المقالات
السياسة
"الاسلاميون" أو "الإصلاحيون" كأبي براقش كل يومٍ لونه يتحولُ
"الاسلاميون" أو "الإصلاحيون" كأبي براقش كل يومٍ لونه يتحولُ
10-27-2013 07:07 AM

ان أي مؤسسة لا تحترم رغبة الشعوب , من باب أولى ان يكون النفاق اقرب اليها من الصدق , و ان كانت تتلبس باسم الاسلام. هذه الصفات و للأسف تتصف بها مؤسسة تنظيمية تدّعِي انها تحكم باسم الدين. لقد فضحتها أفعالها قبل أقوالها , و اصبحت مدعاة للاستغراب. عندما خاض الاسلاميون آخر تجربة انتخابية في السودان , قبل انقلاب الانقاذ المشئوم , في اعقاب ثورة مارس/ابريل الشعبية , و بعد نتيجة الانتخابات كانوا قد خلصوا الى ان الشعب السوداني لن يصوّت لهم بقدر يجعلهم يفوزون في الانتخابات , لذا كانت البدائل التي كانوا يخططون لها منذ بدايات تكويناتهم السياسية ملحة , و أصبحت من أوليات أجندة حزبهم. فقد كان من ضمن خياراتهم انهم يخططون للسيطرة على الحكم في السودان بشتى السبل غير المشروعة , و قد حدث ذلك فعلا , فعندما ضاقوا بالديمقراطية , انقلبوا على الشرعية و خيار الشعب. فكان انقلاب 1989 و قد بصموا عليه كلهم بالعشرة , لم يتخلف منهم أحد على ذلك. فما بالهم يَتَلوّنون و ينقلبون من حالٍ الى حال؟ و الجواب على هذا السؤال يبدو واضحاً , اذ ان مؤسسة تنظيمية مثل حركة الاسلاميين (بمسمياتها الكثيرة) قد انكرت الديمقراطية على مستوى الدولة و الشعب , فمن الطبيعي ألا تقرها على مستوى الحزب. لأن الديمقراطية فيها حرية للرأي و فيها المحاسبة و فيها صدق القول و الفعل و فيها المعارضة الشرعية للحكم. و لكنهم يضيقون بكل هذه الوسائل التي تؤدي الى تحسين البيئة السياسية من أجل انجازات ترمي اليها الدولة أو الاحزاب الحاكمة.

فلنتأمل قول القائد الروحي و السياسي المهاتما غاندي : " ما يُسلبُ بالعنف لا يُحتفظ ُبه إلا بالعنف." أليس هذا القول ينطبق على قادة و أعضاء الحركة الاسلامية في السودان؟ و ان تحدّث الاصلاحيون جدلاً عن الحرية و الديمقراطية , فهذه الاحاديث لا تستعطف شعباً قد خَبِر أفاعيلهم , و الخروج والانسلاخ عن الحزب بأي شكلٍ كان , كما حدث في كل مسيرتهم في الحكم , لا يعني نزاهة المنسلخين أو المطرودين , و انما فقط تضارب المصالح أو الحسد أو الخوف من مصيرهم أمام الشعب. فقد فقدت الحركة الاسلامية أعز اعضائها خلال مسيرتها , و لم تأبه لذلك , لأن الغاية عندهم تبرر الوسيلة , و رغم انهم مشتركون في الجُرمْ بكل اعضائهم , خرج منهم من خاف على مقتنياته الشخصية , و لكنهم يرتبطون بها عاطفيا و ان وجدوا فرصة أخرى جديدة لاقتلاع نظام الحكم بالقوة فسوف لا يترددون في الخوض مع الخائضين.

فقصة الاسلاميين في حكم السودان كقصة "اليزابيث" الأولى ملكة انجلترا و كانت بروتستانتية و التي تولت مقاليد الحكم في انجلترا بعد أختها غير الشقيقة "ماري الأولى" و هي كاثوليكية. فكان الكاثوليك أخطر خصومها فقد أرادوا ان يعيدوا المذهب الكثوليكي الى رأس الدولة , و لكنها وجهت لهم ضربة حاسمة عندما القت القبض على قريبتها ملكة اسكتلندا المخلوعة "ماري ستيوارت" بعد تورطها مع بعض النافذين الكاثوليكيين في البلاط في مؤامرة لإسقاط نظام الحكم , فوجهت اليها تهمة الخيانة فاعدمتها. و كانت اليزابيث تعتنق المذهب البروتستانتي المعتدل. وتميز حكم اليزابيث بالطابع الاستبدادي. و قد واجهت جماعات البيوريتانيين (التطهيريين) , الذين انشقوا عن الحركة البروتستاتية و أخذوا يطالبون بتطبيق تشريعات أكثر تشددا. فاندلعت بعد ذلك الحرب المذهبية بين انجلترا و اسبانيا (حامية الكاثوليكية) خاصة بعد مقتل "ماري ستيوارت".

فهذه هي سمات المذهبيين في حكم أي دولة كانت , دون مراعاة رأي الشعب أو الآخر. و مهما صرّحوا أو قالوا , تبقى قناعة واحدة هي ان الشعب قد كره تجربة الاسلاميين التي عادت بالسودان لسنوات الجهل و الظلام. و مهما تفرقوا فسيأتي يوم يجتمعون فيه اذا سنحت لهم قفزة أخرى على كرسي الحكم , فستبقى الحقيقة الماثلة أمام أعين الشعب السوداني منذ ميلاد حكومتهم انهم نفعيين انتهازيين , اجتمعوا على مصالح ذاتية تخص أشخاصهم و حزبهم و افترقوا على محك مصالحهم الذاتية. و لكن الشعب السوداني يعي مصلحته و يدري كيف يقيّم أي تجربة في الحكم مهما كانت تعقيداتها , فالحكومة التي اهانت الشعب السوداني , و حاربته في ثقافته و معتقداته و سُبل عيشه و أهانت كرامته , لن تجد من الشعب السوداني الا القصاص و اتباع السُبل القانونية لاسترداد ما ضاع منه.

لا يعنينا ما قال به الاصلاحيون المنشقون عن الحركة الاسلامية , فكان عليهم ان يعتمدوا الديمقراطية في ثقافتهم و مفاهيمهم التي شذّت عن قيم المجتمع السوداني , فثقافتهم (الإنزوايية) التي انتبذوا بها ركنا قصيا عن مجتمع تربوا فيه , و فيه معتقدات أجدادهم و آبائهم. ان فلسفة الحكم الاستعلائية التي تطرح المجتمع بعيدا بكل ما يملك من تاريخ , بالتأكيد هي ضربة البداية لإعلان التمرد على جسد المجتمع و ثقافته التي هم جزءا منه. فالفشل دائما ً مقرون بالمبادرات و الابتكارات الشاذة , التي تعلن الحرب و العداء أسلوبا للتعامل و التواصل مع المحكومين. فتضخيمهم فكرة أسلمة الحكم و المجتمع التي ارتكزوا عليها فضحت فيهم ضعفا ً سياسي و إداري و ثقافي , فالمجتمع السوداني مسلم بالفطرة و رغم وجود أقليات غير مسلمة الا ان التواصل بين المجتمع السوداني لم يشهد تعقيدات يشهدها التاريخ في مجال الأديان. و استطاع المجتمع السوداني أن يدير هذا التنوع باقتدار و فطنة تدل على رسوخ المبادئ الاسلامية و غيرها من الأديان في مخيلته , و هذا المجتمع النادر من نوعه عبر بهذه السمة الى بر الأمان قبل وصول الاسلاميين الى الحكم. لكن الاسلاميون عندما فجّروا ثورتهم المزعومة كانوا قد فجروا معها رؤوس الفتنة و رسّخوا منابت الشيطان. لم تُعرف ثورة أو حكومة في السودان غير الاسلاميين أن قتّلت ابناء شعبها الذين أتت من أجلهم , و لكنهم فعلوا ذلك. فما هو دور الإصلاحيون اذاً منذ أن انقضوا على الحكم و قتلوا من أبناء الشعب و فصلوا من الخدمة و شردوا من عارضهم؟ هل لم يعرفوا ان ما فعلوه ظلم و شيء محرم؟ أم لأن القتل في بعض السوابق كان خفيا و لم يعلم به الاعلام؟ فالخوف من الله إذاً لم يكن حاضراً أم انه الغي؟ ستبقى كل هذه الأسئلة و ملايين الأسئلة حتى يجيب عليها الاسلاميون بكل صراحة , و يعترفوا بجرمهم و يتطهروا منه بالإعتذار أمام كافة الشعب السوداني , و ذلك بانصياعهم لأخلاق الشعب السوداني و بعد ذلك ليقرر الشعب ان كانوا جديرين بتجربة أخرى بحكم السودان أم لا. و ان يتأدبوا بأدب الشعب و ثقافته و يقفوا إجلالاً لهذا الشعب , ثم يقرر الشعب بعد ذلك أيخوضون انتخابات بعد ذلك أم لا , فالجواب عند الشعب و بيد الشعب.

و لكن يبقى كل ذلك افتراضا ماداموا يتعنتون في حكمهم الى آخر رمق من حكمهم. و لكن رغم فشلهم و إفسادهم قد قدموا للشعب خدمة واحدة , ألا و هي أن الشعب هذه المرة سيتسلح بالعزيمة و الإصرار على أن يتخذ القانون مجراه الطبيعي , فالأسر التي شُرد من يعولها , و الأسر التي قُتل من عز عليها , و الأسر التي حُرمت من حقوقها , و الأسر التي أفقرت و هُجّر أبناؤها ليس بالقليلة و هي تكاد تكون كل السودان ما عدا أعضاء المؤتمر الوطني و اتباعهم , فهي لن تسامح في حقوقها. و يقول الله تعالى في سورة البقرة : " وَ لَكُم فيِ القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلبَابِ لَعَلّكُم تَتَّقُونَ." (179) , فهل يعرفون أحكام القرآن أم يتفوهون بها و يحملونها كما تحمل الحمير أسفارا ً على ظهورها , فهذا ما ينتظرهم ان كانوا قوما يعدلون و يحكمون بالقسط.
فهل بعد ذلك كله نُعظِّمهم و نحترمهم مع ارتكاب كل جريمة كبيرة؟ أم نحكم عليهم بما قال الشاعر فيمن شابههم :

أن يغدروا أو يجبنوا ****** أو يبخلوا لا يحفلوا
يغدو عليك مرجلين ****** كأنهم لم يفعلوا
كأبي براقش كل ****** يومٍ لونهُ يتحولُ

حاشية :
يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله : "ابي براقش هو طائر من طير البر يشبه القنفذ , أعلى ريشه أغبر , و أوسطه أسود و أحمر فإذا أهيج انتفش و تغيّر لونه." وهكذا فإن العرب تضرب بهذا الطائر المثل للمُتَلِّوِن.

أحمد يوسف حمد النيل
wadalqaid71@hotmail.com


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 740

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#810773 [حمد انيل]
0.00/5 (0 صوت)

10-27-2013 08:45 AM
الآن فقط إنزاح بعض القذى عن عيني غازي وزمرته وأخذوا يصدرون التصريحات لوسائل الاعلام عن الأخطاء والسلبيات وانغلاق الحزب وتبيعة الحركة الاسلامية للحزب، وأن أخوانهم في المؤتمر الوطني بالأمس القريب غدوا لا يستحقون شرف الاعتذار لهم، ونقول لهم:
• أولاَ متى كان الاسلاميون يعرفون معاني الشرف وهم من انتهك شرف وأعراض الشعب السوداني رجالاً ونساءَ بممارساتهم وألسنتهم البذيئة، وحتى إن لم تأت من غازي أو زمرته شخصياً فإنهم سكتوا عليها ربع قرن كامل، فهم فيها شركاء.
• هل الآن فقط عرف هؤلاء أنه لا وجود لهذا الذي يدعونه الحركة الاسلامية منذ ربع قرن، بل هي شرزمة ظلت تتآمر بشتى السبل هيمنة على الحكم والسلطة بأساليب الخبث وشراء الزمم والرشاوي لضعاف النفوس واغتيال الشخصيات ونشر الغسيل القذر لمن يتعذر رشوته، وبالتقوي بالقبلية والجهوية إذا لزم الأمر. وقد أصبحت مجموعة معدودة الأفراد هي المتحكمة في كل شيء وبقية الافراد من أمثال غازي وغيره مجرد بصمجية وأذيال تابعة لراس ينبح بما لا يعي، أو يعي ولكن يتغابى ويتعامى.
• ويقول الغازي أن التاريخ لن يحملنا وزر أي انشقاق أو انفصال، يا سبحان الله، يتباكى الغازي بهذا القول بلا حياء متناسياً كل الذي اقترف من كبائر في حق الوطن والشعب طوال ربع قرن. أين غازي وزمرته من أوزار التاريخ يوم بتروا الوطن إلى نصفين، وضاع الجنوب وراحت دماء شهدائهم هدراً، بل وصفوهم بالفطائس. وأين غازي من اوزار التاريخ لقتل الابرياء في دار فور النيل الازرق وجبال النوبة، ولماذا لم نسمع له صوتاً والدماء تراق شرقا وغربة وجنوباً ورئيسه ينقض اتفاقاً مبرما مع الحركة الشعبية لوقف الحرب وتفعيل بقية اتفاقية نيفاشا بعد انفصال الجنوب، ومازالت الدماء تسيل والحرب سجال ومقدرات الوطن تهدر والغازي وزمرته شياطين خرس لا نسمع لهم مصوت نصح أو كلمة اعتراض على ما يجري.
• كل الذي يحدث من فساد واستبداد وقمع وظلم وقتل هي جرائم لا يسكت عليها ضمير حي، لكن جماعة غازي لم يحركوا ساكناً ولم يطرف لهم جفن إلا بعد أن شعروا بالزلزال تحت أقدامهم، ونذر الانهيار الوشيك بادية حتى لمن لا بصيرة له، فجاءونا عشاءً يبكون وينشرون لنا مذكرة كذب عن اعتراضهم على الاجراءات الاقتصادية الاخيرة، وهي إجراءات ظلت تنفذ منذ مجيئهم للسلطة برفع الدعم عن التعليم والصحة واستباحة دماء الأبرياء وغير من الموبقات والمهلكات، ولا تساوي الاجراءات الأخيرة هذه شيئاً قياسا بها، وظلوا هم صامتون. والقائمة تتطول.

لا أرى في غازي وزمته إلا مجموعة من المستهبلين يريدون الضحك علينا فقاعة الاصلاح بعد أن طال تهميشهم في مؤتمرهم الوطني وجماعتهم الاسلاموية، إنهم يريدون اصلاح بؤس حالهم فقط ليس إلا.


أحمد يوسف حمد النيل
أحمد يوسف حمد النيل

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة