محمد علي حمامه
11-08-2013 07:41 AM


اجراس الهواتف

اتوجس خيفة من هواتف اخر الليل و بدايات الصباح ، اخاف من خبر جارح بالفقد و الموت لاني استصعب مهمة ان انقي موتانا من عاطفة و نوايا المراثئ ،فما الذي تستطيع ان تفعله مرثية باهرة لموتي بدون قبور؟، ما الذي تستطيع ان تفعله دمعة الحزن تجاه جسد غائب لم تضمه مقبرة ؟
كانت السماء في الخارج تنز بالجليد ، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحا بقليل و كنت مساهرا اناوش هواجسي و تناوشني حين رن جرس التلفون ، كان الرنين يعلن عن مكالمة خارجية بولولة مختلفة ، جاءني صوته رخيما اليفا علي أذني ، إلفتي مع صوته إلفة قديمة هي الفة الابتدائية و الثانوية العامة و الثانوية العليا بكادقلي والغريب ان اخر مرة سمعت هذا الصوت واخر مرة اري فيها صاحب الصوت قبل اكثر من ثلاثين عاما ،
وبقدر فرحتي بهذا الصوت الاليف و الحميم الذي وصلني من احدي الدول الاوربية وانا في مدينة هاملتون باقليم انتاريو بكندا إلا ان هذا المكالمة عابرة القارات قد دخلت في منطقة الاحزان بغبن سياسي متأصل واقتربت تماما من منطقة خوفي من هواتف اخر الليل و بدايات الصباح ، كان صديقي قد سألني بعد ان عنفني بلوم كثيف وكان يصر علي تقصيري ككاتب
إنت ليه ما كتبت عن حمامة ؟
فوجدتني اتحرك مندفعا نحو جهاز الكمبيوتر و ادخل اميلي في الياهو و افتح ملف التداعيات ، كل ذلك و انا في نقاش حميم محاولا ان انفي تقصيري ككاتب وحين وجدت النص الذي ابحث عنه صحت في صديقي عبر الهاتف
اهو ده النص لقيتو وعشان ما تتكلم ساكت انا حأقرأ ليك هسه.
----------------------------------------------------------------------------
تداعيات
------------------------
محمد علي حمامه

==================
سقط مني كتاب ( التعذيب في السودان ) الذي اصدرته منظمة ضحايا التعذيب بالقاهرة ، سقط مني الكتاب بعد ان ارتعشت اصابعي مستجيبة لهزة عنيفة في دواخلي ، كان ذلك في اوائل ابريل 1995م تاريخ قدومي للقاهرة و كنت مستضافا مع الاخوة الاستاذ عبد الرحمن الزين المحامي و الاخ الصديق علي العوض الذي يستحق تماما لقب عمدة و الاخ الصديق عبد الله عبد الوهاب ( كارلوس ) في شقة بارض الجولف علي شارع حسن افلاطون ، كانت الشقة هي مكتب منظمة ضحايا التعذيب ، صدمني ذلك الكتاب و انا اقرا فيه عن زميل دراستي ( رمضان ) لاعب مريخ كادقلي المعروف ،قيل انه مات مقتولا برصاص الاستخبارات العسكرية بكادقلي و كنت اعرف قبلها ان الصديق ( ابراهيم مرمطون ) لاعب هلال كادقلي ذلك المتفق عليه بالحب من جميع اهالي كادقلي قد تمت تصفيته و قد كنت كتبت عن ذلك ، ( نصرالدين جكسا ) مدرب كرة القدم واشتهر بتدريب فريق الشبيبة ضاعت حياته في هذيان غريب اختار له بعض المغرضين اسم ( نحن كادقلي ) و هذا موضوع اخر و المهم هنا ان ( نصرالدين جكسا ) قد تمت تصفيته من قبل الاستخبارات العسكرية في زمن الديمقراطية الثالثة ، تري لماذا تتساوي مأسينا بهذا الشكل المتجاوز دائما لنوع الحكم ؟
في الكتاب قائمة من اسماء اعرفها و لا اعرفها ولكني اذكر مساء ذلك اليوم الذي قرأت فيه اسم ( محمدعلي ) من ضمن قائمة هولاء الموتي و الذين في الغالب لم تحظ أسرهم بدفنهم ، لانهم يذهبون و لا يرجعون ، هكذا يختفون من علي وجه البسيطة و تبقي الحسرة ازلية الوجود في وجدان اهلهم ، حكي لي احد الاصدقاء و هو زميل دراسة بكادقلي و احد الناشطين السياسيين ان هنالك منطقة تقع جنوب حي ( ام بطاح ) او تحديدا جنوب حامية كادقلي العسكرية يتم فيها دفن جثث هولاء الموتي ، كم كان ( جيمس ) لاعب هلال كادقلي محظوظا اذ انه دفن في نادي الهلال ، كان ( جيمس ) من ابناء جنوب السودان ، كان لاعبا ماهرا و صانع العاب لا يضاهي ولولاه ما كان ل ( جلال كادقلي ) لاعب هلال كادقلي و هلال العاصمة ذلك الصيت و تلك الشهرة ، ( جيمس ) تمت تصفيته ليلا في حي ( كليمو ) حيث كان يسكن من قبل احد افراد الاستخبارات العسكرية لاسباب خاصة تتعلق بنوع من ذلك الحقد إثر منافسة عاطفية و لكن هذا السبب قد تم تحويله الي سبب سياسي يبيح ممارسة التصفية و هو ان ( جيمس ) يتعامل مع الخوارج - طابور خامس - خاصة ان ( جيمس ) من جنوب السودان ، دائما حين اتأمل كلمة - خوارج - احس بان السودان قد تمت إحالته زمانيا و مكانيا الي وضع اخر لا يتعلق إلا بوسواس هولاء المتنطعين ، ارجو ان نتذكر اول من اطلق علي مقاتلي الحركة الشعبية هذه الصفة - خوارج - ، الاحظ ان اغلب هولاء الموتي الذين اتحدث عنهم من الرياضيين ، ( رمضان ) لاعب المريخ ، ( نصر الدين جكسا ) مدرب كرة القدم ، ( ابراهيم مرمطون ) لاعب الهلال ، ( جيمس ) لاعب الهلال وكلهم تمت تصفيتهم بالإحالة الي تلك التهمة وقد يضاف اليها ذلك البعد العنصري الذي اعرف تماما انهم لا يشبهمون هذه الصفة - عنصري - ، انا اعرفهم ، اعرفهم تماما ، اعرفهم كما اعرف ان هذا الدمع دمعي ، اعرفهم و احس بذلك الخبث المدسوس في نوايا من اهدروا حياتهم .
لم اكن اعرف ان بين هولاء الموتي ( محمد علي ) ،او حمامه كما يفضل جمهور كرة القدم بكادقلي ان ينادوه ، ( محمد علي ) ، حمامه،الذي كان يعمل في السلك الكتابي في مدرسة كادقلي الثانوية العليا - ( تلو ) ، ( محمد علي حمامه ) ذلك الرياضي المطبوع و الذي يملك جسدا مرنا يتحكم فيه حد ان يشكل به مشية العقرب ، لازلت اذكر دهشتنا الطفولية و نحن نتابع حركات ( محمد علي حمامه ) الرياضية في ميدان الحرية في المناسبات العامة ، علي ميادين المدارس في احتفالاتها و كرنفالاتها الرياضية ، اينما يكون ( محمد علي حمامه ) يكون هنالك هذا الكرنفال الجسدي الذي يجترحه في المكان ، يمارس ( محمد علي حمامه ) انواعا مختلفة من الالعاب الرياضية ، الجمباز ، اللعب علي الحصان المتوازي ، القفز العالي ، الكرة الطائرة ، الباسكت ، كان ( محمد علي حمامه ) يعمل اولا في مدرسة كادقلي الثانوية العامة (أ ) وقد انتقل الي الثانوية العليا (تلو ) بعد ان ترك بصماته الرياضية علي رياضيين ممتازين اشهرهم ( نجيب اسماعيل بكر) او ( راس كديس ) حارس مرمي الاهلي و اللاعب صاحب ميزة اللعب في كل الخانات و غيره ، لم يكن ( محمد علي حمامه) مجرد موظف في السلك الكتابي لكنه كان ممتدا و منتشرا وسط الطلاب من خلال الرياضة ، كان يدرب فريق المدرسة لكرة القدم و العاب القوي المختلفة ، يهتم اهتماما خاصا بحراس المرمي اذ انه كان من اميز حراس المرمي وقتها كان يحرس مرمي نادي الهلال و لسنين طويلة ، له علائق حميمة مع الطلاب ، ( محمد علي حمامه ) نموذج حقيقي للرياضي الكامل المواهب و يبدو ان صفة الرياضي قد مكنته من سلوك رفيع و اخلاق حميدة تستطيع ان تهزم تماما هولاء الذين اهدروا حياته ، يتحدث ( محمد علي حمامه ) اليك و بالكاد تسمع صوته الهادئ ، متزن التصرفات ، لا يستطيع ان يتشنج ابدا ، له تلك الروح الشفيفة التي حتما صهرتها وجملتها ممارسة الرياضة ، محبوبا كان ( محمد علي حمامه ) لدي اهالي كادقلي ، كان واحد من اهم نجوم المدينة لا سيما و هو الذي يهدي المدينه دائما تابلوهاته الرياضية الساحرة .
ها هو ( محمد علي حمامه) وانا اقرأ اسمه ضمن قائمة اولئك الموتي ، الموتي الذين بلا قبور ، حتما هذا النوع من الموتي يستطيع تماما ان يهدينا القدرة علي رؤية قاتليهم و هم يمرحون زيفا في فساد الحياة.

وحين قرأت هذا النص مدافعا عن عدم تقصيري خيل لي انني اسمع هذيان الدمع علي عيون صديقي في الجانب الاخر و حتما كان هو يسمع هذيان دموعي ولكن ما الذي تستطيع ان تفعله دمعة الحزن تجاه جسد غائب لم تضمه مقبرة ؟


[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2148

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#821791 [وطن وطن وطن]
0.00/5 (0 صوت)

11-09-2013 10:55 AM
لك الف تحية .رجعت بنا الي ايام تلو الجملة.ربنا يتقبلهم جميعا


#821715 [hajoj]
4.00/5 (1 صوت)

11-09-2013 08:36 AM
تحياتنا للاخ الكاتب الشفيف يحي فضل الله بن كادقلي البار,لم اطلع على كتابه المشار اليه لكني سؤالي,هل شمل كتابه الاستاذ الخلوق عصمت حسن خير السيد..ذلك الشاب الممتلء حيوية و نشاط و تفائل,تمت تصفيه بالتزامن مع تصفية الاستاذين جلدقون و صابون و كلهم كانوا استاذة في مدرسة تلو الثانوية...رحمهم الله جميعا


#821430 [مخلص]
0.00/5 (0 صوت)

11-08-2013 05:47 PM
شكرا لك ابن كادقلى المبدع ,دائما تملا النفس بالحزن النبيل والشوق و الجمال, و طالما عدت بنا لايام الحزن تلك اليك بعض الحكايات الحزينة.
حدثنى صديق لى بكادقلى قبل فترة, بان احد اقاربه و يدعى (يونس), كان جنديا عاديا بالاستخبارات العسكرية بكادقلى ولكنه كان من ضمن الذين توكل اليهم مهمة التعذيب باستخدام طريقة (طيارة قامت) . كان يونس فظا غليظ القلب وكان مشهورا بتعذيب (الخوارج )كما يسمونهم.على ذمة صديقى هذا, ان يونس قد ولد له ابن فى تلك الايام (مخلقن)بمعنى مشوه , كانت اياديه للخلف و صدره الى الامام تماما مثل طريقة (طيارة قامت) التى كان يستخدمها هذا المعتوه ضد الابرياء من ابناء جنوب كردفان.و قد توفى هذا الملعون بعد فترة بعد ان فقد عقله .
صديق لى كان جندى بكادقلى ,حدثنى بان عدد من دفعتهم عندما كانت حديثة العهد بالجندية, ارسلوا فى يوم من الايام بامرمن مسؤول الاستخبارات المشهور بجنوب كادقى (وهو الان والى باحدى ولايات كردفان الحديثه) الى جبل ام بطاح المشهور و هناك امرهم القائد بان يطلقوا الرصاص بكثافة على هاوية خلف الجبل وكان الوقت ليلا ليكتشفوا فى اليوم الثانى بان من اطلقوا عليهم الرصاص بالظلام هم (الطابور الخامس) كما يسمونه. قال لى هذا الصديق, هذا هو السبب الاساسى الذى جعلنى اترك الجيش السودانى دون عودة. فكثير من افراد الجيش السودانى مخدوعون, والى الان يستخدمهم هؤلاء الاسلامويون البلهاء كما يطيب لهم .


#821429 [مخلص]
0.00/5 (0 صوت)

11-08-2013 05:47 PM
شكرا لك ابن كادقلى المبدع ,دائما تملا النفس بالحزن النبيل والشوق و الجمال, و طالما عدت بنا لايام الحزن تلك اليك بعض الحكايات الحزينة.
حدثنى صديق لى بكادقلى قبل فترة, بان احد اقاربه و يدعى (يونس), كان جنديا عاديا بالاستخبارات العسكرية بكادقلى ولكنه كان من ضمن الذين توكل اليهم مهمة التعذيب باستخدام طريقة (طيارة قامت) . كان يونس فظا غليظ القلب وكان مشهورا بتعذيب (الخوارج )كما يسمونهم.على ذمة صديقى هذا, ان يونس قد ولد له ابن فى تلك الايام (مخلقن)بمعنى مشوه , كانت اياديه للخلف و صدره الى الامام تماما مثل طريقة (طيارة قامت) التى كان يستخدمها هذا المعتوه ضد الابرياء من ابناء جنوب كردفان.و قد توفى هذا الملعون بعد فترة بعد ان فقد عقله .
صديق لى كان جندى بكادقلى ,حدثنى بان عدد من دفعتهم عندما كانت حديثة العهد بالجندية, ارسلوا فى يوم من الايام بامرمن مسؤول الاستخبارات المشهور بجنوب كادقى (وهو الان والى باحدى ولايات كردفان الحديثه) الى جبل ام بطاح المشهور و هناك امرهم القائد بان يطلقوا الرصاص بكثافة على هاوية خلف الجبل وكان الوقت ليلا ليكتشفوا فى اليوم الثانى بان من اطلقوا عليهم الرصاص بالظلام هم (الطابور الخامس) كما يسمونه. قال لى هذا الصديق, هذا هو السبب الاساسى الذى جعلنى اترك الجيش السودانى دون عودة. فكثير من افراد الجيش السودانى مخدوعون, والى الان يستخدمهم هؤلاء الاسلامويون البلهاء كما يطيب لهم .


#821322 [الجويرابي]
0.00/5 (0 صوت)

11-08-2013 02:25 PM
رغم إنتشار الجرائم المماثلة إبان الحرب الأهلية إلا أن مدينة كادوقلي شهدت تصفيات لا مثيل لها. إبراهيم بلندية وأيضا من أميز لاعبي كرة القدم الذين شاهدتم في حياتي وخطيب مفوه .. حاولوا تصفيته عشرات المرات لكنه افلت .. لكنه عندما إنضم إليهم وأصبح رئيس المجلس التشريعي (وهذا لغز محير) تمت تصفيته .. وما زال موته، ايضا، لغز محير.


#821105 [mohieldin]
0.00/5 (0 صوت)

11-08-2013 09:39 AM
شكرا كتير ايها المبدع يحي فضل الله فكتاباتك تلطف لنا الجو وتدفينا في صقيع الغربة

متعك الله بالصحة والعافية وسوف تشرق شمس الحرية في بلادنا يوما ما وترجع الطيور المهاجرة الي اوكارها


يحيي فضل الله
يحيي فضل الله

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة