المقالات
السياسة
مقالات قديمة (ارشيف)
الجذور التاريخية لانتشار ظاهرة الهوس الديني (5)
الجذور التاريخية لانتشار ظاهرة الهوس الديني (5)
01-01-2011 06:28 PM

الجذور التاريخية لظاهرة الهوس الديني (5)

د. محمد سعيد القدال
السوداني 28-10-2007
وأخذ الخطاب الديني يرّوج أفكاراً معينة يدعمها بآيات وأحاديث يستلها استلالاً من سياقها ويحورها أيما تحوير، مثل طاعة أولى الأمر وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. وهناك جمعية اسمها:"جمعية الإنجاز العلمي للقرآن والسنة" يقول سكرتيرها الدكتور كارم غنيم الأستاذ بكلية العلوم بالأزهر :"القرآن هو المعجزة العقلية والذهنية". وتستوقفنا هنا عدة أمور. ما هو الفرق بين المعجزة العقلية والذهنية، أى ما هو الفرق بين العقل والذهن؟ فإذا لا يوجد فرق فإن الدكتور يستعمل ألفاظاً غير علمية ليتصدى لحقائق علمية. ثانيا، ما يثبته العقل ليس فيه معجزات، وإنما حقائق قابلة للرفض متى ما استطاع العقل أن يصل إلى حقائق أخرى تختلف عنها. أما إذا كان قصد أن في القرآن حقائق علمية اكتشفها البشر مؤخرا، نقول أن القرآن رسالة سماوية جاء بها خالق الكون لهداية البشر، وقد آمن بها كثير من الناس دون أن يعرفوا الحقائق العلمية المخفية فيها.
إن الخطاب الديني السائد، يدعم الأنظمة الحاكمة التي تموله وتعمل على نشره وترويجه. ورغم أن القائلين بهذا الخطاب ليسوا إرهابيين يحملون سلاحاً ويفتكون بخصومهم، إلا أن الخطاب الذي روجوا له يشكل الأساس الفكري للهوس الديني المدعوم نفطيا وطفيليا.
ولعل أخطر ما في هذا الخطاب التسطيح المخل للأفكار والخلط إما عن قصد أو جهل بين قيم مختلفة. فهو يخلط في هجومه بين الرأسمالية والحضارة الغربية، وبين العلمانية والإلحاد، وهما أمران مختلفان تماما، بل أن العلمانية نادى بها رجال الدين في أوربا ليهدموا هيمنة الإكليريك على الحياة السياسية والفكرية، فالعلمانية نقيض الإكليركية وليست نقيض الدين. وخلطوا بين اليهود والصهيونية بينما بين اليهود من هو ضد الصهيونية وهناك من غير اليهود من هو من حماتها. وتبث تلك الأفكار عن طريق التلقين، فيغيب التفكير المستقل الخلاق. وهنا تكمن جرثومة الهوس الديني.
وعندما أخذت الأوضاع السياسية تتأزم في بعض البلاد الإسلامية، وضاق الخناق على حكامها ، لجأوا إلى الحركات الدينية لتدعمهم. وكانت تلك الحركات محدودة النفوذ تتغذى من الحبل السري النفطي الطفيلي، فوجدت في الاتكال على سلطة الدولة فرصتها لتنمو في داخل بلادها. حدث هذا في مصر وتونس والجزائر والسودان واليمن. ولم تبخل تلك الحركات بدعم الأنظمة التي فتحت لها الأبواب، ولم ترفع شعارات تهدد تلك الأنظمة، وإنما مارست نشاطها في هدوء وصمت في المساجد والمؤسسات التعليمية والنشاط الاقتصادي الطفيلي المدعوم بأموال النفط. وسنعطى مثالين صارخين لهذا المنهج،
تقدم الاتجاه الإصلاحي في تونس عام 1988 بمطالب جاء فيها:
(1) تطبيق الشورى (2) مسئولية الحاكم أمام أهل الحل والعقد (3) مراقبة الشعب حسب مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (4) تفرغ المرأة لعملها التربوي في المنزل (5) فتح السبل الشرعية للكسب الحلال (6) تشجيع الاستثمار الاقتصادي.
تبرز من هذه المطالب بعض القضايا المهمة. إنها تؤصّل الظاهرة الانفتاحية وتسوغها دينيا. وتعتمد في طرحها على مطالب مبهمة يكتنفها التعميم والغموض. كما تكشف الخلل الكبير في فهم الدين. ولا تنزعج السلطة الحاكمة لتلك المطالب، بل لعلها تدعمها. وعندما اشتد عود هذه الحركة خرجت تناطح السلطة دمويا. وهي نفس السلطة التي كانت تتحالف معها والتي استقوت بها.
وتشكل علاقة د. الترابي وحزبه مع نظام جعفر نميري نموذجاً آخر أكثر وضوحاً. في عام 1977 تصالحوا مع نظام نميرى على أساس أن المصالحة تتيح لهم الفرصة للعمل "العلني وشبه العلني لتقوية تنظيمهم ". وبرر أحد قادتهم تلك المصالحة السياسية قائلا: "المصالحة في المقام الأول استجابة للمبدأ القرآني الذي يحكم مبدأ التعامل السياسي مع الخصوم ... والمصالحة أصل في الإسلام وواحدة من ركائز النهج الإسلامي". وقبلوا الانخراط في النظام وفق شروطه التي حددها لهم نميرى قائلا: " لا مكان في التنظيم السياسي إلا لمن قبل بوحدته وفرديته وحاكميته". وأخفوا اسم الإخوان المسلمين الذي عرفوا به عبر تاريخهم الطويل. فقال الترابي :"إن كلمة الإخوان المسلمين لم تعد تصف تنظيماً بعينه ... إن الناس في الخارج يحاولون أن يميزوا الاتجاهات المذهبية في السياسة فينسبوني إلى الإخوان المسلمين. وأرجو ألا يقصدوا طائفة منكفئة على نفسها تنتهز الفرصة للاستيلاء على السلطة. هذا وهم ." ووصف نميرى بأنه "مجدد هذه المائة". ولكنه عندما قيّم نظام نميرى عام 1990 قال: "إن المصالحة مع النظام المايوي أثارت خلافاً حاداً في التقرير الفقهي السياسي وذلك نظراً لطبيعة النظام غير الديمقراطية وغير الإسلامية ولثارات الحركة من تلقائه، ظلامات في الأموال والحريات والعرض والدماء".
أخذ الترابى وحزبه ينافقون نميرى ما وسعهم إلى النفاق من سبيل، وكذبوا دون حرج. وانغمسوا في النشاط الطفيلي تحت مظلة البنوك الإسلامية. ونشطوا وسط الطلبة لأنهم وجدوا حرية أكثر من غيرهم من التنظيمات، وفى وقت انحشر الطلبة في النفق الطفيلي المظلم. ولكن شهر العسل انتهى، فهاجمهم نميرى قائلا: " نعرف من أين يأتون بالأموال وكيف أن مشاريع الثورة التى قصدنا بها تركيز الاقتصاد الإسلامي صارت مشاريع في أيديهم ... واحتكروا السلع الاستراتيجية كالذرة والفول ، وحولوا المصارف الإسلامية لقلاع مقفولة لهم وتلاعبوا بالنقد الأجنبي، وإنهم ادخلوا السلاح إلى السودان ... ". هذا ما قاله زعيم النشاط الطفيلي عنهم، ولكن جاء هجوم نميرى بعد أن مكن لهم في الأرض تمكينا.
هذان مثلان. المهم أن الأنظمة الحاكمة بداية بالسادات حتى جعفر نميرى ، فتحت الأبواب على مصراعيها لتنظيمات الإخوان المسلمين ومن لف لفهم، وهي تنظيمات متى خرجت من قمقمها يصعب ردها إليه. واستغلت تلك الأنظمة دعم السلطة ومناخ الإحباط ودعم المال النفطي الطفيلي، فأخذت تنفث سمومها وسط الشباب المحبط بخطاب ديني مدفوع الأجر.
إن الجريمة التي ارتكبها السادات والهادى نويرة ونميرى وغيرهم في حق الشعب العربي، جريمة نكراء. لقد أعماهم جنون السلطة عن رؤية أي اعتبار آخر. فكلما اشتدت وطأة أزمتهم السياسية من الضغط اليساري التجأوا إلى الحركات الإسلامية ليقمعوا بها تلك المعارضة. وكان ذلك سلاحا جدّ خطير. فهو يعطى تلك الحركات فرصة لتقوى، وعندما يشتد ساعدها وتفهم لعبة السياسة، لا تقنع بأن تلعب دور مخلب القط، بل تسخر نفوذها لمصلحتها.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 243

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. محمد سعيد القدال
د. محمد سعيد القدال

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة