ناسج
09-23-2013 09:38 PM

ناسج
مجدداً ينسج الصمت من حوله خواءً
خانقاً من خيوط عنكبوتية !!؟.....
تظل تداهمه بين الحين والآخر ...
يحاول عبثاً الإفلات من بين براثن حالات الإكتئاب الحادة فيستدعي عالمه الخاص حيث طاقة الخيال تفعل الأفاعيل و تنسج بمغزلها المراد والمشتهى ، فيلوذ " عطا " بمهوى القلب !!!؟؟؟.....
كان الوقت أصيلاً والسماء زرقاء ومياه نهر النيل تنساب كالضوء نحو
الشمال وهالة من الهدوء الشفيف تحيط بالمكان !!...
كان السكون الناعم يجعله حبوراً
أمام حضور الطبيعة الطاغي !!...
يشمله صفاء مخملي يحرره من قبضة الهموم والأحزان و الإكتئاب
يطلق لنفسه العنان ...
يجري بطول الشاطئ الخالي من كل
ما عداه كأنه أحد غزاة الفضاء ، يطأ
بقدميه العاريتين رمالاً بكـِرة لكوكب جديد !!!!؟؟....
تدخل " روضة " فينتفض مأخوذاً من حلمه الساحر !!....
- ألا زلت هنا... ألم تخرج بعد ؟
- كما ترين ...
- حسناً فعلت ... حتى تبقى مع
" ندى " ...
- لماذا ... أتنوين الخروج مرة ثانية؟
- ألا ترى أن المنزل تنقصه بعض الأغراض الضرورية ؟
- ربما !..
- فقط لا تقلق إذا تأخرت ...
- ليكن ...
- لا تغفل عن " ندى " فهي خفيفة النوم ، كن حذراً ، لا توغل في الخيال !!؟...
قبل أن يتلاشى تماماً صدى صرير الباب و هو يعلق ...
إستحضر " عطا " شاطئ النيل مرة
ثانية !!؟...
كان وقتها مملوءاً بالعنفوان ونبض
الحراك الشبابي يفيض متدفقاً من حوله !!؟...
مجموعة من الصبية رفقاء الزمن الآفل يضجون بالحياة !!؟...
هؤلاء هم ناسجو الحلم الذي لم يتشرنق وظل مجرد حلم باهر عاجز
عن العبور الى أرض الواقع لكنه لا
يكف - من دونهم - في التطلع نحو
الآفاق البعيدة بينما الآخرون ، يمارسون ألاعيب الصبية ، يتسابقون
، يسبحون ، يتقافزون كالقردة بين أشجار اللبخ الكثيفة الأغصان ويصيدون العصافير بالنبال اليدوية ،
وهو ينتحي جانباً قصياً من شاطئ نهر النيل متخيراً ظل شجرة الجميزة الكبيرة و الأثير لديه ...
بينما أحدهم بدافع الفضول يقف من
خلفه متسائلاً
- من " عطا " ماذا تفعل هنا ؟
- كما ترى أديم التأمل والتحديق !!..
- ما جدوى ذلك ؟...
- وماجدوى ماتفعلون ؟...
- نحن نتريض ونعبث ونسلي أنفسنا ، أليس هذا مفيداً ؟...
- بلى ، وأنا أيضاً أفعل ماتفعلون
فقط بطريق مغاير ثم مردفاً - ألا ترى أن إطالة النظر في الأشياء والإغراق في التأمل يكسبان المرء ، فضيلة الصبر ، ولعل هذه
الخصلة هي وراء كل الإنجازات والمهارات البشرية التي تهب
الإنسان التوق صوب الزهو وتحفزه على التحدي والخلق الأبداع والإضافة والتفوق !!؟...
* * *
ينتفض " عطا " خارجاً من ثنايا الزمن الآفل على صوت " ندى " مازحة كعادتها ...
- ما بالك دوماً ترعى غنم إبليس كما
تقول ماما " روضة " !!!؟...
- حسناً ، سأكف عن ذلك ، فقط ماذا تريدين الآن ؟؟!...
- أتذكر آخر مرة خرجنا فيها معاً ، كان ذلك في عيد الفطر ، ولسوء الحظ تعكر الجو ساعتها !!؟...
- وغمرتنا " الكتاحة " وكادت أن تحيلنا الى أشكال هلامية بفضل القطع الجائر للأشجار والتصحر النهم الذي إبتلع الغطاء النباتي !!؟. كأن ما يقوله لا يعنيها في شئ
- اليوم الجو حلو ولن أبرح مكاني هذا حتى توافق ؟...
- طيب ، حينما ترجع ماما من السوق سنخرج سوياً ...
إنصرفت " ندى " الى غرفتها من أجل تهيئة حالها للخروج ...
أعقب إنصراف " ندى " إنصراف ذهنه ال شأن آخر !!...
أخذ يقلب في الكتب المتناثرة حوله
كأنه يبحث عن شئ معين ، ولكن الذاكرة لم تسعفه....
ترك الأمر برمته لشأن آخر ....
ركن لمغزله الوهمي ينسج من طاقة
الخيال عوالم "يوتوبية"فيها الظلم
مقهور والعدل منصور والقتلى مصفدون والمعتقلون طلقاء والذين يتصدون لحكم البلاد نبلاء !!..
يحسنون إدارة التنوع !!...
لا يقصون أحداً أياً كان !!...؟
قطعت " ندى " خيوط نسجه بدخولها المباغت متسائلة
- ألم تقل ماما إنها ستعود الى المنزل قبل غياب الشمس ؟؟!...
- ربما إلتقت جارتها في السوق ، لذلك ستتأخر قليلاً .... إنسحبت محتجة وهي تتنطن ...
عاد " عطا " الى منواله ، ينسج
تفاصيل أحلامه المفتونة بالإشراق
والجنوح صوب السلم والتحرر من
مأزق الحروب والإقتتال القبلي الذي جر شعباً بأكمله الى مهاوي
التشرذم والإنفصال !!!؟؟....
كل هذه الأفاعيل من صنع هذا النظام الغاشم الذي نفذ ما ٌخطط له ورٌسم وفقاً لخارطة طريق مسبقة
بإيعاز من الدول العٌظمى !!؟...
* * *
كان هناك ينسج غزله تحت شجرة
الجميزة العجوز ، بجذعها الضخم ذي الجذور المتشعبة ، والممتدة في كل الجهات داخل باطن الأرض
خلال السنوات القليلة المنصرمة
لم يستقر في مكان واحد !!؟...
كانوا يتحينون السوانح لينقضوا عليه متلبساً......
ولكن عبثاً ، فالخبرة الطويلة والتجربة العميقة أكسبتاه قدرة فائقة
التخفي و الإفلات من فخاخهم
" حكيم " يدخل عليه في مكمنه ليلاً
- من الأفضل أن تبقى هنا ، هذا المكان أكثر أمناً من غيره ... على الأقل حسب ظني ، ٌيعتبر حالياً فوق الشبهات وبعيد عن عيونهم !!....
- أعلم ذلك ... لكني مضطراً لمغادرة
هذا المكان الآمن في الحال ، وأنت تعلم السبب ؟...
- وحريتك ... وربما حياتك ...
- ما قيمتهما ؟...
ثم بعد هنيهة صمت ...
- ما معنى أن تكون حراً ... وأنت تحبس ذاتك في هذا المكان المتنائي
عن حركة الحياة وتفاعلاتها ؟؟!...
ثم موجهاً خطابه الى " حكيم " مباشرة و في حدة غير معهودة
- حقاً ، ما جدوى حياتك إذا
تعطل فيها الفعل !!؟...
* * *
ٌيٌدفع الباب الخارجي دفعاً ، لتدخل
" روضة " محملة بالمواد الغذائية ، وعلى الأثر تتلقاها " ندى " مهللة بمقدمها، وحاملة عنها بعض الأغراض ، وعيونها تحاصر غرفة أبيها .....
لم تطق صبراً سرعان ما إقتحمت
الغرفة المغلقة كالإعصار وهي تهتف
- ماما جاءت ، هيا لنخرج ؟....
ولخيبتها ، سمعت إجابة محبطة
- تأخرت ماما كثيراً، فلم تعد هناك
فرصة للخروج .....
* * *
كفوا عن ملاحقته دون سبب واضح
لعلهم لم يجدوا ذريعة مقنعة تجعلهم
يطاردونه أو على الأصح إكتشفوا أنه لا يمثل خطراً، إنه مجرد راوٍ وفي معظم الأحوال مسروداته مبهمة
غير مفهومة للسواد الأعظم من الناس ، هذا يدعو للإطمئنان .....
يومها إحتفى " حكيم و روضة وندى "
ببراءة " عطا " إحتفالاً فخيماً ، ولكنه لم يذق طعماً لحلاوة هذا الإحتفاء وأوضاع الوطن آخذة في الإنزلاق صوب الهاوية !!؟...
كان وسطهم في حالة غياب تامة يستحضرمنواله وينسج ثوباً ناصع
البياض لمستقبل مشرق آتٍ لا محال !!؟...

فيصل مصطفى
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 638

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فيصل مصطفى
فيصل مصطفى

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة