المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان
إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان
12-26-2010 12:06 PM

إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان 1-2

تيسير حسن إدريس
[email protected]

اتَّضحَ الآن جليًّا ونحن نخْطُو حثيثًا نحو قدرِنَا المحتوم من الفراق بغير إحسان أَنَّ كلا الشَّريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) لم يكُنْ خيارُ الوحدة في حساباته، أَوْ ضِمْن أوْلوِيَاته، ناهيك عن العمل لجعلها جاذبة، فلا داعي بعد اليوم من تبادل الاتِّهامات، فلقد بَانَتْ حقيقةُ الأمرِ، وانْكَشفَ المسْتُورُ، وملَّ شعبنُا -المغلوب على أمره- مِنْ طُولِ المسرحيَّة العبثيَّةِ المسماة (الوحدة الجاذبة) لقد خَدَعْتُمْ شعبَ السُّودان وخذلتموه، وانْحَزْتُم لمصالحِكُمْ الشَّخصية وأحلامِكُمْ المريضةِ، وتَعَدَّيْتُم جميعَ الخطوط الحمراء، فيما تُعُورِفََ عليه من معاني الوطنية، فَلَنْ يُصدِّقَ الشَّعبُ بعد اليوم ضلالتكم، ولو وَضَعْتُم القمرَ في يمينه والشَّمس في يساره، فقد كَذَّبْتُم وتَحَرَّيْتم الكذِبَ حتَّى كُتِبْتُم عِنْدَ الله كذابين.
فالشَّريك الشِّماليُّ (المؤتمر الوطني) معلومة قصته، و معروفة مشاريعه، وأحلام شيوخه، وهي لَيْسَتْ بجديدة على السُّودان وشعبِهِ، الذين جُبِلُوا على التَّسامحِ وحسنِ الظَّنِّ؛ و في ذلك يكمنُ نقطةُ ضَعْفِهِ وَمَقْتَلِهِ، وكعادتهم خيَّبَ أصحابُ المشروع (الحضاري) الظَّنَّ فيهم، وواصلوا نهجَهُم القديمِ؛ يَلْتَفُّونَ حولَ قضَايَا الوطنِ المصيريَّة ويَلْهَثُونَ خلف أهوائِهم الشَّخصية، والمكاسبِ الدُّنيويَّة، ومن أجل تحقيق أهدافهم الدَّنيئة، يَغْتَالُونَ آمالَ وأَحْلامَ المواطن، ويُضَحُّونَ بالوطن، حتَّى بَاتَ المرؤ يَشُكُّ بأنَّ لهم ثارٌ مبيَّت مع شعب السُّودان.
إنَّ تَوَجُّهَ الحركة الإسلاميَّة السُّودانيَّةِ في جميع مراحلِهَا وبمختلف مُسَمَّياتها للحُلول العنيفة لحسم معركتها الخاسرة ضدَّ الدّيمقراطية والوحدة الوطنية لم يبدأ بانْقِلابهم العسكريّ على السُّلطة الشَّرعية في يونيو 1989م بَلْ سبقَ ذلك التَّاريخ المشؤوم بكثير، ومشروعهم لدمار السُّودان كوطن واحد متعدد الأعْرَاقِ والأَدْيَان الذي أطلقوا عليه مسمّى (حضاري) قَدْ خُطِّطَ له، وبدأت أُولَى مراحل تنفيذه في منتصف ستينات القرن الماضي، وذلك بالهجمة الشَّرسة التي قادها زعيم الحركة حسن التُّرابي ضد الحزب الشُّيوعي السُّوداني عام 1968م ، وسانده فيها وساعده بغباء الحزبان الكبيران (الأمة والاتحادي) اللذان كانا يَخْشَيان على معاقل أنصارهم التَّاريخيَّة من سطوة التَّيار التَّنويري الذي مثله تمدد أذرع الحزب الشُّيوعِي في المدن والقرى والأرياف، فَأَدَّتْ تلك الهجمةُ البربريَّةُ إلى حلِّ الحزب الشُّيوعي، وطرد نُوابِهِ المنتخبين ديمقراطيًّا من البرلمان، واعتقال وتشريد كوادرِهِ، وإغلاق مقراته الحزبيَّةِ بالقوة الغاشمة، التي حشدتها الحركةُ الإسلاميَّةُ، وآزَرَهَا حزبُ الأمَّةِ الذي استجلب أنصارَهُ من خارج العاصمة مدججين بالأسلحة البيضاء وغيرها، لنصرة دين الله ومحاربة الكفرة !! مشهدٌ بائسٌ يُنْدَى له الجبينُ، خَجَلاً من فرط غبائه؛ بل وانتهازيته باستغلال جهل وعدم وعي البسطاء من الشَّعب، واستثارة المشاعر الدِّينية فيهم.
إنَّ الهجمةَ الشَّرسةَ -على قُوَى اليسار آنذاكَ، والتي كان على رأسها التَّيارُ الإسلاميّ بقيادة الدكتور/ حسن التُّرابي، بالإضافة لبقية قوى اليمين- أَضَرَّتْ بمسيرة إرساء نظم الدّيمقراطية المستدامة، وأَسْسَتْ لجرم رفض التَّنوع، وإقصاء الآخر، وَأَسْهَمَتْ في ضرب الوحدة الوطنية، وغرسِ أول خازوق في خاصرة الوطن، وتوالت الأحداثُ باستيلاء العسكر على السُّلطة بانقلاب مايو البغيض، والذي تَسَلَّلَتْ إلى مفاصله الهَشَّةِ الحركةُ الإسلاميَّةُ، وحولته لدكتاتورية ثيوقراطية عاثت فسادًا، ونَكَّلَتْ بالبسطاء من الشَّعب، فجلدت، وقتلت، وقطعت الأيادي، وانتهكت الحرمات، وارتكبَتْ الخطايا والموبقات، كل ذلك باسم الدَّين –البريء- تحت إدارة وإشراف زعيمها وشيخها التُّرابي الذي عُيِّنَ مستشارًا للدكتاتور نميري، واستطاع بذكاءٍ استغلال مقدرات الدَّولة وتسخيرها من أجل خدمة الحركة الإسلاميَّة، وبهذا بَدَأَتْ الخطواتُ العمليَّةُ لتنفيذ ما يسمّى بالمشروع (الحضاري)، بعد أن شغلَ رأسَ الدَّولة عن مهامه في إدارة دفة الحكم، وصرفه إلى زيارة المشايخ والأضرحة، بينما هو غارقٌ حتَّى أُذُنَيْهِ في الاستفادة مادِّيا واقتصاديًّا من إمكانيات الدولة ومالها (السَّائب) لصالح تنظيمه الظَّلامي، يخططُ ويدبِّرُ لمشروعه المدمر، والذي من أهم توجهاته التَّخلُّص من العنصر الزُّنجي والمسيحي؛ ليتحكمَ من بعدها في دولة ذات نقاء عرقي وديني، وقد غَابَ عن فطْنَتِه وهو في غَمْرَةِ نشوتِهِ بالحلم الذي بدأَ يتنزل إلى الواقع أنَّ السُّودانَ باختلاط أنسابه آخر شعبٍ يمكنُ أنْ يدعي النَّقاء العرقي، ويكفي المرؤ منَّا أنْ ينظر إلى نفسه في المرآة، وسوف تُصْدِقَهُ القولَ ، إنْ الكسب المادي -والتأهيل الذي أصابته الحركة الإسلامية من ارتباطها بنظام مايو البغيض، والخراب الذي أحدثته في الاقتصاد، وقيم وأخلاقيات الشارع العام- أَجْهَزَ على ما تبقَّى من دعائمٍ لتأسيس ديمقراطية مستدامة، وَخَلْخَلَ ثوابت الإيمان بوحدة المصير في وجدان شعب السُّودان المتعدد الأعْرَاقِ والأَدْيَانِ، وَغَرَسَ الخازوق الثَّاني في خاصرة الديمقراطية والوحدة الوطنية.
أما الخازوقُ الأكبرُ، فقد غُرِسَ في قلب الديمقراطية والوحدة الوطنيَّة باستلام الحركة الإسلامية لمقاليد السُّلطة المطلقة في البلاد، بليل بهيم غاب عنه القمرُ، وبحيلة وكذبة بلغا أطلقها الشيخ التُّرابي، وَمَهَّدَ لنجاحها بذهابه سجينًا، بينما جرادُ تنظيمه يزحف ليحتلَ القصر ويتدافع ليقضي على الأخضر واليابس من خيرات البلاد، وبهذا اكتملَتْ حلاقاتُ المؤامرة، ووصلت مسيرة نسف الديمقراطية والوحدة الوطنيَّة والتعايش السلمي الذي ساد بين مكونات المجتمع السُّوداني إلى نهاياتها المحزنة، لتبدأَ كتابةُ أولِ سَطْرٍ من تاريخ مرحلةٍ كَالِحَةِ السَّوادِ، حَصَدْنَا علقمَ ثمارِهَا طِوال عقدين وأكثر من زمان الاعتقالات والاغتيالات والتَّشريد والشَّتات، وكَانَ حَرِيٌّ بالذين يتباكون اليوم على الوحدة المهدرة وانفصال الجنوب، أن يقيموا سرادِقَ العَزَاءِ، وَيَتَلَقُّوا التَّعازي قبل أكثر من خمسين عامًا مضَتْ في المماحكة والتَّسويف، وَدَسِ الرَّأس في الرِّمال، بينما سواس الجماعة وشيخها ينخر في قوائم المعبد إيذانًا بهدمه على الرؤوس.

تيسير حسن إدريس 25/12/2010م


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1770

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#66796 [بكداش]
0.00/5 (0 صوت)

12-27-2010 10:52 PM
الكيزان واصبحوا عراة شجرة توت ماتغطيهم دا عرفناه لكن العايزين نعرفو كيف الامة والاتحادي بعد هذا التاريخ الشبيه بتاريخ الكيزان يكونا على رأس معارضة تسعى لفرض تحول ديموقراطي وحلحلة مشاكل الوطن ومنع تشظيه؟؟؟؟!!!


#65779 [محمد عوض عبدون]
0.00/5 (0 صوت)

12-26-2010 03:07 PM
ياشيخ تيسير كلامك سمح ، ولكن لماذا لا تمتشق سيفك البتار لتعيد الجنوب الى حضن الوطن بعد إنفتاقه وتعيد لنا سيرة مينا موحد القطرين في الزمن القديم والرئيس على عبدالله صالح في العصر الحديث.


#65698 [awad]
0.00/5 (0 صوت)

12-26-2010 01:20 PM
يا تيسير الله يرضى عليك العنوان ده غيرو ديل اخوانا مش ........... بعدين نحن مامسكنهم عشان نفكهم ديل مننا وفينا ولاماياهو كدى يالحبيب


تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة