سيدي الرئيس، قول خير !ا
12-29-2010 02:53 PM

سيدي الرئيس، قول خير !! ا

تيسير حسن إدريس
[email protected]

وأخيرًا بعد أنْ غنَّى كلٌ من الشَّريكين على ليلاه، وأحْصَى الأيامَ والليالي للوصول إلى مبتغاه، مترنمًا (لا بدَّ من الانفصال ولو طالَ السَّفَر!) لمْ يَتَبَقَّ أمامنا غير بذل النُّصح والتَّنبيه، ونحن نقتربُ من أمر الانفصال الجلل، ونجتازُ من أجل الوصول إليه بسلام حقلاً عظيمَ الخَطَرِ من الألغام؛ لذلك علينا التَّحلي بأقصى درجات اليَقْظَةِ الوطنيَّة والصَّبر والتَّخلي في هذه المرحلةِ الحسَّاسة عن الأهْوَاءِ الشَّخصيَّة والنَّظْرِة التَّنظيمية الضَّيِّقة، والارْتِقاء لمستوَى الأَحْدَاثِ الجِسام، التِّي من المتوقع حدوثها أثناء وبعد إعلان نتيجة الاستفتاء، ولنعملَ سويًّا من أجل سلامة هذا الوطنِ، ونترفعُ عن الصَّغائر والحماقات التي ظلَتْ تمارسُها النُّخبُ السِّياسية السُّودانيَّةِ منْذُ فَجْرِ الاسْتقلال، واتَّضَحَ أنَّها لا تَبْنِي وطنًا، ولا تصنعُ مجدًا لأمَّةٍ.
إنَّ انْفِصالِ الجَنُوبِ قد أَصْبَحَ أمرًا واقِعًا، بكلِّ تبَعَاتِه السِّياسيّة والاقْتِصاديّة والاجْتماعيّة، وسوف يفرزُ ظرفًا موضوعيًّا جديدًا، ويُلْقِي بظلالٍ سالبةٍ عَلَى كلِّ مناحِي الحياة، يَنُوءُ تَحْتَ حمله شعبُ السُّودان في الجَنُوب والشَّمالِ، وهذا بدوره يَضَعُ على عاتِقِ النُّخَبِ السِّياسية -في الشَّطْرَين من أحزابٍ سياسيّةٍ ومنظماتِ مُجتمعٍ مدني وخلافه- أعباءً ضَخْمَةً، ومسؤولياتٍ خطيرةً، ولا يتح غير خيارين لا ثالث لهما؛ إمَّا النُّهوضُ بأعباء المرحلة التَّاريخيّة -المثقلة بالمسؤوليات، والمحفوفة بالمخاطر- بحكمةٍ وباقتدار، وعلى الوجه الأكمل، أَوْ تسليمُ الوطن بشطريه جنوبًا وشمالاً للمجهول، الذي لا يعلم إلاَّ المولي -عزّ وجلّ- مدى مهالكه وخطورة مسالكه.
وعلى رأس هذه النُّخبِ السِّياسية المطالبة بتغيير نهجها، والارتقاء لمستوى المسئولية، حتَّى لا تظل تكرر أخطاءَها الفادحةَ التي أدَّتْ لانهيار الوحدة الوطنية، يأتي حزب المؤتمر الوطني في الشَّمال والحركة الشَّعبية في الجنوب، وعلى عاتق الأول تقعُ المسئولية الكُبرى في المحافظة علي بقية الوطن من الشتات والتفتت، وذلك باتِّخاذ خطواتٍ سريعة وتدابير استثنائية، تشمل مراجعة مُجمل نهجه القديم، على أن تفضي تلك المراجعة لتغيرات جذرية في برنامجه ومشروعه الفاشل، الذي قاد البلاد لهذا الدمار, ويكفي عقدان من التَّجريب ،والحكم المطلق، واحتكار السلطة، فلم يحصدْ الموطنُ المسكين من ورائها سِوَى الهشيم، ليتعظ حداة الركب الإنقاذي ويقتنعون بضرورة إتاحة الفرصة لبقية القوى السياسية، لتلعبَ الدورَ الموازي والموازن لسياستهم العرجاء.
لقد آن أوانُ المراجعاتِ العميقة المتأنية والشَّاملة لإجمالي المشهد السَّياسي السُّوداني، بمختلف مكوناته وكياناته التَّنظيمية من أحزاب، ومنظمات، وتيارات فكرية، ونخب سياسية مستقلة، والواجب الوطني والأخلاقي يُلْزِمُ الجميعَ بتقديم خطابٍ سياسيٍّ؛ يختلف في جوهره، وركائزه الفكرية والتنظيمية، عن الذي ساد طوال الخمسين عام الماضية، التي تلت خروج المستعمر، ليتضمنَ رؤى واضحةً وإجابات شافية لجميع الأسئلة الحائرة، وحلولاً مقنعة وناجعة، لكافة العقبات والمشاكل التي تعترض عملية نهوض الوطن، وتقدمه وانصهار مكوناته المجتمعية في بوتقة وطنية، تحدد أطرًا ثابتة للهوية السُّودانية، وتحاصرُ خطر النَّعرات القبلية والعنصرية، الذي انفلت من عقاله خلال العقدين الأخيرين، نتيجةَ أخطاءٍ قاتلة وقع فيها نظام الإنقاذ الحاكم، وقادت لفقدان الوطن لمُكّوِّنٍ مهم من مكوناته البشرية، الأصيلة والاقتصادية الثمينة، المتمثلة في الثَّروات الطَّبيعية في الجنوب.
وضربة البداية لمشروع المراجعات الفكرية والسياسية الشاملة، يقعُ بصورة رئيسة عَلَى عاتق الحركة الإسلاميَّة ، وحزبها المسيطر والمتحكم منفرد على مقاليد السلطة في البلاد، إنَّ حزبَ المؤتمر الوطني ورئيسه الذي يمثل رأس الدولة مطالبٌ باتخاذ الخُطوة الايجابية الأولى في مسيرة تصحيح الوضع السِّياسي المتأزم، لَعَلَّهُ بذلك يكفِّرُ عن بعض الجُرم الذي ارْتكبَهُ في حقِّ الوطن والمواطن، طوال عقدين من الحكم الجائر، فسياسة المكابرة والعناد المتبعة حتَّى اليوم، مَا عَادَتْ تُجْدِي، وسوف تقودُ في أَحْسَنِ الأحوال لنحرِ الوطن، وانْتِحار النِّظام والحزب الذي يرأسه.
إنَّ الابتعادَ السَّريعَ عن سياسة ترهيب الشَّعب، ومنظماته السياسية، والتَّوقفَ عن الخطاب المستفز، والقرارات العشوائية، الذي حَفَلَ بها خطابُ الرئيس في لقائه الأخير بالجزيرة ومدينة (القضارف)، وكذلك الإيعاز لقُوَى الأمن والشُّرطة بالتزام الدُّستور المؤقت، الذي يكفل حقَّ التَّجمعِ والتَّظاهر السِّلمي، والتَّعبير عن الرَّأي، وتجنب التَّصرفات العُدْوانيّة، والتَّعديات المُشينة التي قامت بها ضدَّ كوادر (حزب الأمة) مُؤخَّرًا، وأدَّت لإصابة العديد منهم، تُعْتَبَرُ خطوة أُولى في الاتجاه السَّليم لتهدئة النُّفوسِ والمشاعر الملتهبة، وخلق أرضية طيبة لنقاشٍ وطني جاد، ينزع فتيلَ الأزمة، ويحفظُ السلم الأهلي وينفس احتقان البركان الذي يتأهب لقذف حممه عشوائيا في كافة الاتجاهات.
يجبُ الابتعاد عن سياسة حصر الجماهير في الركن الضَّيق، وفق المعادلة البائسة لجميع النُّظم الدِّكْتاتورية -إمَّا أنْ تعيشَ ذليلاً تحت نِعالي، أَوْ تموتَ كريمًا وأَنْتَ تُعَارضُني- لأنها سوف تدفع غالبية شعب السُّودان الآبي لتبني الخيار الثَّاني، وحينُها لا عَاصِمَ لمن اسْتَكْبَرَ وتَجَبَّرَ من غَضْبَةِ (الهَبَابَايْ) وفورةِ التَّنورِ ولو استعصمَ في بُروجٍ مُشيدة، والعاقلُ من اتَّعظ بغيرِهِ، و في ثورة أكتوبر 1964م وإبريل 1985م الشَّعبية آية وتذكرة.
فالخطابُ المستفزُ المتشنِّجُ لقادةِ المؤتمر الوطني في هذه المرحلة الحسَّاسةِ والخطيرة من تاريخ الوطن، لن يجدي فتيلاً ولن يحلَّ مشكلةً؛ لأنَّه ببساطة تَكْرَارٌ مملٌّ لخطابٍ قد سقط وَذَهَبَ ريحُه، وهو يحاولُ أنْ يسوقَ بضاعةً كاسدةً انتهت مدة صلاحيتها تدعى (المشروع الحضاري)، ظلَّ يَقْتَاتُ عليها الشَّعبُ لعقدين، ولم تُشْبِعْ أو تُغْنِي من جُوعٍ، كما أنَّ الزَّعقَ والتَّهديدَ بالجلد والقطعِ من خلاف لن يخيفَ أوْ يرهبَ أحدًا.
يا سيادة الرَّئيس قُولْ: خَيرْ ، فلقد بلغَ السيل الزُّبى ولم يتبق خيارًا سياسيا واقعيا ومقنعًا يحفظ البلاد من شرور المواجهة الدامية سوى خيار التحول الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، وذلك بإقرار دستور يتبني الدولة المدنية الديمقراطية ويعترف بالتنوع الذي تذخر به البلاد أما إذا ما أردتم فقاء العين اليمنى كما فقأت اليسرى فهذا شأنكم وتتحملون مسؤوليته أمام الله والوطن والشعب والتاريخ لا يرحم.

تيسير حسن إدريس 29/12/2010م


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2020

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#68541 [م.ب.الصديق]
0.00/5 (0 صوت)

12-30-2010 11:55 AM
الكلب بينبح حفاظاً على ضنبو-لا بد من لاهاى ولو طال السفر- فالقائمة خمسينية-واريحونا من العزوف على وتر الشريعة فالمستور أصبح مكشوفاً لمحمد أحمد الغلبان.


#68526 [محمد ابنوس]
0.00/5 (0 صوت)

12-30-2010 11:41 AM

يا اخوانا اتذكر الرئيس دا لما عمل حوار مع قناة الجزيرة قالوا عليه دا اكتر رئيس دولة مرتب مرّ علينا .. ولكن اعتقد انو تلفان الاعصاب من الضغوطات وتكالب الاضداد خلتو بقى متوتر .. وطبعا كترة الكلام من الشعب السودانى الاصبح كلو يفهم فى السياسة والاقتصاد والاعلام تخلى المسئول لو عايز يفكر صاح مايقدر .. وعلى كل حال اشكروا للبشير انو مشكلة الجنوب اتحلت فى عهدو وعما قريب ح تشوفوهو هادى جدا وبتكلم بذهن صافى فى المشاكل البتهم البيت السودانى الشمالى .. اما الجنوب الفرز عيشتو الله معاهو وياكل نارو والله برضو مصرين تمشوا ليهم هناك وتكتبوا فى قضاياهم ! امشوا عشان تشوفوا ادوكم طلقة كيف زى ماهسه طردوا الشماليين وصادروا ممتلكاتهم والحمدلله ماكتلوهم زى ما عملوا فى توريت زمان.


#68271 [TIGER SHARK]
0.00/5 (0 صوت)

12-29-2010 08:17 PM
سيدي الرئيس....؟؟؟؟؟؟!!!!!!


#68214 [أبورماز]
0.00/5 (0 صوت)

12-29-2010 06:30 PM
أوليس لهذا البشير مستشارون يقرأون له مزاج الناس ومن ثم يكيف خطبه حسب مزاج ( شعبه ) فلقد ذهب البشير وخلال إسبوع واحد إلى ثلاث مدن إحداها فى الشرق والثانيه فى الوسط والثالثه فى الغرب فى الأولى عكنن على (شعبه) بالوعيد بشريعه موديل 2011 وفى الثانيه عكنن عليهم بعدم قبوله الآخر وعاد إلى مصطلحات ضباط الصف والتعلمجيه ( لحس الكوع ) وفى الثالثه عكنن عليهم بتمزيق ملف الدوحة ذا الأربع سنوات بأربع كلمات فقط وفى أربع ثوان...هذا إن تقاضينا عن إشارات عصاه التى تكون فى بعض الحالات تأخذ مدلولات سيئه إن لم تك قذره ..
أشك فى عدم وجود هؤلاء المستشارين لذا أرجح أن البشير يعى ما يقول ويقصد العكننه ( هذه الكلمه مقتبسه من قاموس الطيب مصطفى) ربما جس نبض فيما إذا كان مستقبليه من الشعب الفضل لا زالوا على طيبتهم ويقبلون منه أى كلام حتى وإن كان كلام الطير فى الباقير أو هى من باب الإستفزاز حتى يجد ما يتصدون له عنفا ويعلنها حربا تقضى على الأخضر واليابس ويفلت من أم الأخطاء ( تقرير المصير ) إن كانت الأولى ( فليطمئن) فإننا شعب مؤمن بربه وبقضائه وقدره وإن كانت الثانيه فليطمئن أيضا فنحن أحرص على ما تبقى من الوطن التراب والوطن البشر ـ يعنى تلقاها عند غافل ـ

لكنى أخشى أن يكون هذا لسبب ثالث وهو المرموز له بالمثل ( الصقر إن وقع كترت البتابت عيب).. لأن السفر بين الخرطوم القضارف وبالعكس والخرطو مدنى وبالعكس والخرطوم ونيالا وبالعكس وفى إسبوع واحد ولرئيس ومن غير سبب مقنع لا يخرج من كونه جقلبه أو بتبته ... والله يستر ....


#68181 [عبداللطيف]
0.00/5 (0 صوت)

12-29-2010 05:33 PM
يا سيادة الرَّئيس قُولْ: خَيرْ ، فلقد بلغَ السيل الزُّبى ولم يتبق خيارًا سياسيا واقعيا ومقنعًا يحفظ البلاد من شرور المواجهة الدامية سوى خيار التحول الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة،
بارك الله فيك يااستاذه فقد احسنت وانذرت في الوقت نفسه ولا عذر لمن انذر .


تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة