المقالات
منوعات
قصة قصيرة .. الجماجم التي صارت في واحد
قصة قصيرة .. الجماجم التي صارت في واحد
11-04-2013 10:16 PM

[email protected] لا أحد يدري، إن كان ذلك بفعل البرد القارس، أو كان ذلك بفعل انعدام المأوى: أياً كان الأمر، فقد اندسّ ثلاثتهم، تحت عجلات الشاحنة الضخمة.
في اليوم التالي، كان ثلاثتهم، عنواناً -وإن لم يكن منزوياً كثيراً- في صحف الصباح.. ما حدث بعد ذلك لم تُشِر إليه الصحف، في حينه.. لكنه وصل أسماع الناس.. كل الناس في ما بعد:
الجماجم التي كانت ثلاثاً صارت في واحد.. الجماجم التي صارت في واحد، تقود الشاحنة.. الجماجم التي تقود الشاحنة تتحدث: أنا..
تأكيداً، قد وصلت. إلى هنا، في ذات اليوم الذي صرنا فيه جماجم.
في ذلك اليوم.. لم تكن هنالك بداية.. هنالك.. فقط تلك الليلة، الظلام.. الليلة، غير المقمرة: ساعدناهن، على التسلل خلسة.. من وراء ظهر الآخرين. هنّ كذلك.. لم يبخلن علينا، أعطيننا.. من الفرح، الكثير... ولكن الفرح لم يكتمل:
في تلك الليلة الظلام.. الليلة غير المقمرة، جاءتنا، تلك التي يخشاها الجميع، يخافها الجميع.. يموت فيها الجميع. جاءتنا هذه المرة، ليس ككل المرات: جاءتنا هذه المرة.. من فوق وليس من.. تحت. لا نحن.. ولا الآخرون، لنا سابق علم، بأنها قد تأتي يوماً.. من فوق، لذلك حسبناها، لوهلة.. "صوت الرعد العابر"، من ذلك الذي تآلفت معه، أسماعنا، وواصلنا فرحنا إلى حين. توقف، فينا الفرح:
حين اكتشفنا.. أن البعض منا.. تفحم جسده.
حين اكتشفنا.. أن البعض منا تطايرت أطرافه.
حين اكتشفنا.. إن البعض منا.. صار بدون فرح.
اندفعنا.. وجهة مساكننا: لم نجدها. مساكننا!!، ولم نجد أهلنا فيها: لا فوقها.. لا تحتها.. لا خلفها: حين نقَّبْنا في ما تبقى من أثر.. لم نجد غير الرماد، وقبض الريح، و.. تبعثرنا شتاتاً.
فقط رفيقتي، التي ساعدتها على التسلل خلسة.. كانت معي، وحتى هي.. فقدتها بعد حين.. أصابتها حمى قاتلة: تركتها.. حتى قبل أن يكتمل موتها.. بدراً. ربما لهذا.. هي، والذين تفحمت أجسادهم، والذين تطايرت أطرافهم.. والذين صاروا بدون فرح.. هنا الآن.. مع الـ... والجماجم التي كانت ثلاثاً، صارت لا تحصى... والجماجم التي لا تحصى صارت في واحد. والجماجم التي صارت في واحد، تقود الشاحنة، والجماجم التي تقود الشاحنة.. تردِّد مع المغني، الذي لم يأت بعد:
هو.. ها.. يا هوو.. ها
العروس عايزة عريس
والعريس عند السلطان
والسلطان عايز.. دماء
والدماء.. عند الساحات
والساحات عايزة.. مطر
يا مطر.. يا مطر.. يا مطر
.. المغنّي الذي لم يأت بعد.. يتحدّث:
هو.. لا يعرف، هذا الرجل، الذي وصل.. في ذات اليوم الذي فيه.. صاروا، جماجم.. لا يعرف.. رفيقته التي كانت معه.. رفيقته، التي ساعدها على التسلل خلسة، رفيقته تلك: لم تمت من الحمى.. حتى أنه لم يتركها، قبل أن يكتمل موتها بدراً.. كما ادَّعَى.
رفيقته ماتت.. نعم. ولكنها، لو تعلمون.. لو يعلم، ماتت من: الفرح.. كيف؟؟.
لست أدرى.. ما أعلمه، ما أنا متأكد منه: أنني.. كنت هناك.. كنت أغني لهم في تلك الليلة الظلام.. الليلة غير المقمرة، غنيت لهم، كما لم أغن من قبل. استدعيت، إلى تلك الساحة كل الإيقاعات: المنسية منها، وغير المنسية.. و.. رقصت هي، كما لم ترقص فاتنة من قبل. رقصت، بكل الفرح.. حتى كبر الفرح، بداخلها.. كبر الفرح بداخلها، حتى تحول طفلاً كبر بداخلها، كبر الطفل بداخلها.. بحجم الفرح الذي كبر بداخلها و.. رقصت.. رقصت حتى انفجر الفرح بداخلها.. و.. انفجر الطفل بداخلها.. وانفجر الجمع الراقص، وانفجرت حتى إيقاعاتي: المنسية منها وغير المنسية، وانفجر الـ... والجماجم التي كانت ثلاثاً صارت لا تحصى، والجماجم التي لا تحصى صارت في واحد، والجماجم التي صارت في واحد، تقود الشاحنة، والجماجم التي تقود الشاحنة تتحدث:
أنا.. رفيقته..؟؟!!.. كلا... إنهم لا يعرفون: المغنِّي لا يعرف.. ذلك الرجل، هو أيضاً.. لا يعرف، كلهم لا يعرفون: أنا لم أمت، بفعل الحمى القاتلة، ولا أنا مت من.. الفرح: حتى لم أرقص في تلك الليلية الظلام.. الليلة غير المقمرة.
أنا.. يا من لا تعرفون. أنا زوجة، وأم لطفل وزوجة: لذلك القابع في الركن القصي.. وأم: لذلك الطفل الذي كان.. جميلاً..
نعم.. خرجنا في، تلك الليلة الظلام. الليلة غير المقمرة، خرجنا جميعنا.. خرجنا، ولكننا لم نتسلل خلسة.. كما يدعون. خرجنا لنصل، ولكننا خرجنا.. ولم نعد. طفلي الذي كان.. جميلاً، فقدته.. في تلك الليلة الظلام، الليلة غير المقمرة: حين فقدته، كان بين يديّ.. كان في حضني. ولكنه لم يكن طفلي الذي كان.. جميلاً. لم يكن طفلي الذي أعرفه، لو لم يكن في حضني كل الوقت.. لأنكرته، لقلت إنه غيره، حين فقدته في تلك الليلة الظلام.. الليلة غير المقمرة، كان يفتش عن ثديي: يفتش. بحثاً عن قطرة إكسير تمده.. ببعض من جولات.. أُخَر. فلم يجده: ليس الأكسير.. أعني ثديي لقد فقدته هو الآخر، في تلك الليلة الظلام.. الليلة غير المقمرة: فقدت.. ثديي، وطفلي الذي كان.. جميلاً.
حين وصلنا، أنا.. وزوجي، ذلك القابع في الركن القصي، لم ندخر وقتاً.. لم نستثمره. حين وجدنا سقفاً.. سَمَّيْنَاه بيتاً.. قررنا أن ننجب طفلاً، ليكون جميلاً كالآخر. لم ننجح: لمدة طويلة لم ننجح.. لم أحس به، يزرع نفسه داخلي، طفلي الذي سيكون.. جميلاً. إلى أن كانت، تلك الليلة الظلام.. الليلة غير المقمرة، كان عزمنا مختلفاًَ: حاراً وقوياً.. كان هو.. زوجي، ذلك القابع في الركن القصي، يستدعيه بكل عنفه.. وكنت أنا، أناديه بكل عنفواني.. طفلي الذي سيكون.. جميلاً. إنه يرتعش. إنه يهتز، في اللحظة الرعشة، يهتز.. سقفنا الذي سمّيناه بيتاً.. ويهتز الـ.. والجماجم التي كانت ثلاثاً، صارت لا تحصى، والجماجم التي لا تحصى صارت لا تحصى، والجماجم التي لا تحصى صارت في واحد، والجماجم التي صارت في واحد تقود الشاحنة والجماجم التي تقود الشاحنة تتحدث:
نعم.. أنا، ذالك القابع في الركن القصي.. زوجها. نعم.. أنا زوجها، وهي زوجتي.. رفيقتي، عهدتها دائما ذكية، أبداً لم تكن.. تنسى، لكني أراها الآن، قد اختلط عليها الأمر. لم يكن ذك الطفل الذي فقدته، وهو يفتش عن ثديها.. هو طفلنا. ولا ذلك الذي أوشك، أن يزرع نفسه داخلها.. هو طفلنا. طفلنا؛ حيث لم تعد تذكر، زوجتي، رفيقتي، كان ينمو.. داخلها، يوما إثر يوم. كنا نرقب خروجه، بين لحظة.. وأخرى. إلى أن كانت، تلك الليلة الظلام.. الليلة غير المقمرة، حين جاءها المخاض. وبكل اللهفة والشوق، توجهت بها، إلى المستشفى، لكن يومها... لم نجد الطبيب، قالوا لنا: لقد حزم أمتعته، خرج بعيداً.. ولم يعد، أسرعت عائداً بها، لتتلقفها.. جدتها لأمها. أبعدتني.. جدتها.. بعيداً، انتهرتنا جميعاً، حين اعترضنا: جميعكم.. خرجتم إلى الدنيا، من تحت هذه الحفرة، وأمهاتكم معلقات على هذا الحبل!!، و.. طال انتظارنا.. إلى أن خرجَت.. أخيراً.. وحدها: دون طفلي: دون زوجتي، ولم أرها بعد ذلك.. رفيقتي. إلا، وأنا قابع في هذا الركن القصي.. حين التقيته، أنا.. أعلم، أنها لم تكن صدفه. كنت عامداً.. بل متعمداً. حين أخبرته، بأمر زوجتي.. وطفلي الذي فقدته. أعلم أنه تأثر قليلاً، فقد سالت إلى أسفل، دمعة.. من عينه اليمنى.. ، ولكن حين أكملت قائلاً: إنني لم أجد الطبيب.. لأنهم قالوا.. أنه حزم أمتعته، خرج بعيداً.. ولم يعد. رأيته، يغضب.. وحين تابعت.. أنني حتى، لم أجد المستشفى الذي ظللنا نستقبل فيه أطفالنا. الجدد، زاد غضبه. ليس غضبه وحده، فقد رأيت دمعة العين اليمنى. تتسلق عائدة إلى أعلى.. وإن كانت في اتجاه العين اليسرى، أما أنا.. فلم أعد لا إلى الأعلى.. ولا حتى في اتجاه الـ... والجماجم التي كانت ثلاثاً، صارت لا تحصى، والجماجم التي لا تحصى صارت لا تحصى، والجماجم التي لا تحصى، صارت في واحد، والجماجم التي صارت في واحد، تقود الشاحنة، والجماجم التي تقود الشاحنة تردد مع المغني، الذي لم يأت بعد:
يا مطر.. يا مطر.. يا مطر.
.. والطفل الذي ينتظر الخروج يتحدث:
أنا، طفلها.. نعم.
كبرت بحجم الفرح بداخلها.. نعم.
زرعت، نفسي داخلها بغير ما ظنت نعم.
ولكني.. لا زلت في انتظار.. الخروج.
لا زلت في انتظار.. الليلة المقمرة.. فأنا أبداً لا أخرج، في الليلة الظلام.



عمر الحويج
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 934

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عمر الحويج
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة