المقالات
السياسة
مرحبا بالتقارب بين الشعب الواحد في دولتي السودان و جنوب السودان
مرحبا بالتقارب بين الشعب الواحد في دولتي السودان و جنوب السودان
09-17-2013 11:54 PM

محور اللقيا

بعض الفعاليات و الجمعيات الإجتماعية تتكون عندنا نتيجة لفورة نخبوية يقوم بها بعض النشطاء و ينساق وراءهم آخرون بعد أن يستطيبوا وقعها , و لكنها لا تنفك أن تؤول كالفقاعة إلى زوال , شأنها في ذلك كشأن مبادرات السيد الصادق المهدي الكثيرة و المثيرة و الحادثة بعد كل خبر و حديث , و لكنها جعجعة بلا طحن , أو كبرنامج المائة يوم لإسقاط النظام الذي وضعت له أحزاب تحالف قوى الإجماع الوطني خارطة طريق ملأوا بها الأرض جعجعة , ثم ها هي تنتهي المدة دون أي طحن ! ما دعاني لهذه التهويمة هو تذكري , عند زيارة الرئيس سيلفا كير الأخيرة إلى الخرطوم , لجمعية التآخي بين السودان و جنوب السودان و التي كان مصيرها الذوبان في طي النسيان , منذ تأسيسها و الى الآن .
لقد تم الإعلان التأسيسي لجمعية التآخي بين السودان و جنوب السودان في يوم 3/5/2012 في نفس اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي أجازته الجمعية العامة للأمم المتحدة , و كان قد تم إختيار الصحفي المخضرم الأستاذ محجوب محمد صالح رئيسا لها و تم إختيار الكاتب الصحفي و أستاذ العلوم السياسية الدكتور الطيب زين العابدين نائبا لرئيسها , و كان برنامجها يشمل العمل علي تعزيز العلاقات الشعبية بين مواطني الدولتين و تعزيز أشواقهم في العيش سويا , مع التأكيد على تنفيذ الحريات الأربعة التي سيكون مردودها كبيرا على شعبي الدولتين . هذا ما كان قد ورد في البيان التأسيسي لتلك الجمعية و التي كانت قد لقيت قبولا حسنا من المواطنين الذين تباروا في تقديم طلبات عضويتهم فيها , و لكن رغم عظم وقع الجمعية و عظم الوقع الإجتماعي لرئيسها و نائبه فقد آلت إلى زوال , و أنا كلي حيرة في هذا الأمر , كحيرتي من برنامج المائة يوم لإسقاط النظام و الذي لم يتجرأ حتى لإسقاط حائط مائل في عز السيول و الأمطار !
إن إنحناءة الرئيس سيلفا كير للعلم السوداني عند مراسم إستقباله على أرض مطار الخرطوم تدل على الكثير ... أنه لا زال وفيا للعلم الذي عمل تحته كضابط صف في القوات المسلحة السودانية و كنائب أول لرئيس الجمهورية و كحاكم لإقليم جنوب السودان . العلم عند العسكريين هو رمز لوطن يعزونه و يستعدون أن يبذلوا أرواحهم فداء له , و لذلك لا ينحني ضابط أبدا لعلم لا يعز ما يرمز إليه !
لا يخفى على أحد أن ثمة صقور في المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية قد لعبوا أدوارا مؤثرة في تطور الأحداث حتى إيصالها للإنفصال , و لا زالوا يسعون إلى عكننة العلاقات الثنائية بين الدولتين و إلى القضاء على كل تقارب يظهر على السطح , و كلهم لهم أجندة تتخفى وراء أفعالهم , فصقور الإنقاذ ينشدون الدولة الرسالية ذات العنصر العربي و الدين الإسلامي حتى يطبقون فيها الشريعة الإسلامية , بحكم أن الغالبية الغالبة بعد الإنفصال ستكون منهم و أن المتبقي من غير العرب و المسلمين سيكون في حكم الإقليات , و لذلك فقد سعى هؤلاء الصقور إلى تنفير الجنوبيين من الوحدة و دفعهم دفعا نحو إختيار الإنفصال . من الناحية الثانية فقد أمعن صقور الحركة الشعبية في إجترار المرارات القديمة و النقر على أوتارها و على أنهم سوف يكونون مواطنين من الدرجة الثانية في الدولة الرسالية و التي سوف تعتبرهم أهل ذمة عليهم دفع الجزية لها , و أما عن بترولهم الذي يستغله الشمال و الذي بعد جهد جهيد وافق لهم بنصف عائده فإنه سوف يكون كله لهم إذا ما اختاروا الإنفصال ! هكذا كان منطق الصقور من الجانبين . أما الحمائم فقد كانوا أخفض صوتا من الصقور و ذلك لقلتهم عند مراكز إتخاذ القرار في الجانبين رغما عن كثرتهم العددية بين أوساط الشعب في الجانبين , فهم في الشمال لم يستشاروا في أمر الإستفتاء و لم يكن لهم دور يذكر في مجريات الأحداث , و في الجنوب بذلت عليهم ضغوط عدة وصلت درجة التهديد بالتصفية في حالة معارضتهم للإنفصال , و لذلك فقد ظل المواطنون بجنوب السودان يرددون أن الإنفصال كان شأنا سياسيا و أنهم لا عداوة لهم مع الشماليين !
هكذا تم الإنفصال في جو مشحون بتعميق المشاحنات و الصراعات على القضايا العالقة و التي أوصلت البلدين إلى الحرب الباردة و العلنية بينهما و أوقفت التجارة الحدودية و عمقت الخلافات حتى غدا الإتجار بكيس من التمر أو الذرة بين الحدود يعتبر في نظر الحكومة السودانية جرما يتطلب الإعدام رميا بالرصاص ! لكن رغم ذلك صار المزاج الجنوب – سوداني نزاعا نحو الشمال , حتى في مذاق المنتوجات الغذائية ! في الأسابيع الأخيرة فقد الصقور الجنوبيون نفوذهم و ارتخت قبضتهم عن مجريات الأحداث و عن المواطنين , والذين خرجوا في جوبا يؤيدون طرد العمال و التجار اليوغنديين و الكينيين و الصوماليين الذين عاثوا فسادا في الجنوب , بينما التجار الشماليون يعيشون معززين مكرمين , لقد خرج المواطنون في مسيرات مؤيدة للوحدة مع الشمال ! أنا لا أتعجب من تصرفهم هذا لأن القبائل النيلية في الجنوب ذات الكثرة الغالبة تعود في أصلها إلى الحاميين من كوش كما أبان المؤرخ البريطاني السير أرنولد توينبي !
لا زال يعيش قرابة الثمانية عشر ألفا من الجنوبيين في الشمال عيشة طوعية دون إرغام , و سوف يزداد عددهم إذا ما فتحت المعابر بين الدولتين , و سوف تزداد التجارة الحدودية التي يقدر دخلها بثلاثة مليارات دولار تصب في الشمال , و سوف تغترب أعداد كبيرة من الشماليين في الجنوب من أجل العمل و الإتجار و تقديم خبراتهم لتنمية و تطوير الجنوب بعد سريان ضخ البترول .
لقد تذكرت الآن حديث السيد رزق زكريا حاكم ولاية غرب بحر الغزال قبيل إستفتاء جنوب السودان , فقد قال في لقاء جماهيري في مدينة واو مخاطبا جماهيره بلغة عربية سليمة أنهم إذا ما ارادوا التخلص من الشعور بالدونية و من مراراتهم التاريخية و من أنهم مواطنين من الدرجة الثانية , عليهم أن يجربوا الإنفصال و الإستقلال حتى يتعافوا من كل ذلك , و من ثم إن قرروا العودة إلى الشمال فلن يرددوا ثانية ما كانوا يقولونه ! لذلك إذا ما عاد الجنوبيون إلى السودان الواحد الموحد – و حتما سيعودون - و لكن في ظل غير هذا النظام الحالي , فلن يجدوا منا غير الترحيب و لن تكون هنالك شماتة لأننا نعذرهم !
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !


د. عمر بادي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 698

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عمر بادي
د. عمر بادي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة