المقالات
السياسة
رواية مزرعة الحيوان وحقيقة أورويل كمُخبر معاد للاشتراكية
رواية مزرعة الحيوان وحقيقة أورويل كمُخبر معاد للاشتراكية
09-12-2013 04:46 PM


رواية مزرعة الحيوان لجورج أورويل، صدرت في إنجلترا فى 1945 ومنذ ظهورها طبع منها عشرات الملايين من النسخ بمختلف اللغات. وانتشار الرواية يرجع الى الترويج لها فى إطار إحلال الدعاية السياسية محل التقويم النقدى. وهذه إطلالة سريعة على بعض جوانب حقيقة الرواية.

وصف ستيفن سيدلى رواية مزرعة الحيوان، فى مقالة له بعنوان ” اقتراح غير متواضع: جورج أورويل“، بانها تخلو من التخييل الروائى المقنع. وهى تنزع الى تبرير مضمونها سياسياً، وترمى الى اقناع القارىء بافتراض رئيسى هو أن الناس فى حياتهم السياسية يتساوون مع الحيوانات من ناحية السلب والفظاظة، وافتراض ثانوى يعتبر المجتمع المدنى مزرعة يديرها على نحو حسن أو سيىء أناس يصعدون للسلطة اما بوراثتها بالميلاد او انتزاعها بالقوة. وإتكاءً على هذين الافتراضين تأتى مزرعة الحيوان وبدونهما لا توجد رواية ولا مغزى.

ويمضى سيدلى يقول أنه إكتشف إن ضيق إبنته ذات الثلاثة عشر ربيعاً من قراءة رواية مزرعة الحيوان المدرجة ضمن المقررات المدرسية مبعثه هو ” أنها حديثة عهد بالأفكار السياسية بالقدر الذى لاتمتلك معه مرجعية للرواية : إنها لا تفهم المقصود منها. لا يوجد تحريض على ولوج عالم الخيال القصصى. فليس هناك نقطة إنطلاق مشتركة للقارىء والكاتب.“ اورويل يفترض إتفاق القارئ معه على اساس مسبق، ويذكر سيدلى أن هذا الإعراض لا يعزى لكون الرواية خرافية تجرى على لسان الحيوان (animal fable)، فالأدب الانجليزى غنى بالأمثلة الرائعة لهذا الجنس من أدب االخرافة التى وجدت إستحساناً وإقبالاً كبيراً. ومن الامثلة التى قدمها سيدلى هى "رحلات جليفر" التى يسوق فيها " جوناثان سويفت" القارئ فى رحلة قُدم فيها الخيال بشكل مقنع يجعل الأخير عندما يصل الى نقطة اللاعودة يكتشف أنه يقرأ عن نفسه. والتركيز هنا على الجانب الفنى (الخيال الابداعى) الذى يوسع الآفاق الذهنية ويشحذ الوعى الوجدانى الذى يؤدى الى الانتباه للظواهر الحياتية.

فى إعتقاد سيدلى أن ضعف المعالجة الفنية فى مزرعة الحيوان، على عكس الامثلة التى قدمها، يكمن فى افتراض أن لا خيار بين الانسان والحيوان الذى جعل روايته بلا قيمة فنية وخالية من الابداع والأصالة. وبيّن سيدلى فى أمثلته أن الاعمال الجيدة فى هذا المجال أظهرت الروابط بين حياة الانسان والحيوان بدون وضعها فى قوالب ترمى لخلع نزعات حيوانية على الناس لا وجود لها فى الواقع. فمثلاً أبلد الحيوانات فى رواية مزرعة الحيوان وهى الخراف الحليف الاساسى الجاهل للخنازير (القادة السوفيت) تثغو بلا إنقطاع ” أربع أرجل جيدة، قدمان سيئتان“ فى كل جدال مما لا يترك مجالاً لاى نقاش جاد؛ ولكن حتى ابسط الناس لهم فكرة ما عن الأشياء تسمح لهم بالمجادلة ولو على قدر تحده سذاجتهم وتعصبهم لمواقفهم نتيجة للجهل. ولكن أورويل اراد القول ان العمال وجمهور الناس العاديين اطلاقاً لا يستطيعون تحرير انفسهم وبناء الإشتراكية التى يناصبها العداء.

( نشير الى أن مقارنة سيدلى يمكن الاستضاء بها فى اجراء المقارنة مع توظيف الحيوان فى الادب العربى. فعلاقة الانسان بالحيوان تتمتع بوجود معتبر فى الثقافة العربية عبرت عنه الفنون والآداب والحكايات الاسطورية كمجموعة قصص كليلة ودمنة الخرافية التى جرت معظم حكايتها على لسان كليلة ودمنه، إبناء آوى، وكانا ذوى دهاء وعلم وأدب؛ فالحيوانات فيها تحاكى الشخصيات الآدمية بتصوير مستمد من العلاقة الفعلية التى توجد بين حياة الانسان وحياة الحيوان بدون الوقوع فى سخف إزالة أى تمييز بينهما فيما يخص النزعات والدوافع، ألخ.)

استخدمت رواية ” مزرعة الحيوان“ كسلاح فى الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية لتشويه صورة النظام السوفيتى وقادته، وفى هذا المنحى جرى تدريسها كمادة مدرجة فى مناهج الادب في انجلترا لمرحلة التعليم الثانوي بهدف إقناع التلاميذ بعدم جدوى وبطلان الافكار المتعلقة بالتغيير الاجتماعى الجذرى الذى تدعو له الاشتراكية العلمية. يقول ألن بروان، فى مقالة له بعنوان ” مراجعة أورويل: قيم سياسية وأدبية فى التعليم“، أن جميع معُينات الدراسة (study aids) الخاصة بالرواية تركز على شخصية أورويل وتصويرها بالتمتع بالحياد والحكمة وهو تصور مبني على الايحاء بأن نقاء الفرد الخلقى الذى تمثله تلك الصفات هو شرط الوصول الى الموضوعية، وعليه إذا اردنا إدراك الحقائق علينا البحث عن قديسين. ويقول المؤرخ البريطانى بريندون بيرس ” اورويل كان قديس الاخلاق المتعارفة وفى وقت سابق عندما كان يعمل بال "بى.بى.سى." قال عنه رئيسه روشبروك وليامز،’ إنه قد تم تهيئته ليكون قديسا، أو يحرق على الوتد‘.“

وهكذا كان الهدف تقديم أورويل كشخص (كاتب) محايد وبالتالى فان أحداث الرواية لا تحمل وجهة نظره لأنه صادق فى حياده! وفى إحدى مُعينات الدراسة التى اوردها بروان جاء فيها: ” إرتكازاً على التجربة الشخصية والعرف العام، ولكن أكثر أهمية على الحقائق المُلاحَظَة، استطاع أورويل الوصول الى أن الاشتراكية كما هى فى زمنه غير واقعية والدعوة لها غير موضوعية.“ ويعلق بروان على هذا قائلاً: ” مَنْ يستطيع مناقضة العرف والحقيقة والتجربة؟ لقد تم تحديد صلاحية وصحة حجة الكاتب بالإصرار على التجربة الشخصية والمعلومات الغير متحيزة...... قُدمت جاذبية هذه الامبريقية بهدف جعل أى محاولة لدحض حكم أورويل (على الاشتراكية) شيئا مستحيلا. هذا ينطبق، على الاقل، على الطلاب حديثى العهد بالسياسة......إن الغياب التام للشك أو القيد يجعلهم يميلون لقبول أى افكار وحتى التعصب كحقائق مقبولة.“ خُصصت رواية مزرعة الحيوان فى حقل التعليم لخلق اسطورة سياسية من أورويل. تم هذا بالاعتماد على منهج الحكم على الاشياء اعتماداً على العرف العام السائد، وقد لاحظ بروان أن مختلف معينات الدراسة أظهرت إجماعاً حول شخصية أورويل كشخصية متفردة فى صدقها وواقعيتها لحث التلاميذ على قبول هذا الإجماع وإعتبار أنفسهم جزءاً منه. كما خلت العملية التعليمية من أى مجهود لفحص الافتراضات، وقدمت الفرد على العامل السياسى والاجتماعى بافتراض أن حركة التاريخ تحددها حقائق خالدة غير قابلة للتغير كالطبيعة البشرية والأخلاق.

هل يعقل، كما تصوَّر مروجو رواية مزرعة الحيوان، أن تكون الخزعبلات الواردة فيها كافية لدحض ثورة أكتوبر العظمى؟ لقد أهملت الرواية حقائق الواقع. فأكاذيب الرواية تحرف الانظار عن انجازات الإتحاد السوفيتى السابق فى انشاء المزارع الجماعية والصناعات الحديثة بعد اطاحته بالراسمالية والإقطاع، وتمكنه من صد العدوان المسلح والحصار الذين فرضهما الغرب الامبريالى عليه. وألم يكن غربياً أن تكتب الرواية عندما كان السوفيت يخوضون حرباً طاحنة ضد النازية بذلوا فيها تضحيات كبيرة لم تنقذ نظامهم فحسب، بل ساهمت فى إنقاذ شعوب مختلف البلدان من مخطط النازيين للسيطرة على العالم؟

لم يستطع أورويل نشر رواية مزرعة الحيوان الا بعد سنتين من الإنتهاء من كتابتها فى 1943 اذ رفضها كل الناشرين الذين عرضت عليهم. كانت كل أنظار العالم فى ذلك الوقت تتجه نحو معركة ستالينغراد (1942-1943) بين النظام السوفيتى وجيوش ألمانيا النازية لما تمثله محصلتها بالنسبة لمستقبل البشرية. وفى هذا ذكر الناشر البريطانى المشهور فيكتور جولانز: ” لم يكن ياستطاعتنا نشرها فى ذلك الوقت. فالناس (السوفيت) كانوا يقاتلون من أجلنا وقد أنقذوا رقابنا فى ستالينغراد.“

تزامن نشر الرواية مع تغير الموقف الغربى من النظام السوفيتى بعد الحرب. ففى مناخ الحملة الغربية ضد الاتحاد السوفيى نتيجة للخلاف بين الدول الكبرى على كيفية إدارة وبناء عالم ما بعد الحرب، صارت الظروف مواتية لنشر رواية مزرعة الحيوان وتوظيفها فى معاداة الشيوعية. وهكذا مع تغير الخط السياسيى للغرب بدرجة مائة وثمانين درجة، قبلت دور النشر طباعة الرواية وبعدها تغيرت حظوظ أورويل.

فى عام 2003 انكشفت حقيقة أورويل كشخص معاد للتقدم وواش نمام بعد أن أذاعت الحكومة البريطانية رسمياَ أنه كان يتعامل مع المخابرات البريطانية بمدها بقائمة تضم أسماء 38 من الكتاب والعلماء والفنانين باعتبارهم متعاطفين مع الشيوعية وكان من بينهم اسحق دويتشر و جون بريستلى وجون شتاينبك والممثل شارلى شابلن.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 6804

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#764923 [الحلبي التركي]
5.00/5 (1 صوت)

09-13-2013 12:44 AM
عنوان الموضوع لا يرتبط بالمتن ، في الواقع آخر سطر فقط هو م تعلق بعنوان الموضوع . كما أن كون أورويل واشٍ أم غير واشٍ فهذا لا اعتبار له في عملية التقييم الأدبي . فالنص ينفصل عن صاحبه ليأخذ ذاتيته . ولو كان صاحبه ابن سفاح فلا أهمية لذلك في النقد الأدبي.
من ناحية ثانية أنا لا أعرف من أين جئت بهؤلاء النقاد الهزيلين حتى ولو كانت أسماؤهم (الخواجاتية ) جاذبة للتصديق ، أو كما يسميها علماء المنطق استخدام السلطة في التأكيد على الرأي الشخص .
فهذا النقد الهزيل لا يمكن أن يأتي من أشخاص لديهم باع في عملية تحليل النص الأدبي باختلاف مدارس النص من الرمزية والتعبيرية وخلافه والبنوية والتفكيكية... فهذا اختزال سخيف جداً بل وفيه قدر من الجهل العجيب جداً والذي لا اعتقد أن (الخواجة) سيد الإسم يقع فيه.
(استطاع أورويل الوصول الى أن الاشتراكية كما هى فى زمنه غير واقعية والدعوة لها غير موضوعية).
هذا النص أعلاه دليل واضح على أن من قاله يحتاج إلى إعادة تأهيل ومزاكرة من سنة أولى ابتدائي . لأن رواية مزرعة الحيوان لم تتعرض لنقد صلاحية الإشتراكية من حيث هي نظرية صالحة أم لا من وجهة تطبيقية محضة . بل يمكن إسباغ ذات الأبعاد الأدبية على غيرها من نظريات بما يشمل الرأسمالية بل وحتى الأديان. ولو كان صاحب النص إطلع على رواية ميلان كونديرا المسماة بالمزحة لاكتشف تناصات كثيرة ومقاربات أكثر تفصيلية ولكن يبدو أن كره الشيوعيين لكل من ينتقدهم يفقدهم التوازن حتى في عملية التحليل ويجعل تحليلهم أو نقدهم فطيراً وبائسا بل ومثير للشفقة . بل وحتى لو كان النص أعلاه منطقياً ، فإنه ليس بجديد ، يمكن الرجوع إلى كتاب وفلاسفة إشتراكيين كتبوا حول فشل التجربة السوفييتية ، فليس فقط من لا يناصرون النظرية الإشتراكية أمثال فوكاياما فقط من تعرضوا للفشل التطبيقي للنظرية . ويمكن أن أحيلك إلى أكثر من كاتب تقدمي متحسر على ماضيه الذي أنفقه دفاعاً عن خزعبلات الإشتراكية ووليداتها من ماوية وماركسية ولينينية ...الخ.
على أية حال مناقشة رواية كرواية مزرعة الحيوان لا يمكن أن تتم بهذا الشكل الخوائي والسطحي ، لأن هذا لا يسيء للرواية بقدر ما يسيء لمن يحاول نقدها.


د. محمود محمد ياسين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة