المقالات
السياسة
دخان "طلح" في هولندا!
دخان "طلح" في هولندا!
09-16-2013 08:10 PM


هناك أشياء مدهشة ومميزة "مادية ومعنوية" تلازم الإنسان السوداني أينما حل، من أهمها: السعوط والويكة والدكوة والأزمات السياسية والوعي العرقي "القبلي/العشائري". بعض هذه الأشياء تجلب من البلاد الأصل وبالذات السعوط إذ هي ليست ممكنة في أي مكان على وجه الأرض غير السودان أعني ليست ممكن على طريقتها السودانية من حيث المادة كما عملية التصنيع.

والسعوط كما هو معلوم مادة كمالية الغرض منها هو "الكيف والمزاج" غير أن الزول السوداني لم يستطع منها فكاكآ إذ لا بديل لها!. كما أن الأزمات السياسية والوعي العرقي بدورهما يجلبان من البلاد الأصل ويمارسان بشهية في أركان الدنيا الأربعة أو أينما حلت جماعة سودانية يكون الغرابي والهدندوي والبني عامر والمحسي والنوباوي والجعلي والشايقي معروفين عبر تكتلاتهم التلقائية في الأفراح والأتراح أو التنظيمية "الرسمية" في صيغة منظمات وجمعيات وأحزاب سياسية.

ولحسن الحظ فإن الدكوة والويكة مادتان متوفرتان على نطاق الكرة الأرضية فلا حوجة ماسة لجلبهما من السودان ولو أنه بعد يحدث بحجة أن الويكة السودانية أكثر أصالة وأشد صلابة وأكثر صمغآ. والدكوة البلدية أطعم.

سكان هولندا الأصيلون لا يعرفون الويكة "البامية" فهي ليست جزءآ من مخيلتهم الشعبية ولا تأخذ أي مكانة في المائدة الهولندية التقليدية غير أن الويكة قدمت إلى هولندا عبر بوابة المستعمرات الهولندية التاريخية في سورينام والكاريبي وأندونيسيا وظلت حتى تاريخ اليوم حكرآ على الجاليات المهاجرة من تلك الأرجاء وأخرى دون أن تدخل البيت الهولندي.
أما الدكوة فهي مادة غذائية معروفة للإنسان الهولندي وفي الغالب تستخدم طازجة مع شرائح الخبز عند وجبة الإفطار وتسمى "بنداكاس" ويمكن عدادها ضمن المائدة الهولندية الشعبية و يقول الأطفال "هيلاس بنداكاس" وهيلاس معناها للأسف (للأسف دكوة) والتعبير لا يتضمر أي أحتقار أو تصغير لشأن الدكوة وجاء فقط من باب القافية والإنسجام الموسيقي بين الكلمات ويعادل عندنا في السودان تعبير "معليش تاكل عيش" أو شي من هذا القبيل.

على كل حال كل ذاك ربما كان منطقيآ ونستطيع أن نجد له مبررات محددة رضينا بها أم لم نرضى أي إتفقنا معها من الناحية القيمية أم لم نتفق. لكن الأمر الأكثر دهشة وهو سيكون محل كلامي الأساس هنا، هو: حطب الطلح!. الدخان. الطلح شجرة شبه صحراوية لا أصل له في هولندا ولا ينمو أبدآ في المناطق الباردة من الكرة الأرضية قاطبة فهو يموت عند درجة 8 مئوية ويستطيع أن يتحمل درجة حرارة تفوق ال 40 مئوية.
وبالتالي فحطب الطلح يجلب بدوره مباشرة من السودان عبر الطيران الجوي ويباع في السوق التقليدي ويستخدم في "الدخان" كعملية تجميلية للمرأة السودانية إضافة إلى المتصور من فوائده الصحية وكمحفز للرومانسية.

وعادة "الدخان" عادة سودانية ضاربة في القدم ولا أحد يعلم على وجه الدقة من أين جاءت ومتى بدأت. والدخان ليست عادة حكرآ على المرأة السودانية وحدها فهو يمارس بطريقة أو أخرى عبر القرون في الجزيرة العربية والهند وربما أرجاء أخرى من العالم غير أن المرأة السودانية تفوز بالقسط الأوفر في تقديس حطب الطلح إذ يشكل جزءآ لا يتجزأ من مخيلتها الجمالية في الماضي والحاضر وفي داخل البلاد وخارجها. ولم يكفي المرأة السودانية المهاجرة في أوروبا ولم يغنيها كل أدوات التجميل الباريسية فلا بديل للطلح إلا الطلح!.

وصمود عادة "الدخان" عبر القرون وتمسك المرأة السودانية به يشبه صمود شجرة الطلح ذاتها وتمسكها بالحياة وإنتصارها على تقلبات الطبيعة ووحشية الإنسان. فشجرة الطلح " Acacia "
قاومت التقلبات المناخبة الصاخبة في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية في شمال السودان ووسطه وظلت كما هي شجرة حمراء عطرة أنيقة وSexy ذات زهور صفراء فاقع لونها تسر الناظرين وتجذب عددآ لا حصر له من الكائنات الصغيرة الملونة من ضمنها النحل والفراشات والدبابير المنوعة. والأهم من كل هذا أنها تجذب المرأة السودانية وتجعلها في ذروة الرومانسية والجاهزية الروحية والجسدية للعطاء ولإثراء الحياة.

الدخان غير معروف في أوروبا كممارسة وإن كان البعض منا كثيراً ما يشبهه بالساونا. وهو تشبيه بعيد عن الحقيقة فالساونا لا تشبه الدخان ولا تؤدي أغراضه... فالساونا أقل شأنآ ولا تصل أبدآ إلى فائدة الطلح وسحره وجماله!.

وإن كان كل شيء يتغير ويتزلزل في السودان بما في ذلك القيم والمثل الإجتماعية والآيدولوجيات السياسية والحكومات فإن الطلح هو الثابت الوحيد غير المتغير في التاريخ وظل يسكن عقل المرأة والرجل على حد سواء عبر القرون بذات القدر من الأهمية. ولا يهم إن كانت حفرة الدخان في الكريبة أو أمستردام. ففي كل الأمكنة والأزمنة يسود الطلح ويسيطر على مخيلتنا بسحره الغامض وعطره النفاذ وجماله الأخاذ.

فغنى له شعراء وفناني الحقيبة (السبب المضيع عمري ...دخان الضحى البدرى) و (طابق البوخه...قام ندا يهتّف نام من الدوخه) ونحن في زماننا هذا يبدو أنه لا غنى لنا عن "الطلح" حتى لو كنا في مدن الضباب والنور والجليد!.
وها أنا أجيئكم هذه المرة بإقتراح وهو إستخدام كلمة "أكاسيا" Acacia بديلاً لكلمة Cheers التي ترمز للحميمية كما التضامن وتستخدم أحياناً بمعنى (بالصحة أو الهناء والسعادة أو التضامن أوشكراً أو مع السلامة)، فلنجعلها "أكاسيا" وذاك إحتفاءاً وتمجيداً لهذا المخلوق المدهش "الطلح" كما تأصيلاً للكلمة!.

أكاسيا يا شباب!

ملحوظة: هذه المقالة كتبتها في شهر مارس الماضي كبوست بالفيسبوك وأعيد نشرها الآن في دائرة أوسع على هامش الكلام الدائر هذه الأيام حول فرض رسوم حكومية (من أحد الولاة) على حطب الدخان " الطلح". وبهذا تكون الضرائب الجديدة قد شملت كل "المحروقات" بما فيها " أثيرنا الطلح!.

محمد جمال... لاهاي/هولندا
[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2987

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#768332 [وحيدة]
0.00/5 (0 صوت)

09-17-2013 06:16 PM
لايك وبوسة


#768135 [عمكــــــــم البهمكـــــــــم]
0.00/5 (0 صوت)

09-17-2013 01:44 PM
لايـــــــك


#767803 [رجاء]
0.00/5 (0 صوت)

09-17-2013 04:57 AM
جنون والله جنون
كتابة ساحرة
لا شلت يدك يا رجل
اسعدني بالجد هذا الكلام الفني الرفيع


#767778 [zahjaan]
0.00/5 (0 صوت)

09-17-2013 01:39 AM
انشاء الله نانسي عملته ليك زمان؟؟ سوال بس يا .......قال طلح قال !!!!


ردود على zahjaan
United States [Rom] 09-17-2013 05:08 AM
دي قصة حب كبيرة يا انت سوف يسجلها التاريخ ونانسي بت فنانة بتعرف الحاجات دي اظن والله اعلم!


#767667 [Abu sami]
5.00/5 (1 صوت)

09-16-2013 08:45 PM
أحيانا هنا فى السعودية عندما يرون دخاخين الطلح تتصاعد يعتقدون أنها حريقه و هاك يا دفاع مدنى و ما ادرى كيف يكون الحال فى الدول الأوربيه


محمد جمال
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة