المقالات
السياسة

09-17-2013 03:59 PM


مما لا شك فيه أن السودان يعيش أزمة حقيقة على مدى العامين الماضيين تمثلت في صورةٍ واضحةٍ للعيان في التردي الاقتصادي والتضخم الغير مسبوق. وظللنا كسودانيين ننظر للأمر وكأن عصا موسى ستكون مع أول تغيير للنظام، أو هكذا نتمنى، حتى أن جميع مشاكلنا تنصب حاليا في الفشل الذريع لأداء حكومتنا "الفاشلة" وكيف أن الثورة عليها هي الحل.
مدخل أول: ظل السودان منذ استقلاله في العام 1956 يرزح تحت طائلة الحكم العسكري المدعوم بجانب مدني، وظللنا منذ تلك العهود نتغنى في أحايين كثيرة بأن الحل هو في الديمقراطية وكيف أنها هي الخيار الأساس، وما ننفك ننقلب على هذه الديمقراطية ونؤيد من انقلب عليها. تاريخيا فإن الفريق عبود –رحمه الله- لم يأت بانقلاب عسكري بحت، بل كان في شكل تسليم من القيادة المدنية خوفا على مصالح شخصية أو حزبية، وتتدثر النميري –رحمه الله- بالشيوعية تارة، وبالإسلاميين تارة أخرى، أما الإنقاذ فقد كانت متشملة بالدثار الإسلامي منذ وهلتها الأولى. فمن هنا أخلص إلى أن الأحزاب المدنية تتدثر بالدثار العسكري خوفا على تحالفاتها الخاصة.
مدخل ثانٍ: يتطلب العمل الديمقراطي الإيمان بالفكر الديمقراطي ليس فقط في الدولة الكاملة، بل حتى في الفكر الحزبي، قد أتفق مع كون أحدهم الزعيم الروحي لحزب ما، ولكن أن يظل المدير التنفيذي لذلك الحزب طوال عقود فهذا يتنافى تماما مع المبدأ الديمقراطي الذي يدعو إليه. في العالم الحالي، وحتى أصحاب الشركات العملاقة يسلمون شركاتهم لموظفين معهم ويتقاعدون، ليس لأنهم فاشلون، بل لأن الدماء الجديدة هي من تحرك الأفكار، ولتأخذوا مايكروسوفت مثالا.
في الانتخابات السودانية السابقة والتي كانت في العام 2010، قد أتفق مع الكثير أو أختلف مع الكثير من ناحية نزاهتها، فالبعض يجزم بتزويرها والبعض الآخر يقول بنزاهتها ولو جزئيا، ما أراه أنا ليس التزوير الفعلي في التصويت أو فرز الأصوات، بل ما أراه هو تزوير الإرادة. من منظوري الخاص، ماحدث في الانتخابات السابقة هو تزوير إرادة بالمعنى الحرفي، فقد كانت كل الدعاية موجهة نحو حزب المؤتمر الوطني كخيار أساس، حتى أن الكثيرين يذكرون النكتة التي تربط بين البشير والشامبيون حيث أن جميع لوحات الإعلانات كانت فقط بين البشير والشامبيون. ليس البشير فقط، بل حتى أن رمز الشجرة كان الرمز الأكثر وضوحا ولمعانا لأغلب المواطنين.
في نظري، فشلت أحزاب المعارضة كلها في استغلال العملية الانتخابية السابقة والتي شهدت حضورا عالميا كثيفا لن تُحظى به أي انتخابات أخرى على ما أعتقد. لقد فشلت كل أحزاب المعارضة حتى في اختيار مرشحيها، فهذا هو المؤتمر الشعبي يدفع بمرشح له وزنه في الحركة الإسلامية ولكنه لا يلقى القبول الجماهيري، وذلك الحزب الاتحادي الديمقراطي يسحب مرشحه المجهول لغالبية الجماهير في اللحظات الأخيرة، وهنا نجد أن حزب الأمة لم يسعى حتى لتجديد دمائه! هذا هو الفشل الذي يجعل حزب المؤتمر الوطني، أو حزب السلطة والتملق، يتصرف على هواه.
أحزابنا السياسية أحزاب مهترئة وأصابها العفن من الداخل، آن لهذه الأحزاب أن تراجع أصولها وتنظر في أصل المشكلة لا في ظاهرها. التزوير يمكن تقليله والحد منه عندما تتحد هذه الأحزاب على آلية المراقبة الفاعلة واللصيقة، عندما يكون العنصر البشري في الحزب مقتنع تماما بدوره الحساس في مسألة الانتخاب، ولنأخذ انتخابات مصر وفوز الأخوان المسلمين فيها مثالا، ترى كيف كان سيكون حالهم لو لم يكونوا بهذا التنظيم القوي؟ في الأغلب كان سيتم تزوير النتيجة لصالح المنافس الآخر حيث أن الفارق كان ضئيلا جدا. من هنا أخلص إلى أن فاعلية الحزب هي في نفسها تحدد ناتج العملية الانتخابية إن كان بها تزوير أم لا.
عندما نتحدث عن مرشحين عن الأحزاب، فإن أول من يتبادر إلى الذهن هو رئيس الحزب نفسه والذي ظل على قمة هيكله التنظيمي منذ تأسيسه، المؤتمر الوطني: عمر البشير، المؤتمر الشعبي: حسن الترابي، حزب الأمة: الصادق المهدي، ... حتى أني أكاد أجزم أن هذه الأحزاب في داخلها تقول: "والبديل منو؟". فقد اختزل الفكر الحزبي في شخص، وضاعت معه المؤسسية التي يُبنى عليها العمل المستمر.
تساؤل:
1. هل ستنتهي مشكلة دارفور إذا أصبح السيسي رئيسا؟
2. هل ستنتهي مشكلة النيل الأزرق أو حتى جميع مشاكلنا مع الجنوب إذا أصبح عرمان رئيسا؟
إذن، ليس الحل السحري في تغيير النظام بالثورة عليه، بل في تغيير أسلوب عملنا والخروج من النطاق الحزبي الضيق الذي لا يقبل بالآخر، حتى إن أحزابنا المسجلة تخطت السبعين حزبا، إلى النطاق الوطني الذي يقبل بنقد الآخر طالما أنه يقود الدولة في إطار السياسة العامة التي يجب أن تكون واحدة. وأن تكون معارضتنا معارضة واعية فاهمة لأهدافها، تسعى لتحقيق هدف خاص وليس فقط الانتقاص من الآخر. ما أراه الآن من المعارضة ليس "انظروا إلى عملنا الجيد ونموذجنا الرائع" بل "انظروا إلى فشل الحكومة وأدائها المريع"، أشعر في كثير من الأحيان وكأنهم لم يتخطوا المرحلة الابتدائية.
أخيرا، أختم بموقف رئيس الوزراء البريطاني الأخير في مجلس العموم البريطاني حينما رُفض مقترحه بالتدخل في سوريا، وبالرغم من ضئالة عدد الأصوات التي حسمت النتيجة، فإن كلامه يستحق التأمل، خصوصا من أحزاب المعارضة لدينا، حيث قال: "بالرغم من عدم اتفاقي الشخصي مع نتيجة التصويت، إلا أنني أؤمن بأن هذه الأصوات تمثل خيار الشعب البريطاني، وعليه فإنني أقبل بها"، قالها هكذا دون تعال أو تحدّ.
والله من وراء القصد.

al3abbadi@hotmail.com



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 569

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#768620 [عادل الامين]
0.00/5 (0 صوت)

09-18-2013 06:52 AM
احزاب المركز الوطني والشعبي والشيوعي والامة
كلها واحد
والامر في السودان وحتى ولو عبر الانتخابات اضحة فسطاطين
السودان الجديد(نيفاشا)×السودان القديم(اهل القبلة) وادمان الفشل من 1956
والتشرزم المقيت في انتخابات 2010 وخيار الحركة الشعبية شمال التحالفي البائس و بمقاطعة الانتخابات مجاراة للنخبة السودانية ادمان الفشل الامة والشيوعي غلطة تاريخية سندفع ثمنها الى الابد
انفصل الجنوب وفقدت الحركةالشعبية شمال شرعتيها السياسية والانتخابية التي تثبتها في الشمال ورجع اهل السودان القديم الى كارهم المعتاد..واضحى السودان رجل افريقيا المعاق
وهم من اجهضو اديس ابابا 1972
ونيفاشا 2005
نفس الناس
ولحدي عس ما عارفين نفسنا في 1964 ولى 2013


أبوبكر العبادي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة