المقالات
السياسة
مُبادرة منزوعة الأنياب تسعي في غابة الإنقاذ..!
مُبادرة منزوعة الأنياب تسعي في غابة الإنقاذ..!
11-07-2013 06:08 PM


بسم الله الرحمن الرحيم

طرح أي مُبادرة جادة في إتجاه حل المُشكلة السودانية المُستعصية، يُعتبر عمل إيجابي وشجاع، يستحق القائمون عليه التشجيع والشكر الجزيل، فهو يعكس إحساسٍ عالٍ بالمسؤولية الوطنية، في مرحلة يتعرض فيها الوطن لإبتلاء عظيم، ومحنة تهدد وجوده بالتشظي، وتُنذر بتفرق مكوناته الإجتماعية أيدي سُبا، ودخولها في حالة صراع عدمي يقودها للفناء. وطرح المبادرات نفسه باب مفتوح، يلج منه الجميع دون وصاية من أحد، او إحتكار الوطنية لفصيل من الفصائل السياسية أو أخذ الإذن من أي جهة من الجهات، التي تُنصب نفسها قيِّم علي الوطنية، وتمنح نفسها حق تحديد مقاييس الوطنية وشكل مساهمات الآخرين! بمعني إن الفيصل ليس في الجهة صاحبة الطرح او في باطن نواياها، ولكن يعود لمضمون الطرح وآليات تنفيذه، وكل ذلك من ناحية عامة. وفيما يخُص المُبادرة( الحركة الوطنية للتغيير، البيان التأسيسي "المقترح") فقد دعت هي نفسها لترك الأحكام المُسبقة جانبا، كجزء من مُسببات الأزمة الوطنية الخانقة، والعجز المُزمن والمُستحكم، وكمدخل للإلتقاء الوطني يستند علي صفاء القلوب، وتعظيم شأن المشتركات الوطنية! بالطبع كل ذلك شئ جميل، وكان يُمكن أن يُقبل ولو علي مضض، عطفاً علي ما سبق ذكرهُ! ويتم التعامل مع المبادرة كطرح سياسي مُجرد، رغم صعوبة ذلك أو إستحالة أن يتم نسيان او تجاوز كل الممارسات والتاريخ السابق، ومحوه من الذاكرة رغم ضُعفها بجرة قلم، والتعامل معه وكأنه لم يكن. والسبب أننا بشر وليس ملائكة، كما إن الذاكرة هي خزانة تجارب الإنسان، وهي ما يحكم تعاطيه مع معظم معطيات الواقع المحيط به، وهي مصدر الخبرة والحكمة التي تدفع بالحياة الي الأمام، أي لولاها لما وصلت البشرية الي ما وصلت إليه، ولظلت في ظلماتها تعمه، الي يوم يبعثون. والأهم أن ذلك يُمثل تجاوز صارخ لمفهوم المحاسبة كأحد دعائم العدل، وتحميل فضيلة التسامح فوق طاقة إحتمالها! المهم كان يمكن أن يمر كل ذلك بسلام ولو ببعض الممانعة المستحقة! لولا ظهور قائمة الأسماء المُشرفة علي تأسيس المبادرة. فهي قائمة يتناقض تاريخها السياسي، مع معظم الأفكار المطروحة في المباردة، والتي في مُجملها تدعو للتلاقِ وقبول الآخر ورفض الدولة الدينية...الخ. فنظرة سريعة للقائمة توضح بما لايدع مجالا للشك، أنها قائمة إسلاموكيزانية بإمتياز، و لا تحمل أي شئ من تنوع الإتجاهات الفكرية والسياسية والإجتماعية او الطبقية التي تنادي بها، علي الأقل ليحدُث نوع من الإتساق بين المضمون(أفكار المبادرة) والشكل(المجموعة القائمة علي أمرها). وأهمية ذلك ترجع الي أن التنوع، يُرسل رسالة تطمنية، بأن ما جاء في المبادرة يمثل فعلا الدافع المحرك لها، او إيمان أصحاب المبادرة أنفسهم بما جاء فيها، أيمانا يُغالب أي بوادر شكك تشي كل الظروف بتوفرها! بمعني أنها ليست نوع من الإستهلاك السياسي، او الشعارات المواكبة لموجة المطالبة بالتغيير والتأسيس لنظام ديمقراطي كامل الدسم، او كنوع من تأنيب الضمير والإعتذار المُبطن، عن مآسٍ كانوا شركاء فيها بشكل او بآخر! وخاصة إن ما جاء في المُبادرة، يمثل ليس تطورا في فكر ومواقف أصحاب المبادرة او حضورا متأخرا للحكمة فقط! وإنما يمثل تناقض صارخ ونقض صريح، لغزل مشروع الإسلام السياسي من جذوره ولكامل بنيانه! بمعني إنه ليس تغيير لملامح مشروع الإسلام السياسي، بإكسابه بعض الأصباغ الديمُقراطيىة والبهارج التشارُكية الإقتسامية للسلطة والثروة، لزوم التسويق او التعديل للتشوهات التي أصابته! ولكنه يمثل نفيا وإلغاءً له جملة وتفصيلا! إن لم يكن مُحاكمة علنية له، وإسدال ستار النهاية الفاجعة علي إستمراريته، بصورته القهرية التدميرية الإقصائية السابقة! وبكلمة وأحدة تُمثل المُبادرة تقبير لمشروع الإسلام السياسي! ومعلوم سلفا أن الموقعيِّن علي المُبادرة، يُمثلون أعمدة مشروع الإسلام السياسي، النظرية علي الأقل( حتي لو كانوا زعلانين وناقمين علي إسلوب تطبيقه). بل إذا ما حاولت النفاذ الي ما خلف المجموعة او غالبيتها، نجدها تُمثل التيار الفكري للحركة الإسلامية، وهو تيار مأزوم سلفا لسببين أثنينن، أولهما القمع والإضطهاد الذي وجده هذا التيار من زعيم الحركة الإسلامية الدكتور الترابي، بإسلوبه المُتعالي والمُستفز! فهو لم يحتكر الزعامة السياسية للتنظيم فقط، ولكنه تغول علي الجانب الفكري أيضا، وبتعبير آخر ربط الحركة الإسلامية كلها بشخصه، لدرجة أصبحت الحركة تٌّعرَف به، وليس العكس! فهو المُفكر والقائد والشيخ والدكتور، ولم يكتفِ بذلك ولكنه حاول بسلوكه الوصائي الحجري(من حجر الراي) إرسال رسالة لكل المنتمين لهذه الحركة، وبالأخص من تظهر عليه بوادر التفكير المُستقل، بأنهم لن يأتوا بالجديد وأن باب الإجتهاد والتفكير في الحركة قد قُفل، لأن نتاجه الفكري وتجديده الإجتهادي مكتفيان بذاتهما! او هما خلاصة الفكر والإجتهاد المُنزَّهان عن الخطأ او النقصان، والمُتعاليان بدورهما علي النقد والتساؤل! وبكلام صريح لا داعي للتفكير والتأليف طالما أفكار وكتابات الدكتور/الشيخ الترابي موجودة وشاملة، تناولت كل المجالات من السياسة الي الإقتصاد مرورا بقضايا المرأة وليس إنتهاءً بالفنون! وخلاصة الأمر إبتعدوا عن التفكير وغنوا لأفكار الترابي وأمدحوا إجتهادته، فقد كفاكم شر البحث ومناكفات الجدال وخصامه! وهذا التعالي هو الذي قاده الي إزدراء أفكار وكتابات الآخرين زملائه في الحركة، علي ندرتها، وللمفارقة هو سبب هذه الندرة! أي وجوده بسطوته التنظيمية، كان أكبر عامل تسبيط للهمم الفكرية، والمبادرات الفردية! وإنعكس ذلك علي سلوك الغضب(الزعل المعلن او الخفي) والتمرد الذي يسم كل من إبتعد عن الترابي وسيطرة أفكاره، او كان له راي فيها حتي ولو كان رأيا خجولا! بمعني إنه لم تكُن هنالك مساحة للحوار او المُناقشة، لا للترابي أو لآرائه وأفكاره، ولا نقول سلوكه لأن ذلك مُحرم او تعدي علي الذات الترابية! إي إما قبولها كما هي دون نقاش او المغاضبة والمغادرة، وما يلحقهُما من عُنف لفظي وحرمان تنظيمي في الغالب الأعم! والجانب الآخر من الأزمة، تمثل في التناقض الصارخ بين المثاليات اوالشطحات(أغلبها أفكار مجردة وغير واقعية مثل هزيمة العالم أجمع اوتغييره وتنزيل قيم السماء علي الأرض سياسيا وغيرها من الخطرفات وجنون التنظيم) التي يحملها مشروعهم الإسلاموي السياسوي، وبين متطلبات الواقع التي تتصادم معها، بل وأجبَرت هذا المشروع الهُلامي علي تقديم التنازل تلو الآخر، حتي ألغت وجوده نهائيا علي مستوي الواقع، والمبادرة تمثل خير دليل علي ذلك!
فالأفكار والآراء المطروحة في المبادرة، تُناقض مشروع الإسلام السياسي كما ذكرنا سابقا، ومعظمها عموميات تتفق معها الغالبية العظمي، من التنظيمات المُعارضة وجماعات المجتمع المدني، ويمكن إعتبارها خُلاصة ما وصل إليه الفكر السياسي السوداني، بعد المحن العسكرية الإنقلابية والنكبات الإستبدادية، المُتغطية بإيدويولوجيات مُهترئة وخاوية المضمون ومُترفعة علي الشعب المعنيَّة بخدمته! وكذلك بالإستفادة من التجارب الإنسانية المُعاصرة والسابقة. ولكن ذلك لا يمنع أن هنالك تعابير وفقرات فيها بعض المُلاحظات، إضافة ألي إنها عموميات تحتاج الي مزيد من التفصيل! خاصة وقد تبنت المُبادرة مبدأ النقد الذاتي كأحد آليات إنجاحها، والوصول بها الي بر النظام الديمقراطي المُستعصي علي الإنقلاب! فالمُبادرة تحدثت عن تجاوز كل الأفكار والسياسات السابقة لأنها أثبتت فشلها(تغيير كامل في الأفكار والممارسات التي ظلت سائدة بين النخب السياسية الحاكمة منذ الاستقلال، والتي أثبتت فشلا ذريعا على كافة الأصعدة، ما يزال الوطن يجنى ثمارها المرّة. المبادرة) فهذا قول فيه تعميم مُخل لعدة أسباب، اولا لأن ما قدمته المبادرة من أفكار وآراء هو جزء او جله من هذه الآراء والأفكار السابقة. وثانيا هذه الافكار والسياسات لم تجد حظها من الإختبار عي قدم المساواة، أي لم تجد البيئة الديمُقراطية الحُرة التي تُمكنها من الإنتشار والتداول والتطوير، او إكتشاف نواقصها والبناء علي إيجابياتها، وبقول واحد إعطاء الجمهور حقه في الإختيار الحُر، وعدم فرض الوصاية عليه وتوجيهه او إجباره علي تجرع كأس البرامج المفروضة من أعلي، حتي لو كانت مثالية! وثالثا عمليا لا يمكن البناء من الصفر، وكأن الشعب عائش في الفراغ، فهذا إهدار للذاكرة الجماعية وتصرف لا يحمل أي نوع من الحكمة، وحتي لو صح أنه يمكن الإبتداء من الصفر وهو غير صحيح، فإن في ذلك إهدار للمزيد من الجهد والزمن! فتعبير كهذا يحمل شُبهة وصائية، كأحد إفرازات العقيدة الخلاصية، التي تربت عليها المجموعة، وشكلت جُزء من وعيها بطريقة واعية او بدونها! فهي تؤمن بأن الحياة او بالأصح إصلاحها يبدأ علي يديها، بصفتها أعلي مرجعية للحقيقة من جانب وللأخلاق من الجانب الآخر(مكر الإيدويولوجيا!)، وهو ما يسوغ لها تسفيه كل التجارب الماضية والخبرات المُتراكمة، التي لا تجد هوي في نفسها! وليس بعيدا عن ذلك أن المبادرة نفسها بأفكارها ورؤاها ومبادئها العامة، تكاد تكون مطروحة في الساحة، عبر العديد من المبادرات السابقة، او التنظيمات السياسية المتواجدة علي الأرض، بمعني أن طرح المبادرة وكأنها مركب نوح الذي يعقبه الطوفان، أيضا يحمل مظنَّة أنها الفرقة الخائفة علي الوطن، والأقدر علي وضع الحلول الناجحة والعلاج الناجع لكل مشاكله، والأكثر مسؤولية من الفرق الأخري، الذين عليهم مشاركتها هذه الرؤية المُنجية للبلاد! وبتعبير أكثر وضوح لماذا لم ينضموا هم أنفسهم لمبادرات قائمة، وتحمل نفس ملامح مبادرتهم، بل وهي الأقدر علي إنزال رؤاها علي أرض الواقع، مثل (تنسيقية قوي التغيير) التي تم ميلادها مع إندلاع ثورة سبتمبر(ثورة متقطعة ولكنها ستتواصل حتي تنجز إهدافها بإذن الله، والسبب بسيط لأن مبرراتها قائمة وتزداد تأكيدا مع مرور الأيام، وفي الحقيقة الثورة قائمة في النفوس الحُرة، منذ اليوم الأول للإنقلاب المشؤوم، وتحتاج فقط الي ترجمتها الي فعل مادي علي أرض الواقع، إذا ما كانت الثورة بمعني رفض الإستبداد والقهر وإهدار الكرامة الوطنية والإنسانية والإيمان الحتمي بالتغيير!)، وما هو موقفهم منها بالتحديد، ومن الثورات السودانية عموما، كأحد أهم آليات التغيير وأكثرها جذرية في موقفها من الإستبداد ومفاعيله الإرتدادية وإغراءته التنموية والإستقرارية المُخادعة!
وأيضا في مسألة مبررات إنقلاب الإنقاذ، فهي ذكرت نفس رواية النظام الحاكم المتداولة، وهي أن قيامهم بالإنقلاب كان لغرض وقف تمدد الحركة الشعبية، وطموحاتها في أفرقة العاصمة والبلاد جمعا، أي قيام حكومة تمثل وجهة نظر الحركة الشعبية(حسب فهمهم العدائي لها) وفرضها بقوة السلاح، مما يعني إستبدال هوية البلاد المسلمة( مَنْ يحدد ذلك!) وهم بالطبع الوصي علي هذه الهوية(لقد نشأ هذا النظام نتيجة لتخوف من أن تقوم الحركة الشعبية لتحرير السودان بفرض رؤيتها على الآخرين، فتغير هويتهم وانتماءهم الديني، مستفيدة من تنظيمها العسكري، وحلفائها الخارجيين. المبادرة)! يُمكن إبتلاع هذا التبرير المرواغ، إذا لم تتبنَ المبادرة مسألة النقد الذاتي المذكورة آنفاً! فالنقد الذاتي ليس المقصود منه، الإعتذار وذكر مخاذي النظام الحاكم، التي لا تحتاج الي إعتراف من أي شخص، ليتم التعرُف عليها او رؤية آثارها التدميرية علي الوطن ومواطنيه حتي من دون عين! لأنها أصبحت واقع مُعاش، أُجبر النظام نفسه علي الإعتراف بها ولو بصورة مواربة، كعادته في الهروب من مواجهة الحقائق ودفع إستحقاقات العلاج! ولكن النقد آلية او نمط في التفكير والسلوك، يقوم علي تقويم التجربة السابقة، علي أسس أكثر صدق مع النفس وإقتراب من الحقائق الموضوعية والحرية والرغبة الأكيدة ليس في عدم تكرار الأخطاء فقط، بل بوضع كل الإحتياطات لكي لا يقع فيها الآخرون كذلك، أي هي فعل إعتراف ووقاية، ورغم صعوبته علي النفس إلا أنه يُمثل فعل تحرير وإزالة لتناقُضات الذات. بهذا المعني، يجب أن يطال النقد مُجمل تاريخ الحركة الإسلامية، وبالذات الفترة التي كانت هذا المجموعة المُتبنية للمُبادرة جزء أساس منها. ومن ضمنها بالطبع، أن أخطاء وتجاوزات الحركة الإسلامية لم تتوقف علي الإنقلاب، بعلات تبريره الواهية فقط! ولكن الإنقلاب مثَّل مُحصلة لأخطاء عديدة قادت إليه! من ضمنها تربية السكوت علي الأخطاء داخل الحركة، بل واللجوء الي تبريرها، بإعتبار أن الحديث فيها، يُقلل من قدر الحركة ويُغضب زعيمها(من يقدر علي زعله)، مع أنها أخطاء تمس عصب مبادئها الإيمانية التي تدعي التمسك بها. وكذلك أين دور المجموعة النقدي لتاريخ الحركة منذ مساهمتها الفعَّالة في (الفتنة الكبري)، أي إقصاء نواب الحزب الشيوعي عن البرلمان المنتخب شرعيا، وحرمانه من حقه السياسي، في مخالفة صريحة لأسس الدستور والتقاليد البرلمانية الحاكمة آنذاك! بإستغلال قضية مُختلقة من الأساس، وهو ما قاد الي إنقلاب الجنرال الراحل نميري، وآثاره الضارة بالعملية السياسية التي ما زلنا نعاني منها حتي الآن! وأين دورهم النقدي في تقبل أموال الخليج خارج سلطة القنوات الرسمية، او بإستغلال ظروف البلاد السيئة وضعف ذمم بعض المسؤولين وطيبة قلب البعض الآخر! نموذج بنك فيصل الإسلامي والشركات الإسلامية المتناسلة. بمعني آخر خلق إقتصاد موازٍ لمصلحة التنظيم، يعمل دون تنسيق او في تضاد مع مصلحة الإقتصاد الوطني، المتهالك بدوره مُنذ إعتلاء الجنرال نميري وشلته السلطة إنقلابيا، ليؤسس لمسيرة التخبط والعشوائية والإستبداد المظلم. فقد دقت هذه الأموال المشبوهة آخر مسمار في نعش ذاك الإقتصاد، بمعني أنكم كنتم شهودا علي ميلاد وممارسات الراسمالية الإسلامية الطفيلية، التي مصت عافية الإقتصاد الوطني ودماء وعرق مواطنيه وراكمة من مديونته، في سبيل توطيد أركان حكمها الغير شرعي! وأين نقدكُم الصريح للمُخطط الإجرامي الذي إستهدف روح الشهيد الأستاذ محمود محمد طه. بسبب كونه مُنافس عنيد وخصم لا يُجاري، سواء علي مستوي التجديد الفكري او الخُلقي/السلوكي او كرغبة صادقة في تخليص الوطن ومواطنيه من قيود الذل والجهل والتخلف. لدرجة تحوله الي أيقونة للفكر الحُر والخُلق الرفيع والثبات علي المبدأ، في مدار تاريخنا السياسي الحديث. رحمه الله فقد أنصف القيَّم الخيرة، التي ناضل المجتمع لتثبيتها والمحافظة عليها، وأنقذ النزعات الإنسانية، التي يفخر بها، ليس الشعب السودني فقط! وإنما العالم أجمع. هل جريمة كهذه هزت ضمير العالم والإنسانية، يغفل عنها أي نقد صريح يطال تاريخ هذه الحركة؟ حتي لو تلبست الجريمة جلباب الخوف علي العقيدة تنكرا، فالإستهداف السياسي الفاضح، كان أكبر سماتها، وبالطبع عبر أداتها الغافل الأكبر الجنرال الراحل النميري. وأين نقدهم لتعطيل الحركة الإسلامية، للمسار الديمقراطي الوليد، بوضعهم العصي في دولايب تقدمه او تشويه مظهره، عبر التشويش الإعلامي والحصار الإقتصادي والتآمر الإنقلابي! فمن يُطالب الآخرين بالنقد، عليه أن يبدأ بنفسه ويخلي ساحته ويبيض صفحته، من كل تلك الأخطاء التي قادت بدورها الي الكارثة الآنية التي يحاولون التخلص منها الآن!! بالطبع ليس المقصود من مطلب النقد الذاتي السابق ذكره، إحراج هذه المجموعة(حسنة النية) او التقليل من حجم مبادرتها ورغبتها الصادقة في الخروج من الوحل الإنقاذي! ولكن أهمية النقد أنه يُطهر المجموعة، من مأساة المشاركة في الحركة/النظام/الحكومة طوال الفترة السابقة لخروجهم منها، او الصمت علي ممارساتها الخاطئة عندما كانوا شركاء فيها، كما أنه يعطي مؤشر قوي لعدم عودتهم إلي حضنها، حتي إذا ما غيرت جلدها وقدمت بعض التنازلات الشكلية، او قبول أي نظام حكم يشابهها مهما قدم من وعود وتطمينات، يتم التغاضي عنها عند اول إختبار حقيقي! وبكلمة واحدة النقد الذاتي المُخلص، يُعادل التوبة النصوح.
والتركيز علي الجوانب السابقة لا يعني الإتفاق مع كل ما جاء فيها، ولكن عموما هي مقبولة من حيث الأفكار العامة، التي تنحو نحو قيام نظام ديمقراطي وحُكم مدني تشارُكي وجمع للصف الوطني...الخ، وكل ذلك قدم بإسلوب رائع ورؤية عميقة ورغبة حقيقية في تقديم إضافة إيجابية. ولكن تظل نقطة الضعف الحقيقية التي لا يُمكن أغفالها، بل يمثل عدم التطرق لها بصورة واضحة كغيرها من الفقرات، إفراغ للمبادرة من مضمونها، وإهدار للجهد العظيم الذي بذل فيها، والمقصود بذلك آليات تنفيذ أفكار هذه المبادرة، بمعني آخر كيفية الوصول لذلك النظام الديمقراطي المُرتجي، والحكم المدني المأمول! وبكلام محدد، ماهي وسائلهم وخططهم لإزالة نظام البشير/العسكري/الإسلاموي البغيض! هل يتم ذلك عبر المُناشدات وتقديم المُذكرات، بمعني أن النظام يستمع للنصح ويستجيب لصوت العقل؟ لأنه إذا صح ذلك لما إحتجنا من الأساس لهذه المبادرة! ولتم إنجاز التغيير منذ أمد بعيد، بل لما إستمر النظام لمدة يوم واحد، لأنه نظام ضد العقل والمصلحة العامة والحكم الرشيد. وهذا بدوره يقودنا الي الإتجاه الآخر، وهو إقتلاع هذا النظام إجباريا، لأن نظام له تكوين وتاريخ وممارسات نظام الإنقاذ، بالتأكيد لا يملك ترف التنازل الطوعي عن السلطة وتسليم البلاد سلميا(بالساهل) ومن ثم الذهاب الي بيته(أملاكه المنهوبة) يتمطي زهوا وخيلاء! فهو نظام تطال قادته جرائم جنائية لا تسقط بالتقادم، وقضايا فساد يشيب لها الولدان، ويصعب تناسيها او التغاضي عنها لأي إعتبار! ولكل ذلك يظل طريق التغيير عبر الضغط الشعبي السلمي، والعصيان المدني، وعزل السلطة وتجريدها من قوتها واوراق مراوغتها وتسويفها، هو الطريق الأساس والأسلم لإحداث أي تغيير منشود. وفي هذا الإتجاه عليهم واجب تحديد وسائل التغيير، والأبعد من ذلك أن هذه المجموعة كانت جزء من المنظومة الحاكمة، وتاليا هي الأقدر علي فهم تركيبتها وأساليب عملها، ومكامن قوتها وضعفها وتوقع ردات فعلها، خاصة علي مستوي العلاقات الشخصية، بأفراد هذه المنظومة الإرهابية الإجرامية التي تعتاش علي الفساد وأكل الأموال بالباطل! وبكلام آخر عليهم توظيف علاقاتهم السابقة وأصدقائهم الحاليين، الاقل جرئم وفساد! من المشاركين في السلطة الآن، للمساعدة في إحداث التغيير بأقل تكلفة، وذلك بحثهم علي فك إرتباطهم بهذه الحكومة المُشرفة علي الغرق والهلاك، وإستمالة من حولهم، كأفراد الأجهزة العسكرية والأمنية و غيرهم في دواوين الحكومة، وإقناعهم لتليين مواقفهم، وكسبهم الي جانب الحق أولا والشعب صاحب الحق والمصلحة ثانيا، بالوقوف مع المد الشعبي، ودعم الإنتفاضة السلمية الشعبية الشاملة القادمة بإذن الله. فهم بهذا فقط يقدمون أكبر خدمة لشعبهم، ضحية جرائمهم السابقة. وذلك لتكفير بعض ذنوبهم وخطاياهم، وكخطوة اولية وأساسية لإعادة تأهيلهم، ومن ثم إعطاءهم فرصة أخيرة للمساهمة في تشكيل الزمان القادم، وفق شروطه الديمقراطية الإنسانية التحررية. فذلك هو المخرج الوحيد والأخير. إلا إذا كان لأعضاء المجموعة، أعتقاد بأن هنالك أمل، في تغيير الحكومة لنفسها ذاتيا! وبتعبير آخر إن الازمة الحقيقة ليست في الحكومة القائمة وطريقة إدارتها للبلاد! ولكن جذر الأزمة يعود للوجوه الفاسدة والقيادات الفاشلة التي تتصدر المشهد الحكومي، والعاجزة عن إدارة الدولة بطريقة حكيمة وخُلق نزيَّه، ويُمكن للأسف أن نستشف ذلك بقولهم (وهذه عمليات لا تتحقق إلا بفعل قيادات فكرية شجاعة، تصدر عن "رؤية" وطنية منفتحة، تتجاوز من خلالها المصالح الحزبية والعشائرية الضيقة، وتحيّد بموجبها العناصر المنغلقة والمتطرفة، و تتحرك بها في اتجاه الآخرين. وتلك هي "فجوة" القيادة التي ظل يعانى منها نظام الانقاذ زمنا طويلا. المبادرة). المهم إذا صح هذا الإعتقاد الأخير، نقول لأصحاب المبادرة، شكر الله سعيكم(ما قصرتو)، فهذا كثير منكم، ومن يحمل مشاريع كمشاريعكم! فأنتم أحق بالتغيير من الحكومة، ويصدُق علي مبادرتكم التعبير الغربي، مع بعض التعديل( مع حكومة كهذة، يلزم مُبادرات ليست كهذه). وفق الله الجميع لخدمة الوطن وتغييره للأفضل.


[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1110

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#820898 [دارفورحره مستقله]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2013 10:12 PM
لن تنفع نظريات السياسين الشمالين فهىايله للفشل والزوال ..لذلك نحن شباب من اجل استقلال دارفور


عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة