هشيم
09-12-2013 05:43 AM


النهر قاع صفصف !!؟....
البحر ملح أجاج .....
النجوم ثقوب سوداء !!؟....
الطيور عديمة الأجنحة !!؟...
الأشجار جذوع جافة ....
الأحلام كوابيس مفزعة لحياة تتحلل
وتموت في الداخل !!؟؟؟....
لم يبق له إلا خيط من نسيج واهٍ يتعلق به ، فتعلق بأعلى موضع من كُبري النيل الأزرق وقد حمل معه " سلبة " و صخرة - قطعاً ليست صخرة سيزيف - أخذ يربط طرف الحبل المفتول " السلبة " حول الصخرة والطرف الآخر يخاصر به
وسطه وفي سره يلعن العالم !!؟...
إستبدت الدهشة بعابري الجسر وهم
يبصرون رجلاً في هيئة حسنة
يعتلي قمة الكُبري وقد أقعى على العارضة الحديدية مشرفاً على السقوط صوب أعمق قيعان هذا المجرى المائي المتحدر من أقصى الشرق حيث يقام الآن "سد النهضة" .....
توقف مسار الحركة وإختنق عند المدخل.....
تعالت من الخلف منبهات " الكلكسات " وضج مصدروها بالصياح وقد ترك بعضهم عجلة القيادة ونزل يستجلي حقيقة الأمر
تساءل أحدهم
- ماذا هناك ؟
الإجابة كانت سؤالاً آخرٓ
- ماذا حدث ؟
وتوالت الأسئلة متواترة ومتوترة
- من تسبب في إعاقة الحركة ؟
- كيف يجرؤ في هذا الوقت ؟
- ألسنا في ساعة الذروة ؟
- لماذا هذا الجسر دون الجسور الأخرى ؟
إنبرى آخر حائراً
- أين موضع الإعاقة ؟
رد عليه أحد المنتظرين
- ربما هناك سيارة معطوبة !!...
تدخل أحدهم غاضباً
- لماذا لا ُتمنع السيارات القديمة من عبور هذا الجسر ؟
جاء من أقصى الشارع رجل يسعى
مهرولاً وصياحه يسبقه
- متى تنتهي هذه الفوضى ، ظللت
أكثر من ساعة إنتظر دون أن تتحرك
السيارة التي أمامي قيد أنملة ، كأن
إطاراتها قد إلتصقت بقشرة الإسفلت الرخوة !؟؟؟...
* * *
الشمس في كبد السماء
يصطلي المنتظرون بإوارها
تتصبب أجسادهم عرقاً
يترجل أحدهم من سيارته الفخيمة
تبدو عليه مخايل محدثو النعمة !!؟...
يصب جام غضبه على التسيب الذي
إستشرت مفاصله في كل مرافق الدولة كإستشراء النار في الهشيم !!؟؟...وو
تدخل آخر من فصيلته
- هذه الفوضى ضربت بأطنابها بحيث لم يفلت منها أحد ، كأنها الوباء الذي يعم ولايخص !!!؟؟....
ثمة من جاء بالخبر اليقين
إرتفع صوته مجلجلاً وسط الجموع كأنه يدحض توقعاتهم كافة
- هناك من يعتلي قمة الكُبري !!!...
مدخل جسر النيل الأزرق إكتظ بالراجلين الذين أبطلوا " مواتير "
سياراتهم ونزلوا يتطلعون صوب القابع على رؤوسهم في حيرة وإستغراب ولا يدرون على وجه الدقة
كيف يتصرفون تجاه هذا المأزق !؟..
شملتهم حالة من الوجوم قبل أن يطرح أحدهم سؤالاً مشيراً الى أعلى !!؟؟.....
- أين الشرطة ؟
وتوالت الأسئلة
- ماذا يريد ؟
- أهو مجنون ؟
- لعله ينتوي الإنتحار !!..
- ربما هو أحد العاطلين يرغب في لفت الإنتباه الى قضيتهم ، أو ربما يكون عمله هذا الطائش آلية ضغط عصرية للحصول على وظيفة ، ولكن من يحفل به !!!؟؟؟....
- أمعن النظر .. ماذا يفعل بالصخرة والحبل !!...
- إنه يربط طرفي السلبة حول خاصرته وحول الصخرة .. أليس هذا مثير للعجب !!!؟...
ظل الرجل ينقل بصره في صمت بين قاع النيل والجموع الغفيرة المحدقة صوبه بعيون جاحظة لا يطرف لها جفن !!!...
شرطة النجدة لم تصل بعد !!...
إزداد تكدس الناس حول المكان
بعضهم إعتبر الحدث مثيراً يستحق
الفرجة وآخرون تعاملوا معه بإعتباره
خروج عن المألوف نادر الحدوث والبعض الآخر إتخذه وسيلة مسلية
للتندر بحكايته في جلسات السمر مع الأصدقاء ورفقاء الكأس !!؟؟...
وآخرون ظنوها سانحة طيبة لكسر
حدة الرتابة التي إكتنفت حياتهم الزوجية مؤخراً !!؟...

* * *
كان الرجل مشغولاً !!....5
يتحسس بأصابعه عقدتي الحبل المربوطتين حول الصخرة والخاصرة
ثم يلقي نظرة عجلى الى أسفل كأنه
يقيس المسافة بين موقعه وقاع النيل
همس لنفسه ( ليست بعيدة .. ربما
أقصر مما ينبغي ، لكنها حتماً ستفي بالغرض ، فقط عليه أن ينهي
الأمر الآن ... كان من المفترض أن
يستحيل الى فعل ماضٍ لولا إصرارهم العنيد على الإحتفاء به وهو يزف نفسه الى الأحياء المائية
كوجبة دسمة !!؟..) وقبل أن ينجز مبتغاه ، أشرأبت أُذناه تتسمع صفير سيارات شرطة النجدة الآخذ
في الإقتراب ....
تعلق بصره لهنيهات بطائر أخضر
يخفق بجناحيه القويين فوق رأسه
محلقاً في الأعالي ، بينما الأسفلون
يخوضون في لغو الحديث ويختلفون في كيفية إنزاله ... بل على الأصح إصطياده !!!!....
حتى شرطة النجدة ضلعت في بؤرة
الخلاف وأي الوسائل المثلى الواجب
إتباعها !!!....
همس لنفسه ( الآن أنا الأعلى وهم الأسفلون !!؟...)
قال أحد الأسفلين
- لم يعد الأمر مثيراً كما كان من ذي قبل ...
- كلا .. ألا ترى أنه يحمل حجراً وحبلاً !!!!...
- أمعن النظر جيداً ، لترى بأم عينيك ماذا يفعل بالصخرة والسلبة ؟؟؟...
تصدى أكبرهم مقاماً وأكثرهم ضيقاً بهذا العبث منهياً زوبعة اللغط
- تُرى أي الفعلين أسبق ، فعله أم فعل النجدة ؟؟؟!!...
* * *
( هؤلاء الأوباش ، ما أجهلهم ،يظنون
أنني معتوه أو عاطل يستخدم وسيلة
ضغط عصرية من أجل الحصول على وظيفة .... إنهم غافلون عن مستصغر الشرر ، أنا مستصغر الشرر الذى - في غمضة عين وإنتباهتها - سيحيلهم الى هشيم ،
هؤلاء المتخمون يحاولون الإنحراف بقضيته ويقللون - كعادتهم - من شأن عامة الناس كأنهم ليسو بشراً
ويعتقدون أن الأمر لا يعدو أن يكون شططاً إعتور خياله المريض فجنح به الى مناطق محظورة !!؟...)
تأهب -وهو على حافة الهاوية- للسقوط غرقاً !!؟؟....
لكنه تريث بضع دقائق محاولاً إستكمال شكواه ( كلا قاطعة ... بل
يقينية لظنهم الأثيم في قواي العقلية
لستٌ نزِقاً ولارعوياً ولابدوياً ولا بي لوثة !!؟....
فقط أرى ما ليس في مكنتهم رؤيته
هذه الأشجار المسكونة بالجفاف
ستهجرها الطيور ، وترحل من تحتها الظلال ... كيف يستقبل الناس إفتراق النيلين بعد إقتران دام طويلاً ، منذ بدء الخليقة !!!؟؟.....
كل هذه الخصوبة .. كل هذه العذوبة...!!!؟؟... كل هذا السحر !!؟...
كل هذا التدفق.. من كلا البحيرتين .. كيف ستطيق الأرض أنقطاعها جميعاً عنها دفعة واحدة ؟؟!...
أنا لن أعصب عينيي ... ثم أفتحهما
على أرض جرداء لأبكي عليها مع
الباكين ... وربما يبكون بكاءًٍ مريراً لاحقاً ، على رحيل هذه الأرض السمراء المعطاءة عن بقعة تٌسمى
السودان !!!؟...
إذا أمعنوا النظر في جبروتهم وبطشهم وطمسهم للمواطنة الحقة !؟
لأدركوا بشاعة وفظاعة ما فعلوه ضد الإنسان والأرض !!؟...)
* * *
في لحظة ما أوشك أن يتساقط كالثمرة الناضجة ، سمع هرج ومرج
وتعالت الضوضاء وقد حجبت زحمة
الأجساد المتدافعة كالسيل مدخل الجسر ومخرجه ... وبينما لم يعد ثمة موطأ لقدم على إسفلت شارعي
النيل والجامعة في كلا الإتجاهين المتعاكسين ، مما جعل رجال الشرطة لا يجدون مندوحة من إعمال هرواتهم !!؟..
على ظهور من يعترض سبيلهم ....
ويحول بينهم وبين مبتغاهم ، ولكن قبل ذلك بقليل كان الرجل قد أدلى الصخرة .... ثم أفلت قبضته من العارضة الحديدية ، ليسقط متهاوياً بين شدقي النيل... بينما وعيه الباطن ، يلتقط صورة ساخرة للجموع الغفيرة المتقاطرة من كل حدب وصوب لوداعه ، وقبل أن تصعد روحه للرفيق الأعلى ، همس لنفسه متهكماً ( لو كنت أعلم مسبقاً بحجم شعبيتي هذه ... لكرست هذه
القاعدة الجماهيرية لترشيح نفسي زعيماً لهم !!!؟؟.....


[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 718

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#764627 [Sudani1]
0.00/5 (0 صوت)

09-12-2013 02:56 PM
تصوير رائع يا استاذ فيصل. كأن هذا المنتحر يتصرف باسمنا جميعا.


فيصل مصطفى
فيصل مصطفى

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة