المقالات
السياسة
الدولة الضحلة
الدولة الضحلة
11-06-2013 07:58 AM


كي نفهم هذا المصطلح الجديد يجب أن نفسر ما هي الدولة العميقة. هذا المصطلح، أي الدولة العميقة يعني تضافر قوى الجيش والجهاز الإداري والساسة والقضاة والأثرياء ورجال المخابرات والوحدات القتالية الخاصة «بلطجية.. شبيحة..إلخ» والشرطة والمافيا. هذا التضافر يستهدف غايةً واحدة وهي احتكار السلطة فتكون دولة بينهم.
أما الدولة الضحلة فهو مصطلح من عندي وهي دولة تقوم على العنصرية وقد تحاول هذه الدولة أن تضم ذات عناصر الدولة العميقة رغم الاختلاف الجذري لعناصر تكوين كل منهما. فالدولة العميقة لا تعتمد على العرق والعنصر بينما تعتمد الدولة الضحلة كلياً على العنصر والقبيلة. في المؤسسات الإدارية والقضائية وأجهزة الأمن حيث نجد على رأسها عنصرًا عرقياً معينًا، الأمر الذي يخلق نوعاً من التململ المكتوم داخل المؤسسة. وهذا الأمر بالذات ما أطاح العديد من الأنظمة المستبدة في العالم العربي كنظام البعث في العراق وعلي عبد الله صالح في اليمن والقذافي في ليبيا وسياد بري في الصومال وهو الآن يزلزل عرش الأسد في سوريا.
النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي السابق كان رغم قوته دولة ضحلة اعتمدت أيضاً على عنصرية ولكنها عنصرية من نوع آخر وهي العنصرية السياسية. ابتدع الشيوعيون جنسية سياسية أسموها السوفيت. ومن سخرية القدر أحيت هذه العنصرية السياسية النعرات القومية حتى في ذات روسيا التي خرج منها المصطلح. فنجد المواطن الروسي العادي يفخر بأنه روسي والأوكراني كذلك ولا نجد من يقول إنه سوفيتي إلا في حالات نادرة. وفي محاولة من محاولات الفلسفة الماركسية أراد الشيوعيون إذابة القوميات المتعددة في قومية سياسية واحدة ومن هنا ظهرت ضحالة الدولة التي كانت عسكرياً وعلمياً وتقنياً إحدى قوى العالم العظمى. ورغم تطابق أهداف الدولة العميقة والدولة الضحلة إلا أن سلوك كل منهما يختلف تماماً عن سلوك الآخر، ولكنهما يتفقان في أمر واحد وهو الفساد. فالدولة العميقة تفسح المجال للمحظوظين دون تمييز عرقي، فأجهزة الدولة الأمنية والإدارية ينعدم فيها التصنيف العرقي. وعلى هذا فإن الصراع على السلطة لا يكاد يكون ملموساً فالرئيس فيها أمره محسوم ولا يندلع الصراع على كرسي الرئاسة إلا في حال موت الرئيس وحتى هذه وضعوا لها حساباً فظهر مفهوم التوريث.
أما الدولة الضحلة فأول ما يدب في أركانها هو الصراع على السلطة. وهي في حقيقة الأمر عدة دويلات عنصرية في رحاب دولة واحدة. كل عنصر يتوق ليحكم، كما أن الرقابة على إدارة البلاد في تلك الدويلات العنصرية تتعثر لأن ذات الرقابة تراقب من ذات النظرة العنصرية والقبلية وقد تستخدم لضرب عنصر لمصلحة آخر.
الدولة العميقة في مظهرها تبدو قوية وتتمثل في أدوات القمع والقتل مستخدمة في ذلك أجهزة الأمن والجيش والشرطة ووحدات القتل الخاصة وكل هذا تحت حماية الجيش. وهي غالباً ما ترتبط بقوى عظمى تنفذ لها سياساتها في المنطقة. ومن الملاحظ في الدولة العميقة عدم ظهور نعرات انفصالية أو حروب أهلية بعكس الدولة الضحلة التي بسياساتها العرقية والطائفية تكثر فيها الحروب الأهلية والانشقاقات وحتى الانفصال الذي يناقض القانون الدولي كما حدث في السودان. وإذا نسبنا أمريكا إلى مفهوم مصطلح الدولة العميقة فإننا نكون على درجة عالية من المصداقية. ففي أمريكا يتحكم أربعمائة فرد فقط في حياة الأمريكيين. ليس ذلك فحسب بل في مصير كل العالم وقد يشابه الوضع في أمريكا في تكوينه نظيره في الاتحاد السوفيتي سابقاً من حيث التكوين السياسي. فكما ابتدع الشيوعيون الجنسية السياسية، ابتدع الأمريكيون القبيلة السياسية وأسموها الواسب (Wasp) وفي ترجمتها (الأبيض الأنجلو ساكسوني البروتستانتي) لا يحكم أمريكا إلا من ينتمي إلى هذه القبيلة السياسية ـ إلا في حالات استثنائية وكمثال جون كنيدي وباراك أوباما ـ بعد أن يتم إعداده لذلك سنين عددا.
ما لا تعرفه دولنا، عميقة كانت أم ضحلة هو أن الدولة العميقة في أمريكا تعمل تحت إدارة دولة أخرى وهي الدولة العالمية الخفية. فأمريكا تستقطب كل عام عشرات الآلاف من مواطني الدول الأخرى وتجنسهم ليمثلوا كل دول العالم بينما تشعل في دول أولئك الذين استضافتهم كل الفتن والمشكلات الاقتصادية والنعرات العنصرية وتمزيق ما يمكن تمزيقه من تلك الدول التي تحمل مفهوم الدولة الضحلة ثم تدفع بأولئك الذين آوتهم وجنستهم ليحكموا تلك البلاد الممزقة باسم أمريكا.
حدث ذلك في ليبيريا وسيراليون حيث أعادت تصدير مواطني تلك البلاد من أمريكا مثل وليام تولبرت الذي حكم ليبيريا وقد أعيد إليها حاكماً وهو يحمل الجنسية الأمريكية. وحدث هذا أيضاً في أفغانستان حيث تمت إعادة تصدير حامد كرازاي لأفغانستان ليحكمها.
تمثل تركيا النموذج الوحيد الذي استطاع أن يقضي على الدولة العميقة، فقد استطاع الإسلاميون في تركيا تحقيق ضربة قانونية للدولة هناك وقد كانوا في غاية الذكاء حيث تم ضرب الدولة العميقة هناك بالوسائل الديموقراطية التي ينادي بها الغرب ولا يستطيع معارضتها. بينما صمت الغرب لذبح ذات الديموقراطية في مصر دون أن يغمض له جفن. كما ساوم الغرب الدولة الضحلة في السودان على انفصال الجنوب رغم أن ذلك الانفصال يمهد لانفصالات أخرى أشد قسوة من انفصال الجنوب الأمر الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى تمزيق السودان وهو المصير الذي تؤول إليه الدولة الضحلة.
في الدولة الضحلة ينحسر المفهوم السياسي والقومي إلى أدنى مستوياته بينما ينمو المفهوم القبلي والعنصري والطائفي وحتى التطرف الديني. كل ذلك ناتج عن كبت الحريات والتعبير حتى وإن كان سلمياً. وكبت الحريات تنتج عنه ظواهر سلبية أولها ضعف الانتماء القومي للمواطنين. فالمواطن الذي يلجأ للحزب السياسي لا يجد فيه ضالته فتضيق به الحال فيلجأ إلى القبيلة التي يجد فيها ضالته. وهنا يبرز أخطر أنواع الصراع، وهو الصراع القبلي الذي قادنا إليه النظام الحالي الذي أوجد واقعاً يحكم كل عنصر فيه بوزنه القبلي لا بوزنه السياسي الذي كان ساعة استلامه السلطة. وأخطر من ذلك نجد أن هذا المفهوم العنصري قد ساد بين من نعتبرهم مثقفين حيث يتم الحكم على الناس في أوساط المثقفين بعنصرهم وقبيلتهم لا بعلمهم ومقدراتهم السياسية.
الإسلام ينهى أول ما ينهى عن ذلك لأن في ذلك جاهلية ما قام الإسلام إلا لحربها والقضاء عليها. ومن أشهر الأمثلة بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً فقد كانوا من أعز الصحابة لرسول الله عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم. لم يكن أيٌّ منهم قرشياً أو من بني هاشم أو بني أمية بل كانوا عبيداً مستضعفين أرى الله قريشاً وأمية منهم ما كانوا يحذرون.
خطر الدولة الضحلة أنها أكثر الدول عرضة للزوال وتتضافر فيها عناصر الزوال في ضعف الرؤى السياسية وتنامي النعرات العنصرية. فكبت الحريات يمهد لظهور هذه النعرات. هذا بالإضافة إلى ضعف الانتماء وانتكاسة خطيرة للأخلاق بسبب الفساد، هذا إلى جانب التطرف الديني. فكبت الحريات يضعف العقل والمنطق ويدعم القوة الفوضوية. وعندما تغيب الكلمة تتحدث البندقية بلغتها التي لا يرغب أهل السودان المسالمين في سماع لغتها.
الأمثلة أمامنا ظاهرة للعيان، الصومال أفغانستان، العراق، اليمن، سوريا وفي الطريق لبنان والسودان. كل هذه البلدان عانت من مآسي الدولة الضحلة.
ومازلت عند رأيي الذي يقول إن إنقاذ السودان من هذا المصير يتمثل في استلام مجلس عسكري للسلطة وبطريقة سلمية تجنب البلاد خطر الانزلاق إلى عدة حروب أهلية تقضي على ما تبقى من السودان.
ويشكل المجلس العسكري حكومة تكنوقراط تقدم للشعب احتياجاته من مياه للزراعة والشرب والمرعى وخدمات السكك الحديدية لنقل الإنتاج داخل السودان وخارجه وتقدم له تعليماً مناسباً وعلاجاً شافياً. أما ما يتشدق به بعض السياسيين من تشكيل حكومة وحدة وطنية أو قومية فإنهم يجهلون أو يتجاهلون أن الوطن والقومية ضَعُفَ الانتماء إليهما إلى الحد الأدنى فهذه مفاهيم تنمو وتزدهر في ظل الحرية وقد غابت عنا ربع قرن من الزمان. ومن شاء أن يتأكد فليسأل أي شاب ما بين العشرين والخامسة والعشرين عن معنى كلمة حرية فسيجد أن فاقد الشيء لا يعطيه.
أدركوا الدولة الضحلة في السودان قبل أن نفقده إلى الأبد.


[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1236

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#819530 [مؤذن في مالطا]
0.00/5 (0 صوت)

11-06-2013 11:41 AM
تحليل فطير لا يرثى لمسنوى مثقف يحمل درجة علمية رفيعة,اظنه من المتأسلمين المؤدلجين وهو عاشق للعسكر . عجبي


#819382 [بديري]
0.00/5 (0 صوت)

11-06-2013 09:37 AM
كلام جميل وواقعي
المشكله الاكبر في السودان الان الاضطراب الذهني في كل شي فكل الدول التي زكرت جودت الطائفيه بامتياز تحسد عليه مثل سوريا ولبنان وافغانستان التي زكرت جودت الفوضي لابعد مدي لدرجه اختفاء الدوله تماما فالحكومه لاتقدر علي شي ولا يعرف منها الا كرزاي فقط.
اما نحن فالحكومه موجوده والفوضي موجوده والقبيله موجوده والجهل سيد الموقف والفشل ابجدياته وضعت من هنا فاصبح شعار الدوله .. الفشل يشرق من هنا.
وكلو بفهم احسن من التاني
كل عام ترزلون


#819338 [المتجهجه بسبب الانفصال]
0.00/5 (0 صوت)

11-06-2013 08:48 AM
استخلاص رائع يا دكتور للحالة التي تمر بها بعض البلدان ومن بينها السودان والذي يصنف في قائمة الدول الضحلة حسب توصيفك السياسي الجديد،، مقال يستحق الاضافة الى كتب العلوم السياسية حيث تفتقر الى هذه الظاهرة السياسية الجديدة وهي تحول الدول من عميقة الى ضحلة والاسباب والمسببات تحت عنوان:
The Ingrained state and the Shallow state))))


ردود على المتجهجه بسبب الانفصال
European Union [سودانى] 11-06-2013 01:07 PM
عزيزي المتجهجه الكاتب تسميته صحيحة وهى shallow عكس عميقة deep اما فى حالتك فالامر قد يختلف لان ingrained وتعنى راسخ او متاصل يكون مقابلها surficial اي سطحى مع الشكر والتقدير


دكتور هاشم حسين بابكر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة