المقالات
السياسة
إن حجم الوجيعة لكبير.. (2)
إن حجم الوجيعة لكبير.. (2)
10-11-2013 03:24 PM


بسم الله الرحمن الرحيم
هل سعى الشعب السوداني إلى حياة كريمة، أم قاده الإحباط والخوف إلى الثورة حتى على نفسه؟
هل هو قادر على إحداث التغيير الكلي أو الجزئي في إدارة البلاد؟
هل هو قادر على إستشراق المستقبل وتلمس طريقه بوعي لتغيير منظومة الحكم؟
هل يرى الإنسان السوداني أصلاً أن هنالك حياة كريمة، أم هو قانع وغير راغب حتى فيما لديه؟
إن حجم الوجيعة لكبير.

في عالم المال والأعمال نجد كثير من المؤثرات والأسباب التي تدفع المؤسسات والشركات والمنظمات إلى تبني برامج التغيير فيها، فهي إن كانت تريد الإستمرار فيجب عليها أن لا تقف ثابتة أمام المتغييرات المتسارعة من حولها، فبيئة الأعمال منظومة مجالات حياتية متراكبة،، إقتصادية وسياسية وإجتماعية. و تدخل ضمن هذه المنظومة الحالة المزاجية والنفسية للعميل، والتنافسية ورغبة المؤسسة في التميز، والتطور التكنلوجي والمعرفي المتسارع. ويكون التغيير مطلوب أحيانا دون وجود ملحات أو ضغوط خارجية في حالة وجود قيادة خلاقة، ملهمة وقادرة على الإبتكار، مستفيدة بما لديها من إمكانيات وظروف.
إلا أننا إن أردنا الإجابة عن تساؤلاتنا الآنفة فإننا يجب أن نتعرف على مكونات التغيير بتعمق، والتي أعمدتها بيئة التغيير، وقيادة التغيير، والمستفيدين من التغيير، ثم نطرح مجالات التغيير المتوقعة ومخطط التغيير وإدارته. وهنا سأختصر الحديث عن قادة التغيير (وكلاء التغيير)،، ثم أتبعها في مكان آخر إن شاء الله بحديث متأمل في العوامل الأخرى.. ولن أقصد أن أكون محللاً سياسياً أو ناقداً للأحزاب السودانية.. ولكن يتوقف نجاح التغيير على وجود خبراء أو وكلاء تغيير يمتلكون مهارات فكرية وإنسانية وفنية ترتبط بالتغيير.
قادة التغيير بلا شك هم الأحزاب السياسية، فالأفراد قد يكون لهم التضحية الكبرى والغضبة.. ولكن على الأحزاب السياسية أن تعي حجم مسؤليتها في قيادة التغيير مستلهمة غايات وطموحات المد الجماهيري.. ويجب أن تتشكل وتتفاعل لتكون الوعاء الشامل لقوتهم وفكرهم.. ولكن بالنظر للأحزاب السودانية جمعاء الحاكمة منها أو المشاركة في الحكم أو المقصية أو المخصية.. نجد أنها تعاني من ضبابية الرؤية وعجز الفكر.. وتعدتها أحياناً إلى عدم المبالاة ، أو لنقل تجمدت ثم تصدعت وشحبت صورتها ثم تهالكت.. وفقدت عضويتها موتاً أو تغييباً أو تشريداً أو لنقل هجرة خارج جدار الوطن وروح الوطن وزمن الوطن.
فالحركة الإسلامية لا شك أن لها قاعدة كبيرة تلتف حولها. قد تكون أكبر قاعدة شعبية الآن لحزب سوداني، ولكن من شدة تلونها أصبحنا لا نجد لها إطاراً أو تعريفاً أو إسماً تنادى به،، والولاءات فيها إختلطت بين السلطة والقوة والمحسوبية وما زالت تبذر بوادر التقسيم فيها منذ أن إنتصر الترابي على الحركة التربوية فيها وإستأثر بالحركة الإسلامية السودانية.. وإستعجل الترابي بمجيء الإنقاذ إلى السلطة لحظة الضعف السياسي القومي، ليفقد بعدها قياداته التنظيمة في لعبة الكراسي والفساد والسلطة، وبعدها فقد الحركة الإسلامية موجهها وأهدافها التي قامت عليها، فأصبحنا لا نعلم لها أطروحة سياسية تختلف عن باقي الأحزاب التقليدية في السودان بعد عن تخلت عن مشاريع الدعوة والتعبية والمشروع الحضاري.... وقادتها الذين هم مسيطرون على دفة الحكم غارقون في معاداة المجتمع ولا يعلم إلا الله ما ستؤول إليه الأيام..
أما المهدية فلم دعوة عرقية أو طائفية.. فالمهدية هي التي وضعت حدود الدولة السودانية.. وكانت تستقي حكمة الإمام وإستطاعت أن تبث في الناس دعوة التوحد تحت لواء الإسلام وراية الجهاد، إلا أنها ومنذ التعايشي وحتى أحفاد الإمام ما زالت تدور في شرك القيادة والسلطة ومهادنة الأنظمة.. وتناسى أحفاد الإمام دعوة الزهد التي نادى به.. فإتخذوا من دون الله أولياء زجوا بهم في أتون السلطة.. وأصبح منها أصل ونسخة ممجوجة من القوى الحديثة فيها..
الختمية والقوى الإتحادية الوطنية.. كانوا دائماً نصيراً للسلطة أياً كانت وشريكاً متضامناً... فكانوا سنداً للأتراك ثم المصريين والإنجليز.. ومنذ الإستغلال وجدوا أنفسهم داخل أومع السلطة... الوطنيين منهم كثر ولكن تصنف على إنها قوى خاملة غير قادرة على إحداث التغيير منفردة. قيادتها الشرعية لم يرى لها دوراً في ساعات المحنة. وفي أحداث سبتمبر الماضية رأينا كيف أنهم تركوا الشعب دون ضامن إلى ضباب لندن...
والأحزاب الإشتراكية،، كانت دعواهم تعقل إدارة الدولة.... فلن ننسى بأن هتافات أكتوبر قد خطت بأيدي الحزب الشيوعي.. وكان الحزب أحد ابرز مهندسي هذه الثورة وقد بوأته منزلة من القوة والنفوذ في الدولة والمجتمع أثارت غيرة خصومه السياسيين. ونجح هؤلاء الخصوم في حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في آخر عام 1965.. وفي إنتفاضة أبريل أبلى البعثيين بلاءً حسنا بالجداريات التي زينت الإنتفاضة التي ما طمست معالمها إلا بمقدم الإنقاذ.. وسبحان الله تحولت لوعاء تساقط به كثيراً من الساقطين،، ثم ضعفت ثم وهنت وفقدت قياداتها.. ثم كدنا لا نعلم لهم من صوت عاقل أو حكيم. كنا لا نراها إلا في مغالطات ثقافية جعلت منها عدواً للإسلام والمسلمين من غير سبب.. فبنت حاجزاً بينها وبين المجتمع السوداني العريض.. لم تأخذ بالتجربة الإشتراكية الفرنسية أو الصينية أو الأمريكية الجنوبية في التأقلم ميدانياً وبناء قاعدة للإصلاح تتفق مع المجتمع. ولا مخرج لها من هذا التناقض سوى أن تتطرح نظرية إجتماعية للسلطة تنتقل بها من رهن إرادتها بانتظار فيض القلب الرحيم والمدد المثالي إلي اكتشاف القوة الاجتماعية للتغيير لتحرير نفسها من لعنة وعبودية المال.
أما القوى المستقلة التي نشأت فى ساحات العمل الوطنى الطلابى وتبلورت في نهاية السبعينيات... فلم تستكمل دورتها في تفعيل طاقاتها فى الساحة السياسية الرحبة بعد إعلان تشكيل مؤتمرها الوطني في منتصف الثمانينات، بعد أن كان لها دورها في إشعال ثورة أبريل ضد نظام مايو. وخلال الديمقراطية الثالثة.. وحيث أن فكرة الحركة المستقلة قامت أساساً على إيجاد بديل وطني للأحزاب السياسية التقليدية فقد أوجدت لها عدواً طبيعياً شرساً ومحنكاً وهي ما تزال في مهدها.. فتمت محاربتها من قبل التنظيمات السياسية التقليدية، فأول ما فعلته الجبهة الاسلامية بعد انقلابها هو اطلاق اسم المؤتمر الوطنى ليكون الجسم السياسى للنظام علما بان هذا الاسم تم تدوينه عام 1986 فى تأسيس الجسم السياسى للطلاب المستقلين، ثم قامت بتصفية كوادر الحركة الطلابية المستقلة من الخدمة المدنية فيما يعرف بالصالح العام. والسواد الاعظم هاجر الى خارج السودان فأقلب كوادرها من حملة الشهادات الجامعية. ولم تستطع بعدها من تطوير إمكانياتها وتطوير فكرها ودورها كقائد لقوى الوسط... ولم تستطع توحيد القوى الصامتة وقيادات المجتمع المدني المستقلة وتفعليها حتى تسهم في تصحيح المسار السياسي ولتكون دعماً للتغيير الذي ينشده المواطن السوداني في كافة مجالات حياته.
ظهرت حركات التّغيير الشبابية مثل كفاية وقرفنا وغيرها في السنين العشر الماضية ، نتاج ربع قرن من حكم الإنقاذ الذي مارس فيه القمع السياسي، غابت فيه فرص المشاركة أو التعبير الحقيقية لغير أعضاء المؤتمر الوطني، وتردّى الاقتصاد، وإرتفعت معدلات البطالة والفقر، وانخفضت معدّلات النّمو، وأصبحت الدولة عاجزة عن تقديم الخدمات الأساسيّة لمواطنيها، وبتنامي مؤسّسات المجتمع المدني ومؤسّسات حقوق الإنسان أدركت مجموعة من الشباب أنّ المشاركة السّياسيّة هي حقّ من حقوق الإنسان وليس هبة من الدولة. وإستطاعت لاحقاً جذب عناصر من الأحزاب التّقليديّة، لتصبح خليطا من الأجيال وفئات المجتمع قاطبة الأغنياء منهم والفقراء العمال منهم والملاك، وبقيادة أبناء الطّبقة الوسطى الجديدة وظّفت التّكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل الإجتماعي لصالحها، مُتخطّيةً بها قيود الإعلام التقليدي. وبحماسة هؤلاء الشباب توجّهت مباشرة إلى الشارع غير مبالية بموافقة أو تصاريح قانونيّة لتطرح مطالب الإصلاح الإقتصادي والسياسي والإجتماعي. وإستطاعت تعبئة الشارع رغم ضعف خطابها السياسي النظري وعدم وجود مشروع متكامل للإصلاح. ورغم تشابهها مع الحركات المشابهة في دول الربيع العربي إلا أنها لا تسطيع الإستفادة من مفاهيمها وتجربتها فهي الأخرى وجدت نفسها دون دور محدد تؤديه بعد بلوغ أهداف الثورة على الأنظمة.
أما حركات النضال المسلح مثل عقار والحلو ومناوي ونور وعرمان وقوى الشرق فقد شابها العنصرية والجهوية والعرقية، وإفتقرت المنطلقات الفكرية لأطروحاتهم السياسية الوطنية إلى المصداقية. ولم تستطيع التشكل والتوحد لتمثل ضغطاً على سلطة المركز، ولم تستطيع إستمالة قاعدة جماهيرية واسعة للعمل السياسي الثّوري معها.
هذا هو مشهد الجماعات والحركات والأحزاب السياسية فى السودان، مشهد من الضعف والترهل للبناء السياسى التنظيمي، فنرى التنظيمات السياسية بمجملها قد فشلت بشكل واضح فى إيجاد معادلة سياسية فيما بينها تحقق التنمية والاستقرار للسودان،، وبرامج الحد الأدنى فيما بينها شكلت عبئاً على هذه التنظيمات فلم تستطع إيجاد شكل توافقي يملأ الفراغ السياسي ويكون أداة لتعبئة الجماهير نحو برامج مؤسسي للتغير. فالتنظيمات السياسية في داخلها ظلت تعاني من مشكلات داخلية جعلتها غير مؤمنة ببرامج الحد الأدنى، فأصبحت هي نفسها عاجزة عن ممارسة الدور السياسى المطلوب منها، لذا في تحتاج لتطوير رؤاها الفكرية وبرامجها السياسية، وتحديث هياكلها التنظيمية لتستوعب القوى الشبابية والقوى المهمشة فيها. وكقوى محتملة للتغيير المؤسسي تحتاج إلى قياس فاعليتها بصورة أكثر شفافية من ناحية الأهداف والبرامج السياسية والبناء التنظيمي والقواعد الجماهيرية، والأهم ممارسات القيادة والإدارة داخل التنظيم. وفي ذات الوقت يجب أن نرى تكاملاً لأدوار هذه التتنظيمات من أجل صياغة مفهوم أوسع للدولة من أجل تحقيق الأهداف الكلية للمجتمع. من شأنه تقليل الفاعلية وإضعاف الأداء السياسى.

يتبع...
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 967

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#800213 [أسد النيل الصافي]
0.00/5 (0 صوت)

10-13-2013 04:54 PM
في مقالي "إن حجم الوجيعة لكبير.. (2)"
http://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-40484.htm
أوضحت أن حركات التّغيير الشبابية إستطاعت تعبئة الشارع رغم ضعف خطابها السياسي النظري وعدم وجود مشروع متكامل للإصلاح.
وأنها ورغم تشابهها مع الحركات المشابهة في دول الربيع العربي إلا أنها لا تسطيع الإستفادة من مفاهيمها وتجربتها فهي ستكون مثلها لتجد نفسها دون دور محدد تؤديه بعد بلوغ أهداف الثورة على الأنظمة.


أسد النيل الصافي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة