المقالات
السياسة
حضرة الإمام الصادق .. يغالط التاريخ!
حضرة الإمام الصادق .. يغالط التاريخ!
11-06-2013 06:02 PM


قال السيد الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة القومي، وإمام طائفة الأنصار، في حديثه عن مشكلة دارفور مؤخراً ما نصه: (إن سياسيات النظام هي التي صنعت أزمة دارفور في شكلها الحالي، وهي التي نقلتها من مشكلة جهوية عادية إلى أزمة قومية ودولية، حتى وصلت حالة الاضطراب الراهنة). مدعياً أن هذه المشكلة إنما نشأت أصلاً من سوء تصرف الإنقاذ، وفشلها في معالجتها لللأزمة؛ وقد يكون هذا الكلام صحيحاً في بعض جوانبه، إلا أنه بكل تأكيد قد أغفل جزءاً من واقع الحال في دارفور، التي طحنتها رحا الحرب ومزقت نسيجها الاجتماعي أيما تمزيق! عموماً، أريد أن أوضح أن بعض المعلومات، التي أغفل الإمام الإشارة إليها، تعتبر منشأ هذا النزاع البغيض الذي استعصى على كافة محاولات الحل. كما أريد أن أوضح أن حضرة الإمام يغالط التاريخ صراحة ومع سبق الإصرار.
أولاً، إنك تعلم يا سيد صادق أن الحراك السياسي الدارفوري المناوئ للمركز قد بدأ منذ ستينات القرن الماضي؛ (فقد ظهرت الحركات المسلحة فى دارفور، مستندة لجذور تاريخية، مشحونة بتطلع قطاعات من الأجيال الجديدة للسلطة والثروة والنفوذ، عطفاً على حالة عدم الإستقرار، الناتج من الحروب التشادية وتحالفاتها الإقليمية، والجفاف والتصحر،الذى خلق الفجوة بين الرعاة والمزارعين، كذلك تأثرت هذة الحركات بعوامل تاريخية ممثلة فى جبهة نهضة دارفور وتنظيم حركة سونى واللهيب الاحمر)، كما تأثرت نشأة الحركات المسلحة فى دارفور أيضاً بتجربة الحركة الشعبية التى حاولت استقطاب قطاعات الهامش السودانى لدعم توجه (أطروحة السودان الجديد) الذى تبنتة الحركة فى تلك الفترة، فقد سعى الحزب الفيدرالى برئاسة السيد محمد ابراهيم دريج ودكتور شريف حرير، لتكوين قوى مسلحة من أبناء دارفور. إذن نقول إن الحركات المسلحة فى دارفور ليست نبت شيطانى إنما هي (إبن شرعى لأزمة السلطة فى البلاد، وقد تشكلت أمام أعيننا فلا مجال لوصفها بالفجائية). ومن المعلوم أيضاً أن الحراك الدارفوري لم يبدأ عسكرياً، كما هو الحال في الجنوب، ولكن بدأ سياسياً واستقطب بعض الفصائل المسلحة ليزيد الوضع تعقيداً حوّل حياة أهل إلى دارفور إلى مأساة إنسانية مؤسفة للغاية.
وهل الإمام الصادق المهدي برئ مما حدث لأهل دارفور من قتل وتشريد ونزوح ولجوء إلى الدول المجاورة، وفتق إتسع على الراتق في نسيجهم الاجتماعي والقيمي؟ كلا. فإلى الصادق المهدي تنسب أول محاولة لتسليح بعض القبائل في إقليم دارفور، مع أن كل أطراف النزاع هم من أنصاره ومؤيديه، ولكنه كان يريد كعادته أن يمسك العصا من نصفها، على الرغم من كونه السياسي الذي عركته التجارب، ويعلم تمام العلم أن انتشار السلاح في أوساط القبائل سيؤدي حتماً إلى نزاعات قبلية دامية وباهظة التكاليف، مثلما ماحدث بالفعل في دارافور؛ جراء ذلك التصرف غير المدروس. ومن المعلوم أيضاً أن الصادق المهدي إبّان معارضته لنظام مايو قد عرّف زعيم التمرد في الجنوب، جون قرنق، على مجنون ليبيا معمر القذافي، الأمر الذي جعل الأخير يمد التمرد بالسلاح والمال والعتاد حتى قويت شوكته وتمدد من الجنوب ليشمل دارفور، تحت قيادة داؤد يحي بولاد فيما بعد، واستمر الوضع حتى وصل الجبهة الثورية التي يشارك في هيئتها العليا بعض قيادات حزب الأمة من بيت الإمام المهدي!
وهل نسي الإمام محاولة غزو السودان من ليبيا بقيادة محمد نور سعد، رحمه الله، وما ترتب عليها من دفن الأسلحة في الصحراء الكبرى لتكون هي النواة لتسليح عناصر التمرد في دارفور؛ لأن بعض القبائل الموالية للسيد الصادق هي فقط التي كانت تعلم أماكن تلك الأسلحة؛ ولذلك كان من السهل عليها إخراجها من تحت الأرض وتوجيهها إلى صدور جنود القوات المسلحة التي تصدت للتمرد، وبذلك يكون السيد الصادق وقادة الجبهة الوطنية سابقاً قد شاركوا أيضاً في أزكاء أوار هذه الحرب اللعينة! ومعلوم أيضاً أن بعض من يعملون تحت إمرة الإمام قد تعاونوا مع إجهزة الاستخبارات في بعض دول الجوار من الشمال والغرب من أجل انتشار السلاح في دارفور في ثمانينات القرن الماضي بغية زعزعة الأمن لتغويض حكم مايو. ولذلك نستغرب قول الإمام إن (مشكلة دارفور تدهورت من صورتها الموروثة قبل عام 1989م إلى صورة تمزق النسيج السياسي والاجتماعي التي صنعتها سياسة التمكين) فيا سيدي الإمام ما دام إنك تعلم أن هذه المشكلة (موروثة) لماذا تحاول التنصل من مسؤليتك التاريخية، وتنحي باللائمة على النظام القائم في محاولة مكشوفة لمغالطة الواقع من أجل الكسب السياسي؟
حضرة الإمام إن من سوء حظ دارفور أنها منطقة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية، فهنالك من يريد أن يسيطر على الموارد الطبيعة التي توجد بوفرة في هذه المنطقة، وهنالك من يطمع في تنفيذ أجندة سياسية خبيثة من بينها تفتيت السودان إلى دويلات متصارعة تسهل السيطرة عليها، ولكن الأمر الأكثر تأثيراً في الشأن الدافوري هو محاولة بعض القبائل تحقيق حلم بمجد مزعوم على حساب الوطن تحت ذريعة التهميش!
حضرة الإمام من كان منكم بريئاً، يا زعماء الأحزاب السودانية، مما يحدث في دارفور فليرمى الآخر بحجر، ولكن في الواقع قد أسهم كل منكم بقدر لا يستهان به في تأزيم الموقف، ويكفي أن القائمين على الأمر يبذلون وسعهم لحل المشكلة، ولكن ماذا فعلت أنت عندما كنت في سدة الحكم؟ إن الوضع في دارفور هو حصيلة واقعية لتراكم عوامل متعددة من بينها فشل النخب السياسية في تشكيل هوية المجتمع السوداني، علاوة على الفشل في تحقيق التنمية المتوازنة على مر العهود الوطنية؛ ولذلك ليس مستبعداً أن تظهر مشاكل مماثلة في أماكن أخرى من السودان، لا سمح الله.

[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1869

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#820885 [مهاجر]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2013 10:03 PM
اتمني ان نكون واقعين ونكتب عن كيفة حل المشكلة فأن المشكلة وجدت ومازالت موجودة هذه هي الحقيقة وهنالك انسان في دارفور يعاني الامريين . فكيف نغيثه بحل المشكلة ونوفر له الحد الادني من العيش الكريم .


#820537 [Abouzid Musa]
3.00/5 (1 صوت)

11-07-2013 02:08 PM
السيد / محمد التجاني
نحن نعترف بحريه الرأي والمعتقد وكل أنواع الحريات بما في ذلك الحريه الشخصيه
ولا حرج إن خضنا معك في هذا بالحجه والرأي والإعتقاد . !!!
1- الصادق المهدي
ان سياسات النظام هي التي صنعت ازمه دارفور في ( شكلها الحالي ) وهي التي
نقلتها من مشكله جهويه عاديه الى ( ازمه قوميه ودوليه ) الى ان وصلت حاله الاضطراب
الراهنة .
2- محمد التجاني
قال ( مدعياً ) أي - الصادق - ان هذه المشكلة إنما نشأت أصلا ً من سوء تصرف الإنقاذ
وفشلها في معالجتها للازمه . / وأضاف التجاني قائلاً / وقد يكون هذا ( الكلام ) صحيحاً
إلا إنه في الحقيقة قد ( أغفل جزءاً ) من واقع الحال في دارفور !!!
3- أبوزيد موسى
إذاً ماهي / مشكلتك / مادمت متفقاً معه فيما قال من ( كلام ) وكل ما ذكرت سيد التجاني
هو فقط مجرد ( إضافة ) لمجمل الأسباب التي عددها الامام يا دكتور . !!! فكيف لك أن بالله
ان تتجرأ بهذا / الامام يغالط التاريخ صراحه ومع سبق الإصرار / أولست متفقاً معه في
صدر مقالك !!! عموماً التاريخ لا يكتبه أمثالك بل تصطره الحقائق والأيام بيننا . !!! مخابرات
قال وعلى كل حال التحيه الى ( دريج ) وحرمه الألمانية وكل أصدقاء / الجوار / ومترددي معهد ( جوته ) وسنلتقي يوماً ما . !!!


#820441 [ياسر ابو عمر]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2013 12:36 PM
لا فض فوك على هذه المرفعة المدوية على كل من أراد أن يتنصل عن مسئوليته فجميع الساسة الذين تعاقبوا على حكم السودان قد ساهموا وتسابقوا وتفنونوا لغرس خنجر الفتنة في صدر هذا الإقليم الحبييب وتاجيج الصراع والاحتراب بين ابناءه وبينهم وبين المركز وذلك بسايساتهم الرعناء الخرقاء الحمقاء والتي أقل مافيها قصر النظر والاهمال وعوز الحكمة والرشاد..وقد أجدت في تفنيد مزاعم الإمام ولم تترك له اي مجال للهرب فالتاريخ لا يرحم " وكما تدين تدان".


#819939 [خضرعابدين]
0.00/5 (0 صوت)

11-06-2013 08:17 PM
موضوع محترم وفى غاية الموضوعية والحياد وخالى من الغرض , يصلح للتوثيق ومشروع عدة ابحاث ومواضيع تصلح للنقاش شكرا لك كفيت ووفيت


#819937 [ود الكوكيتي]
3.00/5 (2 صوت)

11-06-2013 08:16 PM
اخر امري عجبا عجبا كحال كل المنتسبين الي الجبهه الاسلاميه او من لف لفها يرد د السيد التجاني قش من دون خجل ما كان يكتبه اعلامهم الكذوب ايام الديمقراطيه الاخيره بان تم توزيع السلاح ايان الديمقراطيه الثالثه علي بعض من مكونات دارفور ذاك محض افتراء فالذي فعلته انقاذكم الفاجرة من تقتيل فات عدد الشهداء فيه عدد الشهداء الذين قدموا انفسهم غربانا للوطن وهم يحاربون المستعمر وجوقته فما قتله نظامك الذي تدافع عنه ان كنت لا تعلم فاق حدود الثلاثمائة الف ونيف من البشر وعلي حسب اعتراف رئسكم الدعي فان عدد شهداء دارفور قد دنا من العشرة الف ولكن العين الكليلة لاتري والاذن التي بها وقر لاتسمع فكيف لا نلقي اللئمة علي النظام القائم ما حدث الا اذا كنا نكيل بمكيال فقه الضرورة الذي باسمه جعلتم الحياة بائسه يا من تدافعون عن هذا النظام البئيس من دون اخلاق رجال اودين.


ردود على ود الكوكيتي
United States [ناير] 11-07-2013 01:50 PM
الكوكيتي خرابا
ما يدودي سحابا
قوم بينا يا يابا
من دار ال79حطابا


#819886 [jingo]
0.00/5 (0 صوت)

11-06-2013 06:24 PM
انت محق في كل ما ذهبت اليه. اضف الي ذلك تسليح القبائل ذات الانتماء العربي في جبال النوبة ووعدهم الزائف لامتلاك ارض جبال النوبه بعد انتهاء الحرب التي لم تستغرق بضعة اشهر.وكانت الدافع القوي لانضمام اعداد غفيرة من ابناء النوبة الي الحركه والجيش الشعبي حينذاك.
لكن تلك كانت اكذوبة كبيرة وان ابناء جبال النوبة لقادرون لحماية الارض والعرض من كل طامع.


محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة