المقالات
السياسة
مقالات قديمة (ارشيف)
الحركة الوطنية السودانية
الحركة الوطنية السودانية
11-08-2013 08:08 PM


الحركة الوطنية السودانية (1899 - 1956)
الدكتور حسن أحمد إبراهيم

ما إن تمكنت القوات البريطانية المصرية بقيادة الجنرالين كتشنر وونجت من القضاء على دولة المهدية في معركتي كرري وأم دبيكرات في عام 1898 - 1899 م حتى ظهرت قضية تحديد مستقبل السودان السياسي. فبريطانيا التي هيمنت آنذاك على شؤون مصر والسودان هيمنة فعلية، لم ترد ضم البلاد لممتلكاتها لأسباب متعددة، أهمها أن ذلك سيشكل عبئاً مالياً ثقيلاً على خزانتها. وكذلك لم ترد بريطانيا ضم السودان لممتلكات الإمبراطور العثماني على أن يحكمه خديوي مصر باسمه - كما كان الحال قبل انتصار الثورة المهدية في 1885 م - لأسباب، أهمها أن ذلك سيحرم بريطانيا من السيطرة على السودان ذي الموقع الاستراتيجي الهام لأمن الإمبراطورية وسلامتها. وفي الواقع إن بريطانيا أرادت أن تخلق في السودان نبتاً شيطانياً يمكنها من السيطرة الفعلية على شؤونه، على أن تتكفل مصر بتبعات ذلك الاحتلال المالية مقابل منحها بعض الامتيازات الثانوية فيه. وقد تم ذلك من خلال اتفاقية الحكم الثنائي التي فرضتها بريطانيا على مصر، ووقعها اللورد كرومر - مهندس هذه الاتفاقية - وقنصل بريطانيا في مصر (1883 - 1905 م) وبطرس غالي وزير الخارجية المصري في 19 يناير 1899 م. وبالرغم مما فيها من مآخذ اعترف بها كرومر نفسه، شكلت هذه الاتفاقية - التي سميت اتفاقية الحكم الثنائي - آلية الإدارة الاستعمارية البريطانية في السودان طوال سيطرتها عليه لأكثر من خمسين عاماً. ولعل أهم مواد هذه الاتفاقية - التي أقامت نظاماً لم يكن له مثيلٌ في القانون الدولي - أنها ركزت كل السلطات المدنية والعسكرية في يد ضابط بريطاني سمي »الحاكم العام«. إذن فإن تسمية تلك الحقبة بـ»العهد الثنائي الأنجليزي - المصري« تسمية مبهمة وغير دقيقة، إذ أن بريطانيا كانت هي الحاكم الفعلي للبلاد طوال تلك الفترة التي تعرف الآن بالعهد الاستعماري الثاني للسودان([1]).

مرت الحركة الوطنية السودانية خلال العهد الاستعماري الثاني (1898 -1956 م) بمراحل زمنية محددة، لكل منها سماتها ومميزاتها الخاصة يمكن تحقيبها ودراستها على النحو التالي:



1 ـ 1898 - 1919 م.

2 ـ 1920 - 1934 م.

3 ـ 1935 - 1945 م.

4 ـ 1946 - 1956 م.





الحركة الوطنية السودانية (1898 - 1919 م)

وضعت المادة التاسعة من اتفاقية الحكم الثنائي كل السودان تحت حكم الطوارئ، واتبعت الإدارة الاستعمارية الجديدة أساليب قمعية ووحشية تحسباً لأي مقاومة. ولكن على الرغم من ذلك، فقد شهدت كافة أنحاء البلاد عدداً كبيراً من الانتفاضات الوطنية خلال الفترة 1898 - 1919 م كانت العوامل الرئيسة وراءها ما سمته الإدارة الاستعمارية »الإسلام الأصولي المتشدد«، والنزعة القبلية العرقية التي عشقت الحرية ورفضت كل تدخل أجنبي. ويمكن دراستها على النحو التالي: 1. المقاومة في شمال السودان؛
2. المقاومة في جبال النوبة؛ 3. المقاومة في جنوب السودان؛ 4. المقاومة في دارفور.



أ - المقاومة في شمال السودان

زعمت الحكومة أن الإسلام الصوفي كان وراء اندلاع الثورة المهدية، وتوقعت أن يساند كل حركات المقاومة التي قد ينظمها السودانيون عامة وأنصار الإمام المهدي خاصة ضد الغزاة الجدد. ولذلك عمدت الإدارة الاستعمارية منذ البداية إلى إضعاف نفوذ الطرق الصوفية بتشجيع الإسلام السني الفقهي بكل السبل. فهي قد عينت العلماء لتدريس الشريعة وليكونوا قضاة شرعيين، وكونت مجلساً للعلماء في سنة 1901 م قدمت له كل قرارات الحكومة ليوافق عليها؛ كما دفعت مساعدات مالية لبناء المساجد وشجعت الناس على الحج إلى الأراضي المقدسة. وللحفاظ على مشاعر المسلمين، عملت الحكومة على عدم التدخل بقدر الإمكان في شؤون الأهالي الدينية واحترام الدين الإسلامي في شمال السودان المسلم مع منع التبشير المسيحي هناك منعاً باتّاً. وفي الوقت نفسه، سعت الحكومة سعياً جادّاً لإضعاف الطرق الصوفية عامة والمهدية خاصة، فرفضت الاعتراف بها ومنعت زعماءها من بناء المساجد الخاصة والزوايا والقباب. ولم تعترف الحكومة حتى بالطريقة الختمية التي عادت المهدية عداءً واضحاً وصريحاً([2]). ويبدو أن المحرك الرئيس

وراء هذه السياسة العلمانية كان يستمد شرعيته من توجه الحكومة البريطانية القاضي بتطبيق مبدإ فصل »الكنيسة عن الدولة«.

أما مؤيدو المهدي - الذين يُعرفون بالأنصار، تيمناً بأنصار الرسول الكريم -، فقد اعتبرتهم الحكومة منذ الغزو حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عدوها الرئيس، وعملت على تقليص نفوذهم بوسائل وحشية. فقد سلك كتشنتر - أول حاكم عام للسودان - مسلكاً همجياً أثار الرأي العام عندما دمر في سنة 1899 م تدميراً شاملاً قبة الإمام المهدي في أم درمان التي شيدت بأمر من الخليفة عبد الله في نفس المكان الذي دفن فيه المهدي، وأصبحت مكاناً مقدساً يتبرك به الأنصار الذين يأتون لزيارته من مختلف بقاع السودان. بل إنَّ كتشنر نبش قبر المهدي ورمى عظامه في النيل، وعملت الحكومة أيضاً على التخلص من قيادة الأنصار الروحية والسياسية بأن أعدمت بعض أفراد عائلتي المهدي والخليفة، وسجنت كثيراً من أمراء المهدية في رشيد ودمياط بمصر، ومن ثَمَّ حلفا؛ كما أنها منعت منعاً باتّاً قراءة راتب المهدي "كتاب الأذكار" الذي يتكون من مجموعة أوارد يتلوها الأنصار بانتظام عقب صلاتي الفجر والمغرب([3]).

أُصيب الأنصار بخيبة أمل كبيرة عندما نجح الأنجليز في فرض حكمهم على البلاد، ورأوا في انتصار الكفرة نكسة كبرى لدعوة المهدية. وللتنفيس عن هذا الأسى العميق، انكب الأنصار على قراءة الراتب وآمن كثيرون منهم بفكرة »النبي عيسى«. فقد شاع بينهم، وعند كثير من مسلمي غرب أفريقيا، أنه بعد ظهور المهدي سيأتي »المسيح الدجال« ليعارض دعوة المهدي، ولكنه لن يبقى طويلاً، إذ سيظهر »النبي عيسى« لينقضَّ على الدجال وينقذ الدعوة المهدية. وقد زعم الأنصار أن كلاًّ من المهدي وخليفته عبد الله قد تنبأ، وهو على فراش الموت، بظهور »المسيح الدجال«؛ كما انتشرت نبوءة الفقيه السوداني المشهور »فرح ودتكتوك« بظهوره. وقد شبه الأنصارُ الأنجليزَ بـ»المسيح الدجال« وآمن الكثيرون منهم بأن »النبي عيسى« سيظهر للقضاء على حكمهم. وهكذا ادعى كثير من الأنصار - طوال العشرين السنة الأولى من الحكم البريطاني - العيسوية وأعلنوا الجهاد ضد الغزاة. فلم يمض عام طوال هذه الفترة حتى أعلن أحد الأنصار العيسويةَ في جهة ما بالسودان. ومن هؤلاء علي عبد الكريم في أم درمان سنة 1900 م، والفكن محمَّد الأمين في تقلى سنة 1903 م، وآدم محمَّد في سنار 1904 م.

على أن أهم حركات المقاومة المهدوية تلك كانت انتفاضة »ود حبوبة« في الجزيرة سنة 1908 م. فعبد القادر إمام محمَّد حبوبة انحدر من عائلة ذات نفوذ قويّ في الجزيرة، وكان أنصاريّاً مخلصاً عاصر المهدية وشارك في حروبها. خطط ود حبوبة للقضاء على حكم الأنجليز وإعادة حكم المهدية في السودان، فنظم اجتماعات سرية مع الأنصار قرأوا خلالها الراتب وأعدوا العدة للانقضاض على حكم الكفرة. وعندما علمت الحكومة بنشاط ود حبوبة، استدعته للمثول أمام أحد موظفيها. فرفض رفضاً باتاً. فما كان من الحكومة إلا أن أرسلت حملة عسكرية لإخضاعه بقيادة اثنين من موظفيها. وقد تمكن ود حبوبة من هزيمتها وقتل الموظفين. وعندئذ تيقنت الحكومة من خطورة الموقف، فأرسلت حملة أخرى هزمت الثوار وأعدمت قائدهم في 17 مايو 1908 م. وقد أرادت حكومة السودان شنق كل من اشترك في هذه الانتفاضة. إلا أن وزارة الخارجية البريطانية أصرت على أن يعدم من ثبتت مشاركتهم في قتل موظفي الحكومة فقط، وذلك خوفاً من ثورة الرأي العام البريطاني وحفاظاً على سمعة بريطانيا. وفي هذا المقام يبدو أن حادثة دنشواي في مصر سنة 1907 م التي قتلت فيها سلطات الاحتلال البريطاني عدداً من سكان تلك القرية كانت عظة وعبرة للحكومة البريطانية في تعاملها مع انتفاضة ود حبوبة([4]). وقد يكون من المناسب أن نذكر هنا أن الحكومة لم تكن بحاجة إلى وضع مثل هذا الاعتبار في مواجهتها للانتفاضات الوطنية التي واجهتها في المناطق النائية في جبال النوبة وجنوب السودان، والتي كانت أكثر جرأة وعنفاً على الرغم من أنها لم تثر انتباه الرأي العام العالمي في بريطانيا ومصر كما فعلت الحركات المهدوية.

على أن تلك الحركات المهدوية قد فشلت في استقطاب قطاعات واسعة من الرأي العام السوداني، وخاصة في المناطق الحضرية التي اشتهرت بعدائها للمهدية. ثم إن هذه الانتفاضات قد كانت متفرقة ومنعزلة بعضها عن بعض، مما مكن الحكومة من قمعها الواحدة بعد الأخرى على الرغم من قلة عتادها العسكري وبدائية المواصلات آنذاك؛ ولكنها قد أوضحت أنَّ زعم ونجت - الحاكم العامّ (1900 - 1916 م) - بأن جذوة المهدية قد انتهت إلى الأبد كان مجرد حلم، وأن هزيمة الأنصار عسكرياً لم تزعزع إيمانهم العميق بها. ولعل ذلك كان عاملاً آخر لقرار الحكومة عقب الحرب العالمية الأولى باتباع سياسة مرنة نحو الأنصار وزعيمهم الجديد السيد عبد الرحمن المهدي.



ب - المقاومة في جبال النوبة

مرت مقاومة أهالي النوبة للحكم البريطاني خلال الفترة 1900 - 1920 م بثلاث مراحل. ففي المرحلة الأولى التي امتدت حتى عام 1908 م استبعدت الإدارة الاستعمارية قيام ثورة واسعة النطاق، نظراً للتناحر والخلافات بين قبائل النوبة وانعدام القيادة السياسية الموحدة. ولذلك لم تر ضرورة قصوى لفرض حكم مباشر هناك في ذلك الوقت الذي انشغلت فيه بتدعيم حكمها في مناطق أخرى في السودان. وهكذا منح النوبة قدراً كبيراً من الحكم الذاتي، وانحصر نشاط الحكومة آنذاك في الحملات التي كانت ترسل من وقت لآخر لفض المنازعات بين المجموعات النوبية المتصارعة وجمع ضريبة يسيرة لتكون رمزاً لولاء النوبة للإدارة الجديدة. على أن الطابع المميز لمقاومة النوبة خلال هذه الفترة هو رفضهم دفع الضريبة، مما اضطر الحكومة إلى إرسال بعض الحملات التأديبية لإخضاعهم، كما حدث سنة 1904 م ضد سكان جبل كترا؛ إلا أن أهم مقاومة في هذه الفترة كانت انتفاضة أهالي تلودى والقرى المجاورة لها سنة 1906 م والتي قتل فيها بعض موظفي الحكومة.

بعد انتفاضة تلودى، فرضت الحكومة سيطرتها المباشرة على جبال النوبة؛ فوضعت فيها حامية عسكرية مستديمة وضمتها لمديرية كردفان ومنعت منعاً باتّاً امتلاك السلاح الناري وتداوله. غير أن هذه الإجراءات القمعية لم توقف مقاومة النوبة للحكومة؛ إذ شهدت الفترة 1908 - 1914 م عدداً من الانتفاضات، كانتفاضة المك عجبنا سنة 1980 م، وأهالي الدلنج سنة 1909 م، والتي قابلتها الحكومة بجرم شديد إذ أعدمت عدداً من قادة تلك الانتفاضات. وعلى الرغم من اقتناع معظم المجموعات النوبية منذ 1914 م بتفوق الحكومة العسكري، فإنهم لم يستكينوا للحكم الاستعماري، بل تحينوا الفرص لمقاومته. ولعل أهم انتفاضة شهدتها بلاد النوبة خلال الحرب العظمى هي انتفاضة الفكي في جبال الميرى 1915 م، والتي انضمت لها الجبال المجاورة وقبائل المسيرية والحمر. سببت هذه الانتفاضة قلقاً كبيراً للحكومة، فأرسلت حملتين للقضاء عليها؛ ولكنها اضطرت أخيراً إلى مفاوضة الثوار حتى تتفرغ للقضاء على السلطان علي دينار الذي أقضَّ مضاجع الحكومة في دارفور آنذاك([5]). سلَّم الفكي علي للحكومة بعد أن وعده المسؤولون بالعفو عنه، ولكنهم غدروا به وسجنوه في حلفا مدة سبع سنوات.



ج - المقاومة في جنوب السودان

نظراً لانشغالها بتدعيم إدارتها في شمال السودان، لم تشإ الإدارة الاستعمارية خلال العقدين الأولين من القرن العشرين فرض حكمها المباشر في مناطق السودان النائية، وخاصة في جنوب السودان. غير أن السودانيين الأفارقة هناك قاوموا الغزاة مقاومة عنيفة هدفت في المقام الأول إلى إنهاء حكمهم في هذا الجزء من الوطن الأفريقي. وقد شاركت في هذه المقاومة قبائل الجنوب الرئيسة، خاصة النوير والدينكا والزاندي. فالنوير- الذين سكنوا الأراضي الواقعة بالقرب من نهر السوباط والنيل الأبيض- هددوا سلطة الحكومة هناك، فهم لم يمتثلوا لأوامرها بوقف غارتهم على جيرانهم من قبائل الدينكا والأنواك؛ كما رفضوا مقابلة موظفي الحكومة والتعاون معهم. لذلك أرسلت الحكومة عدداً من الحملات العسكرية ضدهم. غير أن موت زعيمي النوير دينكر ودايو سنة 1906 م و1907 م على التوالي أضعف مقاومة النوير، واضطر معظم مجموعاتهم للتظاهر خلال الحرب العالمية الأولى بالولاء للحكومة على الرغم من أنهم كانوا مناوئين لها في قرارة أنفسهم. وقد وجد النوير لاحقاً فرصتهم للثورة على الإدارة البريطانية ثورة عارمة في سنة 1928 - 1930 م قتل فيها أحد كبار الضباط البريطانيين الكابتين فيرجسن.

أما الدينكا، فقد بلغت مقاومتهم للغزاة قمتها عندما نظم دينكا العالياب في سنة 1919 م حركة قوية شاركت فيها قبائل أخرى مثل دينكا بور وقبائل المانداري. ووجد الدينكا في زعيمهم بو يول - الذي لقِّب اريندت - قائداً فذّاً واصل في سنة 1921 - 1922 م الثورة على الغزاة مهاجماً عدداً من مواقع الحكومة([6]).

احتلت الحكومة منطقة بحر الغزال بين عامي 1900 و1903 م. غير أن قبائل الزاندي التي سكنت تلك المنطقة عارضت الوجود الأجنبي. ولعل أهم من انتفض على السلطة الاستعمارية في تلك المنطقة هو السلطان يامبيو. ولكن هزيمته وقتله في سنة 1905 م أضعف مقاومة الزاندي، مع أن بعض قادتهم حاولوا الانقضاض على الحكومة خلال الحرب العالمية الأولى، ولكن دون جدوى.

استخدمت الحكومة قدراً كبيراً من القوة والبطش لقمع الانتفاضات الوطنية في جنوب السودان، مما سبب الكثير من القتل والدمار. غير أن مقاومة أهالي جنوب السودان البطولية قد أقنعت الغزاة بأن العنف وحده لا يكفي لتحقيق أهدافهم ومآربهم، فاضطروا في مطلع الثلاثينيّات من القرن العشرين إلى ابتداع سياسة جديدة ومرنة هدفت لنيل تأييد جنوب السودان بالوسائل السلمية([7]).



د - المقاومة في دارفور

ظلت دارفور طوال تأريخ السودان الحديث معقلاً مناوئاً للغزاة تحت قيادة أسرة الكيرا التي أقامت لفترات طويلة حكماً مستقلاًّ تبنَّى الشريعة منهجاً للحياة ومصدراً للتشريع. ولذلك لم يكن غريباً أن ينتهز أحد أبناء هذه الأسرة - وهو علي دينار - فرصة الاضطراب الذي ساد البلاد في أواخر أيام دولة المهدية ليعلن في نهاية سنة 1899 م سلطنة تمتعت بقدر كبير من الاستقلال. وقد اضطر الأنجليز في بادئ الأمر إلى مهادنة السلطان علي دينار، لأنهم كانوا مشغولين بملاحقة الخليفة عبد الله الذي هاجر غرباً لمواصلة الجهاد؛ كما أنهم أرادوا التفرغ لتنظيم شؤون المديريات السودانية الأخرى التي خضعت لحكمهم قبل النظر في أمر هذه المنطقة النائية والوعرة المسالك. ولذلك اعترفوا في مايو 1901 م بعلي دينار سلطاناً على دارفور، واكتفوا بسيادة اسمية على تلك المنطقة تمثلت في رفع علمي بريطانيا ومصر في العاصمة الفاشر ودفع مبلغ سنوي قدره خمسمئة جنيه رمزاً لتبعية علي دينار للحكومة. ولا شك في أن الغزاة قد شعروا بأن غزو دارفور والاستيلاء عليها سيواجه آنئذ مقاومة عنيفة ويكلف حكومة الخرطوم أموالاً طائلة لا طاقة لها بها.

غير أن العلاقات سرعان ما تدهورت بين علي دينار والحكومة؛ إذ أنه استغل كل الفرض لتأمين استقلاله، بينما تزايد شك الحكومة في نواياه. وتفاقم هذا التوتر ليصل عند اندلاع الحرب العالمية الأولى إلى درجة العداء، خاصة عندما انحاز السلطان علي دينار إلى جانب أعداء بريطانيا، فخاطب خليفة المسلمين السلطان العثماني، وعارض عزل بريطانيا للخديوي عباس حلمي عن ولاية مصر وتعيين السلطان حسين كامل في مكانه. وعندئذ أرسلت السلطات في الخرطوم جيشاً بقيادة الأمير لاي هدلستون تمكن بعد معارك ضارية - استبسل فيها الفور- من هزيمتهم، وقتل علي دينار في ميدان المعركة في 6 نوفمبر سنة 1916 م. وبذلك ضمت دارفور إلى باقي أجزاء السودان التي خضعت للحكم البريطاني.

قلنا إنه ما مَرَّ عام من الأعوام العشرين الأولى للحكم البريطاني إلا وشهدت فيه البلاد انتفاضة مهدوية. وعلى الرغم من أنّ جذوة تلك الحركات قد هدأت بعد ذلك تدريجياً في مناطق البلاد الحضرية، فإن الأنصار في دارفور استمروا في مقاومتهم للمستعمرين. فقد ادعى عدد منهم العيسوية وأعلنوا الجهاد ضد حكم الكفرة. ولعل أهم الانتفاضات التي اندلعت هناك كانت ثروة نيالا 1921 م التي قادها الفكي عبد الله السحيني. وهدفت ثورة نيالا، كسابقاتها، إلى إنهاء حكم الكفرة وإعادة مجد المهدية الغابر. وبجانب هذا العامل الديني الرئيس، كانت هناك أسباب أخرى فاقمت سخط أهالي دارفور على المستعمرين ودفعتهم لتأييد الثورة. وقد تمثلت تلك في رفضهم لنظام الحكم المركزي المباشر والضرائب الباهظة التي فرضها المستعمرون.

هاجمت قوة من الثوار قوامها خمسمئة مجاهد، وعلى رأسها السحيني، حامية نيالا وسوقها في 26 سبتمبر 1921 م، فاستولت على الحامية وحرقت المباني المجاورة. وقاد السحيني هجوماً آخر كاد أن يوجه ضربة قاضية للمحتلين لولا أنه جرح جرحاً خطيراً، وقتل من قوات الحكومة في هذه الجولة ثلاثة وأربعون وجرح واحد وعشرون آخرون، بينما استشهد من الأنصار نحو ستمئة مجاهد. أمّا السحيني، فقد شنق علناً في 4 أكتوبر. إلا أن مؤيديه تجمعوا حول نيالا. إزاء هذه التطورات الخطيرة، أرسلت الحكومة حملة عسكرية قوية طافت جنوب دارفور واعتقلت أعداداً كبيرة من المواطنين وحرقت منازلهم واستولت على ماشيتهم وصادرت ممتلكاتهم. وهكذا، وبحلول مايو 1921 م، أدت هذه المجازر والأساليب الوحشية إلى هدوء الأحوال نسبياً في دار مساليت.

كانت ثورة نيالا أهم انتفاضة وطنية واجهها الغزاة قبل 1924 م. فبخلاف الانتفاضات المهدوية الأخرى، كادت هذه الثورة أن تحقق أهدافها؛ كما أنها أعادت هاجس المستعمرين القديم من اندلاع ثورة دينية واسعة النطاق في البلاد كافة. وعلى الرغم من أنها فشلت في الإطاحة بحكم الغزاة، فإن نجاحها كان بمثابة إنذار مباشر لهم([8]).



الحركة الوطنية السودانية (1919 - 1934 م)

عبرت المقاومة السودانية للاستعمار البريطاني عن نفسها عقب الحرب العالمية الأولى بنشاطات ومشاعر مختلفة. وقد قاد هذه المعارضة ونظمها في شمال السودان المثقفون والمهدويون الجدد، بينما استمرت حركات الاحتجاج في جنوب السودان محلية وقبلية في طبيعتها. وعليه، فقد يكون من المناسب أن ندرس السمات الرئيسة للحركة الوطنية خلال هذه الحقبة تحت عنوانين رئيسين:



أ - الحركة الوطنية السودانية الحديثة التي سيطر عليها المثقفون، وكانت علمانية في توجهها وأهدافها.

ب - المهدية الجديدة تحت قيادة السيد عبد الرحمن المهدي.



أ - الحركة الوطنية السودانية الحديثة

اشتدت الحركة الوطنية المصرية عقب الحرب العالمية الأولى، وجدد الوطنيون المصريون بقيادة سعد زغلول مطالبتهم بحق مصر في السيادة على السودان. للوقوف في وجه هذا الخطر ولمنع تسرب الروح القومية المتطرفة إلى السودان، اتخذت حكومة السودان عدة خطوات لتأكيد ذاتية السودان السياسية المستقلة بهدف عزله عن مصر والانفراد بحكمه. لهذا رفعت شعار »السودان للسودانيين«، وعملت على إضعاف النفوذ المصري فيه باستبدال الموظفين المصريين تدريجياً بالسودانيين؛ كما أنها بدأت منذ عام 1922 م إرسال عدد من خريجي كلية غردون لدراسات جامعية في الجامعة الأمريكية ببيروت بديلاً للقاهرة التي هرب إليها كثير من الخريجين. وزادت المدرسة الحربية عدد طلابها، وفُتحت في سنة 1924 م مدرسة كتشنر الطبية، وعينت الحكومة بعض وجهاء مدينتي الخرطوم وبورتسودان في مجلسين استشاريين أقيما هناك؛ كما عين أعيان من المدن الأخرى قضاة من الدرجة الثالثة، وقدَّم قانون شيوخ القبائل الرحل الذي صدر في 1922 م اعترافاً رسمياً ومزيداً من السلطات لزعماء القبائل في كثير من أجزاء البلاد. وعلى الرغم من الأزمة المالية الحادَّة، عملت الحكومة على توفير المال اللازم لإدخال هذه الإصلاحات بتطوير مشروعي قطن الجزيرة والقاش سنة 1920 م.

وقد شجعت الحكومة زعماء البلاد القبليين والدينيين على نشر الآراء المناوئة لمصر، وللترويج لفكرة السودان للسودانيين تحت الوصاية البريطانية. وقد فعل هؤلاء ذلك في خطاباتهم وعرائضهم التي قدموها للحاكم العام. وبتشجيع من الحكومة، وصل وفد سوداني إلى بريطانيا في 1919 م لتهنئة ملكها على الانتصار في الحرب العظمى، وتكون ذلك الوفد من زعماء الطرق الدينية الثلاثة (السادة علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي والشريف يوسف الهندي) وثلاثة ممثلين للعلماء وأربعة من زعماء القبائل. والملاحظ أن هذا الوفد لم يشمل ممثلين للمثقفين السودانيين ورجال الأعمال والمديريات الجنوبية. وقد انتقد الوطنيون المصريون هذه الزيارة واعتبروها جزءاً من مخطط بريطاني للانفراد بحكم السودان، وهاجموا بصفة خاصة الزعماء الثلاثة، الأمر الذي حثهم على إصدار أول جريدة سياسية في البلاد للدفاع عن آرائهم السياسية، وهي جريدة "الحضارة" التي تولى رئاسة تحريرها حسين شريف.

ظن كثير من المثقفين آنذاك أن شعار »السودان للسودانيين« كلمة حقٍّ أُريد بها باطل، وأن بريطانيا أرادت به الانفراد بحكم السودان، واعتقدوا أن الاستقلال لن يتحقق إلا بالتعاون مع مصر، ولذلك بدأوا نشاطاً سرياً نشطاً رفعوا فيه شعار »وحدة وادي النيل«. ففي نوفمبر 1920 م، أرسل من لقب نفسه »ناصح مخلص« منشوراً بالبريد إلى عدد من السودانيين انتقد فيه سياسة بريطانيا »فرق تسد« التي اتبعتها في مصر والسودان، ودعا الوطنيين في البلدين إلى الاتحاد ضد الاستعمار البريطاني؛ كما وصف جريدة "الحضارة" بأنها آلة مسخَّرة لخدمة المصالح البريطانية.

بدأ التنظيم الحزبي في السودان في يونيو 1922 م، عندما كون خمسة من الشبان المثقفين جمعية »الاتحاد السوداني«. وقد رُكِّز معظم نشاط هذه الجمعية في إقامة التمثيليات والندوات الأدبية، وانحصر نشاطها السياسي المعادي لبريطانيا في المنشورات التي أُرسلت بالبريد للإداريين البريطانيين ومن تعاون معهم من الزعماء السودانيين، وهربت هذه الجمعية بعض خريجي كلية غردون للدراسة في الجامعات المصرية؛ كما نشر أعضاؤها مقالات معادية لبريطانيا في الصحف المصرية.

غير أن حرب الكلمات هذه لم تنجح في إضعاف السيطرة البريطانية على السودان. فانقسمت الجمعية إلى مجموعتين، هما: المعتدلون الذين شكلوا معظم أعضائها، وآثروا الاستمرار في الاستراتيجية القديمة زاعمين أن البلاد غير مهيأة آنذاك لحرب علنية سافرة ضد الاستعمار البريطاني؛ والمتطرفون الذين أرادوا مواجهة الاستعمار ومن اتهموهم بالتعاون معه من السودانيين.

قاد المتطرفين ضابط سوداني انحدر من قبيلة الدينكا، وهو علي عبد اللطيف الذي فُصل من الخدمة وسجن في مايو 1922 م لمدة عام على أثر محاولة نشر مقال في جريدة "الحضارة" سماه »مطالب الأمة السودانية« طالب فيه بحق تقرير المصير للسودانيين. وبالتعاون مع الضباط والموظفين المصريين العاملين بالسودان، كون هؤلاء جمعية اللواء الأبيض في سنة 1923 م. وقد حاولت تلك الجمعية الاستفادة من ثورة 1919 م المصرية بتكوين حركة شعبية قوية تجبر بريطانيا على منح بعض التنازلات للسودانيين. ونص دستور هذه الجمعية على الوحدة مع مصر دون أن يحدد نوعها. و اتصلت هذه الجمعية - كالمؤتمر الهندي - اتصالاً مباشراً بالرأي العام البريطاني المتحرر لإقناعه بمساندة حق تقرير المصير للسودانيين. إلا أن الجمعية لم تجد تأييداً من عامة السودانيين في الأرياف والأقاليم، فانحصر نفوذها وسط الشبان المثقفين ورجال الأعمال في المدن.

بلغ النشاط السياسي في البلاد ذروته في سنة 1924 م عندما أرسل أربعة وعشرون من القادة السودانيين المتعاونين مع بريطانيا عريضة للحاكم العام طالبوا فيها بإنهاء الحكم الثنائي، على أن تكون بريطانيا وصية على السودان إلى أن يتمكن السودانيون من حكم أنفسهم. ويبدو أن هؤلاء الزعماء أرادوا بهذه العريضة تأكيد حقهم في التحدث باسم السودانيين، ذلك الحق الذي نافسهم فيه المثقفون منذ نهاية الحرب العظمى. وربما اعتقد هؤلاء الزعماء، مخلصين، أن الوصاية البريطانية هي خير ما يخدم مصالح السودانيين في ذلك الوقت، شريطة أن تزيد بريطانيا من إشراك السودانيين في الحكم بتعيين مجلس من زعمائهم يقدم النصح للحاكم العام.

وفي ردّ فعل على هذه العريضة، أعدت جمعية اللواء الأبيض عريضة ولاء لمصر، وأرسلت اثنين من أعضائها - محمَّد المهدي الخليفة وزين العابدين عبد التام - لتسليمها لسعد زغلول في مصر. غير أن السلطات البريطانية اعتقلتهما في الطريق وأعادتهما إلى الخرطوم، حيث أثار وصولهما في يونيو 1924 م أول مظاهرة سياسية في تاريخ البلاد؛ كما اندلعت مظاهرات أخرى في مدن السودان الرئيسة. انزعجت حكومة السودان لنشاط جمعية اللواء الأبيض وتحركت لتحطيمها، فسجنت رئيسها علي عبد اللطيف مدة ثلاث سنين وفصلت سكرتيرها عبيد حاج الأمين من خدمة الحكومة؛ كما أبعدت بعض أعضائها من موظفي الحكومة بالعاصمة إلى الأقاليم.

أثارت هذه الإجراءات التعسفية حفيظة جمعية اللواء الأبيض، فنظمت في سنة 1924 م نشاطاً سياسياً عنيفاً ومعادياً للحكومة في مدن السودان الرئيسة: المدن الثلاث وعطبرة وبورتسودان والأبيض وشندي. وكان العسكريون السودانيون أكثر من تأثر بدعاية هذه الجمعية؛ فتظاهروا في عدد من مدن شمال السودان وجنوبه، بينما طاف طلاب مدرسة الخرطوم بشوارع المدينة حاملين أسلحتهم وذخيرتهم. أما الضباط السودانيون - الذين انحدر معظمهم من قبيلة الدينكا -، فقد خططوا ونفذوا في نوفمبر 1924 م انتفاضة عسكرية هامة في الخرطوم.

وصل الموقف في السودان إلى درجة عظيمة من الخطورة عندما قتل السير لي استاك، حاكم عام السودان وسردار الجيش المصري في شوارع القاهرة في نوفمبر 1924 م. فعقب هذا الاغتيال أرسل اللورد اللنبي، مندوب بريطانيا السامي في مصر، إنذاره المشهور إلى سعد زغلول رئيس الحكومة المصرية، وفيه أصرّ على عدد من المطالب أهمها انسحاب الجيش المصري من السودان خلال أربع وعشرين ساعة، على أن تكون الوحدات السودانية فيه قوة دفاع السودان ويكون ولاؤها للحاكم العام فقط.

رفض الجنود المصريون الانسحاب من السودان إلا إذا تلقوا أوامر مباشرة من قائدهم الأعلى الملك فؤاد ملك مصر. وعندما بدأت السلطات البريطانية إجبارهم على الانسحاب، ثارت الوحدات السودانية بالخرطوم تأييداً لزملائهم المصريين، وبرّاً بالقسم الذي أدوه بالولاء للتاج المصري. وخلال تقدمهم للانضمام للضباط المصريين في الخرطوم بحري، اشتبك الثوار مع القوات البريطانية في معركة قتل فيها كثير من الجانبين. وكان رفعت باشا قائد القوات المصرية في الخرطوم قد وعد بإصدار أوامره بإطلاق النار على القوات البريطانية إذا حاولت قطع طريق الثوار أو أطلقت النار عليهم، إلا أنه لم يفعل ذلك، بل إن الحكومة المصرية أصدرت أوامرها للقوات المصرية بالانسحاب إلى القاهرة. ويبدو أن ذلك الموقف قد سبب خيبة أمل لكثير من المدنيين والضباط السودانيين الموالين لمصر حتى أن بعضهم أصبح مناوئاً لأي نوع من الاتحاد مع مصر.

وعندما أطلق الجنود البريطانيون النار على الثوار، نشبت معركة عنيفة بين الجانبين طوال ليل 27 - 28 نوفمبر، وقتل فيها اثنا عشرضابطاً سودانيّاً. وعقب ذلك أمرت محكمة عسكرية بإعدام ثلاثة آخرين: سليما محمَّد وثابت عبد الرحيم وحسن فضل المولى، وأرسلت بقية المشاركين لفترات طويلة إلى السجن. أما رئيس جمعية اللواء الأبيض وسكرتيرها، فقد نفيا إلى جنوب السودان.

زعم معظم الكتاب البريطانيِّين أن انتفاضة أوائل العشرينيَّات لا تمثل السودانيين، بل إنها كانت واجهة للدعاية والأغراض المصرية وإن قادتها كانوا عملاء لمصر. ويبدو أن هذا الادعاء يعود إلى اعتقاد موظفي حكومة السودان البريطانيين بأن السودانيين كرهوا المصريين وفضلوا الأنجليز عليهم، وربما كانت دعوة الوطنيين للوحدة مع مصر سبباً آخر لهذا الاتهام الخاطئ. نحن لا ننكر أن هذه الحركة قد ارتبطت فكريّاً وسياسيّاً وثقافيّاً بمصر، إلا أننا نلاحظ من خلال دراسة أدبياتها أنها كانت في المقام الأول حركة سودانية أصيلة عملت لخدمة السودان بالتعاون مع مصر. وقد ظهرت هذه الحركة ردَّ فعل للسياسات الاستعمارية التي هدفت إلى تثبيت أركان الحكم البريطاني في السودان. ويبدو أن رفض بريطانيا المستمر لحق تقرير المصير للسودان واستخدامها لزعماء البلاد القبليين والدينيين قد فرض على الوطنيين شعار وحدة وادي النيل. وفي الغالب، فإن هذا الشعار كان ضرورة سياسية لا تعكس التطلعات الحقيقية للوطنيين في المستقبل. فهم قد رفعوه آنذاك لنيل عطف وتأييد مصر التي كانت تخوض بدورها نضالاً وطنياً ضد المستعمرين البريطانيين. ويبدو أن هؤلاء قد توقعوا أنه بمجرد طرد العدو المشترك من وادي النيل، ستوافق مصر على الانسحاب من السودان. أضف إلى ذلك أن الوطنيين ربما اعتقدوا أن شعار »السودان للسودانيين« لم يكن شعاراً وطنياً مخلصاً، بل إن بريطانيا روجته لعزل مصر والانفراد بحكم السودان.

كانت ثورة 1924 م أول انتفاضة ضد الاستعمار البريطاني في تاريخ الحركة الوطنية السودانية الحديثة. ومن مميزات هذه الحركة أنها ظهرت قبل رصيفاتها في أفريقيا الاستوائية؛ كما أنها كانت علمانية في توجهها ومحتواها ومضمونها، ولكنها فشلت في كسب تأييد الرأي العام في الأقاليم والأرياف لأنها لم تعمل أو ترغب في التعاون مع القبلية أو الطائفية الدينية. وقد برهنت أحداث أوائل العشرينيّات على عدم نضوج الوعي الوطني، إذ أن السودانيين لم يصلوا إلى درجة من القوة تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم، بل انحصر الخلاف بين قادتهم حول أي من دولتي الحكم الثنائي يمكن الاعتماد عليها لتحقيق استقلال السودان في المستقبل. وعلى الرغم من ذلك، فإن المقومات الإيديولوجية لهذه الحركة قد بقيت وتخطت عقد اللامبالاة الذي أعقب انتفاضة 1924 م. فقد التقط الوطنيون في الأربعينيَّات شعاريها »وحدة وادي النيل« و»السودان للسودانيين«، فتبنى الأشقاء والأحزاب الاتحادية الأول، بينما أصبح الثاني محور برنامج حزب الأمة والأحزاب الاستقلالية الأخرى([9]).



اضمحلال الحركة الوطنية السودانية الحديثة (1925-1934 م)

بعد القضاء على ثورة 1924 م، اعتبرت الحكومة المثقفين عدوها الرئيس وشعرت بأنه لابد من إضعاف نفوذهم. لذلك أغلقت المدرسة الحربية ومدرسة الإدارة، وأوقفت إرسال الطلاب السودانيين لدراسات جامعية في بيروت. ولم تفتح الحكومة أي مدرسة في شمال السودان طوال الفترة 1924-1934 م؛ كما أنها اتبعت سياسة تعسفية نحو طلاب كلية غردون. ولمقابلة خطر المثقفين، أعلن الحاكم العام جون مفي في 1927 م سياسة الحكم غير المباشر التي اعتمدت فيه الحكومة لتسيير أمور البلاد على زعماء القبائل. فزادت سلطات هؤلاء، بينما قللت من سلطات نواب المآمير والكتبة والمحاسبين وغيرهم من المثقفين السودانيين الذين التحقوا بالخدمة المدنية.

إزاء هذه السياسة العدوانية المتعسفة ولضعف التأييد والتشجيع المصري بعد عودة الجيش المصري إلى القاهرة في 1924، اضطر الوطنيون إلى وقف نشاطهم العسكري والسياسي ضد المستعمرين، وانحصر نشاطهم في مجال الأدب وغيره من النشاط الاجتماعي. وقد أدَّت الأغاني - خاصة أغاني الشاعر عبيد عبد النور والفنان خليل فرح - دوراً كبيراً في المحافظة على الروح الوطنية في ذلك الزمن العصيب. وقد اقتنع المثقفون بأن جهل السودانيين عامة وقادتهم خاصة كان السبب الرئيس في فشل الثورة. ولذلك ركزوا جهودهم على نشر العلم والمعرفة. وبما أن الحكومة حاربت التعليم، فقد هاجر خلصة بعض الشبان إلى مصر وغيرها من البلاد العربية طلباً للعلم. واعتمد آخرون على مجهوداتهم الشخصية بأن كونوا حلقات دراسية صغيرة في عدد من المدن. وفي سبيل نشر الوعي، أنشأ المثقفون عدداً من المجلات والصحف كـ"السودان" و"النهضة" التي - بالرغم من قصر عمرها - كانت ذات أثر كبير في النهضة الأدبية والسياسية، وأهمها جميعاً مجلة "الفجر" التي تولى رئاسة تحريرها عرفات محمَّد عبد الله واستمرت من سنة 1934 م إلى سنة 1937 م([10]).

سببت حوادث 1924 م خيبة أمل كبيرة للمثقفين، فاعتزل بعضهم العمل السياسي، وظن آخرون عدم جدوى الاعتماد على مصر لتحقيق أماني البلاد. وتعمق هذا الاتجاه عندما أجبر البريطانيون في 1924 م زعيم مصر، سعد زغلول، على أن لا يتولى رئاسة الوزارة على الرغم من أن حزبه - حزب الوفد - نال أغلبية برلمانية كبيرة. وعقد اتفاقية مياه النيل في سنة 1929 م (التي أعطت السودان 1/22 من نصيب مصر في مياه النيل) كان عاملاً آخراً لتشكيك بعض المثقفين في نوايا مصر. وعلى الرغم من خيبة الأمل هذه، لم تتجه أغلبية المثقفين نحو دعوة »السودان للسودانيين«. إذ أنهم ظنوا أنها ستار لانفراد بريطانيا بحكم السودان. وبهذا ظلت دعوة الاستقلال وقفاً على الأنصار وعلى فئة قليلة من المثقفين. ونسبة للمآخذ الكثيرة التي أخذها معظم المثقفين على الحكم البريطاني، فقد ظلوا على يقين - بالرغم من خيبة أملهم في القادة المصريين - بأن مصر هي الحليف الوحيد لهم في صراعهم مع الاستعمار البريطاني.

وقد وثقت الحكومة من قوتها حتى أنها أطلقت في سنة 1929 م سراح معظم سجناء جمعية اللواء الأبيض، وسمحت لبعضهم بالإقامة في مصر، إلا أنهم عادوا للسودان. وظهر ضعف الوطنيين جليّاً عندما فشلوا في استغلال ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية - التي ظهرت بوادرها منذ سنة 1929 م - لتنظيم أنفسهم واستئناف نشاطهم ضد المستعمر. وكان كل ما فعلوه أن كونوا لجنة من عشرة أعضاء، برئاسة الشيخ أحمد الفيل، أرسلت عريضة إلى المسؤولين احتجاجاً على قرار الحكومة بالاستغناء عن خدمات بعض الموظفين السودانيين وتخفيض مرتبات من تبقى منهم إلى خمس جنيهات ونصف. وقبلت اللجنة، أخيراً، قرار الحكومة بأن تبدأ مرتبات الخريجين بمبلغ ست جنيهات ونصف على أن لا يمارسوا أي نشاط معاد للحكومة. ولعل أهم نشاط ثوري مارسه الوطنيون آنذاك هو إضراب طلاب كلية غردون سنة 1931 م، احتجاجاً على سياسة الحكومة الاقتصادية؛ إلا أنهم سرعان ما عادوا لدراستهم بعد وساطة من السيد عبد الرحمن المهدي.



ب - المهدية الجديدة (1919-1934 م)

كانت المهدية السلاح الرئيس الذي استخدمه السودانيون في كفاحهم ضد السيطرة العثمانية والإمبريالية الأوربية خلال القرن التاسع عشر. إلا أن عقيدتهم القتالية التي رفضت كل ما من شأنه أن يتصل بالكفرة - أي كل من لا يدينون بالمهدية - وأصرت على مجاهدتهم قد اكتسبت تحولاً كبيراً في القرن العشرين، وخاصة في أعقاب عام 1914 م. فقد قبلت الآن، على مضض، التعاون مع البريطانيين الذين سيطروا على البلاد سيطرة فعلية طوال الفترة 1899 - 1956 م. إن ذلك الانعطاف الحاد من الروح القتالية إلى الاعتدال قد تم بتدبير من زعيم المهديين الجديد - أو بالأحرى زعيم المهدية الجديدة - السيد عبد الرحمن المهدي أكبر من بقي على قيد الحياة من أبناء المهديّ سنّاً.

ويبدو أن السيد عبد الرحمن - الذي لم يكن طبعه ثوريّاً - قد فطن إلى أن البريطانيين متمكنون من هيمنتهم على السودان، وأن المواقف المبدئية المتشددة التي كان والده يتبناها لم تعد فاعلة لتزيحهم قيد أنملة. لقد أحس إذن بأنه لا يمكن في تلك الظروف الحرجة خدمة مصالح الأمة السودانية قاطبة - وطائفة المهدية بالتحديد - على وجه أفضل إلا بالتعاون مع البريطانيين على أساس أن السودان للسودانيين. ولدينا الآن من البيانات ما يكفي لأن نفترض بأن موالاة السيد عبد الرحمن للشريعة الدستورية لم تكن في حقيقة الأمر اقتناعاً صادقاً، بل فرضتها الوقائع السياسية. لقد أدرك السيد بوضوح أن انتفاضة مسلحة ستؤدي إلى دمار شامل فحسب.

أبدى السيد عبد الرحمن منذ شبابه اهتماماً بالغاً بإدارة تنظيم المهديين في طائفة دينية سياسية قوية ليستخدمها في تحقيق حلم حياته - سودان مستقل تحت قيادته إن لم يكن في ظل عرشه؛ إلا أنه بحسه العملي والواقعي لم يكن يتوقع أن يتم ذلك بسرعة خاصة في ظل أجواء العداء الذي كان سائداً قبل سنة 1914 م ضده وضد المهدويين. ولذلك انطوى على نفسه بعيداً عن دائرة الضوء، ولم يسع خلال تلك الفترة الحرجة إلا في تحقيق هدفين متواضعين، لكنهما كانا من الأهمية بمكان لأنهما شرطان مسبقان لتحقيق طموحه، وما سعى إليه كان دعم موقفه بما هو زعيم بلا منازع لأسرة المهدي ومجابهته غير المعلنة لسياسة »سلاطين« القمعية ضد المهدية([11]).

لقد أدى اندلاع الحرب الكبرى إلى فتح فصل جديد في سياق العلاقة بين المهديين والحكومة، حيث أصبحت الحكومة أميل للتسامح تجاه المهديين وزعيمهم. فلمجابهة دعوة السلطان العثماني في 1914 م للجهاد ضد بريطانيا وحلفائها، طلب الحاكم العام »ونجت باشا« (1900 - 1916 م) من السيد عبد الرحمن في نفس العام أن يزور منطقة الجزيرة ليضمن ولاء السودانيين هناك، على الرغم من أن الحكومة كانت مدركة لما قد يترتب على هذا التغير في سياستها من مخاطر. ويبدو أن السيد عبد الرحمن قد قبل مهمته في الجزيرة ليس إخلاصاً للبريطانيين، وإنما لتحقيق مكاسب ذاتية فحسب. فقد توقع أن يحظى بالاعتبار وبقدر من الحرية له ولطائفته مقابل تقديم الخدمات السياسية التي تريدها الحكومة. وبالطبع، فإن السيد لم يحس بأنه سيخسر شيئاً حتى لو كان الحلفاء سيهزمون في تلك الحرب. بل لعله توقع أن يكون المهديُّون في وضع أقوى وتنظيم أفضل بالنسبة للقوى السياسية الأخرى المتنافسة على حكم السودان.

استفاد السيد عبد الرحمن المهدي من غموض سياسة الحكومة تجاه المهدية عقب الحرب العظمى، فتجاهل تحذيراتها وأقام لنفسه - من غير الحصول على موافقة بيّنة من الحكومة - نظاماً للمندوبين والوكلاء انتشر تدريجيّاً إلى معاقل المهدية في كردفان ودارفور وأغلب المديريات الأخرى. وأصبح هذا النظام - الذي وصفه زعيم قبلي بأنه »تكاتف الأيدي«([12]) - الوسيلة الرئيسة في تنظيم المهدية ونشرها. واستفاد السيد أيضاً من قرار قاضي القضاة المصري الشيخ مصطفى المراغي - الذي كان متعاطفاً مع السيد - بأن ليس من اعتراض سياسي أو ديني على الراتب. فمضى السيد بدهاء في إقامة التجمعات العامة لتلاوته؛ كما أنه عمل على طباعته وشجع الآخرين على ذلك. وبحلول سنة 1918 م، حصل السيد على الإذن بأن يكون له مسجده الخاص بأم درمـان والذي شيـده سنة 1926 م. وبهذا أتيـح للأنصار الحق لأول




([1]) العهد الاستعماري الأول هو العهد العثماني الذي حكم فيه السودان محمد علي وأحفاده نيابة عن السلطان العثماني وامتد من سنة 1821 حتى 1885 م. لدراسة اتفاقية الحكم الثنائي وتحليلها، انظر:

Muddathir Abd Al-Rahim, Imperialism and Nationalism in the Sudan: A Study in Constitutional and political Developments 1899-1956, Oxford, 1969, pp. 29-38, and Martin Daly, Empire on the Nile, the Anglo-Egyptian Sudan 1898-1934, Cambridge, 1986, pp. 11-18.

([2]) لم تنجح سياسة الحكومة في إضعاف الطرق الصوفية، بل إن نفوذها قد زاد على مر السنين حتى إن المسؤولين اضطروا عند اندلاع الحرب العالمية الأولى إلى التودد لزعماء الطرق الصوفية لكسب تأييد المسلمين السودانيين ضد دعوة الإمبراطور العثماني وخليفة المسلمين إلى الجهاد ضد بريطانيا وحلفائها (Gabriel Warburg, The Sudan Under Wingate, London, 1971, pp. 95-108). وعملت الحكومة آنذاك بصفة خاصة على نيل تأييد السيد عبد الرحمن المهدي، زعيم المهدية الجديدة، كما سيجيء ذكره.

([3]) H. A. Ibrahim, «The Policy of the Condominium Government Towards Mahdist Political Prisoners 1898-1932», S.N.R., vol. 55, 1974, pp. 33-45.

([4]) H. A. Ibrahim, «The Mahdist Uprising Against the Condominium Government 1900-1927», I.J.A.H.S., vol. 12, N°. 3, 1979, p. 440.

([5]) انظر: صص. 8 - 9.

([6]) H.A. Ibrahim, «Politics and Nationalism in North East Africa 1919-1935», in General History of Africa, vol. 7, Ch. 23, pp. 580-602.

([7]) لدراسة تطورات السياسة البريطانية نحو جنوب السودان خلال العهد الاستعماري الثاني، ارجع إلى:

M.O. Bechir, The Southern Sudan. From Conflict to Peace, London, 1975; and R.O. Colins, Shadows in the Grass: Britain in the Southern Sudan, 1918-1956, London, 1983.

([8]) M. Daly, Empire on the Nile, pp. 282-284.

([9]) لدراسة وتقييم انتفاضة 1924 م، انظر:

Hassan Abdin, Early Sudanese Nationalism 1919-1925, Khartoum, 1985.

([10]) لمزيد من المعلومات عن هذه الفترة، انظر: حسن نجيلة، ملامح من المجتمع السوداني، الخرطوم، 1991، ج 3.

([11]) شغل النمساوي »سلاطين باشا« وظيفة المفتش العام حتى عام 1914 م كان خلالها مستشاراً للحاكم العام »ونجت باشا « في الشؤون القبلية والدينية. وكان مناوئاً للمهدية، إذ تبنى سياسة القمع وعدم الاعتراف بها التي سادت في دوائر الحكومة حتى سنة 1914 م. ولعل السبب الرئيس لهذا العداء هو أن »سلاطين« ظل أسيراً لدولة المهمدية لمدة عشر سنوات متصلة (1884-1894 م).

([12]) P.R.O., F.O. 371/12374, Memorandum by Davies, Director of Intelligence, on Mahdism, 1926.




كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية
الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4525

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الدكتور حسن أحمد إبراهيم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة