المقالات
السياسة

09-14-2013 01:23 PM


بسم الله الرحمن الرحيم

كتب قبل فترة الكاتب والأكاديمي المميز الدكتور عبدالوهاب الأفندي، مقال رصين بإسلوبه الشيق السهل الممتنع، يندد فيه بأحداث مصر الأخيرة، رابطاً فيه ربطا لطيفا بين قصة فرعون مع قوم موسي المذكورة في القرآن الكريم وتلك الأحداث. وبما أنه رأي نصف الكوب حسب إعتقادنا، أو نظر الي الأحداث من منظار إسلاموي، أي إتجاه الإسلام السياسي السائد، والمُعبِر عن تسيس الدين وحركيته وإحتكاره لصالح تفسير واحد! والخروج به من سعة الروح وفضاء الضمير، الي ضيق السياسة وتناقضاتها وتاريخيتها او دورانها مع دوران المصالح والزمان! والدكتور يمثل أحد دعامات هذا الإتجاه النظرية والمنافحة عنه، كوصفة علاجية مقدسة وصالحة زمانيا ومكانيا ومتجاوزة بشريا، لمعالجة أدواء الحالة السياسية العربية والإقليمية المستعصية! وبغض النظر عن موقفه من التسمية او قبوله او رفضه لها، فالمقصود منها التحديد والتعريف أكثر من كونها إصدار حكم قيمي في حقها! وإستكمالاً لنفس القصة او قصص أخري مشابهة لها، والدكتور وغيره كثر، أدري بها مني. ونتساءل عبرها كيف كان أسلوب تعامل ودور بني إسرائيل او جزء معتبر منهم، بعد أن دانت لهم السيطرة؟! أليس هم من عَبْد العجل والنبي موسي عليه السلام وأخيه هارون بين ظهرانيهم؟ أليس هم من قتل الأنبياء بغير وجه حق إلا أنهم طالبوا بعبادة الله؟ وخلاصة الأمر هم من فضل التي هي أدني علي التي هي خير او أعلي، وغيرها من ممارسات الإستغلال والفساد في الأرض! لدرجة يري فيها بعض المفسرين، أن النزعة الروحية المفرطة في الديانة المسيحية حسب بعض الممارسيين(رهبنة!) ما هي إلا تعبير عن ردة فعل معاكسة، للشطط المادي الذي إنحرف إليه اليهود، لشدة إنغماسهم في الحياة والحصول علي الملزات بكل السبل. أي لتعيد إليهم الطابع الديني الروحاني الخالص، الذي إفتقدوه في غمرة إنشغالهم بمتع الحياة الزائلة. وقد يكون في هذا أحد أسباب تسمية الإسلام بدين الوسطية، الذي يوازن بين النواحي الروحية والمادية والله أعلم. والمقصود من سرد هذه القصص والعبر، وفي سياق ربطها بالظاهرة الفرعونية. أن الضحية يمكن أن يتحول الي جلاد أكثر فرعنة! وهذا التشابه موجود بين سلوك بني إسرائيل والجماعات الإسلامية، بإختلاف نسخها السياسية والبرامجية وحواضنها الإجتماعية، وعلي الرغم من أنها أقل أضطهادا ومعاناة إلا أنها أكثر جذرية، في رفض الآخر وإحتكار السلطة والفضاء الإقتصادي والإجتماعي والإخلاقي! ويمكن التأمل في تجربة الجماعة الكيزانية السودانية، كأحد روافد جماعة الإخوان المسلمين الإقليمية الاخطبوطية، وحاملة لواء برامجها للتغيير وإعادة صياغة مجتمعات القرن العشرين الجاهلية! وما سببته للدولة السودانية من إنقسام لكيان الدولة نفسه، وما يستتبعه ذلك من تعقيدات سياسية وإجتماعية وحدودية وقابلية للإنفجار وتجدد الإقتتال بصورة أكثر شراسة. وبالطبع تردي الخدمات والتضييق علي العباد والتجريف لفضائل المجتمع، والنسف لوشائج الإلفة والتعايش والتماسك، بين تشكيلاته القبيلة والأثنية والدينية!
وبخصوص فض الإعتصام والأعمال العنفية التي قامت بها الأجهزة الأمنية والعسكرية المصرية، يري بعض الكتاب المصريين وهم أقرب الي أجواء الحدث من غيرهم، أنه دون الحصول علي معلومات موثقة، تحكي عن تفاصيل ما حداث، او فتح تحقيق شفاف ونزيه، يفك الإلتباس المحيط بهذه الإحداث المؤسفة. لن ينجلي غبار المعركة وتستبين الحقائق المجردة ويعود الصفاء للمياه المعتكرة، التي تغري أصحاب الغرض بالصيد الوفير! مع الوضع في الإعتبار أن الأجهزة الأمنية والعسكرية نفسها، فقدت عناصر كثيرة خلال هذه العملية الدامية والحزينة. مع الإشارة الي أنها صاحبة الحق الأساس، في الحصول علي السلاح وإستخدامه، أي وظيفتها حفظ الأمن حتي ولو أدي ذلك لإستخدام العنف، في حدود القانون بالطبع!! ونعني بذلك أن هنالك عناصر مسلحة كانت مندسة وسط المتظاهرين السلميين، وتاليا يقع عليها العبء الأكبر في تعريض حياة الآخرين للخطر، وبديهيا أن حملها للسلاح او إستخدامه لا يجوز شرعا في قانون أي دولة شرعية، أي بوصفهم مدنيين لا يحق لهم إمتلاك أدوات العنف ناهيك عن إستخدامها، إلا بإذن وفي حدود ضيقة وبمعرفة السلطات. لأن إحتكار العنف يرجع بصورة حصرية للدولة عبر أدواتها وقوانينها وممثليها، كأحد تجليات تطور المجتمعات عبر التاريخ، وتنظيم للتعايش والإختلافات بين مكوناتها، ووجود إطار أشمل يجمعها ويحميها في نفس الوقت. والمحصلة أن مجرد حمل السلاح دون ترخيص، وبغض النظر عن إستخدامه يمثل مخالفة صريحة للقانون، ويشكل التستر عليه جريمة بدوره. ولكن أن تبيح قيادة تنظيم سياسي لبعض الأعضاء إمتلاكه! وتاليا إستخدامه!! فهذه تشكل سابقة خطيرة، تنذر بحرق البلاد وصبغ العملية السياسية بطابع العنف، وبالتالي إفراغها من مضمونها، كوسيلة سلمية لإدارة الخلافات المجتمعية المرتبطة بوجودها، وترقية لممارسة علاقاتها البينية ومعالجة لطريقة حكمها وتساكنها في رقعة محددة. لذلك العنف او التلويح بإستخدامه حتي ولو لفظيا، يتنافي مع الممارسة السياسية السلمية الراشدة. ويرهن مستقبل البلاد الي المجهول. وسيطرة أمراء الحرب من كل لون وجنس، وسيادة شرعة الغاب وقانون الإنتهاك الفاضح، لكل الحقوق والمكتسبات التي تحصلت عليها المجتمعات، بشق الأنفس وبكثير من الأكلاف والتضحيات!
ولكن من الجهة المقابلة، ألا يمثل الإعتصام السلمي والإحتجاجات والإضرابات، جزء من حقوق المواطن المدنية، للتعبير عن مطالبه وإسماع صوته للحكومات والمسؤولين الغافلين ، وتاليا إغلاق لأبواب العنف ورياح الشر وإستخدام القوة كوسيلة وحيدة للحصول علي المطالب! بالتأكيد كل ذلك حق ولا يتناطح فيه ديمقراطيان، ولكن ايضاً يمكن أن تتخذ الإضربات والنشاطات الإحتجاجية كوسيلة وممارسة حق يراد به باطل! بمعني إتخاذ الإعتصامات والوسائل السلمية الإحتجاجية، كآليات لتعطيل عمل الدولة وقيامها بواجباتها وتاليا سقوطها، وهذا بدوره يفتح المجال لعنف أكبر وإنحلال للمجتمع وضمور للروابط الوطنية، وإظهار لكل شياطين التباينات الطبقية والدينية والقبلية، والنتيجة الحرب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر! والسؤال الذي يوجه للإسلامين، لماذا هذه الإعتصامات والحشود من الأساس؟ هل الغرض منها عودة الشرعية والرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، للحكم كما يزعم منظموها والشعارات المرفوعة في قلبها؟ حسناً فهذه مواقف جيدة و كثر متفقين مع هذه الشعارات! ولكن أليست السلطة كانت لديهم لمدة عام كامل، دون منازعة تذكر او مقاومة فعلية! فماذا كانت النتيجة؟!! بمعني ما هو الهدف الذي تسعي الجماعة الإسلامية لتحقيقه وإنجازه، ولم تتسنَ لها الفرصة طوال عاما كاملا لبلوغه، او البداية الفعلية لتنفيذه! أي هل السلطة وسيلة لتحقيق الاهداف، أم هي غاية في حد ذاتها! لأن كل السلوك الذي مورس من قبل الجماعة الإسلامية، يؤكد حقيقة واحدة، وهي أن السلطة في حد ذاتها هي غاية هذه الجماعة، التي تكسبها التمتع بنعيم الحكم وإمتيازاته وحسن ثواب الآخرة, ولو علي حساب رغبة الجمهور المغلوب علي أمره صندوقياً! بمنعي آخر، إن الجماعة الإسلامية، قائمة علي مسلمة فحواها، أن الحكم شأن يخصها لوحدها، كوصي علي الآخر! بوصفها صوت الرب علي الأرض او خليفته! وتاليا فهي مزودة بكل مستلزمات الحكم وإنجاز غاياته فطرياً او علي السليقة! ولذلك فهي لم تجهد نفسها في تطوير قدراتها وبرامجها، بالتعمق في مشاكل العصر وتعقيدات الواقع المحيط، لمقاربة حلول عملية وواقعية، يمكن تحقيقها بالقدرات المتاحة علي الأرض، وفي حدود طاقات البشر وإمكاناتهم المحدودة، بالإستفادة من كل منجزات اللحظة التاريخية الراهنة علي المستوي المادي والقيمي! أي الإنغماس في راهنهم الأرضي بكلياتهم، والسعي لتحسينه بوسائل سلمية وأخلاقية وعلمية، والتخلص من الغيبوبة الزمانية/المكانية التي تتملكهم وتسيطر علي روحهم وتفكيرهم، وتكسبهم وَهمْ الطُهرانية الكاذب الذي يتلبسهم، ويجعل مظهرهم وأعمالهم في تناقض (كاريكاتوري) يثير السخرية والألم!
وبحسب بعض المراقبين أن السلطات الأمنية، وقبل الشروع في فض الإعتصام واللجوء الي العنف، قد فتحت ممرات آمنة لخروج كل الراغبين سلميا، تنفيذا لأوامراها وتقديرها لخطورة الموقف. أي أن الفرصة كانت متاحة أمام الجميع لفض الإعتصام سلميا، وتفويت الفرصة علي المتربصين بهم، رغبة في الخلاص منهم عنفيا حسب إعتقادهم! او علي الأقل حفظ أرواحهم إستعدادا لجولة أخري، بعد التخطيط ومعرفة كيفية الإستفادة من الفرص المتاحة في الواقع الجديد! ولكن ذلك التدبر السياسي والحصافة القيادية، المطلوب توافرهما في كل من يتصدي للعمل السياسي او قيادة الجماهير، للأسف لا يتوافران في الجماعة الإسلامية ونهجها العنفي والذرائعي، الذي طبع اسلوب تعاملها السياسي تاريخيا! بل النهج العنفي أحد وسائل تحقيق اهدافها الأساسية، وهو مبرر نصيا في بعض أدبياتها وتياراتها! وحتي عندما أتتها الفرصة علي طبق من ذهب، في السيطرة علي الحكم بغالبية مريحة، بسبب ضعف التحدي من الطبقة السياسية المنافسة لها، بتشتت جهودها وعدم الإتفاق علي مواجهة الدعاية العاطفية الإسلامية! إضافة الي براعة الجماعة في إستغلال الحاجات الإقتصادية والدينية لقطاع عريض من الفقراء والمعدمين، الذين يشكلون الغالبية العظمي من الشعب، كنتيجة حتمية لعقود طويلة من الإستبداد والفساد الي ميَّزَ فترات الحكم السابقة! فإنها لم تحسن إستثمارها، لطرح نموذجها الطاهر في الحكم، والقادر علي حل كل المشاكل بمختلف تشكيلاتها في طرفة عين! كون طرحها مقدس ويمتلك قدرات سحرية خارقة لحل أي مشكلة، بغض النظر عن طبيعتها او تداخلها بغيرها من المشاكل، أي مشكلة مركبة كالمشكلة السياسية! كما ظلت تصدع رؤوسنا طوال تاريخها، وتربك التجربة السياسية المتعثرة وتزيدها تعقيدا! وهي تدعي بلسان إسلامي فصيح، بأن المشكلة الحقيقية هي في مفارقة النهج الإسلامي وطريق السلف الصالح لا غير، او ترديد شعارها الأثير الإسلام هو الحل! فقط لا تعب ولا وجع دماغ ولا تفاصيل منطقية! وحقيقة هذا ليس بغريب علي هذه الجماعة، بل يشكل جزء من وعيها الاسطوري، المفارق للمنطق والواقع والسابح في بحور الرغبات والأماني، الممكنة منها والغير ممكنة وهي الغالبية. ويبدو أنها تعاني من أمراض الطفولة السياسية والمراهقة السلطوية!
وكذلك بعد إرغامها علي مفارقة السلطة، التي حاولت أن تخصصها او تخصخصها(علي طريقة نهجها الإقتصادي) بحيث لا تسع إلا لأعضائها ومحازيبها ومن تجمعها معها مصالح الدرب، مما جلب عليها كل هذه المصائب وعزلها سياسيا ومجتمعيا. فإنها لجأت الي الإعتصامات وجمع الحشود كفعل تجيده، بحسب إستثمارها للعاطفة الدينية ونقصان حسها المسؤول تجاه الواجب الوطني والتماسك المجتمعي، والتواضع لقبول تسويات تضمن حقوق الآخرين، في التمتع بالمواطنة الكاملة والوطنية الحقة! ورغما عن كل ذلك نجدها فشلت في إستغلال تلك الحشود لنصرة قضيتها أكثر من شهر، أو في إقناع الصامتين او من هم علي الحياد في الدفاع عنها او مناصرة قضيتها، وفي نفس الوقت المحافظة علي كيان الدولة، وتماسك الجماعة الوطنية في صعيد واحد، ضد الإعتداء علي الشرعية كما تعتقد هي! بل الأسوأ من ذلك أن القيادات المسيطرة، عرَّضت حياة أعضائها البسطاء وبعض المتعاطفين معها لخطر مواجهة عنف الدولة، عبر المؤسسات العسكرية والأمنية التي لا تتقن فن السياسة وتجيد لغة العنف والرصاص فقط! بمعني أن الجماعة الإسلامية لا تتواني، في توظيف تلك الحشود المُضلَلَة، في صراعها السياسي للحصول علي أقصي المكاسب، ولو أدي ذلك لتعريض تلك الحشود للفناء! وإلا بماذا نفسر إستهانة قيادات هذه الجماعة بكل التحذيرات الموجهة إليها! إضافة الي حمل العناصر المتشددة منها للسلاح وسط الجمهور المحتشد سلميا، أي إستخدامهم كدروع بشرية في مواجهتها لعناصر مدربة من الشرطة، او لإظهار عنف السلطة ومن ثم توظيف دماء الأبرياء المنهمرة بغذارة لأهداف سياسية قصيرة النظر! ولا بأس من تشغيل اسطوانة الشهادة في مثل هذه الظروف(هل هنالك فرق بينها وبين صكوك الغفران التي كانت تمنحها الكنيسة للخلاص الآخروي!).
وهنالك جانب مهم لا يجب إغفاله، قاد الي ما حدث في ميداني رابعة العدوية والنهضة، وما لحق بالجماعة الإسلامية عامة والمصرية علي وجه الخصوص. وهو الأثر السلبي الذي تركته التجارب الإسلامية الأخري(السودانية الإيرانية الأفغانية). فهذه التجارب وبعد النتائج المتردية والتدهور المريع علي كل المستويات سياسيا/ إقتصاديا/إجتماعيا ...الخ، الذي أعقب إستيلاءها علي السلطة، أرسل رسالة سلبية لكل المجتمعات والشعوب وبما فيها المجتمع المصري والنخبة خاصة، الي ما ستؤول إليه بلادها بعد سيطرة هذه الجماعات علي السلطة في بلدانها. خاصة وجميعها تشترك في المنطلقات والرؤي والمصدر الذي تنهل منه، إضافة الي الصلات الظاهرة والخفية التي تربط بينها، والمقصود التنظيم العالمي للإخوان المسلمين. وأكدت هذه المخاوف للمجتمع المصري، الممارسات الخاطئة التي أقدمت عليه هذه الجماعة وإبنها الوفي رئيس الحكومة محمد مرسي، بالسعي المحموم لأخونة الدولة (المصطلح الشائع في الإعلام المصري) وما يعنيه ذلك من إستبدال لهوية الدولة المصرية، وإهدار لمكاسب الحداثة التي أنجزتها الدولة بخلع الظفر وجهد وعناء بالغين، وتحتاج لإستكمالها بخطوات أكثر جرأة وثقة بالمجتمع وإعطائه كل الحرية، لتصل الي الدولة المدنية كاملة الدسم او مكتملة أركان المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان والمؤسسية والقانون. بمعني وجود هذه الجماعة بأفكارها وخططها يمثل تعطيل لهذه المسيرة، وتاليا تأخر الدولة المصرية علي كل المستويات، والإنشغال بمسائل العقيدة والهوية بدلا عن التنمية وتلبية مطالب الشعب العاجلة، والهروب الي الأمام بالإهتمام بقضايا خارجية وإنصرافية بعيدا عن هموم المواطنين، وإستكمال مخطط السيطرة بزيادة قبضتها الأمنية علي جهاز الدولة! خاصة بعد أن أظهرت هذه الجماعة تعطشها للإستئثار بالسلطة والعملية السياسية لوحدها، ورغبتها المحمومة في تعطيل المسار الديمقراطي الذي أوصلها لهذه المكانة او إفراغه من محتواه، وعلي رأسه الفصل بين السلطات، ووجوب حيادية جهاز الدولة وإحتفاظه بسمته البيروقراطية، وعدم تسيسه او حرف مساره التاريخي المتعارف عليه، وهو سلفا يحتاج لمزيد من التصحيح والتحديث وإزالة جملة من التشوهات التي سببها النظام السابق علي دوره ووظيفته! وليس النكوص والتراجع وإستبداله بدولة الخلافة المتخيلة! التي تركز كل السلطات في يد الخليفة المؤمن(وهو يأكل ويشرب وينام ويخطئ وتختلج بداخله الرغبات الغير محدودة ويشكل غياب الرقيب فرصة لتحقيقها بكل الوسائل!) والتي تعقبها كما علمنا درس التاريخ، الروح الإستبدادية الإحتكارية بكل صفاتها الشريرة وموبقاتها التي لا تحتمل. وبجملة واحدة تحويل الدولة المصرية من دولة إقليمية رائدة وقائدة علي أعتاب التحديث الكامل والتقدم والنهوض، الي دولة فاشلة مشدودة الي روح وسلوك العصور الوسطي، ومنتجة ومصدرة للتراجع والتخلف والأزمات. والخلاصة أن النخبة المصرية وبمساعدة الجيش قد إستبقت الأحداث، وأنقذت الدولة المصرية من سيطرة الجماعة الإسلامية مبكرا، حتي لا يستفحل أمرها وتغلغلها داخل أجهزة الدولة المصرية كالسرطان، وعندها تصبح مسألة إخراجها من داخل جهاز الدولة، وفك أسر السلطة من قبضة تمكينها مسألة في غاية الصعوبة! وبالوصول الي هذه المرحلة يصبح تعافي الدولة المصرية ورجوعها الي طبيعتها العادية وبكل نواقصها أمنية صعبة المنال، ناهيك عن أحلام دولة متقدمة اوقابلة للنهوض او مفتوحة علي أي إحتمالات إيجابية مستقبلاً! أي أن المجتمع المصري والنخبة بالتحديد في مقدمته، وبحسه الحداثي والراغب في الحياة والتطور وتقديم ما يفيد النفس والآخر، قد نفر من مسألة تجريب المجرب وإحاقة الندامة به وبمستقبل أجياله، وهو يقرأ في كتاب التجربة الإسلامية المفتوح فواجع من حوله والسودانية بالتحديد، كأسوأ نموذج للحكم يمكن أن تتقبله دولة او يحتمله شعب! لكل ذلك حسم المجتمع أمره ووقف بصلابة أمام الطوفان والمد الإسلاموي، الذي ينذر بغمر الدولة المصرية وطمر المجتمع وتقبير طموحاته. وأعلن ذلك بوضوح بخروجه في الثلاثين من يونيو، وأعقب ذلك دخول الدولة والمؤسسة العسكرية كطرف في المعادلة لإكمال باقي التفاصيل! للخلاص من هذا الكابوس، الذي أقض مضجع الدولة والمجتمع والمحيط الإقليمي وخاصة المجتمع السوداني، الذي إكتوي بنار هذه الجماعة ولا يريد تكرارها في أي مجتمع آخر، مهما كانت شدة الإختلاف معه! وليعلن المجتمع المدني المصري أنه راغب في دولة مدنية عصرية حديثة، تألف العالم ويحترمها بدوره، دولة راعية للمواطن المصري ومحافظة علي جذور حضارته ومكتسباته الحداثية، ومتطلعة للحاق بركب الدول المتحررة والمتطورة والفاعلة في الحياة، وبتعبير آخر تحولها من دولة مريضة او داء عضال في جسد العالم، الي دولة معافاة قادرة علي النهوض وباعثة علي الإستقرار والأمان. لتصبح التجربة المصرية مع الجماعة الإسلامية، علي الرغم من قصر فترتها هي الأخري مدرسة للتعلم، من خطورة الثقة بجماعة الإخوان المسلميين وتسليم الأمر لها، والإطمئنان لجانبها في حمل أمانة الممارسة الديمقراطية او الإلتزام بكل شروطها بشكل مبدئي، او تسليمها لكل السلطات دون رقابة او مشاركة مؤثرة في الحكم، تمنعها من التجاوزات او تلجم طموحاتها في التعدي علي الدستور او إنحرافاتها عن جادة المسار الديمقراطي والنهج المؤسسي القويم، او فيتو يعطل أي قرار او نزعة لإبتلاع الدولة المصرية، التي تسيطر علي وعيها ورغبتها الإمتلاكية المطلقة! وفي هذا السياق كثيرا ما يشير المراقبون في المنطقة او في الغرب الي التجربة التركية، كنموذج للنظام الإسلامي المتعايش مع الدولة العلمانية والمطبق لقيم الحداثة دون عقد اوتناقضات. وفي هذا إعتقاد معكوس ومضلل، بمعني أن هنالك تجربة سياسية عريقة، خلقت هياكلها وأطرها وجهاز دولتها الراسخ والمستقر الذي يتصف بالحداثة والمواكبة، وقدرته العالية وفاعليته في تسيير أنشطة البلاد السياسية وفتح المجال أمامها لإستيعاب كل تناقضاتها، وفي قيامه بواجبه الخدمي تجاه المواطنين وحفظ حق خياراتهم وإحترام رغباتهم، وبمعني آخر أن الملعب السياسي في تركيا معد ومجهز قبل نزول الفرق، وتاليا لا يعني لون الشعار(الفنلة) التي يرتديها الفريق أي إشكال حقيقي، طالما كان هنالك حكم يراقب اللعبة، ويحد من تغول الفرق علي بعضها البعض وهضم حقوقها بعضها، و ويمنع التعدي علي جهاز الدولة والقانون الحاكم للتنظيمات السياسية. والمقصود أن لون الحزب إسلامي او علماني او غير ديني لا يعني الشئ الكثير، طالما قدم برامج إقتصادية او إجتماعية او ثقافية ...الخ، مقنعة للشعب وتصب في مصلحة الجماهير وقادرة علي قيادة تركيا الي الأمام، وذلك في إطار الدستور وإحترام القانون. علماً بأنني علي المستوي الشخصي، لا أفهم معني إقتصاد إسلامي او دستور إسلامي او مسلسل إسلامي...الخ وغيرها من ربط أي ممارسة دنيوية اوجهد بشري قابل للخطأ والصواب والتقصير والإضافة والحذف، بالإسلام كدين او كمذهب او كرؤية! بتعبير آخر أن الإقتصاد او الدستور او غيرها من نظم او مصطلحات وبمختلف تعريفاتها، هي جهد بشري إشترك فيه الجميع عبر مسيرة البشرية الطويلة، ولو بإختلاف نسب مساهماتها، كما أنها قابلة للتطوير او الإلغاء او الإستبدال بغيرها إذا ما عجزت عن أداء وظيفتها او ظهرت بدائل أفضل منها! لذلك يمثل نسبتها لدين محدد او حزب محدد او مجتمع محدد او إتجاه محدد، هو نوع من التغول او الإفتئات علي جهد الآخرين وإسهامهم فيما وصلت إليه تلك النظم والمصطلحات المشار إليها من تطور، لأن المعرفة أساسها تراكمي. كما أن تلك الروح الإمتلاكية المخادعة للذات، تشكل الأساس والأرضية الصلبة للعنصرية والتعالي وإحتكار الحقيقة! وكل هذه الإشكالات تشكل مدخل للتعصب، وتاليا إقصاء الآخر وعزله عن المشاركة في بناء الحاضر بكل مصالحه، وتحديد افق المستقبل الضامن لسلامة أجياله، والأبعد من ذلك نفيه عن منظومة القيم الوطنية والدينية والأخلاقية تمهيدا للتخلص منه نهائياً! كوسيلة وحيدة وأخيرة لخلق الإستقرار المتوهم(يمكن مراجعة تجربة السودان بعد الإنفصال، بعد ان أصبح السودان علي أيدي الإسلامويين، يشكل المختبر العالمي للكوارث ومعرفة تبعاتها وآثارها!)
ولكن هل يعني كل ذلك الإتفاق مع الإسلوب الهمجي الذي وأجهت به المؤسسة العسكرية ذلك الإعتصام، ومع تأكيدنا علي غياب المعلومات وصعوبة الحكم. إلا ان ممارسات الأجهزة العسكرية والأمنية بهذه الكيفية، وبغض النظر عن ملابسات وتعقيدات هذه النوعية من الإعتصامات التي تتخلها عناصر مسلحة ومؤدلجة وخطرة، ليس علي الجانب العسكري فقط! وإنما علي جموع الحشود السلمية المعتصمة والرافضة للعنف ومضاعفاته المأساوية! يمثل إمتداد لسلوك تلك المؤسسات المعهود والموروث منذ عهد مبارك البغيض، مما يدل علي العقيدة الفاسدة التي تربت عليها تلك الأجهزة، وهي إسترخاص دماء الأبرياء العزَّل، وإستخدام دبابة لقتل ناموسة! أي عدم التكافؤ بين الهدف والوسيلة، مع منح الضمير والمشاعر الإنسانية إجازة مفتوحة لحين الإنتهاء من المهمة المقدسة! إضافة الي عدم كبح جماح النفس العنفية قبل إستنفاد كل الوسائل السلمية في حق المواطنين العزَّل، سواء كانوا معتصمين او معتقلين او مختلفين معهم! وبقول واحد تعظيم حرمة دم المواطن، بغض النظر عن موقفه من الأنظمة الحاكمة او طبيعة النظام السياسي السائد، أو كونه علي حق في مطالبه او غير ذلك. وهذا لا يتعارض مع الموقف السابق من جمهرة الأسلاميين، لأن تجمهرهم غير مبني علي مواقف سياسية متحركة بتحرك مصالح الجماهير، ولكنها جمهرة تلتزم الثبات والعناد والمكابرة حتي علي المواقف بائنة الخطأ، لانها تتخذ طابع الدفاع عن الحق الإلهي، وهم بدورهم المفوضين لتنزيله علي الأرض وإيصاله للآخرين سلميا او عنفياً لا فرق! وأيضا لأن اسلوب الإسلاميين قائم علي إستفزاز تلك الأجهزة العسكرية، سواء بمواجهتها بالعنف او بقتل جزء من أعضاءها بدم بارد والتمثيل بجثثهم، وهي سلفا وكما ذكرنا سابقا مشحونة بتوجيهات سلبية تجاه كل تجمهر او تجمع مواطنين او مجرد تقديم مطالب بسيطة وعادلة! لتصعد بها الي حدها الأعلي من التخوين، الذي يستوجب ردعها! وساعدها علي ذلك الحصانة والتشجيع الذي تجده من الجهات المسؤولة عنها، التي يهمها حماية أنظمتها وإمتيازاتها بأي شكل ولو علي حساب دماء الأبرياء الغالية. إضافة الي أنها تعيش حالة من الطوارئ الدائمة التي تبيح لها إنتهاك كل الخطوط الحمراء داخل أوطانها حصرياً! والخلاصة أنه يجب إعادة صياغة عقيدة وتربية الأجهزة العسكرية والشرطية والأمنية أولاً بتقديس حياة المواطنين الأبرياء، لتصل الي مرحلة حمايتهم من أنفسهم إذا لزم الأمر بتجاوزهم للمحاذير الأمنية والعسكرية! وثانيا تقيّدها بالدستور والقوانين الداعية لحفظ حقوق الأنسان، بما فيها حقه في الإعتصام سلميا والإحتشاد والتجمهر من أجل تحقيق مطالبه وفقا للقانون والدستور أيضا بمعني لا ضرر ولا ضرار. وثالثاً وجوب معاقبة كل من يتجاوز القانون، علي أن تضاعف العقوبة للسلطات العسكرية والأمنية المتجاوزة للقانون، بصفتها أقرب وأحرص علي حمايته، وهي من يقوم علي تطبيقه عمليا أحيانا. رابعاً وهو الأهم وجوب وضوح الرؤية والتقيد بالتنفيذ الصارم، للفصل التام بين النظام السياسي وجهاز الدولة، بما فيه المؤسسات العسكرية والأمنية، التي يجب أن تتقيد بتنفيذ واجباتها ومهامها المنصوص عليها في الدستور، ويمنع عليها منعا باتا الإنخراط في العملية السياسية بأي شكل من الأشكال، او مناصرة أي طرف من أطراف التنظيمات السياسية. أي عليها واجب حماية الدولة والدستور وليس السيطرة عليهما. وما يستتبعه ذلك من تشويش علي العملية السياسية وإرباك للحكومات وخلط للمهام والوظائف والواجبات. وما ينتجه هذا الخلط المضر من كوارث علي البلاد وإرهاق للعباد. ولا تحتاج تلك النماذج للتذكير بها فآثارها التدميرية ماثلة للعيان!
والخلاصة النهائية أثبتت التجربة المصرية، منذ القيام بالثورة المباركة الأولي وإستكمالها بالثورة التصحيحية الثانية وحتي الآن، إن الطريق مازال شاقا وطويلاً، وأن عملية بناء الدولة ومؤسساتها عملية في غاية الصعوبة وتحمل كثير من المخاطر، التي قد تقود الي إنتكاسات ونتائج لا يحمد عقباها. وأن الأصعب من قيام تلك المؤسسات او إصدار الدساتير، هو إحترامها والتقيد بمخرجاتها والرضا بنتائج أحكامها، مهما كانت مخالفة للرغبات الشخصية والحزبية، وإبعادها عن شبهات التخلي عنها بمجرد الوصول عبرها والسيطرة علي السلطة! والتعلم أن السلطة والحكم مسائل دائرية وغير ثابتة وتخضع لرغبة الناخب ومحاسبته، وهي تخضع للإجتهاد والتعلم من الأخطاء وأنهاء متاحة أمام الجميع، إذا ما أبعدوا عنها طبع الإستبداد وروح التملك والإثرة والإحتكار! وأن أفضل آلية لإدارة الخلافات والتباينات وحفظ حقوق كل المواطنين، هي الدولة الديمقراطية المدنية الحاضنة لكل التكوينات الإجتماعية والعقدية والقابلة للتطور وتقديم أفضل الفرص للإنطلاق الي المستقبل بثبات وإحترام رغبات العباد. والأهم من كل ذلك قدرتها الذاتية علي التخلص من أخطاءها وأخطاء الممارسين لها إذا ما إلتزموا بكل شروطها! ولم ينقلبوا عليها ويأتوا بعد خراب مالطة ليتغولوا علي إسمها ووظيفتها، بعد مشوار طويل من التجريب الخاسر للوصفات الإنقلابية الشمولية الإستبدادية ووضع البلاد علي شفا جرف هار من التفكك والضياع.
آخر كلام
لا يمكن نسيان لقطة تكررت كثيرا علي قناة 24 الفرنسية العربية، ويظهر فيها شاب أعزل، يقف منفردا ولا يشكل خطر علي اي جهة. وهو يتعرض للإصابة بطلق ناري مباشر، ليسقط من فوره علي الأرض، في منظر يصعب إحتماله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

mekawy222280@yahoo.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 749

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة