دستور ... يا .. حكومة
12-29-2010 11:25 AM

دستور ... يا .. حكومة
..

محمد عبد الله برقاوي..
[email protected]

جدتي لأمي الحاجة بتول عليها الرحمة كانت ملقبة ب..( الحكومة ) لما تتمتع به من حكمة وثقافة و رغم اميتها كانت مقياسا مبهرا في محيطها الضيق وسط أهلها من المزارعين البسطاء في الجزيرة الفيحاء فكان الناس يستانسون برايها فتجدها مع جدي وزواره تناقش بصوتها المبحوح الذي يرحل احيانا في جوفها حينا ثم يعود .. فتهتز الروؤس استحسانا لرأيها في الشئون التي تهم محيطهم الذي لايخرج عن قضايا الحواشات وحصاد القطن وتعدي البهائم علي الانتاج .. وكانت تقرض الشعر فتتجمع النساء لسماعه منها وهن مشدوهات بذكائها..وحينما اقعدها المرض وكنت حفيدها المقرب و قبضت اول راتب وانا أعمل أثناء اجازة الدراسة الوسطي في اواخر الستينيات علي بند الشريف الهندي لتشغيل العطالة طلبت مني مذ ياعا..لانه يأتي باخبار البلد والبلدين كما قالت...ومن طرائف ما قالته بعد اقتنائها الراديو .. وكان لها طرائف في التعليق علي الأخبار السياسية التي تفسرها من مفهومها الخاص.. ففي احدي نشرات الأخبار سمعت ان السيد فلان الفلاني أدي اليمين امام رئيس مجلس السيادة وزيرا بلا حقيبة.. فضحكت وقالت ..الله يهداك يا أزهري طالما انك شغّلت الرجل وحلفته اليمين فلماذا بخلت عليه بشنطة يحمل فيها ملابسه..؟
ولكن الطرفة التي تهمنا ومهدنا لها بذلك الشبال الطويل ولها علاقة بموضوعنا اليوم.. ولطفا ان سرحنا في ذكريات. الصبا..وهي واحدة من حكم جدتي( الحكومة)ان سمعت بخلاف الاحزاب الكبيرة حول تعديل الدستور في ذلك الزمان.. فعلقت قائلة ان الرجال اصابهم الجن ..اذ لاشان لهم بالدستور ان كان أعوجا او عديلا ظنا منها أن المقصود هو ( الظار ) وهو شأن حريمي . فحاولنا ان نبسط لها المسألة وقد وهنت مقدرتها علي الاستيعاب بان الرجال معهم امراة اسمها الحكومة وهي ( المدسترة ). فمطت فمها ولوته يمينا ويسارا ..وو ضعت يدها عليه تعبيرا عن عدم رضاها وقتناعها بما قلناه لها واردفت بحكمة عالية وكنا نظنها خارج الشبكة بتعبير اليوم.. قائلة الحكومة كان ( دسترت .. ماكفاها خلاص التقعد في بيتها مثلي ..فأنا ايضا اسمي الحكومة وكبرت ولزمت بيتي ) ..وكانت تلك من طرائف المرحومة حبوبتي التي قفزت الي حافة الذاكرة حيال ماهو متوقع في ساحتنا الدستورية في الأجل القريب..

الان وبعد ان ينفصل الجنوب فان حكومتنا.. ان كان قلبها علي الوطن حقيقة فيلزمها شيء من الحكمة و لابد لها من مخرج دستوري من فراغها الذي سيحدثه سقوط ربع مساحة الوطن بجغرافيته وديمغرافيته السكانية في الجزء الجنوبي المنفصل ويتبعه النائب الأول لرئيس الجمهورية والوزراء الاتحاديون والولائيون ووزراء الدولة و النواب في البرلمان المركزي و المجالس التشريعية وكل شاغلي الوظائف الدستورية المرحلون جنوبا.. أوليس ذلك فراغا دستوريا يستوجب سده بحكومة جديدة و بقية الفراغات الأخري .. وهل شرعية الانتخابات التي قامت بناء علي دستور اتفاقية نيفاشا الذ ي يفترض ان ينتهي بنهاية مرحلة تقرير المصير ايا كانت النتائج ؟ و المستمد من دستور الترابي المثير للجدل في طريقة اجازته الصبيانية في برلمان تعاطي الرجل مع نوابه باسلوب التعاطي مع تلاميذ رياض الاطفال .. اذن فان نتيجة الانتخابات الأخيرة تصبح هي الأخري باطلة تلقائيا.. مما يجعل دعوة المعارضة لتوسيع مواعين الحكم بعد الانفصال منطقية سعيا وراء لملمة البقية الباقية من الوطن من اية انفراطات اخري تسوقنا اليها انفرادية الانقاذ التي ان انفصل الجنوب فان تلك شهادة فشلها التي ستمهر بخاتم لعنة تاريخنا العامر بالتضحيات وستكون سبة في مشروعها الذي قادنا من قوانين سبتمبر الي هذه النهاية عبر حروب جهاد الارض المحروقة وانتهاء باتفاق التنازل المذل الذي قدم جزءا عزيزا من الوطن عطاء من لايملك لمن لا يستحق باعتبار ان الحركة هي الاخري انفردت بالراي الجنوبي .. مثلما كابرت الانقاذ في عدم اشراك الساحة السياسية العريضة في عرضة التفاوض الثنائي ..
ولعل هذه الورطة التي ستواجهها حكومة الانقاذ ( المدسترة ) والتي لا تريد ان تلزم بيتها مثل جدتي في سنوات بداية خرفها ولا ان تشارك غيرها في علاجها من دسترتها ..والخروج بالبلاد من ازمتها الدستورية لابد ان تواجه بتعقل من طرف العناصر المرنة في الحكومة ان كان فيهم عاقل مرن.. لاسيما وان الرئيس المتشدد والانفعالي المندفع من منطلق وضعه كمطارد جنائيا وحامت حوله شبهات الثراء ان لم يكن بالصورة المباشرة فانه في ( حوشه ) مثلما قيل لجحا.. فهو اي الرئيس طفق يطلق تصريحات علي الهواء دون اعتبار لمؤسساته التي يتشدق بانتخابها ديمقراطيا .. فيما يغفل الرجوع اليها أو كما هو مفترض.في مسائل حساسة و تخص الوطن ومستقبله...فانه بالطبع يسبب لها ولرجال حكمه احراجا بالغا .. بالقدر الذي يجعل الكثيرين منهم يحسون انه فعلا فقد الاهلية لقيادة البلاد في مرحلتها القادمة الحرجة التي تتطلب التروي .. والأخذ براي العارفين من فقهاء القانون والسياسة . وا ن اختلفوا مع برنامج الانقاذ لان المطلوب الالتقاء عند نقطة المصلحة الوطنية العليا. فالدول لا تد ار بحلف الطلاق .. ووضع الخصوم تحت الحذاء .. او تفصيل الدساتير في خطب عيد الانتاج كانها عباءة الفتاة المجلودة التي تصلح فقط بسوادها لستر العورة عندما تنهال السياط علي الأجساد او تنثني الرقاب تحت سيف الجلاد..
والدول التي تعتمد الديمقراطية وسيلة وغاية .. و في مثل حالة فراغنا الدستوري المتوقعة و التي هي بهذا الحجم فانها تدعو الي انتخابات جديدة بعد حل كل المؤسسات التي اصابها الفراغ.. ولئن تعذر ذلك في ظروفنا الحالية فلا فكاك من حكومة قومية تسير الأمور حتي يوليو القادم ثم تتم الدعوة لصناديق الاقتراع..علي ابعد تقدير فمهما كان كبرياء الانقاذ وغرورها وتحدي رئيسها الذي يبدو انه باع قضية الوطن ( بقوة عين المفارق ) وبدا يطلق الدعوة لهدم المعبد عليه وعلي اعدائه..فلا أحد يستطيع رغم كل ذلك انكار ان الاخرين موجودين في الساحة وان ضعفوا الي حين فلانهم قد يستمدون قوتهم من شعب طال انتظاره خلف ابواب الترقب .. حيال حكومة بلغ بها دستورها خاتمة المطاف.. وحق لنا ان نقول لها دستور ياحكومة.. والله المستعان وهو من وراء القصد..


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1420

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#68357 [عوض سعيد]
0.00/5 (0 صوت)

12-29-2010 11:33 PM
لنكن واقعيين الحكومة لن تتنازل خوفا من الملاحقة وكشف المستور وحتى لو قال لها الشعب عفا الله عما سلف فلن تتنازل لان الملاحقة الان صارت دولية لذلك ليس هناك حل غير المواجه وازاحة النظام وهذا ممكن لانهم ظلموا والظلم مؤذن بزوالهم \" وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا ......\"


#68105 [عبداللطيف]
0.00/5 (0 صوت)

12-29-2010 03:48 PM
والله حبوبتك دي ظريفة لكن هسه لو مسكوها الحكومة عليك الله ما احسن من بشبش دا.


محمد برقاوي
محمد برقاوي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة