المقالات
السياسة
بيانات وإعلانات واجتماعيات
في ذكرى رحيل الشيخ محمد الشقليني الثانية
في ذكرى رحيل الشيخ محمد الشقليني الثانية
09-10-2013 09:33 PM

في ذكرى رحيل الشيخ محمد الشقليني الثانية


تمر الذكرى السنوية الثانية لرحيله ، مرور النسائم المنعشة وقت أن يشتد الحرّ. في صبيحة يوم من أيام العشر الأواخر من رمضان، الموافق 24 من أغسطس 2011م، وفي بيته أسلم الروح.
نقطف من سيرته ويرتد الطرف بزخم الحضور البهي عائداً من لُجَّة الغياب. صورة كاملة تشع في الذاكرة. بدأنا منذ نعومة أظافرنا نتعرف عليه ، من المهد الذي ما كنا نُدرك عنده كل شيء ، إلى أن عرفنا الدنيا فكان هو ملء العين غنياً بخصالٍ نادرة . ما كُنا نحس تلك الأيام أنا نعيش في كنفه ، وهو يرقبنا منذ طفولتنا الأولى ، ونحن نتسلق شجرة العُمر ، حتى عرفنا من بعد زمان طويل وتاريخ وعِبَر، كيف كان هو وكيف كانت صِدق التجربة لديه وإخلاص صاحبها لها .
كان المؤذن لكل الأوقات في مسجد الشيخ حمد النيل بأبي كدوك، عملاً يرجو به أجراً عند صاحب الوقت ومُسير الأرزاق . توجس كثيراً عندما خصصت الدولة أجراً بعد أن صار رفع الأذان مهنة . و توجس خيفة واحتجب صوته بضع أيام ، إذ أن الأذان عنده متعة دينية لا يتعّين أن يشوبها في نظره غرض دنيوي وضيع ، لكنه عاد بطلب من كثيرين ليكن له ما يحب وكما يريد ، بدون أجر الدُنيا ، فصوته حين يرفع الأذان لؤلؤة تعيدك من لهث الدنيا إلى عوالم الروح وإسلام الطاعة لا الجبر .
تربط الراحل " الشيح محمد الشقليني" رابطة جيرة وصداقة مع الراحل الشيخ "الريّح بن الشيخ حمد النيل" ، والد شيخ السجادة العركية الحالي " الشيخ محمد بن الريّح بن الشيخ حمد النيل" . لهما معزة كبيرة عنده ، وتجمعهما سيرة حياة وجيرة و عشرة ونسب. عُشرة ربطت السجادة العركية بالسجادة الإدريسية ، بحور تهفو إليها الأرواح الواجدة . أرواح مختلفة في أذكارها ولكنها متفقة في أصل التأويل ومصادره ومتفقة في التسامُح الديني ، على غير ما نشهد اليوم من غلوٍ وتَطرّف ، الذي ملأ الدنيا احمراراً، فالدم البشري رخيص عند الذين يكفرونَكَ وقت أن تَستنهض عقلك لتُفكر ، ويحبب ذهنك الوثاب أن يستجير عندك المُختلفون . فالتكفيريون وضعوا همّهم التنظيم والضبط وأمن الأتِّباع وقتل المختلفين عنهم . تجدهم يسعون حثيثاً لنيل السلطة بأية وسيلة ، فالغاية تسترخص الوسائل عندهم. تلك السلطة التي لم يأمر بها المعصوم ، ورغم ذلك تجد الذين سعوا إليها في التاريخ قد ذهبوا لسقيفة بني ساعدة ، ولم يجتمعوا في المساجد فهي لله . أحال قساة القلوب اليوم البؤسَ لباساً لحياة الناس، وسقوا البشر زقوم الذّل . يقدسون الفروع ويتركون العِبر ورسائل العقائد، وهي واضحة يقرأها الجميع ،آيات مورقة من الذكر الحكيم ، خمس مرات في اليوم تنبُس بها الشفاه، وترتد عن حوائط الأنفُس الغليظة. يضع التكفيريون دائماً السيف موضع الندى! . فأين العلم مع كراهية الآخر ؟ . كأن نزع المحبة والبسمة من حياة الناس ، مدخلاً للتبشير بالموت الذي يرجزون به عند كل سانحة،و يقولون عن الآخرين الذين تقدموا علينا في ميادين العلم والتنوير : ( هؤلاء مدّ لهم الله في غيهم بنعم الدنيا ، ونحن لنا الآخرة ) !. فعرفنا من أفعالهم وأقوالهم أنهم يبتغون عرض الدنيا ، سيف الباطل، يشهره القتلة والموتورون . فكيف من ترتجي أنتَ له العافية من الغلو والتطرف وهو يحمل في وجهكَ سيفاً ، يطلب رأسك لأنه يرى فيه رخصة لجنان موعودة ، هو في حقيقة أمره أبعد من أن يتأملها!.

(2)

كان أبي الشيخ ،أكثر ما كنا نسمعه في وجودنا من حوله ، محبته أن يتلو آية ( الباقيات الصالحات ) ومستحقاتها من سورة الكهف .(سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله ، خير عند ربك ثواباً وأملاً ) . بها يبدأ يومه ومعاشه وإلى أن يهجد إلى منامه .
تجده دائماً مشرق الوجه، في إصباحه، حتى عندما نتكدّر في معاركنا فلاحاً في الدنيا ، لم نلحظ من غضبه إلا لطائف في القول ، تُنبِه وتُعاتب .لا ينهر أو يرفع يده على أحد . يحترم رؤى الصغار من أبنائه أو بناته وغيرهم، ويحاورهم ، ليرفع سقف الندِّية ويتعلموا، فهم عصافير صغيرة يكسوها الزغب ،ما قادرة هي على الطيران . يقدِّر طباعهم المدفونة في عقولهم والموروثة ، فلم يكن غليظاً أبداً .
كان قريب الدّمع عند مفارقة الأحبة أو عند اللقاء.وعندما نستقبله من بعد سفر ، تكاد أدمعه تطفر من المُقَل ، ويلحقها بيده .رأيت أدمُعه مرتين بحالة لا تنساها الذاكرة : الأولى عند ما أخذني في حضنه عند قدومي من سفرٍ وعلاج في ثمانينات القرن الماضي، والثانية حين قدمتُ في عيد الأضحى لمنزله عام 2009 م بعد غياب طال ثلاثة عشر عاماً عن الوطن، وكان لقائي الأخير. رغم كل تلك العاطفة وأشجانها ، تجده عند ما تنقضي الآجال ، يقف وقفة الصابرين ، يتجلد بذات الرحمة التي وجدناها في مسلكه بيننا. فقد تتلمذتُ في مدرسته وتعلمت منه تفاصيل تهيئة الميت وتجهيزه إلى المثوى : وضوءه وغسله وتعطيره وتكفينه باللفائف الثلاث،عندما يأذن صاحب الوقت بأن العُمر قد انقضى وأن الساعة قد أزفت. فتلك المآثر ، لما تزل مغموسة في صلب الحياة الاجتماعية عندنا ، اختلطت فيها روح العقيدة بالعادات .لا تجده جزعاً ساعة الموت، يدخل في طقس إعداد الميت كأن بين يديه طفلٌ رضيع . يبدأ باسم الله وينتهي باسمه . ينظِّم التفاصيل وفق السنة النبوية المطهرة، مُضيفاً عليها ما اعتادته العشيرة من الروائح المكنوزة والمصنوعة لعطر الرحيل " الحنوط" ، وهي تتقاطع في التفاصيل .في قمة الصراخ والعويل من حوله ، تجده راضياً بقدر الله مُطمئناً ، متيقناً بأن الدنيا رحلة أولى تعقبها الرحلة الأخرى الأهم، تلك التي يراها تُبشر الصابرين بنعمات لا تزول .

(3)

ما أبعدنا عنه وعن الوطن إلا إحساس بالضّيم ، وطعم الذُلّ الذي كنا نتذوقه في دور العمل العام وفي الطرقات ومن أجهزة الدولة القابضة على أنفاس الأحرار ، وقد لبست إزاراً يشبه إزار العقيدة لتُغطي عِريها من الفكر وخلو المنتمون إليها من أرزاق المعرفة والثقافة .أعادوا الدولة وشعوبها إلى بؤر العصبيات القبلية والعرقية البغيضة و سكبوا عليها ثارات الضغائن دماء تسيل بلا انقطاع، امتدت أرجاء الوطن وأريافه البعيدة ، حمراء كسماء الغروب تلتحم فيها الأرض بالسماء،قبل أن يرخي الليل أستاره . أشاعت "المنظمة" المَفْسَدة وزينت النهب باستغلال آي الذكر الحكيم، مبتورة المبنى والمعنى :(والذين إن مكناهم في الأرض ..).تأويلٌ يحمي الزُمرة صاحبة السلطان . قذفت بالوطن إلى قاع الأمم . وكشف التاريخ مكر الذين يستعمِلون الدِّين مطيةً لإذلال الكرام ، يريدون لأصحاب العُلا و الأنوف العالية أن تمتثل لتأديب الحُسّاد ومُستجِدي النعمة ، وليتها نعمة حلال !

(4)

تمر صفحة الذكرى ، وأذكر طفولتي ، حين كنتُ أحملُ له ولرفاقه في العمل وجبة طعام إفطار رمضان الذي كانت تعُده الوالدة إلى مَرْسَى" أبوروف،" حيث " المعديّة " تصل الناس بين أبوروف وشمبات " مكان عمله العام، الذي يجتمع إليه الجميع . يفرشون السِماط بما يتيسر .ونستكمل نحن رصف الآنية والأطباق التي تتقاطر علينا بطعامها الطيب من عند الجيران ، وطيب عُشرتهم وكرمهم الفواح يملأ المكان .
مُدفَع الإفطار هو السابق ، نسمعه رغم بعده عنا ، ينطلق من ركنٍ قصي في ميدان كرة القدم شرق المدرسة الأهلية الوسطى بأم درمان ،بشقيها الشمالية والجنوبية. فسحة بينها وبين بيت الأزهري الزعيم طريق .
ينتظر الجميع ساعة الإفطار لتصمت ماكينة " المعدّية" قليلاً راحة ليتناول الجميع طعام الإفطار ، واستراحة ، ثم تدور الماكينة مرة أخرى . كان صحن المحبة يسع النفوس جميعاً ، فتستطعم . كان الشيخ، شاكراً نِعمة الإفطار ،يؤم المصلين في المغرب ، ينقع صوته من سلسبيل الذكر الحكيم .
كان للزمان ضابطه ، وميعاد العمل العام لا يتقيد بمنْ حَضر ، بل بميعاد الإبحار إلى مرسى "شمبات" قرب كلية الزراعة وكلية البيطرة جامعة الخرطوم . وفي البرّ عند الضفة الأخرى مدينة أخرى .يعبر الترام فيها قادماً من محطة الخرطوم الوسطى إلى محطة بحري ، وينتقل الرُّكاب عبر ترام " السِّمِع " إلى بقية الأرجاء . كان الكون في بداية الستينات صغيراً ،و كانت العاصمة المثلثة قليلة السكان .
تطور الأمر لاحقاً بإنشاء كوبري شمبات المعروف . حينها جاء الزمان بالبدائل الأفضل والأسرع ولم يعُد الجميع في حاجة لمشرع أبوروف ،فالوصال مأمونٌ للسيارات والناقلات، فانخفضت مكانة أبوروف التي كانت تضجّ بالبشر وتُحيي الأرزاق .

(5)

صلة جميلة نبتت بين والدي وبين أقرانه من حاملي مشعل الفن و التنوير منذ الثلاثينات . كانت بينه وبين الشاعر " محمد بشير عتيق " صداقة ومحبة ، لقاءات وجولات من الحوار . كان والدي يحترم خيارات الذين يختلفون عنه ، يتبادل معهم الطُرف ويتجاذب معهم الأحاديث . فالشاعر كان يأتي في موعد المعدَّية عند الفجر ، تجده ينتظر خيوط الصباح الأولى ليكتُب قصيدة شعر : أنا وإنتَ والنيل والقمر :
الليل هَدَا والجوْ صِفا وغاب الأتر
والنسيم يجيب من تُوتي أصوات المَتَر

فالشاعر من الذين انتقلوا بالقصيدة الغنائية من الأوصاف الحسية إلى الأحاسيس النبيلة وحديث الأرواح، مثل أبناء جيله المبدعين.
كنت أتنصت أصابع " الشيخ " وهي تعتاد النقر بإيقاع منتظم مضبوط ، وهو يدندن ببعض أبيات في المديح النبوي من المادح الملقب بـ "الأراجوز " . تلك من القصص التي حملتها فراشات الموسيقى ، يتوزعنَّ على البشر في زمانهم ذاك و ينشرنَّ لقاح المحبة ، في زمن العفاف الندي ، عندما يطلبه أصحابه ، في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات والستينات.
تلك قبس من سيرة الشيخ الراحل " محمد الشقليني "، تبدّت في عُجالة ، نأتي عليها قطرات وبالنذر اليسير، ألا رحمه المولى وأفسح له من جنانه ، ليجد مُتكاً في صحبة الذين " شواه " الشوق إليهم .

عبد الله الشقليني
[email protected]
24/08/2013


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1299

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#763688 [أحمد التجاني ماهل]
0.00/5 (0 صوت)

09-11-2013 12:26 PM
التحية والإجلال وقوفا لك عزيزي بيكاسو
على هذا المقال المليان والرحمة والمغفرة لأبونا الشيخ محمد الشقليني في جنات خلده مع الصديقين والذين أحسنوا العمل وهم أحياء في الدنيا بأعمالهم وكذلك وهم أحياء يرزقون في جنانهم بالرصيد الغني الذي تركوه وربوا عليه من خلفهم سيرا جميلا في ذلك المنحى الجليل من الخير والدعوة إليه وخدمة الدين والعباد ووصل ما أمر الله به أن يوصل. فالمقال حقا قرأته من بدايته إلى نهايته فعاد بي إلى أوله متسلسلا ومتماسكا في الترابط إلى نهايته فإذا به يجذبني جذبا إلى أوله من جديد وهكذا قرأت هذه الذكرى التي يستحق هذا البار كتابتها في ذلك العلم وذاك الضياء المنير رحمه الله رحمة واسعة وأدخله مدخل صدق وجعل البركة والصلاح في من خلفه باراً به وبكل من له صلة به من أهل وأصدقاء.
أحمد التجاني


#763511 [مالك الحسن ابوروف]
0.00/5 (0 صوت)

09-11-2013 09:34 AM
رحم الله والدنا الشيخ محمد الشقلينى المؤذن صاحب الصوت الشجى العذب مرتل القران وصاحب الاذكار المعتقة خاصة ايام الاحتفال بالمولد النبوى الشريف هذا الرجل وللحق والامانة والتاريخ كان يمثل السودانى والمسلم الحقيقى ونسال الله ان يتقبله ويغفر له ويحشره فى زمرة الحبيب المصطفى الذى احبه وهام بحبه مدحا وانشادا وانا لله وانا اليه راجعون.


#763487 [عمكــــــــم البهمكـــــــــم]
5.00/5 (2 صوت)

09-11-2013 09:11 AM
لك الحق في نعي من تشاء والبكاء على الفقيد نسأل الله له الرحمة... لكن ليس من حقك الطعن في صحابة رسول الله بقولك (ورغم ذلك تجد الذين سعوا إليها في التاريخ قد ذهبوا لسقيفة بني ساعدة)... وهل أبوك المتوفى أفضل من أبوبكر وعمر وأبوعبيدة ابن الجراح؟؟؟ ياخ إختشي


ردود على عمكــــــــم البهمكـــــــــم
United States [عبد الله الشقليني] 09-13-2013 10:20 AM
الأحباء هنا والذين يقرءون ، والذين يكتبون ما يثمن الذي نكتُب ، لهم الشكر أن الرسالة قد وصلت ، والذين لم تعجبهم ، نتمنى أن يعيدوا قراءة ما نكتُب ، فلنا نصٌ طافح للقراءة المُتعجلة ، وآخر يغطس في عمق اللغة التي بها نكتُب. ..
تحية واحترامالكم جميعاً


والتحية لإخواني والأحباب :
الأكرم : أحمد التجاني ماهل
الأكرم : مالك الحسن ابوروف
الأكرم : المكوجي
الأكرم : بكري الصائغ
الأكرم : عمكم البهمكم

والتحية لكل من يقرأ
**

(أ)

نتوقف قليلاً لدى رسالة الأكرم المقتضبة من " عمكم " ، وسوف نرتفع باللغة ليكون الكتاب رسالة لمن يختلفون عنا في القراءة وفي الحكم . فيبدو أن الرسالة لم تصل( عمكم ) بتمامها ، ونتفهم الرد العجول والغضوب ، فقد تعودنا في كثير من الأحايين عدم الصبر على فتنة اللغة ، واستعصائها على كثير منا ، وتلك لازمة الذين يكتبون بسقفٍ مرتفع عن التقريرية المباشرة ، فنجد أنفسنا نُراوح بين فخامة اللغة وجزالتها التي نتمنى أن نكون من أصحابها ، فهي مأمول المريدين ، وقصب سبقهم ، ولن نَسِف .نحاول إثراء ما احتمله النص من حُجب في ردنا على الأكرم : عمكم : كما يلي :

(ب)

كتب ( عمكم ) : (لك الحق في نعي من تشاء والبكاء على الفقيد...)
وأرُد عليه بأنني لم أبك في مقالي بقدر ما فرحت بالذكرى ، بل كتبت (تمر الذكرى السنوية الثانية لرحيله ، مرور النسائم المنعشة وقت أن يشتد الحرّ ...) ، وليست النسائم الباردة إلا خروج من الأحزان إلى فرح الذكرى ، ولم يكن بكاء كما ادعى( عمكم ) . فسيرته مثل سيرة آباء الكثيرين الذي لم يطاوعهم القلم في الكتابة ، فهي سيرة رجل من غِمار الناس ، والحياة السودانية مليئة بأمثاله ، ولا نزكيه على أحد ، بل نكتب سيرة أب فيما لم يستطع آخرون الكتابة ، فحفظوا التاريخ طي الصدور ، لم يكتبوا عن أبطالنا الذي طواهم الدهر ، وأحسنوا في حياتهم ، وأسهموا في مجتمعهم بقدر ما تيسر لهم .
وهذا هو عين الفرح ، ولا بكاء هنا .

(ج)

أما كتاب ( عمكم) : ( لكن ليس من حقك الطعن في صحابة رسول الله بقولك (ورغم ذلك تجد الذين سعوا إليها في التاريخ قد ذهبوا لسقيفة بني ساعدة)... وهل أبوك المتوفى أفضل من أبوبكر وعمر وأبوعبيدة ابن الجراح؟؟؟)
إنني لم أفاضل بين الشيخ الراحل وبين الصحابة ، فإن ذلك لم يقع ، لا تصريحاً ولا إضماراً .لكنه جاء في معرض الحديث عن السلطة و رغبات السعي إليها ، وهذا باب أكبر من مقال .لكن الباب مفتوح على مصراعيه لتناول شأن الصحابة الأحباب الأجلاء ، دون تقديس ، فهم رغم سابقتهم في الدعوة ، وسهمهم العالي ،وأنهم رءوا النبي الأكرم رأي العين ، وحاولوا أن يتبعوا سيرته ، ولن يبلغوا العصمة ولا القداسة . منهم من صحب المعصوم وآمن برسالته وعمِل بها بسيرة خضراء حفظها التاريخ ، منهم من آمن وقت العُسرة ومنهم من آمن وقت السعة ، وبذلوا الجهد بالقول والعمل ، وصحبتهم السيرة شوطاً بعيداً ، يسعوا أن يتخلقوا بأخلاق النبي ما وسعهم ذلك من سبيل ، يفتح باب القلوب التي تحب أن تتلقى قبس النور المحمدي ، فلهم تعظيمنا وتقديرنا والاحترام .
لكن رغم محبتنا لهم ، فهم ليسوا بمعصومين لأنهم أناس مثلنا جميعاً ، يخطئون ويصيبون ، وخير الخطاءون التوابون . لم يوص النبي المعصوم صلوات الله عليه وسلم بالخلافة ، ولكنا نجد من الصحابة من سارع إليها ، ترك بعضهم تجهيز النبي في مراسم الدفن. وسارعوا لقضية السلطة !. وهذا ليس بطعن ، بل تاريخ يعرفه الجميع .
هناك فرق بين أن نحب صحابة رسول الله ، وبين أن نقدسهم ، فالقداسة تعني خلوهم من عثرات الدنيا ، وأخطاء البشر . هنالك فرق بين السِّير التي يرويها المحبون ، وهم في فسحة محبتهم، حتى كادوا أن يكسبوا الصحابة قدسية ، ويلبسونهم نقاء النبوة وعصمتها ، وهذا وهم يكذبه الواقع . فمن الصحابة من كان يشرب الخمر ويصلي ، حتى نزلت الآية الكريمة ،( لا تقربوا الصلاة ...) فأراق الصحابة الخمور في المدينة .. ولكن ذلك لا ينفي أن بعضهم شربها ، أما المعصوم فلا . ومنهم من جاهر بالعداوة في تاريخه الماضي واسلم وحسُن إسلامه ، إذن ليسوا بمعصومين .
من يقرأ التاريخ يعرف أن " معركة الجمل " التي يحاول كثيرون إخفاء تاريخها ، لأنها تعيد الصحابة الأجلاء إلى بشريتهم . فهي حرب خلاف على السلطة بين جيش الصحابي " علي بن أبي طالب " وبين جيش "عائشة أم المؤمنين "الذي قال المعصوم عنها ( خذوا نصف دينكم من تلك الحميراء ) . لقد سقط مقتولاً في تلك الحرب الصحابي " الزبير " و " طلحة " وكلاهما مُبشران بالجنة !. فهل قاتل الجميع بعضهم في دين ؟، بل اقتتلوا في أمر السلطة ، ولم يقتتلوا في أمر الدِّن . يحق لنا أن نسأل :
ما هو مصير من قتل في تلك الحرب ؟ ، أهو حق هذا القتال !!؟؟.
. هذا مأخذنا الذي به كتبنا :
(تلك السلطة التي لم يأمر بها المعصوم ، ورغم ذلك تجد الذين سعوا إليها في التاريخ قد ذهبوا لسقيفة بني ساعدة ، ولم يجتمعوا في المساجد فهي لله)
نعود للقضية من جانب آخر : ما الرأي في الصحابي معاوية بن أبي سفيان ، فقد كان من كتبة الوحي ، وهو الذي أبحر في محبة السلطة وأورثها ابنه يزيد ، وأخذ البيعة له في حياته ، وحمل الصحابة الأتقياء عنوة لمُبايعته !!. وما القول فيمن تحاربوا في موقعة " صفين " ،أليسوا بصحابة " !!؟؟؟

(د)

نرجو أن نرفق هنا لمن يُحب سيرة واقعة " سقيفة بني ساعدة " وأصحابها ، وكيف كان الخلاف الذي وقع من الصحابي ( سعد بن عبادة )، صاحب راية فتح مكة على عهد النبي الأكرم ، فكان في اجتماع السقيفة المرشح للخلافة من قبل الأنصار ، وصراعه مع المهاجرين الذين توافدوا على السقيفة لينازعوهم أمر السلطة . والتاريخ يتحدث كيف كان الطرفين يزكون أنفسهم ويتباهون بنصرة النبي ، وسبقهم إلى الإسلام أحياناً أخرى ، ليرفعوا من شأن أنفسهم بغرض الحصول على البيعة والسلطة. وهو ما تحاول كتب السيرة ألا تذكره مخافة أن ينال الناس من قداستهم ، ويصبحوا مثل عامة الناس ، فيهم من يخطئ وفيهم من يصيب.
يتعين ألا نصمّ آذاننا من كثرة ما نسمع أو نقرأ ،كما يتعين ألا يستهلكنا السائد . وأن يترفع الحوار عن كلمات لا تليق بالحوار ، وللحوار أهداف ،ونحن نزعم أننا نُسهم في قضية الوعي ، ولم نرفع سيرة الشيخ " محمد الشقليني " للقراءة ، إلا بذكر لمحة من تاريخ الحياة الاجتماعية التي كنا نشهد ، فقد حجبت كُتب التاريخ تلك السير الاجتماعية ، وصارت تتبع أصحاب السلطان وتحكي سيرتهم ، مع إغفال تام للحياة الاجتماعية ، وما مقالنا هنا إلا سيرة لتوثيق الحياة الاجتماعية ، وبذلك فهي أكبر من سيرة شخصية . لذا رفعناها للقراءة .
مرفق النص ، حول قصة " أو واقعة سقيفة بني ساعدة ، برواية الإمام الطبري :
( سقيفة بني ساعدة )

(1)

نبدأ الآن في تتبع سيرة " تجربة الشورى "عند صحابة رسول الله وهم يحاولون تطبيقها قبل أن يدفن رسول الله ، وذلك من خلال السرد في " تاريخ الطبري – تاريخ الأمم والملوك " لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ( 224 – 310) هـ . راجعه وقدم له وأعد فهارسه " نواف الجراح " . ونستبق المتحفظين على كل ما أورده الطبري بما يسمونه تقيّة " بالإسرائيليات " في نصوص الطبري ،كي لا نفتح السيرة التاريخية الحقيقية للذين أصبحت محبتهم للرموز التاريخية من صحابة رسول الله على درجة من تقديس الأفراد تحجب بشريتهم ، فنكشف السيرة التي تبين سلوك الذين يمشون على الأرض ويتجولون في الأسواق مثل سائر الناس ، يغضبون ويحبون السلطة، ويسعون إليها .

(2)

من المجلد الثاني : ص 514 – 516 من تاريخ الطبري :
ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفة بني ساعدة
حدثنا هشام بن محمد عن أبي مخنف قال : حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أن النبي (صلعم) لما قُبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، فقالوا : نولي هذا الأمر بعد محمد ( صلعم ) سعد بن عبادة وأخرجوا سعداً إليهم ، وهو مريض فلما اجتمعوا ، قال لأبنه ، أو بعض عمه : إني لا اٌقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم كلامي ، ولكن تلق مني قولي فأسمعموه ، فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع صوته فيسمع أصحابه ، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : يا معشر الأنصار ، لكم سابقة في الدين ، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب إن محمداً (صلعم ) لبث لبضعة عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد ، والأوثان فما آمن به إلا رجال قليل وكان ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله (صلعم) ولا أن يعزوا دينه ، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عموا به حتى أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة ، وخصكم بالنعمة فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ، ولدينه والجهاد لأعدائه فكنتم أشد الناس على عدوه منكم ، وأثقله على عدوه من غيركم حتى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً ، وأعطى البعيد المقادة صاغراً داخراً حتى أثخن الله عز وجل لرسوله بكم الأرض ودانت بأسيافكم العرب ، وتوفاه الله ، وهو عنكم راض وبكم غرير عين استبدوا بهذا الأمر فإنه لكم دون الناس فأجابوه بأجمعهم أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ، ولن نعدو ما رأيت ونوليك هذا الأمر فإنك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضا ، ثم أنهم ترادوا الكلام بينهم ، فقالوا : فإن أبت مهاجرة قريش فقالوا : نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأولون ، ونحن عشيرته ، وأولياؤه فعَلام تنازعونا هذا الأمر بعده ، فقال طائفة منهم : إنا نقول : إذاً منا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا الأمر أبدا ، فقال سعد بن عبادة حين سمعها : هذا أول الوهن !

(3)

ونتابع النص من تاريخ الطبري
وأتي عمر الخبر فأقبل إلى منزل رسول الله ( صلعم ) فأرسل إلى أبي بكر ، وأبوبكر في الدار وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، دائب في جهاز رسول الله (صلعم) فأرسل إلى أبي بكر أن أخرج إليّ فأرسل إليه أني مشتغل فأرسل إليه أنه قد حدث أمر لا بد لك من حضوره ، فخرج إليه ، فقال : أما علمت ان الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة وأحسنهم مقالة ، من يقول : منا أمير ومن قريش أمير ، فمضيا مسرعين نحوهم ، فلقيا أبا عبيدة بن الجراح ، فتماشوا إليهم ، ثلاثتهم ، فلقيهم عاصم بن عدي ، وعويم بن ساعدة فقالا لهم : ارجعوا ، فإنه لا يكون ما تريدون ، فقالوا لا نفعل ، فجاءوا وهم مجتمعون . فقال عمر بن الخطاب : أتيناكم وقد زوّرت كلاماً أردت أن أقوم به فيهم ، فلما أن دفعت إليهم ذهبت لأبتدئ المنطق ، فقال لي ابو بكر : رويداً حتى اتكلم ، ثم انطق بعد بما أحببت فنطق فقال : عمر فما شيء كنت أردتُ أن أقوله إلا وقد أتى به أو زاد عليه .

(4)

ونتابع النص من تاريخ الطبري
فقال عبد الله بن عبد الرحمن : فبدأ أبو بكر فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله بعث محمداً رسولاً إلى خلقه وشهيداً على أمته ليعبدوا الله ، ويوحدوه ، وهم يعبدون من دونه آلهة شتى ويزعمون أنها لهم عنده شافعة ،ولهم نافعة ، وإنما هي من حجر منحوت وخشب منجور ، وثم قرأ :
{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }يونس18
وقالوا : {... أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى }الزمر3
فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم ، وتكذيبهم إياهم ، وإجماع قومهم عليهم فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالله ورسوله وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم ، وأنتم يا معشر الأنصار ، من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله ، وجعل إليكم هجرته وفيكم جلة أزواجه وأصحابه ، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم فنحن الأمراء ، وأنتم الوزراء لا تفتانون بمشورة ، ولا نقضي دونكم الأمور ، قال : فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا معشر الأنصار ، أملكوا عليكم أمركم ، فإن الناس في فيئكم وظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم أنتم أهل العز، والثروة ، وأولو العدد والمنعة ، والتجربة وذوو البأس والنجدة ، وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون ، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم ، وينتقص عليكم أمركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير .

(5)

ونتابع النص من تاريخ الطبري
فقال عمر : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن ، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا تمنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمرهم منهم ، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة ، والسلطان المبين من ذا ينازعنا سلطان محمد ، وإمارته ، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدلٍ بباطل أو متجانف لإثم ومتورط في هلكة ! فقام الحباب بن المنذر ، فقال : املكوا على ايديكم ، ولا تسمعوا لمقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد ، وتولوا عليهم هذه الأمور فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين ممن لم يكن يدين أنا جذيلها المحك ، وعذيقها المرجب ! أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة ، فقال عمر : إذن يقتلك الله ! فقال أبوعبيدة : يا معشر الأنصار ، إنكم أول من نصر وآزر ، ولا تكونوا أول من بدل وغير .

(6)

ونتابع النص من تاريخ الطبري
فقام بشير بن سعد أو النعمان بن بشير . فقال : يا معشر الأنصار ، إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في هاد المشركين ، وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ، ولا نبتغي به من الدنيا عرضاً فإن الله ولي المنة علينا بذلك ألا إن محمداً من قريش وقومه أحق به وأولى وأيم الله لا يراني الله أنازعكم هذا الأمر أبداً ، فاتقوا الله ن ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم فقال أبوبكر : هذا عمر وهذا أبوعبيدة فأيهما شئتم فبايعوا ، فقالا : لا والله ن لا نتولى هذا الأمر عليك ، فإنك أفضل المهاجرين و {.. ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ..}التوبة40 ،وخليفة رسول الله على الصلاة والصلاة أفضل دين المسلمين فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك ابسط يدك نبايعك ، فلما ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب بن المنذر يا بشير بن سعد عقتك عقاق ما أحوجك إلى ما صنعت أنفست على ابن عمك الإمارة ؟ فقال : لا والله ، ولكني كرهت أن أنازع قوماً حقاً جعله الله لهم . ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد ، وما تدعو إليه قريش ، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، فقال بعضهم لبعض ، وفيهم أسيد بن حضير ، وكان أحد النقباء : والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة . ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً فقوموا فبايعوا أبابكر فقاموا إليه فبايعوه فانكسر على سعد بن عبادة ، وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم .

(7)

ونتابع النص من تاريخ الطبري
قال هشام : قال أبو مخنف : فحدثني أبوبكر بن محمد الخزاعي أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر فكان عمر يقول : ما هو إلا أن رأيت مسلم ، فأيقنت بالنصر ، قال هشام : عن أبي مخنف قال عبد الله بن عبد الرحمن : فاقبل الناس من كل جانب يبايعون أبابكر . وكادوا يطئون سعد بن عبادة فقال ناس من أصحاب سعد : اتقوا سعداً لا تطئوه ، فقال عمر : اقتله قتله الله ، ثم قام على رأسه ، فقال : هممت أن أطأك حتى تندر عضدك فأخذ سعد بلحية عمر ، فقال : والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة ، فقال أبوبكر " مهلاً يا عمر ، الرفق ها هنا أبلغ فأعرض عنه عمر .وقال سعد : أما والله لو أن بي قوة ما أقوى على النهوض لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيراً يجحرك وأصحابك . أما والله إذا لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع ! احملوني من هذا المكان فحملوه فأدخلوه في داره وترك أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس ، وبايع قومك ن فقال : أما والله حتى أرميكم من نبلي وأخضب سنان رمحي وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي وأقاتلكم بأهل بيتي ، ومن أطاعني من قومي فلا أفعل وأيم والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي . فلما أتى أبوبكر بذلك ، قال له عمر : لا تدعه حتى يبايع ، فقال له بشير بن سعد : إنه قد لجّ وأبى وليس بمبايعكم حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده ، وأهل بيته وطائفة من عشيرته فاتركوه فليس تركه بضاركم إنما هو رجل واحد فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد ، واستنصحوه لما بدا لهم منه ، فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يجمع معهم ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم فلم يزل كذلك حتى هلك أبوبكر رحمه الله .

(8)

ونتابع النص من تاريخ الطبري
حدثنا عبيد الله بن سعد قال : حدثنا عمي قال : أخبرنا سيف بن عمر ن عن سهل ، وأبي عثمان ، عن الضحاك بن خليفة قال : لما قام الحباب بن المنذر انتضى سيفه ، وقال : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب أنا ابو شبل في عريسة السد يعزي إلى الأسد فحامله عمر فضرب يده فندر السيف فأخذه ، ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد وتتابع القوم على البيعة وبايع سعد ، وكانت فلتة كفلتات الجاهلية قام أبو بكر دونها ، وقال قائل : حين أوطئ سعد : قتلتم سعداَ! ، فقال عمر : قتله الله إنه منافق ، واعترض عمر بالسيف صخرة فقطعه .
حدثنا عبيد الله بن سعيد قال : حدثني عمي يعقوب قال : حدثنا سيف ، عن مبشر عن جابر ن قال : قال سعد بن عبادة يومئذ لأبي بكر : إنكم معشر المهاجرين ، حسدتموني على الإمارة ،وإنك وقومي أجبرتموني على البيعة ، فقالوا : إنا لو أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سعة ، ولكنا أجبرنا الجماعة فلا إقالة فيها لئن نزعت يدا من طاعة ، أو فرقت جماعة لنضربنّ الذي فيه عيناك .
انتهى النص المقول من تاريخ الطبري
والشكر لكل من يقرأ
.


#763367 [المكوجي]
0.00/5 (0 صوت)

09-10-2013 11:37 PM
رحم الله عمنا الفاضل شيخ محمد، فقد كان صديقاً لوالدي رحمة الله عليه وأشرف على غسل جسده الطاهر حين وفاته. كان صوته العذب الفريد يجبرنا عندما كنا اطفالاً على التوقف عن اللعب واللهو في ازقة ابي كدوك اعجاباً ودهشةً. فقد كان رحمه الله شعلةً من النشاط والحركة، رقيقاَ هادئاً ترى في وجهه النور والصلاح، نسأل الله تعالى أن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء.


#763341 [بكري الصائغ]
0.00/5 (0 صوت)

09-10-2013 10:49 PM
اللهم نسألك ان تشمل موتانا برحمتك، وتغفر لهم ذنوبهم الصغيرة والكبيرة ومابدر منهم من هفوات، وان تضعهم بالمكان المحمود الذي وعدت به الانبياء والصالحيين، انك سميع مجيب.

***- هم السابقون ونحن بهم شئنا ام ابينا لاحقون...وماأروع لقاء ذلك اليوم...


عبد الله الشقليني
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة