المقالات
السياسة
ما بين أكتوبر وعبـود وهؤلاء !!
ما بين أكتوبر وعبـود وهؤلاء !!
10-09-2013 11:52 AM


جاء صوته متهدجا عبر الأثير وهو يعلن التنحي عن السلطة إستجابة لرغبة الشعب .. معللا بأن إستلامهم للسلطة لم يكن إلا لمصلحة البلاد لظروف فرضها الواقع السياسي يومذاك .. بدأ الرجل متأثرا وكأنما يقدم إعتذارا ضمنيا للأمة فقد كان الرجل نبيلا على قدر عظمة تلك اللحظة التاريخية . لقد منح الرجل قبلة الحياة للثورة حتى لا يتسبب في سفك المزيد من الدماء .. لتخرج الألأف في الشوارع إنسجاما مع الحدث الكبير.. أكمل الرجل مهمته بعد ذلك فكان أن أشرف على أداء القسم للحكومة الجديدة ثم طلب أن تؤخذ له صورة جماعية مع الوزراء فأستجيب له على وجه السرعة ثم إستقل سيارته وعاد إلى بيته آمنا مطمئنا بعد أن أنجز ما لا يمكن ينجزه إلا الكبار .. عاش الرجل مكرما بين الناس محظيا بكامل الإحترام من الجميع وهي تلهج له بالشكر موقفه التاريخي الذي جنّب البلاد الكثير من المزالق . إن أي كاتب للتاريخ يريد أن يدّون أحداث تلك الفترة لا يمكنه أن يتجاوز نبل ذلك الموقف العظيم لأن ثورة أكتوبر لم تكتمل إلا بعظمة رجل أسمه أبراهيم عبود فقد كانت الثورة أشبه بلوحة تنقصها اللمسة النهائية.. كانت فترته هي أفضل فترة عرفها السودان بشهادة الجميع لم يكدر صفوها سوى إعدام مجموعة علي حامد وما راه البعض تهاونا في ملف حلفا .. لكن غير ذلك شهدت البلاد نهضة تنموية لا ينكرها إلا مكابر فيما عملت القيادة الجماعية بكل تجرد ونزاهة وإنضباط من أجل صالح البلاد فقد كانوا أبناء السودان حقا ، أبناؤه الذين رفعوا رأسه في كل محفل . عاش عبود حتى توفي عام 1983 وشيع في جنازة مهيبة حتى وري الثري وفي الخاطر صدى تلك الأغنية التي مجّدت الرجل : عبود يا جبل الحديد .. يا صاحب الرأي السديد .. لم يخطيء الشاعر ولا المعني .


في المقابل حينما يجيء الأمر لهؤلاء يحتار المرء في وصفهم حتى لتهرب الكلمات عن وصفهم . جاءوا إلى الحكم بعد أن كفر الناس بالاحزاب وتعشّم الشعب بأن يكونوا البديل الأفضل لكن سرعان ما أنكشفت هوياتهم ونواياهم حينما بدأوا سياسة تمكينهم التي كانت خطاها أشبه بفيل منفلت يدوس على الأشجار الصغيرة والكبيرة وكل ما يقع حوله ، شيء أشبه ما يكون بتجريف الأرض لتتغير تضاريس البلاد وتكفهر اجواؤه ثم يتغير إنسانها وتتعرض قيّمه لإمتحان عصيب ، لقد تغير بإختصار كل شيء وهاهم اليوم يثبتون أنهم ليسوا أبناء لهذا الشعب أمام ما يفعلونه من تقتيل وتعذيب وترويع للشباب وما يرتكبونه من حماقات في حق هذا الشعب الصابر بدرجة تجعلنا نشك في أنهم رضعوا يوما من أثداء أمهات سودانيات ، يقتلون شعبهم بدم بارد بحيث لا يرف لهم حسا أو جفنا . لكن كيف لا يكونوا كذلك وهم الذين خانوا العهد مع الله بأن يكونوا حماة لدينه ورافعين للوائه ، خيانة تتصاغر معها خيانة يهوذا للسيد المسيح ، ثم خانوا العهد مع الشعب بأن خدعوه بالوعود والأماني الكاذبة فكانت خيانة تتضاءل معها خيانة بروتس للعظيم يوليوس ، لذا فإننا لا نبالغ حينما نقول بأن في نفس كل إنقاذي شيء من يهوذا وشيء من بروتس. إن قمة جبل خيباتهم في الحكم والتي ربما لم يفطن إليها الكثيرون أنهم الحقوا بالغ الضرر بالنموذج الإسلامي للدرجة التي قد يغيب فيها هذا النموذج عن المشهد السياسي السوداني لعقود وربما عقود طويلة بسبب ممارساتهم الضالة التي لا تمت للإسلام بصلة ، يشابهون في ذلك تجربة عسيرة لأنصار ماركس في بلاد جاوه مع أنها تجربة مختلفة في عناصرها وظروفها لكن العبرة بما حدث هناك بعد الأخطاء الجسيمة التي إرتكبوها إبان حكم سوكارنو ومحاولتهم الإستئثار بكامل السلطة ،فكان أن تمت مطاردتهم والتنكيل بهم لدرجة إختفوا بها تماما عن المشهد السياسي في أندونيسبا وربما للأبد . إن ما فعلوه بالشعب السوداني وصفه يوما شاعر سوداني كبير عرف عنه السخرية اللاذعة ، كان ذلك في أوائل التسعينات ويومها كانت الضائقة الأقتصادية قد أخذت مأخذها من الناس وفي حوار صحفي مثير سأله الصحفي عن أوضاع البلاد فرد أبو أمنه حامد بسخرية يحسد عليها قائلا ( في الماضي كان المشركون يعذبون المسلمين وكان المسلمون يرددون أحد .. أحد واليوم المسلمون الجدد يعذبوننا فنرد نحن أحد .. أحد ) ومن شدة إعجاب الصحفي بالعبارة البليغة وضعها مانشيتا على الصفحة الأولى تحت الترويسة ولا أدري إن عاش أبو آمنه حامد إلى يومنا هذا ما هو قائل . إذن فإن أياما عصيبة تتنظر الجماعة بعد أن أعلن الشعب عن هبته وغضبته ورفضه لهم ، فإذا ما أصاخوا إلى صوت العقل كان ذلك خيرا وبركة وإذا تمادوا فهم يعرفون مصيرهم سلفا ولن أقول .

[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 986

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#796514 [دوشكا]
3.00/5 (2 صوت)

10-09-2013 09:33 PM
عمرو الورل ما ببقي تمساح ..

سامحك الله و انت ترقي بهذا البشكير القميئ في مقارنة مع الراحل المقيم الفريق عبود طيب الله ثراه .


#796248 [مواطن سوداني]
3.00/5 (2 صوت)

10-09-2013 05:35 PM
شتان بين الرجل الطاهر و الوطني الحرالغيور ابراهيم عبود و بقية الاقزام الذين حكموا السودان في كافة حقبه التاريخية.ليس هنالك من يماثله خلقا و عفة و نقاء ووطنية اما انجازاته خلال فترة حكمه التي لم تتجاوز الستة اعوام فسوف افرد لها مقالة منفصلة عند حلول ذكرى ثورته في نوفمبر القادم باذن اللهز وللعلم فان عبود لم ينقلب حبا في السلطة و انما جرى تسليمهاله من عبد الله خليل رئيس الوزراء أنذاك خوفا على الوطن من الانزلاق نحو حرب اهلية


#796132 [محمد السيد علي]
1.00/5 (1 صوت)

10-09-2013 03:46 PM
للتنويه فقط فإن الصحيفة التي أجرت ذلك اللقاء مع الشاعر أبو آمنه حامد - عليه رحمة الله - هي صحيفة (أخر لحظه) وهي غير الصحيفة التي تصدر اليوم بذات الإسم وقد توقفت تلك الصحيفة عن الصدور منذ التسعينات أما تاريخ تلك المقابلة فقد كان على الأرجح منتصف التسعبنات .


محمــد الســـيد علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة