المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
يحي فضل الله
تداعيات :صناعة الشهيد - الي الفاتح يوسف جبرة - تحديدا
تداعيات :صناعة الشهيد - الي الفاتح يوسف جبرة - تحديدا
09-20-2013 10:27 AM

وسط جمع غفير وهتافات تمجد البطولة و الإستشهاد و الدفاع عن الوطن ، كان هذا الجمع الغفير تتقدمه السلطة السياسية بكل رموزها من الرئيس و الوزراء نزولا الي مناصب اخري تتدرج في سلم الحكم و الإدارة ، وسط هذا الصخب السياسي كان رئيس البلدية يحاول ان يتذوق اثر خطبته تلك التي إنتقي كلماتها بعناية افقدته التواصل مع اسرته اياما وليال خاصة زوجته تلك الملحاح ، كان يحاول بين كل كلمة و اخري ان يتذوق ردود فعل رموز السلطة السياسية الكبار ، كان يصرخ بدرجة بحة كوميدية في صوته ، يصرخ بمعاني الفداء و البطولة ، يصرخ عن اولئك الذين يدافعون عن الوطن و يدفعون حياتهم دون خوف او وجل وحين وصل صوته المبحوح الي ذكر مناسبة هذا الإحتفال وهي تكريم البطل القومي و الشهيد ( جارا ) وصل صوته الي بكاء مبحوح خاصة حين يهتف بإسم ( جارا ) ممطوطا ليهتف بعده الشعب ( جارا ....... جارا ........ جارا )

بحضور كل هذا الجمع ، الشعب و الحكومة بكل تفاصيلها الدقيقة وغير الدقيقة تكرم البلدية الشهيد و البطل القومي ( جارا ) ، اعلن رئيس البلدية ان اسم البلد سيتغير و يصبح بلدة
( جارا ) تكريما لهذا البطل وبعدها ازاح الستار عن تمثال ضخم للشهيد ( جارا ) وسط هتافات مدوية من الجمهور المحتشد بحياة هذا البطل القومي و الشهيد المنتمي لهذه البلدة
( جارا.......... جارا......... جارا............ جارا )
بعد ذلك خرج موكب الحكومة المهيب تاركا جموع الشعب تغني و ترقص علي انغام الاناشيد الحماسية التي تمجد هذا البطل الذي إستشهد مدافعا عن الوطن .
إنفض ذلك الإحتفال الصاخب و وقف رئيس البلدية ومعه مسئول كبير اخر يتأملان التمثال الضخم و المهيب للشهيد ( جارا ) ويدعي كل منهما علاقته الوثيقة بالشهيد ( جارا )

، يتجادلان الي درجة التشنج الحاد حول مدي صداقة كل منهما لهذا البطل و الشهيد القومي و يمجد كل منهما افعال الشهيد تلك التي عايشا تفاصيلها و اثناء ذلك الجدال المحتدم يقترب شخص رث الثياب ـ اغبر ، اشعث ، تستطيع ان تعرف من تحركاته انه صادق الجوع لفترة ليست بالقليلة ، إقترب ذلك الشخص من التمثال و تبول علي التمثال الامر الذي جعل رئيس البلدية والمسئول الكبير يركضان نحو ذلك الشخص لتوبيخه علي ذلك الفعل المزري و المبتذل لرمز الفداء والإستشهاد و لدهشتهما يجدان ان ذلك الشخص الذي تبول علي تمثال الشهيد ( جارا ) هو (جارا) نفسه ، ( جارا ) الذي من اجل إستشهاده كان ذلك الإحتفال المهيب و كان ذلك التمثال و كان ان تحول إسم البلدة الي اسم اخر منسوب اليه ( بلدة جارا ) ، هذا الرجل الذي تبول علي تمثال ( جارا ) هو ( جارا ) نفسه ، ( جارا ) لم يمت ولم يستشهد وهاهو ماثل امامها بلا لحمه ولاشحمه منهوكا من رحلة طويلة قاصدا بلدته ، وصل (جارا) اخيرا الي بلدته التي جاء اليها من تلك الحرب ، جاء وله اشواق و ذكريات يود ان يتجول في اماكنها ، جاء الي شوارع يألفها و تألفه ، جاء الي زوجته و اطفاله ولكن دخوله الي البلدة التي سميت بأسمه سيكون بمثابة فاجعة سياسية خطيرة و مربكة ، ماذا تفعل تلك الجماهير التي كانت تهتف قبل قليل بحياته التي وهبها للوطن ؟ ،

ما مصير هذا التمثال الذي نحت علي هيئته و اعلن عنه كرمز ؟ ، ثم ان النموذج الذي مجده رئيس البلدية بخطبته تلك العصماء كشهيد وبطل قومي قد إنهار تماما ، إذ ان (جارا ) لم يمت حتي يصبح شهيد ا وانه لم يكن بطلا لانه اعترف وبعفوية عن علاقته بمهام تجسسية مع العدو وانه له ميداليات تخص العدو ويبيع منها متي ما احس بالعوز يقيد حركته و انه لص و قاتل له ضحايا من ضمنهم القائد العام للجيش والذي هو الان اعظم شهيد للبلاد ، ( جارا ) قتل القائد العام الذي كانت قد اصابته رصاصة طائشة دون ان تقتله و حين وجده ( جارا ) علي تلك الحالة قتله بطلقة اخري علي رأسه كي يحصل علي النقود التي في جيبه و ساعة اليد و النياشين من علي زيه العسكري كي يبيعها للعدو وكانت الصحف والراديو و التلفاز والالسن تقول ان جارا قد دفن القائد العام في غمرة إخلاصه للوطن ، وهكذا ينهار النموذج و الرمز ( جارا ) و تنهار كل اعمدة الزيف السياسي التي كانت تحاول ان تشيد قلعة متينة من معاني البطولة و الفداء و الإستشهاد و
هاهو ( جارا ) الحقيقي امام تمثال ( جارا ) المزيف و يحاول رئيس البلدية ان يمنع ( جارا ) من دخول البلدة ولكن ( جارا ) شخصية بسيطة و ليست بهذا التعقيد السياسي ، انه يريد ببساطة شديدة ان يلتقي بأسرته فقط وان هذه الرغبة يحلم بتنفيذها حتي لو تم بعد ذلك شنقه في ميدان عام ، إنها تلك الاشواق العادية امام تعقيدات سياسية لا يستطيع ( جارا) الانسان البسيط ان يفهمها ، يحاول المسئول الكبير منعه من الدخول الي البلدة بإعطائه مبلغ مهول من النقود كي يرجع من حيث أتي و ان ينسي تماما انه ( جارا ) ويبدأ حياة جديدة خارج البلدة التي سميت بأسمه ولكن امام رغبة ( جارا ) تلك البسيطة تنهزم حتي النقود .

بعد جدال و صراع عنيف حول دخول ( جارا ) الي بلدته يطلق رئيس البلدية الرصاص علي ( جارا ) ليموت ( جارا ) الحقيقي ويبقي ( جارا ) التمثال والشهيد والرمز ، يموت ( جارا ) الحقيقي برصاص السلطة و يبقي ( جارا ) المزيف بإشتهاءات السلطة و غفلة الشعب و يصبح ( جارا ) شهيدا قوميا مصنوع بقدر لا يستهان به من السياسة .

هذه الحكاية ذات المغزي العميق كتبها الكاتب التركي الساخر ( عزيز نسين ) في شكل مسرحية قصيرة بعنوان ( جارا ) ، يهتم ( عزيز نسين ) في مسرحه وقصصه القصيرة و رواياته بتعرية الزيف السياسي و في نفس هذا الموضوع ، موضوع البطل المزيف او الشهيد المصنوع نجده في روايته ( زوبك او الكلب الملتجي بظل العربة ) يحكي حكاية عن هذا ال( زوبك) والذي هوسياسي علي درجة عالية من فنون التسلق السياسي ، يحشد ( زوبك ) اهالي القرية ويدعو مسئولين كبار في حكومة ( انقرا ) للإحتفال بشهيد تم إكتشاف عظامه في صحراء متاخمة لتلك القرية و من ثم تأتي شاحنات محملة بذبائح البقر و الضأن و يرقص اهالي تلك القرية و هم يحلمون بتلك اللحوم الكثيرة و لكن هيهات اذ رجعت تلك الشاحنات بلحومها الي سلخانات العاصمة تلك التي تم إستلاف ذبائحها لتفعل فعلها في ذلك الشعب الجائع المسكين ويفضح ( عزيز نسين ) حقيقة ذلك الشهيد حين يحكي لنا ان تلك العظام التي وجدت في الصحراء هي ليست عظام انسان و لكن إبعدت عنها جمجمة تعلن انها كانت لحمار .
وها قد تنوع و تكاثر علينا الشهداء حد ان اصبحنا نحن الشهداء و الشهود ايضا ا .

[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3507

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#771749 [tiger]
0.00/5 (0 صوت)

09-21-2013 07:46 PM
سلمت اناملك ايها الغارق في الابداع حد الثمالة


#771157 [Knta]
5.00/5 (1 صوت)

09-21-2013 07:36 AM
تأكيدا لكلامك أستاذنا يحي فقد دندن سيد خليفة ومجد الشهيد جارا بأغنيته الشهيرة:"جارا ياجارا"


#771132 [عمدة]
0.00/5 (0 صوت)

09-21-2013 05:42 AM
شكرا يا رايع


#770586 [محمود]
5.00/5 (1 صوت)

09-20-2013 01:00 PM
كبير يا يحي كبير


يحيي فضل الله
يحيي فضل الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة