعض الطرق بالجنوب، فهل يعتقد أصحاب الفكرة بان المواطن بالجنوب سيعيرها ادني انتباهة، بعد ان قارب قطار انفصاله الوصول إلى محطته الأخيرة؟ نقول هذا لمعرفتنا بأهداف الكثير من مثل هذه الدعايات، التي تعمل من اجل مصلحة أصحاب فكرتها أكثر من الفكرة المقصود تحقيقها عبرها.
ثم هنالك محاولة أخرى من محاولات تحقيق الوحدة، لا تقل سذاجة عن فكرة الاعلان عنها بالخرطوم حتى بعد ان هاجر غالبية جنوبيي الشمال منها إلى الجنوب. فما ان انتهت قصة (صلاة الاستفتاء) التي حاول البعض ان يجريها عبر ملايين الأطفال بجامع الخليفة بامدرمان، ولم تنفذ، حتى أطلت علينا فكرة توقيع ملايين الأطفال على خارطة السودان، وهى بشكلها الحالي وبكامل عافيتها، وكأنما تلك التوقيعات ستعمل على حمايتها من الانتقاص، عندما يتم بتر جزء منها حال وقوع الانفصال..بينما من الجانب الآخر هنالك فكرة غاية في الجودة والمعقولية ليت الجميع اكتفى بها، والمتمثلة في توقيع الملايين من الأطفال ولكن على الدعوة من أجل استدامة السلام، كما وليت الدعوة امتد طلبها ليشمل جميع أهل السودان صغارا وكبارا، شمالا وجنوبا، للتوقيع عليها، إذ استدامة السلام هو الفعل المطلوب والمرغوب، وهو الأجدى والأنفع لمستقبل السودان وجميع مواطنيه. لكن البعض يصر على السير في طريق الممارسات الممعنة في السذاجة، والتي يفترض فاعلوها سذاجة وضموراً في عقول الآخرين، وفى مقدمتها المجسمات لخارطة السودان بأكمله، التي تم زرعها ببعض الطرقات أيضا، ربما تعبيرا عن الرفض للبتر الذى سيتعرض له بموجب الانفصال. والغريب أن كل هذه الممارسات الهادفة إلى تحقيق أو تثبيت الوحدة، والعاجزة تماما عن تحقيقها، برزت جميعها إلى الوجود أخيرا، وبعد فوات أوانها. فان تمت هذه المحاولات من قبل، وفى وقت مضى، لكانت أكثر قبولا، وربما تأثيرا على الجماهير بالجنوب، تم الوصول للوحدة أو لم يتم. غير ان كل الجهد من اجل الوحدة بدأ متأخرا وبعد ان بدأ العد التنازلي ليوم الاستفتاء، الذى تدل كل مؤشراته على انه سيقود إلى الانفصال. ولم يمنع كل ذلك من الركض خلف الوحدة ومحاولة اللحاق بها، في ذات الوقت الذى أصبح النظر إلى مثل تلك المحاولات، وكأنها عثرات مقصود وضعها في طريق الانفصال من أجل تعطيل حدوثه، وما لكل ذلك من تأثير سالب على الأوضاع متى تم حدوثه. هذا بصرف النظر عن الخسائر المادية التي يتكبدها المواطن جراء ما يتم صرفه من أموال، على مثل تلك الأعمال الخاسرة، التي ظاهرها دعم الوحدة وباطنها دعم آخرين.
وشيء هام جدا وخطير، ظللنا نسمعه عند كل منعطف سياسي يأتينا بمشكلة جديدة، وهو العمل على التقليل من شأن كل شيء أو أي أمر، حتى ان كان ذلك الأمر انشطار السودان وتمزيق أوصاله. إذ لا زال بعض المسئولين يعمل على التقليل من شأن الانفصال بعد ان عز الوصول إلى الوحدة. حتى وصل بهم أمر التقليل من شأن الانفصال أن صرح احد قيادات المؤتمر الوطني، بأن كوادرهم ترى في الانفصال فتحا كبيرا وانجازا. أما كيف يتم تفسير رؤية كوادر المؤتمر الوطني للانفصال وكأنه فتح وانجاز، فقد عجزنا تماما عن الوصول إلى أي تفسير منطقي لها. فإذا صرفنا النظر عن جعل الانفصال فتحا لتلك الكوادر، فبم يتم تفسير النظر إليه وكأنه انجاز لهم؟ فهل يعنى ذلك ان المؤتمر الوطني هو الذى أوصل الجنوب إلى مرحلة الانفصال، ومن ثم يحسب له ذلك الجهد السالب في ميزان انجازاته، في حين أن ذات المؤتمر الوطني، ومن جانب آخر، ينكر ويتبرأ من حمل وذر انفصال الجنوب وحده، ويسعى جاهدا لإشراك كل الآخرين في حمله معه؟.
إذن، فما دام الجميع قد وصل إلى قناعة بأن الانفصال أصبح قاب قوسين أو أدنى، فلماذا لا يتم الاتجاه، رغم تأخر موعده، نحو النظر في كيفية ان يصبح ذلك الانفصال فتحا كبيرا، كما قال احدهم، وذلك بعدم السعي لعرقلة الوصول إليه، بمختلف الطرق والوسائل، ما دام هو الخيار المفصل لدى أصحاب الحق فيه، الجنوبيين، وبمعي اجر، لماذا لا يقدم هؤلاء السبت من أجل كسب الأحد. ثم لماذا لا ينظر الشريكان إلى كيفية جعل الانفصال فتحا حقا ولهما معا، من حيث الوصول إلى وحدة جاذبة في مجالات الاقتصاد والاجتماع والأمن وغير ذلك، تضمن لهما ديمومة السلام، والاستقرار ومن بعد إمكانية النمو والتطور لكليهما؟.أما إذا استمر المشهد السياسي كما هو عليه اليوم، من إصرار على السير في طريق المشاكسات التي شب الشريكان وشابا عليها، فالخاسر الوحيد سيكون الشمال الذى سيفقد الوحدة ومن بعدها السلام، بينما سيحقق الجنوب حلمه في الانفصال الذى خطط له، ولا يهم ان كان وحده أو بدفع ومساندة من آخرين، كما يقول بعضهم، ما دام قد وصل إلى غايته أخيرا، لكن من يسمع الأذان في مالطة؟

الصحافة


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1393

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#64703 [تميسيح الكردة]
0.00/5 (0 صوت)

12-24-2010 07:53 PM

بانت سعاد،وليتها بانت من زمان.
أشكر لك سيدتي:تشخيصك الداء وتقديمك الدواء.


د.سعاد ابراهيم
د.سعاد ابراهيم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة