المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
تاج السر عثمان بابو
الجذور التاريخية للتهميش في السودان (1)
الجذور التاريخية للتهميش في السودان (1)
01-01-2011 06:11 PM

الجذور التاريخية للتهميش في السودان (1)

المفهوم والمصطلح :-
على مستوى الفكر الاقتصادي برز مصطلح المركز والهامش كمفهوم لنظرية تعمل على تفسير التخلف , وتعتمد على فكرة وحدة الاقتصاد العالمي الذي يتكون من الدول الرأسمالية المتقدمة التي تمثل مركز هذا الاقتصاد والدول المتخلفة (ما يسمى دول العالم الثالث أو الدول النامية ...الخ) والتي تكون هامش أو محيط هذا الاقتصاد .
إن تقدم القوى الإنتاجية للمركز وتخلفها في الهامش مكن ويمكن الدول المتقدمة من استغلال الدول المتخلفة , كما مكنها من السيطرة على تطور الهامش بما يناسب مصالح وتطور المركز , وهكذا نجد البلدان الهامشية نفسها في علاقات استغلال وتبعية كلما تعاملت مع دول المركز مباشرة أو من خلال السوق الرأسمالية العالمية , ووحدة النظام لا تنفي التناقض والتباين داخله , كما تؤكد النظرية (راجع كريستيان باولو: الاقتصاد الرأسمالي العالمي , ترجمة عادل المهدي – دار ابن خلدون , 1978م) .
- أشار بروفيسور مصطفى حسن بادي (كلية الطب – جامعة الخرطوم) بصحيفة "الرأي العام" بتاريخ 16/5/2003م إلى التهميش بقوله (التهميش كمفهوم سياسي اجتماعي علينا أن نفهمه جيدا ونتعرف على أسبابه وكيفية معالجته حتى نتمكن من دفع التطور الديمقراطي في السودان في الاتجاه الصحيح وحتى لا نعود إلى المربع الأول لممارسات الماضي , إذا لم يستطع المواطنون الاستمتاع بكل العوامل والظروف التي تمكنهم من الإدراك والفهم والمعرفة الواضحة والمشاركة الفعالة والمؤثرة في جميع شئون حياتهم , فهم مهمشون ولا يغير من شانهم إذا كان هذا التهميش باختيارهم أو كان مفروضاً عليهم) .
وهذه نقطة جيدة تصلح أساسا لدراسة التهميش ومعرفة أسبابه وكيفية معالجته حتى نتمكن من دفع التطور الديمقراطي في السودان في الاتجاه الصحيح .
كما أصبح مصطلح (المناطق المهمشة) متداولا في السياسة السودانية منذ بيان الحركة الشعبية (المانفستو) الصادر بتاريخ31/7/1983م حيث حددت المناطق المهمشة بأنها كل السودان ماعدا وسطه (مديرية الخرطوم ومديرية النيل الأزرق) .
حيث توجد العاصمة ومشروع الجزيرة , كما حمل البيان الاستعمار البريطاني مسئولية تهميش تلك المناطق ، ثم حّمل المسئولية من بعد الاستعمار لما أطلق عليه (أنظمة شُلل الأقلية) في الوسط بداية من العام 1956م .
كما أشار البيان إلى الحل الجذري الذي يتبنى مفهوم السودان الموحد باتجاه اشتراكي وحل ديمقراطي لكل القضايا القومية والدينية .
وللتأكيد على هذا النهج الوطني أدان (المانفستو) الحركات الانفصالية في جنوب وغرب وشرق السودان باعتبار أنها ستقود إلى تفتيت السودان مع النص على أن الضرورة فقط هي التي أملت قيام الحركة في جنوب السودان . إلا أنها تستهدف تحرير السودان كله .
على أن مصطلح المركز والهامش مضلل لأنه في مركز العالم الرأسمالي نفسه وعلى مستوى كل دولة يوجد استقطاب طبقي حاد (مثال : في أمريكا 1% من السكان يستحوذون على40% من الثروة ) . وأغلبية مهمشة من عاملين بأجر يتعرضون للاستغلال الرأسمالي وتستحوذ الطبقات الرأسمالية أو الشركات المتعددة الجنسيات على فائض القيمة منهم , إضافة للمهمشين من العطالة والمهمشين من الأقليات والنساء .
وفي دول الهامش أو الدول المتخلفة هناك استقطاب طبقي حاد , حيث تستحوذ أقلية على الثروة والسلطة وتعيش الأغلبية في فقر مدقع (على سبيل المثال في السودان 5% يستحوذون على 88% من الثروة) .
كما أن الحديث عن مناطق مهمشة في السودان مضلل أيضا إذ نجد في المناطق المهمشة فئات لها مصالح مع القوى الحاكمة تتكون من : الزعامات القبلية والإدارة الأهلية وأصحاب المشاريع وملاك الثروة الحيوانية , بينما الأغلبية في المناطق المهمشة تعيش في فقر مدقع والتي تتكون من فقراء المزارعين والرعاة .
إذن من المهم الفرز والتحليل الطبقي في كل حالة والصراع ضد كل أشكال الاضطهاد الطبقي والاثني والقومي والعنصري والجنسي .
• أشار د. عطا البطحاني في كتابه (جبال النوبة : الاثنية السياسية والحركة الفلاحية , 1924-1969م , ترجمة فريد السراج , شمس الدين ضو البيت , مركز الدراسات السودانية , القاهرة 2000م) . أشار في ص5 (أن الدافع المشترك للأحزاب السياسية الشمالية-على الرغم من اختلاف توجيهات هذه الأحزاب فيما يتعلق بقضايا التنمية والوحدة الوطنية – أن الدافع المشترك لها هو الإبقاء على سيطرتها السياسية مع تهميش الهوية الثقافية والوطنية للمجموعات الاثنية غير العربية ) .
وأود هنا أن اعبر عن اختلافي مع د. عطا البطحاني في تعميم كل الأحزاب السياسية الشمالية رغم الجهد الذي بذله الكاتب في تحليل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى ظهور الشعور القومي لدى أبناء جبال النوبة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين كما تقصى الكاتب التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمنطقة منذ القرن التاسع عشر وحتى ستينيات القرن العشرين . وتابع الجذور التاريخية للتخلف .
كان اهتمام الجبهة المعادية للاستعمار (الحزب الشيوعي فيما بعد ) باكراً بالمناطق المهمشة أو التجمعات القبلية القومية الأكثر تخلفا .
جاء في بيان الجبهة المعادية للاستعمار عن موقفها من قضية الجنوب بصحيفة الصراحة –العدد رقم 422 بتاريخ 28/9/1954م مما يلي :-
- ترى الجبهة أن حل مشكلة الجنوب يتم على الأساس التالي : تطور التجمعات القومية في الجنوب نحو الحكم المحلي أو الذاتي في نطاق وحدة السودان .
-
يواصل البيان ويقول :
ونحن حينما نقدم هذا المبدأ لحل مشكلة الجنوب نقر بان الوضع الحالي للقوميات في الجنوب ليس مدروسا لدينا ولا لدى غيرنا في العاصمة, وان دراسته تقتضي الذهاب إلى هناك أو تجي هي من هناك, ولكنا نرى أن هذا المبدأ الوحيد وبطبيعته يعتمد على الظروف , فإذا كانت ظروف قومية واحدة أو عدة قوميات في الجنوب ورغبة أهلها تقتضي قيام حكم محلي أو ذاتي فلهم الحق في ذلك , كذلك نقر انه ليست لدينا وجهة نظر محددة عن الموقف بين القوميات السودانية الأخرى في الشمال والشرق , إلا انه مما يظهر لا توجد مشكلة حالية بالنسبة لها . ولكن من ناحية المبدأ لا ننكر انه إذا جاء وقت ولو كان بعد الاستقلال بفترة طويلة واقتضت ظروف هذه القوميات نوعا معينا من الحكم الداخلي فيجب إن ينفذ (راجع اليسار السوداني في عشرة أعوام , إعداد محمد سليمان ,ص60-62) .
• كما ورد في أدبيات الحزب الشيوعي السوداني اسم القطاع التقليدي أو القطاع المعيشي , أشارت وثيقة (حول البرنامج) أخر كتابات الأستاذ عبد الخالق محجوب , وتحت عنوان الثورة الزراعية –الحيوانية إلى الأتي :-
- لابد من تحول جذري بين قسم الاقتصاد المعيشي في هذا القطاع بحيث تتجدد علاقات الإنتاج وتنمو قوي الإنتاج بما يحقق مستوى معيشيا أكثر تقدما للكادحين , وفائضا يسهم في الفائض القومي المعد للاستثمار .
- تقوية الاتجاه السلعي في هذا القطاع بأشكال مختلفة في مقدمة ذلك دخول الدولة ميدان التوزيع بحيث تستطيع أن تمد كادحي هذا القسم من اقتصادنا القومي بالسلع الاستهلاكية المختلفة , وتشتري منهم منتجاتهم الزراعية والحيوانية , أن هذا الوجود للدولة يزيل قوى الوسطاء الطفيليين الذين يستحوذون على جزء من الفائض الاقتصادي عن طريق التجارة والتحكم في أسعار السلع . وهذا أيضا ضرورة اجتماعية تساعد على توحيد القوميات والقبائل وعلى إشاعة روح التعاون بينهم (اغلب الوسطاء الآن من القومية العربية مما خلق حذرا وعداء أحيانا) .
- رفع إنتاجية الثروة الحيوانية وإدخالها دائرة الاقتصاد السلعي – النقدي وذلك باستقرار الرحل وتحديث الإنتاج بينهم .
* توفير مياه الشرب (الآبار) وتوزيعها بطريقة اقتصادية تضمن تحويلها إلى مجتمعات الإنتاج وتغيير الخريطة المبعثرة للسكان , ذلك بوجود دائرة سكانية وإنتاجية حول الآبار تتوفر فيها :- (1) مياه الشرب (2) الأمطار للزراعة وخاصة لزراعة العلف (3) المراعي الطبيعية التي تجد الرعاية العلمية (4) مخازن العلف (5) الصناعات الخفيفة والحرف التي تساعد في تصنيع المنتجات المختلفة وخاصة المنتجات الحيوانية من لحوم وألبان ... الخ (6) الخدمات المختلفة التي ترفع من مستوى الكادحين وتحفظ ثرواتهم وتنميتها .
* القضاء على التقاليد الضارة التي تحول دون إدخال الثروة الحيوانية في إطار الاقتصاد السلعي – النقدي (بين قبائل الجنوب , جبال النوبة , ...الخ)حيث تحفظ الثروة الحيوانية كمظهر من مظاهر التمايز الاجتماعي والفخر :-
1. بالعمل الفكري الدعائي المنظم بحيث يأتي هذا التحول نتيجة لإحساس الجماهير نفسها بالمجتمع الجديد ومثله .
2. بضرب المثل الذي تعطيه المجموعات التي تقبل على الاستقرار والحياة الجديدة .
3. برفع مستوى الحاجيات الضرورية (الاستهلاك) بين هذه الجماهير .
تواصل الوثيقة وتقول :-
- بعث حركة من الوعي لانتظام هذه الجماهير في جمعيات تعاونية إنتاجية تسويقية تلعب فيها الدولة دوراً مشجعاً ومرشداً (هذا ناتج عن التخلف الشديد في بلادنا , فالدولة تستطيع تتبع هذه الجماهير بروح العمل والنظام وهي هامة وعادات لازمة لتطور قوي الإنتاج) .
- تساعد الدولة هذه الجمعيات عن طريق التسهيلات المصرفية .
- عن طريق تخفيض أسعار الآلات الصناعية اللازمة لتطور الإنتاج وتحديثه .
- تسلك الدولة في هذا كله سياسة طبقية تستهدف رفع مستوى الفقراء والصغار إلى مستوى المنتج المتوسط . هذا لن يؤدي إلى تنمية قوى الإنتاج وحسب , بل سيخلق الظروف الموضوعية اللازمة للمزارع الجماعية , ولبناء المجتمع الاشتراكي .
- تغذي الدولة عوامل الثورة التكنيكية في هذا المجال , وهي عملية واسعة تتطلب توفير الأخصائيين والخبراء (عبد الخالق محجوب : حول البرنامج , دار عزة للنشر 2002 , ص27-31) .
• كما وردت الإشارة أيضا في أدبيات الحزب الشيوعي للمناطق المهمشة بالتجمعات القومية والقبلية الأكثر تخلفا , جاء في وثيقة حول البرنامج ما يلي :
- بالنسبة للتجمعات القومية والقبلية الأكثر تخلفا وفيما يختص بالثورة الثقافية الديمقراطية .
- لابد من التشجيع الفعلي للنمو الحر لثقافات هذه المجموعات .
- ولن يكون هناك نمو فعلي في هذه الثقافات إلا إذا بعثت لغات ولهجات هذه المجموعات وعمدت الدولة الوطنية الديمقراطية بجدية إلى تشذيب تلك الأدوات والتوسل بها في التعليم (وفقا للتجارب التربوية في هذا المضمار) وفي النهضة الثقافية الشاملة .
- أن تصبح هذه الثقافات جزءا من المكونات العضوية للثقافة السودانية .
(حول البرنامج , مرجع سابق , 49-50)
كما أشارت وثيقة حول البرنامج إلى :-
((توحيد الوطن على أسس ديمقراطية وذلك بتنمية إمكانيات وثقافات التجمعات القومية المتخلفة في حرية وبلا إرهاب أو ضغوط)) , ص 74.
وفي السبعينيات من القرن الماضي واصل الحزب الشيوعي اهتمامه بالمناطق المهمشة أو القطاع التقليدي وصدرت وثائق مثل :-
"الحزب الشيوعي والقطاع التقليدي , 1977م" التي لخصت تجارب الحزب في القطاع التقليدي ودور المعلمين والأطباء والممرضين وعمال السكة الحديد والخدمات وغيرهم في نشر الوعي في تلك المناطق , كما لخصت تجارب الحزب في تنظيمات اتحاد جبال النوبة والتنظيمات والروابط القبلية التي برزت بعد ثورة أكتوبر 1964م مثل جبهة أبناء دارفور واتحاد جنوب وشمال الفونج كما أشارت الوثيقة إلى المتغيرات في القطاع التقليدي بسبب هجمة الرأسمالية المايوية عليه والتوسع العشوائي في الزراعة الآلية وأثار ذلك على الغطاء النباتي والبيئة وتدمير حياة المواطنين في ذلك القطاع وضيق المراعي الذي أدى إلى الاحتكاكات والصدامات القبلية والنزوح إلى المدن .
2. كما صدرت وثيقة بعنوان "الحزب الشيوعي وقضية الجنوب" تابعت فيه تطور موقف الحزب من المنظور السلمي الديمقراطي للمشكلة , وأفاق الوضع بعد اتفاقية أديس أبابا التي وقعت في مارس 1972م .
3. كما صدرت وثيقة في سلسلة كاتب الشونة بعنوان "الماركسية ومسالة اللغة في السودان 1977م " تناولت قضية هامة تتعلق بالمناطق المهمشة , وهي تنمية ثقافاتها ولغاتها المحلية في إطار تنوع وثراء الثقافة السودانية , وقد صدرت طبعة ثانية من هذه الوثيقة باسم د.عبد الله علي إبراهيم , عن دار عزة للنشر 2001م .
هكذا كان هناك الاهتمام بالمناطق المهمشة في أدبيات الحزب الشيوعي السوداني من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية , وان الحزب الشيوعي كان يقاوم تهميش الهوية الثقافية والوطنية للمجموعات الاثنية غير العربية .



إسهام الحزب الشيوعي

كما اشرنا سابقا إلى إن الحزب الشيوعي كان أول من أشار إلى ضرورة الاعتراف بالفوارق الثقافية والعرقية بين الشمال والجنوب وتطور التجمعات القومية في الجنوب نحو الحكم المحلي أو الذاتي في نطاق وحدة السودان , ولم يكتف الحزب الشيوعي بذلك الطرح المتقدم وحده وتكراره , بل دعمه بالتركيز على القضايا الاجتماعية التي كان فيها قهر وتمييز عنصري أو اثني ضد الجنوبيين مثل :-
- المطالبة بالأجر المتساوي للعمل المتساوي بين العاملين الشماليين والجنوبيين .
- الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوسيع التعليم والعلاج والخدمات في الجنوب .
- إلغاء ضريبة الدقنية .
- إلغاء قانون المناطق المقفولة الذي كان من الأسباب التي عرقلت التطور المتوازن بين الشمال والجنوب .
- إلغاء نشاط المستثمرين الأجانب المرتبطين بالتجسس وتأجيج الخلافات العرقية بين الشمال والجنوب .
- وحدة الحركة النقابية في الشمال والجنوب
- عدم فرض اللغة العربية والدين الإسلامي بالقهر وترك ذلك للتطور والتلاقح الطبيعي .
- استبعاد الحل العسكري وضرورة الحل السلمي الديمقراطي والعض على وحدة السودان بالنواجذ .
- أثناء تمرد 1955م دعي الحزب الشيوعي لمعالجة الموضوع بالحكمة والصبر بدلا من الاتجاهات الداعية للعنف والانتقام .
واصل الحزب الشيوعي تأكيد تلك المواقف في مؤتمره الثالث في فبراير 1956م , ومقاومة سياسة ديكتاتورية الفريق عبود لفرض الحل العسكري واللغة العربية في مؤتمر المائدة المستديرة (1965) وخطاب عبد الخالق محجوب في المؤتمر.
وفي برنامجه الصادر 1967م أكد الحزب الشيوعي الارتباط الذي لا ينفصم بين الحكم الذاتي الإقليمي وسائر المهام الوطنية والديمقراطية للثورة السودانية , كما أكد أهمية وحدة السودان ، جاء في ذلك البرنامج :-
من هذه المواقع يجب أن تعالج القضية على الوجه التالي :-
أ‌. سير البلاد في طريق الثورة الوطنية الديمقراطية .
ب‌. تحالف قوى الثورة السودانية في الشمال مع شعوب وقبائل جنوب البلاد على أساس ديمقراطي مناهض للاستعمار , لقيام حكم ذاتي وكذلك في الجنوب تحت قيادة جنوبية ربطت مصيرها بهذا التحالف ...
وكذلك في مناقشات جوزيف قرنق للمثقفين الجنوبيين الداعين للانفصال في كتيبة "مأزق المثقف الجنوبي" وفي بيان 9 يونيو 1969م كما طرح الحزب الشيوعي دستور ديمقراطي وجمهورية برلمانية في مواجهة دعاة الديكتاتورية باسم الإسلام والجمهورية الرئاسية عام 1968م والتي كانت تهدد وحدة البلاد .
على إن من الايجابيات في مواقف الحزب الشيوعي انه في معالجته لمشكلة الجنوب في تلك السنوات الباكرة من الخمسينيات من القرن الماضي , لم ينطلق فقط من نصوص ماركس وانجلز ولينين حول تقرير المصير , بل انطلق من واقع السودان , والاتجاه العام الداعم للوحدة بعد مؤتمر جوبا1947م , وكان ذلك تناولا بذهن مفتوح وتوصل لصيغة الحكم الذاتي الإقليمي في إطار السودان الموحد .
وحتى بعد أن تعقد الوضع واشتعال نيران الحرب بعد انقلاب يونيو 1989م , طرح الحزب الشيوعي شعار تقرير المصير كحق ديمقراطي إنساني , وان يتم دعم خيار الوحدة الطوعية وتوفير المناخ الديمقراطي الصحي لممارسة حق تقرير المصير.
وبعد ثورة أكتوبر 1964م برزت تنظيمات أبناء المناطق المهمشة أو المناطق الأكثر تخلفا مثل : جبهة نهضة دارفور , اتحاد جنوب وشمال الفونج , واتحاد أبناء جبال النوبة , ومؤتمر البجا وفي وجه الدعاوى التي كانت تصف تلك التنظيمات بالعنصرية رحب الحزب الشيوعي بتلك التنظيمات بل شارك أعضاؤه في تلك التنظيمات باعتبارها مراكز إشعاع لوعي أبناء تلك المناطق بقضاياهم واحتياجاتهم في التنمية والتعليم والصحة وتوفير خدمات المياه والكهرباء والعناية البيطرية للماشية ...الخ .
ووصف عبد الخالق محجوب تلك التنظيمات بأنها حركت المياه الراكدة في تلك المناطق , كما أسهمت في استيقاظ دوائر واسعة من أبناء تلك المناطق للوعي بمصالحهم.
كما شارك الحزب الشيوعي في الروابط القبلية في المدن التي كانت تهدف لخدمة مناطقها وتوفير احتياجاتها الأساسية , ولعبت تلك التنظيمات دورا في تطوير مناطقها وقراها إلى أن تم حلها بعد انقلاب 25 مايو 1969م .
وفى الوثيقة التي قدمها الحزب الشيوعي (1988)م للمؤتمر الدستوري الذي كان من المفترض عقده اقترح الحزب أولويات عاجلة لتخفيف حدة التطور غير المتوازن وأشارت الوثيقة إلى :-
((تخصيص موارد واستثمارات اكبر للأقاليم الأكثر تخلفا )).
أحداث تحول في بنية الاقتصاد التقليدي ب :-
أ‌. تدخل جهاز الدولة لتوفير تسليف زراعي وخدمات فنية متكاملة من البحوث والإرشاد الزراعي وتشجيع الصناعات الحرفية وصناعات القرية .
ب‌. تجميع صغار المزارعين في مزارع تعاونية طوعية بهدف حل مشاكل التمويل والتسويق وتطوير وسائل الإنتاج وتحديثها .
• وضع سياسات اقتصادية ومالية تهدف لإعادة توزيع الدخل القومي لصالح المنتجين من خلال أسعار مجزية وسياسة ضرائب تسمح بتجميع الفوائض الاقتصادية لتمويل مشاريع استثمارية جديدة .
• توفير مياه الشرب بإصلاح الحفائر واستغلال المياه الجوفية وإقامة الخدمات على الخيران .
• تقليل التفاوت في الخدمات الاجتماعية – من التعليم الصحي باتخاذ سياسات تشجيعية لدفع المعلمين والأطباء للعمل في مناطق اقل نموا بتوفير السكن واستحداث العلاوات والحوافز وإعطاء الأولوية في البعثات للذين يعملون في تلك المناطق وتركيز فتح المدارس الجديدة والمستشفيات فيها .
• تنمية وتطوير الثروات الطبيعية في تلك المناطق من مواشي وغابات وغيرها وصيانتها من الاستخدام العشوائي .
• استغلال البترول والمعادن الأخرى وتخصيص نسبة من العائد للإقليم المعين بالعملة الصعبة تخصص للتنمية فوق نصيب الإقليم من الخطة القومية .
ويمكن إعداد أربعة برامج خاصة ضمن الخطة القومية تكون مدخلا لتنمية المناطق الأكثر تخلفا (الجنوب , دارفور , كردفان , جنوب النيل الأزرق ,) ونقترح لهذه البرامج النقاط التالية :-
ا/ الجنوب : الإنتاج الحيواني :-
1. الاستفادة من الثروة الحيوانية وتنميتها بتطوير المراعي والخدمات البيطرية وتشجيع دخولها إلى السوق وعلاقات سلعة – نقد .
2. محاربة ذبابة التسي تسي .
3. إنشاء صناعة تعليب الأسماك في أعالي النيل وبحر الغزال .
الزراعة والغابات :-
1 .تنفيذ المشاريع المرتبطة بقناة جونقلي .
2. التوسع في الإنتاج الزراعي بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي .
3. تشجيع المحاصيل الجديدة وتوسيع أنتاج القائم منها كالشاي والبن وإدخال محاصيل نقدية :-
- إقامة مشاريع لزراعة الذرة في مناطق ملوط وعلياب وكبويتا بغرض إنهاء المجاعات المتكررة .
- زراعة الشاي في مرتفعات توريت وياي .
- زراعة التبغ في ياي ومريدي .
- زراعة الأرز باويل والمراكز المشابهة .
- زراعة القصب في منقلا .
- إدخال زراعة الطماطم في مناطق الشلك وبمحاذاة النيل .
- التوسع في إنتاج الفول في رمبيك والسمسم في يرول .
- التوسع في إنتاج الفواكه في منطقة الزاندي وغرب بحر الغزال .
4. توسيع إنتاج الأخشاب وبالذات في منطقة واو وتوريت مع إدخال المناشير الحديثة .
المعادن والطاقة :-
1. استغلال البترول وتخصيص نسبة من العائد بالعملة الصعبة للإقليم .
2. تطوير الطاقة الكهربائية المائية في الاستوائية وبحر الغزال .
3. محاربة العطش في أماكن استخراج الحديد وغيرها من المناطق .
4. البحث عن المعادن في جميع أنحاء الجنوب .
5. تطوير الري وبالذات في السهول لضمان استمرار الزراعة طيلة العام
المواصلات:-
1. إنشاء ميناء نهري في شامبي .
2. إنشاء طرق حديثة وبالذات : طريق نمولي – جوبا – ملكال – كوستي –وطريق واو – رومبيك جوبا – وطريق واو – آبيي – النهود .
3. إقامة كبري حديث على نهر بسري .
4. نشر التعاونيات ودخول الدولة مع التعاونيات .
5. في ميدان التوزيع لتوفير السلع بأسعار معقولة والقضاء على الحساسيات التي بذرها الرأسمالي التجاري (الجلابة) .
6. إنشاء مصانع الإنتاج الحيواني وتعليب الفاكهة وصناعة الورق والأثاثات , وهنا لابد من إعادة تعمير ما خربته الحرب الأهلية وإكمال ما أوقفت إنشاؤه .
7. التوسع في الخدمات المصرفية : مصارف تجارية ومتخصصة .
ب/ دار فور :-
1. يركز على تنمية جبل مرة وتطبيق نتائج البحوث والتجارب والتوسع في زراعة التبغ والبساتين .
2. صيانة موارد المياه القديمة وبناء خزانات على الخيران وحفائر جديدة وحل مشكلة مياه الفاشر .
3. البدء في استغلال حفرة النحاس وأي معادن أخرى تثبت إمكانية الاستغلال التجاري .
4. الاهتمام بالثروة الحيوانية بتوفير العلف والخدمات البيطرية والماء على طرق الماشية , ودخول الدولة كمشتري للماشية لتركيز الأسعار وإيجاد الأسواق الجديدة .
5. تحسين خط السكة حديد نيالا .
6. إكمال شبكة الطرق بحيث تصل كُتم – أم كدادة وبالتالي ترتبط مناطق الإقليم ببعضها البعض .
ج/ كردفان :-
1. توسيع الخدمات البيطرية وزراعة العلف وحفظه بالوسائل الحديثة .
2. البدء الفوري في استغلال بترول جنوب كردفان وتخصيص نسبة من العائد للإقليم .
3. تشجيع برامج إعادة تعمير حزام الصمغ العربي واتخاذ سياسة تسعيرية تحفر المزارعين للحفاظ على جنائن الهشاب .
4. السعي لتجمع صغار المزارعين في تعاونيات وتقديم الخدمات الزراعية لهم .
5. دعم تجارب التمويل الزراعي التعاونية وتوسيعها .
• وفي دارفور وكردفان أشارت الوثيقة إلى ضرورة إعادة الغطاء بنشر بذور الحشائش لاستعادة المراعي التي ضربها الجفاف والتصحر وتصحيح التجاوزات في تحديد مسارات الماشية لمنع الصدامات القبلية .
د/ جنوب النيل الأزرق :-
1. تحرير الزراعة التقليدية من سيطرة تجار الشيل ودراسة وتقويم تجربة التحديث التي بدأت بالمنطقة بهدف تعميرها .
2. إنشاء فرع للبنك الزراعي لحل مشاكل التمويل , وجمعيات تعاونية لحل مشاكل التسويق .
3. إيقاف أي توسع جديد في الزراعة الآلية بالمنطقة إلى حين تحديث الزراعة التقليدية .
4. تطوير مناجم الكروم وعمليات تعدين الذهب الصغيرة بالنظر في إدخال تكنولوجيا تعدين مناسبة وإنشاء جمعيات للمنتجين للتسويق حسب السعر العالمي والمحلي .
5. إعادة تنظيم خطوط المرعى ومرا حيل الرعي لتفادي الصدامات والمنازعات بين الرعاة والمزارعين .
6. ترشيد قطع الأخشاب وإنتاج الفحم للمحافظة على التوازن البيئي .
7. تشييد طرق دائمة لتفادي عزلة المنطقة في الخريف .
• كما أشارت الوثيقة إلى أن هذه المشروعات والمقترحات لا تصفي بصورة نهائية التطور غير المتوازن بين أقاليم السودان المختلفة ولكنها تضعنا في بداية الطريق .
وحول الهوية والثقافة أشارت الوثيقة إلى أن (الهوية الحضارية لشعبنا هوية سودانية , تجمع في تكامل بين الوحدة والتنوع , وتتأسس على واقع تعدد الثقافات والقوميات في بلادنا الذي يمكن بل ويجب أن يكون مصدر خصب وثراء لثقافاتنا السودانية , لا سببا في صراعات دامية مريرة) .(الوثيقة : ص52 - 57) .
هكذا كان اهتمام الحزب الشيوعي السوداني بالمناطق المهمشة , وان كانت مواقف ورؤى الحزب الشيوعي تحتاج إلى تطوير وتعميق وفق المستجدات الجديدة .
ولكن الصورة ليست كما أشار د. عطا البطحاني في مؤلفه (جبال النوبة : الاثنية السياسية والحركة الفلاحية) إلى أن الدافع المشترك للأحزاب السياسية الشمالية هو الإبقاء على سيطرتها السياسية مع تهميش الهوية الثقافية والوطنية للمجموعات الاثنية غير العربية) .
مع تقديري للجهد الذي بذله د. عطا البطحاني في مؤلفه والذي يعتبر دراسة رصينة في تقصي الاقتصاد السياسي للتخلف في منطقة جبال النوبة ومتابعة الجذور التاريخية للتهميش في المنطقة .


تاج السر عثمان بابو


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 550

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




تاج السر عثمان
تاج السر عثمان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة