المقالات
السياسة

11-07-2013 08:50 PM

شهر سبتمبر الماضى سيظل أكثر الشهور رسوخاً فى الذاكرة السودانية حيث جاء بلون الموت والدم والدخان ، فعقب إعلان رئيس الجمهورية عمر البشير قرار رفع الدعم عن المحروقات وبالتالى زيادة أسعار السلع الأستهلاكية الأساسية وذلك تجنباً للإنهيار الكلى للإقتصاد السودانى ، خرج المواطنيين فى عدد كبير من المدن الى الشوارع بشكل خاص مدينة "الخرطوم "ومدينة "مدنى" بولاية الجزيرة تنديداً بالقرار ورفضاً لسياسة التقشف المفروضة سلفاً قبل إعلان القرار ، هى المره الأولى منذ مجئ حكومة الأنقاذ الحالية الى السلطة أن تشهد شوارع العاصمة هذا العدد الضخم من المحتجين ومن فئات مختلفة ما بين طلاب مدارس وشباب غير منتمى سياسياً الى ربات المنازل وحتى طلاب جامعات لم نعهد مشاركتهم بشكل متكرر فى الشأن السياسى كجامعة الأحفاد للبنات وبعضاً من الجامعات الخاصة ، أستمر الخروج لثلاث أيام متتالية كانت حصيلته أكثر من 200 قتيل والآف المعتقلين تمت ملاحقتهم بعد إنقضاء الثلاث أيام ، والملاحظ أن نوعاً من الحظر فرض على شوارع الخرطوم بشكل خاص دون صدور قرار رسمى بذلك فظلت عربات القوات المسلحة تجوب الشوارع بينما أكتفت الغالبية العظمى من المواطنيين بملازمة المنازل ، حتى تظن أنك تسير فى عاصمة ضربت تواً بسلاح كيميائى أخفى معالم الحياة عنها ، لم تتوقف الأحتجاجات فعلياً بل تواصلت بشكل ضئيل فى عدد من الشوارع فى "ود نوباوى" ومنطقة "برى" و"الدروشاب" وعدد من الجامعات ، لكنها كانت بداية تنذر بخفوت نوبة الغضب التى إجتاحت الشارع عقب إعلان رفع الدعم عن المحروقات ، وهذا ما لم تتفهمه المعارضة السودانية والناشطين بمختلف أطيافهم حيث ظلوا يدعون لضرورة إستمرار الأحتجاج وتهويل أى حدث بعد هدوء العاصفة ، أملاً فى الوصول للغاية الكبرى وهى أسقاط نظام الحكومة الأسلامية فى السودان ، وما أعنيه بخفوت نوبة الغضب تضائل وتيرة الأحتجاج ما يجعلك تتسائل هل تريد الجماهير حقاً تغيير النظام الحالى ؟.
الحكومة من جانبها لم تنفى قتلها للمتظاهرين بل أعترفت بذلك فى عدد من المنابر بدءاً من رأس الهرم المتمثل فى رئيس الجمهورية والذى تحدث عن إضرارهم الى اللجوء للخطة "ب" على حد تعبيره فقال : المتظاهرين الذين خرجوا في البلاد خلال الفترة السابقة احتجاجاً على رفع الدعم عن المحروقات وبعض السلع الأخرى لم يكونوا سوى مجموعات تنتمي للمجموعات المسلحة في إقليم دارفور وبعض المناطق الأخرى وأكد البشير في حديث نشرته صحيفة عكاظ السعودية ، أكد إحتواء الأزمة، وإتهم البشير المتظاهرين بالقيام بتحركات تخريبة على نطاق واسع شملت حرق للمحال التجارية والسيارات وحتى محطات الوقود وأوضح البشير أن الحكومة عندما وجدت أن العمل تطور إلى عمل تخريبي وتدمير، تم تطبيق الخطة ( ب) ونزلت القوات المجهزة ، وكانوا جاهزين ومتحسبين، وإنتهت الحكاية في أقل من 48 ساعة .
أذن من قتل من ؟ لم تعد قضية جوهرية فالحكومة الحالية على أتم الأستعداد لقتل المزيد والمزيد أن خرج أحد مطالباً بأسقاط النظام ، ما يجدر قوله أن بعد ثورات العربى وبخاصة فى الشقيقة مصر أصبحت مسألة الكرامة وعدم الخوف ملمحاً أساسياً لمجموع جماهير المنطقة بحيث لم يعد أحداً يقبل أن تهان كرامته وبخاصة حين يتعلق الأمر بمؤسسات الدولة المتمثلة فى الشرطة بشكل خاص ، هنا تصبح القضية الجوهرية هل نحن فى السودان على إستعداد لتحمل المزيد من الموت وسحب الدخان ؟ هل تستطيع المعارضة حتى أن أمتلكت سلاحاً أن تواجه دولة كاملة _مع العلم أن الحكومة إذا تفاقم الوضع لن تحارب وحيدة بل سيحارب معها حلفائها فى مناطق الجوار كما يحدث فى سوريا_ هل تستطيع ؟ ، قبل إجابة المعارضة على التساؤل _والذى لم يعد مهماً نظراً للضعف والهزال الذى تعانى منه_ لابد أولاً من إيراد عدد من الملاحظات الهامة التى صاحبت إحتجاجات سبتمبر الماضى .
المعروف أن أى محتج فى العالم سواء كان فى الشارع وحتى داخل الأسرة الصغيرة عليه أن يطالب بمطالب واضحة خاصة إذا كان هذا المحتج سياسياً أو رمزاً للوعى وهى الحلقة المفقودة فى أحداث سبتمبر الماضى إلا قليلاً ، العديد من المحتجين وبخاصة طالبات جامعة الأحفاد للبنات كانت أحدى شعاراتهم الأساسية " ما عايزنك ، ما عايزنك ، ملكة جانسى أحسن منك " وملكة جانسى هى مسلسل دراما تاريخية هندية مبنية على قصة حياة ملكة جانسي لاكشمي باي، واحدة من الشخصيات الرائدة في التمرد الهندي ضد البريطانيين عام 1857م كان العرض الأول فى العام 2009م ، يدور الحديث فى أوساط الناشطين أن الأستدلال بهذه الشخصية جاء صادقاً ومعبراً عن تطلعات الجماهير التى تطالب أن تولى أمرها لشخصية شديدة الشبه بشخصية المسلسل ، هنا يبدو الناشطين القائلين بهذا القول وكأنهم لا زالوا يعيشون فى كهف أفلاطون المعتم ويرفضون صراحة مواجهة الحقيقة ، كنت أتمنى ان تكون أحدى المطالب متعلقة بالدستور وماهيته وما يجب أن يكون عليه ، لكن الناشطين وبدلاً من أن يكون تغييرهم الحقيقى فى تعريف الجماهير بماهية الدستور تراهم ينساقون وراء الموجة العامة ويتماهون فيها ، كما أن الحديث عن ضرورة قيام دولة علمانية يأتى الحديث عنه بحياء وخجل حين يكون الحديث بين الجمهور والفاعل فى الشأن العام ليأتى المبرر أكثر وقاحة وخجلاً : المجتمع السودانى لايزال غير قابل لتفهم أى حديث عن قيام دولة علمانية و ليست أسلامية وكأن بحامل الفكر هذا يخجل هو ذاته عن التعبير عن قضاياه ومطالبه الأساسية ، فيتلون كما تقتضى الضرورة فقط ، لم تحمل الأحتجاجات السابقة وحتى ما قبلها أى مطلب واضح وحقيقى ، كما أن الضرورة تقتضى بصاحب أى وعى أن يركز إهتمامه على توعية الجماهير بدلاً من دفعها دفعاً لمعارك خاسرة دون وعى ، الآن لم تعد ثورات الجياع إلا حلماً بل لأذهب أبعد من ذلك وأقول لم تعد لها ضرورة ، ما نحتاجه حقاً هو ثورة وعى حقيقى ، ولأذكر هنا الثورة الفرنسية التى تعتبر أعظم إنجازات التاريخ الأنسانى فبرغم أن عدداً من الجماهير خرجت وكان دافعاً أساسياً لها هو الجوع إلا أننا لا يمكن أن نغفل وجود "جان جاك روسو" وكيف أن من قاد هذه الجماهير من مثقفين حينها كانوا على درجة كبيرة من الوعى ، فهل نجد أمثال هؤلاء هنا من المثقفين ولا أعنى بلوغهم مرتبة "روسو" ولكن يكفى أن يكونوا على دراية بحيث لا ينساقوا هم أيضاً وراء العواطف الساذجة .
الملاحظة الأخيرة تتعلق بالمعارضة التى لا تعى ما يدور خارج إطار كهفها المعتم ، فهل تكتفى بالدعوة لمظاهرات وحتى أن كانت محمية بسلاح بغية تقويض النظام الحالى خاصة بعد التقارب بين الأخير بين أمريكا وأيران الحليف الأقوى للنظام ، نعم النظام الحالى يحتضر وسبب ذلك الأحتضار السياسة المالية له والتى تعجل بسقوطه يوماً بعد آخر ، ولكن المفارقة المثيرة للسخرية أن من يعارض الحكومة هم سبب رئيسى آخر لديمومتها ، وهو السبب الذى الدفع بعدد من الشباب لضرورة إنكار وجودها ما لم تغير جذرياً من سياستها وقادتها الذين عفى عليهم الزمن ، فظهرت جماعة من الشباب إتخذت موقفاً يبدو شديد الغرابة على المجتمع السودانى حيث أطلقوا على أنفسهم لفظ " متخاذلين " عبر مواقع التواصل الأجتماعى رافضين بذلك الحراك القائم على الفوضى دون وعى ، الأحتجاج غير المبنى على رؤى وأهداف ومطالب غير واضحة وضرورية ، وطرحوا سؤالاً عن الأستفادة التى حققتها إحتجاجات سبتمبر خلاف القتل والأعتقال والمحاكمات الجائرة .


مروة التجاني
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1740

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#821570 [أبو عبدالله]
0.00/5 (0 صوت)

11-08-2013 09:36 PM
التحية لأرواح شهدائنا الابرار
التحية لكل جرحى الثورة الأبطال
التحية لكل المعتقلين و المعتقلات في سجون النظام الذين يواجهون أبشع أنواع القهر و الذل
التحية لكل رجال الاعلام المخلصين امثال عثمان شبونة و رفاقه أصحاب القلم الوطني الصادق و هم يحاربون جهاز الأمن المستبد
التحية لكل من يقفون الآن أمام المحاكم بقانون قرقوش زمانه
التحية لكل من يطارده زوار الفجر ليل نهار
الاستاذة مروة التجاني
تحية و تقدير
اسمحي لي أن أرد على بعض استفساراتك أو ما حوته مقالتك أن الشوارع بلون الموت
فـــ يا سيدتي عليك أن تعلمي أن شباب السودان و شابات السودان و رجاله و نسائه و أطفاله قد سطروا أروع ملحمة و بطولة شهدها تاريخ السودان الحديث ، بصدورهم العارية و زيهم المدرسي قد سقطوا شهداء العزة و الكرامة و الحرية و العدل من أجل شعبهم و وطنهم و أن دمائهم الطاهرة الزكية لن تضيع هدرا و سدى !
ان هؤلاء الشهداء الأبطال و العزل و الذين استشهدوا في الشوارع و الطرقات لم يكونوا يحملوا اسلحة في ايديهم أو مسروقات في جيوبهم أو خلف بضائع سرقوها من المحلات ... و لكنهم كانوا يحملوا ارادة الشعب و عزيمة الشعب في مواجهة آلة البطش التي تمتلكها مليشيات النظام و اعتراف رئيس النظام البائس و المنحط أبد الدهر بأنهم قد استعملوا الخطة ( ب ) في القتل و الإرهاب حتى الآن ! فهل نجح النظام في ايقاف الثورة أو أخمد اشتعالها .. فهيهات هيهات أن يحدث ذلك حتى لو استعمل النظام الخطط من ( أ) إلى ( ي) و الدليل على ذلك حالة الرعب التي يعيشها النظام الآن في أقوال رئيسه و أفراد نظامه و الانشقاقات التي تحدث داخل حزبه و تناطحهم و تنافكهم بدءا من عرابهم الذي أتى بهم و انتهاء بحارس مبناهم و مقرهم و ظهور مجموعات اصلاحهم و انسلاخهم و ظهور مجموعات تغييرهم بــ بروفاتهم و دكاترتهم و مثقفيهم و حتى الذين كانوا بالأمس القريب يرضعون من ثديهم حتى جف و الآن يبحثون عن الخلاص و الزوغان و شمل ذلك عواجيز الأحزاب بالتناطح و التناكف على الصحف و الاعلام الاسفيرات و هم من دعموا النظام و ساندوه

ولكن الثورة مستمرة و لن تتوقف و هي التي حاصرت النظام من كل الجوانب الدولية و الاقليمية و حتى المنابر العالمية و صوتنا وصل الجميع
و النظام لا يملك حليفا أو وجيعا يستنجد به فهم الآن كــ ( المنبتة الذي لا مال جمع و لا أرض قطع ) فهم جمعوا المال و قطعوا أرض السودان فـإلى أين سيذهبون ؟؟ لا نريد الانتقام و لكن حسب خططنا و ميثاقنا ستكون هنالك محاكم بالعدل و الكرامة تنتظر كل من ساهم في هذا النظام أو من أتى به أو دعمه أو تكتم عليه
فميثاقنا تتصدره ( لا عفا الله عما سلف ) و على البريء أن يثبت براءته و يرد على سؤال من أين لك هذا
و ثاني بنودنا إقامة الصندوق القومي لرعاية أسر الشهداء كل الشهداء و الضحايا و الأبرياء و المتضررين في أرزاقهم منذ عام 1989 و حتى النصر
فلتعلمي أنت و غيرك إزالة هذا النظام معناه أن 95 % من مشاكل السودان الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية الخ .. تكون قد انتهت و ان خطة عمران كل ما دمر أو سرق جاهزة بواسطة خبراء كل في مجاله داخل و خارج السودان
النظام يترنح و يتهاوى و ان لم يسقط اليوم سيسقط غدا و أن الثورة مستمرة مادام هذا النظام و أعوانه جاثم على صدر شعبنا

وانها لثورة حتى النصر .. و مليون شهيد لعهد جديد و عاش كفاح الشعب السوداني


مروة التجاني
مروة التجاني

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة