المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
مدخل الحوش\": توابع زلزال التاسع من يناير 2010م
مدخل الحوش\": توابع زلزال التاسع من يناير 2010م
01-01-2011 12:25 PM

م دخل الحوش\": توابع زلزال التاسع من يناير 2010م

إبراهيم الكرسني
[email protected]

هنالك حقيقتان لا يختلف عليهما إثنان من العقلاء و أصحاب الفطرة السليمة أود تأكيدهما فى صدر هذا المقال. الأولى مفادها أن الإستفتاء المزمع إجراؤه فى التاسع من هذا الشهر سوف ينتج عنه قيام دولتين جديدتين فيما كان يعرف بجمهورية السودان حتى وقتئذ. إننا نعتبر هذه الحقيقة بمثابة زلزال سياسي لم تشهد البلاد له مثيلا سوى زلزال التاسع و العشرين من يونيو من عام 1989م، الذى نتج عنه بروز كارثة دولة \"التوجه الحضاري\"، و نجح فى إرساء دعائم البنية التحتية لحدوث الزلزال القادم. أما الحقيقة الثانية فهي أن ما يسمي بالحركة الإسلامية فى السودان، بمختلف مسمياتها بدءا بالإخوان المسلمين، مرورا بجبهة الميثاق الإسلامي، و الجبهة الإسلامية القومية، و إنتهاءا بالمؤتمر الشعبي/الوطني هي المسؤول الأول و الأخير عن حدوث هذين الزلزالين، و بالتالي تحمل نتائجهما الكارثية التى عصفت بالسودان الوطن الذى عرفناه، و قادت الى تمزيقه الى دولتين، و من ثم سوف تقود الى تفتيت ما تبقى منه الى أكثر من دولة، اذا لم يتم لجمها ووقفها عند حدها من قبل القوى و التيارات السياسية الوطنية التى تحمل هموم الوطن وقضاياه المصيرية فى حدقات عيونها.
نود تأكيد هاتين الحقيقتين لأننا قد سمعنا و قرأنا لبعض قادة الحركة الإسلامية، ممن يود التنصل من هذه المسؤولية، و يود بمنطق معوج و أسلوب ساذج أن يشتت دم الوطن، الذى ذبحوه بأيديهم، على مختلف القبائل السياسية بالبلاد. لكن فات على أمثال هؤلاء أنهم، و بمثل هذا النوع من الهذيان، لا ينفون حقيقة مسؤوليتهم عن شرذمة الوطن و تقطيع أوصاله، و إنما فى واقع الأمر يؤكدون بأنهم قد فقدوا صوابهم تماما، و أصابهم نوع خاص من الهذيان يمكن تسميته بمرض الفصام السياسي. لقد نسي هؤلاء، وفى غمرة خوفهم و ذعرهم من النتائج الوخيمة التى سوف تحل عليهم، تنظيما و قيادات،أن المواقف التى إتخذوها، و المبررات التى ساقوها، وهم فى كامل \"وعيهم السياسي\"، و أكدوا عليها مرات عديدة، بضرورة عدم إشراك جميع القوى السياسية المعارضة لهم فى إتخاذ القرارات التاريخية التى سوف تقرر مصير الوطن بأكمله، و إخراجهم تماما من دائرة الفعل السياسي منذ بدء مفاوضات نيفاشا و حتى توقيع الإتفاقية التى حملت إسمها، و التى كانوا يعلمون تماما بأنها ستقود الى زلزال تفتيت الوطن و تجزئته، لا يمكن أن تصلح أن يسوقوها كمبرر لتحميل تلك القوى مسؤولية نتائج هذا الزلزال، إلا أن كان هؤلاء مصابون حقا بمرض الفصام السياسي.
إن أفضل مثال يمكن أن نسوقه لندلل به على هذا النوع الخطير من الأمراض السياسية هى مواقف السيد رئيس الجمهورية نفسه، و التى لم نجد أفضل منها فى الوضوح و الدلالة. هل يعقل أن تصدر تصريحات من قبيل، \" سنطبق الشريعة الإسلامية كاملة غير منقوصة فى الشمال و سنطبق عقوبة الجلد و القطع و الصلب، إذا ما قرر الجنوبيون الإنفصال في التاسع من يناير\"، من رئيس الجمهورية فى مدينة القضارف قبل أقل من أسبوعين، ثم يأتى ليؤكد على ذات المعانى بمدينة نيالا بعد ذلك بأسبوع، ثم يأتى نفس هذا الرجل ليؤكد فى خطابه بمناسبة ذكرى \"الإستقلال\" بالقصر الجمهورى بأنه سيؤسس وطنا، \" محتفياً بمكارم الأخلاق محصَّناً بتديُّنه ورشده وكريم أصله ومتمسَّكاً بشريعته الغراء ، التى نؤسس لها وفقَ منهجٍ يقومُ على الوسطية ، وينبذ التطرف ، ويُعلي من قيمة احترام الأديان ، فيراعي حقوق الآخرين ويكفلْ حريةَ تعبدهم ـ إذ لا إكراه فى الدين \"!!
وهل يعقل أن يقرر نفس هذا الرجل فى حديثه بمدينة القضارف بأنه لن يعترف بأي حديث، بعد التاسع من يناير، حول التنوع العرقي أو اللغوي أو الثقافى التى كانت تسوقه، ما يحلو للحركة الإسلامية بتسميتها بالقوى العلمانية، لترفض به حكم الشريعة فى البلاد. ثم يأتى نفس هذا الرجل ليؤكد فى خطابه بمناسبة الإستقلال بأنه،\"يحتفي بمآثر التسامح والتعايش والتناصر بين الملل في ما يتصل بينها من قواعد مشتركة وغاياتٍ سامية ، فَيَجَسَّدْ بذلك روح الوئام والتعايش الذي عُرِفَ به السودانيون عَبْرَ تاريخِ عطائِهم الحضاري.\"!!
هل يمكن إعتبار أمثال \"هؤلاء الناس\" ، بعد كل هذا الهذيان وحالة الفصام السياسي التى يعيشونها، مؤهلون للجلوس على سدة الحكم و قيادة البلاد و حكم العباد، فى هذه الفترة الدقيقة من تاريخنا، أم أن مكانهم الطبيعى هو مشافى الأمراض العقلية و النفسية؟ ماذا فعل الشعب السودانى البطل ليبتليه المولى عز و جل بأمثال هؤلاء ليتسنموا مواقع قيادته و ريادته؟ هل عقرت حواء السودان من إنجاب رجل رشيد، و فى قامة هذا الشعب الأبي، ليتولى قيادة الأمة فى هذا المنعطف الحرج من تاريخ شعبنا، و إدارة دفة الأمور في البلاد لترسو سفينتها فى بر آمن، و ليس بحر متلاطم الأمواج، الذى حتما سترسو على شواطئه، إن قدر لها أن تبحر تحت قيادة هؤلاء \"المراكبية\" المصابون بمرض الفصام السياسي؟
إن هذا النوع من القيادات التى تسببت في هذا الزلزال و هذه الأزمة الخانقة لايجب أن تكون جزءا من معادلة حلها، بأي حال من الأحوال. بل يجب أن يكونوا أول ضحايا التوابع التي ستنتج عن هذا الزلزال العظيم وذلك وفقا للمعطيات التالية:
-إن أول توابع هذا الزلزال هو نهاية إتفاقية نيفاشا الموقعة في عام 2005 و التى نصت هي نفسها بأنه ينتهى العمل بها بعد مرور خمس سنوات على توقيعها.
-إنتهاء صلاحية الدستور الذي صيغ بموجبها، و الذي كان إتفاقا بين حزبين سياسيين لم تشترك بقية القوي السياسية فى صياغته، و لم يعرض فى إستفتاء شعبي عام ليقول فيه الشعب السودانى كلمته النهائية.
-يجب حل جميع المؤسسات الدستورية و التنفيذية التى تم تشكيلها بموجب ذلك الدستور.
-تشكيل حكومة قومية تتراضى عليها جميع القوى السياسية فى البلاد و منظمات المجتمع المدنى.
-المهمة الأولى لهذه الحكومة تتمثل فى الإتفاق على برنامج سياسي و إقتصادي لإسعاف البلاد ووضعها على الطريق السليم لإخراجها من النفق المظلم، و الأزمة السياسية الخانقة التي أدخلها فيها نظام \"التوجه الحضاري\"، و إجراء إنتخابات حرة ونزيهة بموجب قانون إنتخابي، و جدول زمنى متفق عليهما من قبل جميع القوى السياسية.
-تسليم الحكم لحزب الأغلبية السياسية داخل البرلمان المنتخبة من قبل الشعب.
-صياغة دستور دائم و إقراره بواسطة البرلمان المنتخب.
-إدارة البلاد وفقا لنصوص ذلك الدستور و المؤسسات الدستورية التي ستتأسس بمقتضاه.
لا أتوقع أن توافق قيادة المؤتمر الوطني و السلطة الحاكمةعلى هذه المقترحات وذلك لسببين:
-السبب الأول هو حالة الفصام السياسي التى أشرت إليها سابقا و ما يترتب عليها من حالة عدم توازن فى الفكر و المواقف، لا يجب أن تؤخذ بمأخذ الجد من بقية القوى السياسية الأخرى عند هذا المنعطف التاريخي الحرج من تاريخ شعبنا، بل يجب إعتبارها، فى حقيقة الأمر أحد المعوقات الأساسية التي سوف تعترض سبيل تنفيذ تلك المقترحات، و بالتالي يجب التعامل معها وفقا لذلك.
-أما السبب الثاني فهو الدعم اللا محدود الذي سوف تجده حكومة التوجه الحضاري هذه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية و البلدان الغربية الأخرى على المدى القصير، و الذى قد يمتد لأكثر من خمس سنوات فى تقديري، ليس حبا فيها، و إنما لأنها لن تجد أفضل منها، كما تعتقد، ليضمن لها حالة الإستقرار الذي يتطلبه ترسيخ و تثبيت أركان الدولة الوليدة فى جنوب البلاد، الحليف الإستراتيجي الذي بذلت القوى الغربية الغالى و النفيس للتأكد من قيامها فى ذلك الجزء العزيز من الوطن. لذلك فإن الدول الغربية سوف تقدم الدعم اللازم لحكومة الخرطوم لتأدية هذه المهمة حتي، و إن تم ذلك على جماجم بنات و أبناء شعبنا الأبي. هل تذكرون حديث قرايشون عن تقبله لنتائج الإنتخابت الأخيرة، رغم إقراره بتزويرها، لأن ذلك هو ما تقتضيه المصالح العليا لأمريكا، و التى تعنى فى هذه الحالة قيام دولة مستقلة فى جنوب البلاد.
خلاصة القول أنه يتوجب على قيادات المعارضة، فى ما سيتبقى من البلاد بعد زلزال التاسع من يناير، بما فى ذلك قيادات الحركات المسلحة فى إقليم دارفور، حزم أمرها، و توحيد صفوفها، و الإتفاق على برنامج حد أدنى يتمحور حول أمر واحد، وهو إسقاط هذا النظام الفاسد المستبد، بكل ما يتاح أمامها من سبل، و الذهاب به الى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليه، لأن البديل لهذا السيناريو هو ذهاب ما سيتبقى من السودان، الذى نعرفه حتى الآن، الى غياهب المجهول، و الى غير رجعة. لذلك فإن أي تهاون فى تحقيق هذا الهدف ستتحمل نتائجه الكارثية قيادات قوى المعارضة الوطنية، كما تحملت قيادات قوى الحركة الإسلامية توابع زلزال التاسع من يناير 2010م تماما.
نود أن ننبه أخيرا الى أن الموقف الخطير الذي تواجهه البلاد لا يحتمل أي مناورة سياسية، أو محاولة تحقيق كسب حزبي ضيق، أو مجد شخصي زائل. بل فى حقيقة الأمر أن الموقف يتطلب قيادات راشدة وسامقة تتصف بالتجرد و نكران الذات، و يكون شعارها هو التضحية بكل مرتخص و غال في سبيل تحقيق هذا الهدف النبيل، و إخراج الشعب و الوطن من هذا المأزق .فإن عجزت قيادات المعارضة الراهنة عن أداء هذه المهمة النبيلة، فإن رحم حواء السودان الخصب لقادر على إنجاب نوع القيادات الذى تتطلبه ظروف المرحلة الراهنة، و يكون قادرا على تحمل هذه المسئولية الجسيمة. عندها سيكون شعبنا مطمئنا بعد ذلك على أن هذه هي نوع القيادات الباسلة التى ظل يبحث عنها طيلة تاريخه المعاصر. إنها ستكون القيادات المناط بها منازلة نظام \"التوجه الحضاري\"، و إلحاق الهزيمة الماحقة به، و الإبحار بسفينة شعبنا الى بر الأمان، و الرسو بها فى واحة الديمقراطية، و الحرية، و إحترام آدمية و كرامة الكادحين من بناته و أبنائه الميامين.
1/1/2011


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1767

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#70221 [محمد احمد]
0.00/5 (0 صوت)

01-02-2011 02:32 PM
مصر لن تسمح لكم باسقاط نظام المؤتمر الوطني


#69908 [Omar Humaida]
0.00/5 (0 صوت)

01-02-2011 12:01 AM
الاخ الكاتب ... يعني انت فهمك انو مافي مانع الناس تشكل حكومه قوميه مع المجرمين ديل ؟؟
اليخلي ناس الانقاذ يتنازلو ويشكلو حكومه قوميه شنو وهم حاكمين ليهم اكتر من 20 سنه ومافي زول قدر يعمل ليهم اي حاجه (خلاف الحركه الشعبيه) ؟؟
حقو ياكتابنا تكتبو كلام معقول يخش الراس بدل الاحلام والتمني...
الجماعه لن يتركو الحكم ابدا الا وهم مكرهين...يعني بالواضح كده الا يجيهم الاقوي منهم ...ونحن منتظرين... بس مايطولو.


#69703 [أوشيك موسى]
0.00/5 (0 صوت)

01-01-2011 02:46 PM
مكانهم الطبيعى هو مشافى الأمراض العقلية و النفسية؟
إن مكان هذا الثور الهائج هو الزريبة فقط و ليس مشافى الأمراض العقلية و النفسية.


#69692 [واحد]
0.00/5 (0 صوت)

01-01-2011 02:25 PM
المسئوليه التاريخيه لتفتيت بلاد السودان يتحملها التنظيم العالمى للاخوان المسلمين ومتأسلمى السودان فقد قام التنظيم العالمى بالتعامل مع شعب السودان تعامل المستعمر من نهب للثروات وافقار منظم للبلاد وافراغ لها من خيراتها دون مراعاة للمصلحة العليا للسودان ومثال على ذلك ما حدث فى قطاع البترول حيث استخدمت تقنيات بدائيه تؤدى لسرعة نضوب الابار ونجد ان التنظيم العالمى كان كل همه الثروه والدليل على ذلك انحيازه فى مفاصلة الاسلاميين للبشير مع انه تنظيميآ لا يصح الانحياز للخارجين على زعيم التنظيم المعروف منذ ستينيات القرن الماضى الا انها شهوة السلطه وحب المال اوقع التنظيم العالمى فى المحظور ولا زلنا نذكر وساطة القرضاوى وغيره من شيوخ التنظيم مما يدل على ان حكم السودان كان بيد التنظيم العالمى وبعض متأسلمى السودان وغيب الشعب صاحب الارض تمامآ


#69666 [عيساوي]
0.00/5 (0 صوت)

01-01-2011 01:37 PM
قول للدلوكة عمر البشير أنبح زي الكلب لأنو في النهاية مصيرك اوكامبو


#69627 [ابو طارق]
0.00/5 (0 صوت)

01-01-2011 12:44 PM
المؤتمر الو طتى يتحمل المسئؤلية وحدة فى ما يحدث الان ومستقبلا , والبشير طلع اكبر واغبى ماسورة


ردود على ابو طارق
United Arab Emirates [عادل] 01-02-2011 11:42 AM
لا يا ابوطارق يتحمل المسؤولية التنظيم الاسلامي بكل مسمياته المذكوره في المقال بلا استثناء ( والحساب علي الجميع كذلك دون استثناء )


إبراهيم الكرسني
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة