المقالات
السياسة
غضب الشارع
غضب الشارع
09-27-2013 08:47 PM


منذ الصغر، ومنذ نعومة أظفارنا ظللنا نسمع أن «معظم النار من مستصغر الشرر» والمعنى واضح لكل لبيب بالإشارة يفهم، ولقد ظلت ممارسات «الإنقاذ» في السودان ومنذ نحو ربع قرن من الزمان تدفع باتجاه التأزيم.. وقد بدأت الثورة التي يفترض أنها خرجت لتنتصر للمظلومين، بدأت بتأزيم الواقع الداخلي الذي كان مأزوماً في الأصل بإعمال قاعدة التسريح «للصالح العام» وهي الخطوة الأولى لتمكين الإسلاميين والتي استقبلها الشارع السوداني بمنتهى الطيبة والغباء، لتدور آلة التمكين تمزيقاً للنسيج الوطني، وإشعالاً للحروب، وإحياء للعنصرية والجهوية، حتى تحولنا إلى أقاليم متنافرة ومتحاربة وكارهة لبعضها البعض.
وأشهد أنني طيلة السنوات التي عشتها لم أر نظام حكم تعامل مع شعبه بهذا الاستخفاف والاحتقار، وظل التعامل كما لو أن هذا النظام يتفضل علينا بأسلوبه المتفرد في حكم البلاد وفي إشعال الحرائق، وإثارة الكراهية، حتى أصبح السودان بوابة للاغتراب وللهروب عبر البحار والمحيطات إلى أماكن بعيدة بحثاً عن الأمان المفقود.. وكل مرة نأمل أن يكون هؤلاء الناس قد تعلموا من محن الدنيا و «بلاويها»، نجدهم أبعد ما يكونون عن الفهم السليم.
ما يحدث الآن في الخرطوم وفي العديد من المدن السودانية وفي صدارتها وادمدني عاصمة الجزيرة ومفجرة ثورة الغضب ليس نبتاً شيطانياً، وإنما هو نتيجة طبيعية لتراكمات ظلت مختزنة في أحشاء الوطن، ولإحباط متزايد ترتفع معدلاته بصورة جنونية، وسط غلاء تجاوز قدرة الناس على الصمود في وجهه والانتصار عليه بكل حكمة أمهاتنا وجداتنا في استنباط الحلول لسد الرمق.. فالبطالة متفشية، والفساد منتشر، ولا صوت يعلو فوق صوت «المؤتمر الوطني».
نحن كثيراً ما نستخدم مصلحات كاذبة ومضللة بهدف إلهاء الناس والكذب عليهم، وأدهشني كثيراً الحديث عن «رفاهية العيش» التي ينعم بها الشعب السوداني، وأن هذا الشعب عرف في عهد الإنقاذ «البيتزا» و»الهوت دوجز» وكأنها اكتشافات علمية تبدل واقع الحياة في أصقاع السودان الذي يعيش واقعاً حزيناً بسبب السياسات الغبية التي دمرت كل شيء.
الآن.. كيف سيكون المخرج؟ هل ستكتفي الدولة بالقبضة الأمنية؟ أم أنها ستبحث عن مخارج من هذه الأزمة الأخلاقية في المقام الأول؟.. الاستفراد بالسلطة لا يعني أبداً الاستفراد بالحلول، وما دامت هذه الجماهير الثائرة التي خرجت تعلن رفضها لهذه التوجهات الاقتصادية، أن يصار إلى طرح القضية على الناس باعتبارهم المعنيين بهذه الزيادات، وليس عبر مؤتمر صحفي يعلن تكريس القرارات دون مشاورة.. الرجوع عن هذه القرارات الموجعة ليس عيباً وليس انكساراً، وإنما العيب في الإصرار عليها رغم الأضرار المدمرة التي تتسبب فيها ومضاعفة معاناة العباد والبلاد.
أعتقد صادقاً أن السودان يحتاج إلى رؤية تتسع عن رؤية المؤتمر الوطني التي أثبتت فشلها بكل المقاييس، والمفروضة علينا بحد السيف.. ومؤشرات الحريق التي عايشناها طيلة الأيام القليلة الماضية هي مجرد بدايات وتنفيس لحالة الاحتقان، وحتى لا ينفجر الوطن علينا أن نتحول جميعاً – دون إقصاء- إلى إطفائيين لاحتواء الحريق الكبير قبل وقوعه وقبل أن يلتهم الوطن الذي نحبه جميعاً ونتمنى رؤيته في مصاف الدول المتقدمة والناجحة عوضاً عن صفة «الفشل» التي دمغنا بها.


[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1796

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#780557 [nidal]
1.40/5 (8 صوت)

09-28-2013 12:23 AM
تخيل حجم الخساير فى الممتلكات التى افجعت انصاف الرجال من المحزن والموسف كل ما يذكر الخراب والحقيقة الخراب فى عقولهم ولم يذكر فى كل القنوات السودانيةولم تفجعهم ارواح الاطفال والشباب لله درءك يا وطن وتقبل الله ارواحهم فداء للسودان .


#780460 [الحازمي]
1.00/5 (1 صوت)

09-27-2013 11:08 PM
المؤتمر الوطني و عقلية الاسلامويين هي: أنا أو الطوفان , نحكمكم أو نقتلكم, لا تستمع لرأي خبير أو حكيم
كم من نصائح ذهبية قدمها الخبير كبج و د كدودة عليه الرحمة و لكنها قوبلت باستخفاف من مالكي السودان الجدد تتار القرن

خليلهم "يخموا و يصروا"


#780382 [Fato]
0.00/5 (0 صوت)

09-27-2013 10:03 PM
لا نريد رتقا ولا منشتات أصلاح لهذا النظام الساقط أخلاقيا منذ1989م بل نريد خلعه وبتره وأقتلاع جذورة من ارضنا الطيبة.أى نظام يستذل شعبه ويحرمه الحرية والكرامة من الأفضل كنسه والقصاص منه ليبقى عبرة لمن لا يعتبر.


بابكر عيسى
بابكر عيسى

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة