المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. أحمد الياس حسين
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية (5)
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية (5)
11-09-2011 08:25 PM

من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية -5-

قبيلة الحداربة في مصادر القرن 8 هـ / 14 م
أمدنا الرحالة ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري بمزيد من المعلومات عن البجة و بلادهم فتناول المواني وما لاحظه عن طبيعة المنطقة ووصف السكان وأزياءهم وطبيعة معيشتهم. كما تعرض إلى لقبائل العربية التي كانت تعيش مع البجة. وقد دخل ابن بطوطة أرض البجة أكثر من مرة عامي 726 و 732 هـ. ففي المرة الأولى دخل عيذاب التي أتى إليها من صعيد مصر في طريقه إلى الحجاز في عام 624 هـ/1325 م. ووصف عيذاب (ابن بطوطة: تحفة النظار ص 254) بأنها:

"مدينة كبيرة ... وأهلها البجاة ، وهم سود الألوان يلتحفون بملاحف صفراء، ويشدون على رؤوسهم عصائب يكون عرض العصابة اصبعاً وهم لا يورثون البنات. وطعامهم ألبان الإبل ويركبون المهاري، ويسمونها الصهب. وثلث المدينة للملك الناصر وثلثاها لملك البجاة، وهو يعرف بالحدربي" بفتح الحاء المهمل وإسكان الدال وراء مفتوحة وباء موحدة وياء ... ولما وصلنا إلى عيذاب وجدنا الحدربي سلطان البجاة يحارب الأتراك، وقد خرق المراكب، وهرب الترك أمامه فتعذر سفرنا في البحر."

وضح ابن بطوطة أن عيذاب مدينة كبيرة وسكانها البجة وقصد بالبجة هنا الحداربة، وبين ملابسهم الملاحف ورباط الرأس لكنه لم يذكر شيئاً شعر الرأس مما يوضح أن البجة الذين رآهم ابن بطوطة لم يكونوا يرسلون شعر رؤوسهم وهي السمة التي نقلها عنهم الرحالة فيما بعد. وتبدو قبيلة الحداربة على قدر واضح من القوة والنفوذ بحيث تمكنوا من هزيمة الأتراك الذين ربما أغاروا على المدينة من أجل النهب.

ووضح ابن بطوطة أن البجة (الحداربة) لا يورثون البنات، وهذا ينفي مع ما ورد في بعض المصادر العربية عن عادة والبجة في توريث ابن البنت وابن الأخت دون ولد الصلب. وقد ناقشنا هذه المسألة أعلاه عندما تحدثنا عن السكان ورجحنا ما قاله ابن بطوطة.مستشهدين ببعض الأدلة. ولو أخذنا بذلك ينبغي علينا مراجعة ما دأبت المراجع الحديثة على الاستدلال به من أن العرب تزوجوا بنات الزعماء المحليين في السودان وورثوا السلطة كما جرت عليه عادة توريث ابن البنت ,

وفي المرة الثانية دخل ابن بطوطة ساحل البجة في طريق عودته من الحجاز عام 730 هـ / 1329 م. وقد تعرضت سفينتهم لعاصفة ألقت بهم على ساحل البجة فقال في نفس المكان السابق:

"ولم نزل في أهوال حتى خرجنا في مرسى يعرف برأس دوائر، فيما بين عيذاب وسواكن فنزلنا به، ووجدنا بساحله عريش قصب على هيئة مسجد، وبه كثير من قشور بيض النعام مملوءة ماء فشربنا منه، وطبخنا ورأيت في ذلك المرسى عجباً، وهو خور مثل الوادي يخرج من البحر، فكان الناس يأخذون الثوب ويمسكون بأطرافه ويخرجون به، وقد امتلأ سمكاً، كل سمكة منها قدر الذراع، ويعرفونه بالبوري فطبخ منه الناس كثيراً واشتروا وقصدت إلينا طائفة من البجاة، وهم سكان تلك الأرض سود الألوان، لباسهم الملاحف الصفر، ويشدون على رؤوسهم عصائب حمراً، عرض الأصبع، وهم أهل نجدة وشجاعة، وسلاحهم الرماح والسيوف، ولهم جمال يسمونها الصهب، يركبونها بالسروج فاكترينا منهم الجمال، وسافرنا معهم في برية كثيرة الغزلان، والبجاة لا يأكلونها وهي تأنس بالآدمي ولا تنفر منه."

وصف ابن بطوطة البجة (الحداربة) بأنهم أهل نجدة وشجاعة، وقد تكررت مثل هذه الأوصاف في المصادر العربية، وبين تعاملهم الجيد مع التجار والمحافظة على سلامتهم وتأمين أموالهم. وكانوا يقومون بتأجير جمالهم للتجار وقت الحاجة.

وذكر ابن بطوطة أن البجة لا يأكلون الغزلان وهي كثيرة حتى إنها تأنس بالآدمي. وواضح أن البجة هنا يراد بهم الحداربة الذين وضح ابن حوقل أن "طعامهم اللحم واللبن خاصة، وضعفاؤهم يأكلون الوحوش كالغزال والنعام والحمار، وهم مسلمون بالاسم، ومياسيرهم لا يرون أكل الصيد ولا مخالطة آكليه ولا استعمال آنية من استجاز ذلك واستحله، ولا يحلبون فيها ولا يشربون"

وأعتقد أن تعبير ابن بطوطة هنا أصدق من ابن حوقل، فابن بطوطة يرى أن كل الحداربة لا يأكلون الغزلان بخلاف ابن حوقل الذي يرى أن ضعفاء هم يأكلونها. فالغزلان فيما بين مناطق سواكن وعيذاب من الكثرة بحيث أصبحت إليفة مما يوضح أن لا أحد يأكلها بين الحداربة. ويبدو أن ابن حوقل قصد بضعفائهم الزنافجة.

ويواصل ابن بطوطة: "وبعد يومين من مسيرنا وصلنا إلى حي من العرب يعرفون بأولاد كاهل، مختلطين بالبجاة، عارفين بلسانهم، وفي ذلك اليوم وصلنا إلى جزيرة سواكن، وهي على نحو ستة أميال من البر، ولا ماء بها ولا زرع ولا شجر، والماء يجلب إليها في القوارب، وفيها صهاريج يجتمع بها ماء المطر، وهي جزيرة كبيرة، وبها لحوم النعام والغزلان وحمر الوحش، والمعزى عندهم كثير والألبان والسمن ومنها يجلب إلى مكة وحبوبهم الجرجور، وهو نوع من الذرة كبير الحب يجلب منها أيضاً إلى مكة."

وعن حاكم سواكن قال ابن بطوطة: "وكان سلطان جزيرة سواكن حين وصولي إليها الشريف زيد بن أبي نمي وأبوه أمير مكة، وأخواه أميراها بعده، وهما عطيفة ورميثة اللذان تقدم ذكرهما وصارت إليه من قبل البجاة، فإنهم أخواله ومعه عسكر من البجاة، وأولاده كاهل وعرب جهينة وركبنا البحر من جزيرة سواكن نريد أرض اليمن."

ولم يوضح ابن بطوطة أي قبائل البجة تسكن مدينة سواكن، ولكن القلقشندي – كما سيرد لاحقاً - وضح أنهم من الحداربة المسيطرين على المنطقة. ومما يدعم ذلك أن ابن بطوطة وضح أن الحداربة يسكون عيذاب، وكانت قبضتهم قوية على المنطقة براًّ وبحراً فقد حارب سلطان الحداربة – كا ذكر ابن بطوطة – الأتراك الذين هاجمت سفنهم عيذاب، وتمكن من هزيمتهم وفروا أمامه في البحر. ولذلك فيبدو مقبولاً أن يكون سكان سواكن القريبة من عيذاب من الحداربة أيضاً إلى جانب الخاسة الذين ذكرهم المقريزي.

وذكر ابن بطوطة أنه عندما دخل سواكن كان واليها زيد بن أبي نمي وهو ابن أمير مكة الشريف الحسني الذي تولت اسرته إمارة مكة منذ بداية القرن السابع الهجري (13 م). وقد ذكر ابن فضل الله العمري في كتابه مسالك الأبصار (ص 246) الذي كان معاصراً لابن بطوطة أن بنو نمي كانوا تحت طاعة المماليك. وكان أمراء مكة يعترفون بسلطة أمراء المماليك على مناطق نفوذهم كما ذكر ابن خلدون فيكتابهالعبر(موقع الوراق ج 5 ص 481) وقد فرض المماليك سيادتهم على سواكن منذ بداية قيام دولتهم، فقد استولى عليها اسطول المماليك عام 664 هـ / 1265 م وهرب أميرها الشريف علم الدين أسبغاني، لكنه عاد إليها بعد مغادرة الجيش المملوكي.

وفي المرة الثااثة دخل ابن بطوطة بلاد البجة قادماً من الأراضي المقدسة فقال:
"ثم ركبت البحر بعد ذلك في صنبوق برسم عيذاب، فردتنا الريح إلى جبل يعرف برأس دواير وسافرنا منه في البر مع البجاة. ووردنا ماء كثيرة النعام والغزلان، فيها عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجاة. ووردنا ماء يعرف بمفرور، وماء يعرف بالجديد. ونفذ زادنا فاشترينا من قوم من البجاة وجدناهم بالفلاة أغناماً وتزودنا لحومها ورأيت بهذه الفلاة صبياً من العرب كلمني باللسان العربي وأخبرني أن البجاة أسروه، وزعم أنه منذ عام لم يأكل طعاماً. وإنما يقتات بلبن الإبل ونفد منا بعد ذلك اللحم الذي اشتريناه، ولم يبق لنا زاد وكان عندي نحو حمل من التمر الصيحاني والبرني برسم الهدية لأصحابي ففرقته على الرفقة، وتزودناه ثلاثاً وبعد مسيرة تسعة أيام من رأس دواير، وصلنا إلى عيذاب؟" ومن هنالك سار ابن بطوطن نحو النيل في صعيد مصر.
تحدث ابن بطوطة عن عرب جهينة وبني كاهل كما ورد أعلاه. ذكر في المرة الأولى أن "أولاد كاهل مختلطين بالبجة عارفين بلسانهم ... ووضح أن طاعتهم للبجة" كما تناولهما أثناء حديثه عن عساكر سلطان سواكن المكونين "من البجاة وأولاد كاهل وعرب جهينة."

يلاحظ أن هؤلاء هم العرب الوحيدون الذين رآهم ابن بطوطة في مناطق البجة التي مر بها باستثناء الفتى العربي الذي ذكر أن البجة أسرته. وإذا تذكرنا أن ابن بطوطة مر ببهذه المناطق بعد انهيار مملكة المقرة المسيحية وما تردد عن اجتياح القبائل العربية للسودان بعد انهيار تلك المملكة يتبادر إلى ذهننا سؤال هام وهو أين أؤلئك العرب الذين تناولت المراجع العربية وغير العربية اجتياحها للسودان؟ لماذا لم يلاحظها أو يكتب عنها ابن بطوطة وهو الذي كتب عن عربي واحد وجده بين البجة؟

هل لأنه لم تكن هنالك قبائل عربية ماعدا أولاد كاهل وجهينة الذين كان بعضهم يخدم كجنود عند حاكم سواكن، وبقيتهم مختلطين بالبجة ويتحدثون لغتهم وتحت حكمهم. أرى أن هذا هو الافتراض الوحيد. وربما نقول إن ابن بطوطة لم يلاحظ العرب في المنطقة لأنه مر بها بعد فترة قصيرة – نحو عقدين فقط - من انهيار مملكة المقرة ولذلك لم يدون ما تواتر – في المراجع وليس في المصادر – عن اجتياح القبائل العربية لأراضي السودان.

كما يلاحظ أيضاً أن المؤلفين الذين عاصرو أو كتبوا بعد ابن بطوطة والذين تناولوا باسهاب انهيار مملكة المقرة المسيحية وما تلاها من أحداث في منطقة النوبة لم يشيروا أبدأً لاجتياح أو دخول القبائل العربية عبر مناطق البجة مثل أبو الفداء (ت 732 هـ/ 1331 م) في كتابيه المختصر في أخبار البشر و تقويم البلدان" والنويري (ت 732 هـ/ 2332 م) في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب" (ت739 ه_/ 1338 م) والدمشقي في كتابه "نخبة الدهر في عجائب البر والبحر" وابن فضل الله العمري (ت 749 هت/ 1348 م) في موسوعته "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" وابن الفرات (807 هـ/ 1405 م) في كتابه تاريخ الدول والملوك والقلقشندي (ت 831 هـ/ 1418 م) في موسوعته "صبح الأعشى" وكتابه "نهاية الأرب" والمقريزي (ت 845 هـ/ 1445 م) في كتبه " المواعظ والاعتبار و البيان والاعراب عما بأرض مصر من الأعراب و السلوك لمعرفة دول الملوك والمقفى" وابن الوردي (861 هـ/ 1457 م) في كتابه خريدة العجائب" وأبوالمحاسن (ت 874 هـ/ 1469 م) في كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" وابن إياس (ت 930 هـ/ 1523 م) في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور"

وفيما يتعلق بما ذكره ابن خلدون عن قبيلة جهينة حيث قال: "وبالصعيد الأعلى من السودان وما وراءها إلى أرض النوبة إلى بلاد الحبشة قبائل متعددة وأحياء متفرقة كلهم من جهينة ... زاحموا الحبشة في بلادهم." فقد ناقشت ذلك بإسهاب في مقال بعنوان "قبيلة جهينة هل تكاثرت وتغلبت على النوبة وأزالت ملكهم كما روى ابن خلدون؟ أم كانت غائبة تماما عن تلك الأحداث؟ ونشر المقال في مجلة دراسات سودانية التي يصدرها معهد الدراسات الافريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم العدد 15 أكتوبر 2009. وقد استنتجت الدراسة أن قبيلة جهينة كانت غائبة تماماً عن تلك الأحداث

ونواصل متابعتنا لما أورده كتاب القرن الثامن الهجري (14 م) عن البجة وبلادهم. تناول النويري في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب (ص 217) بدية تدخل المماليك للسيطرة على سواكن عام 664 هـ./ 1265 م. لكنه لم يمدنا بعلومات مفصلة عن البجة ومناطقهم عندما تناول أحداث الحملة التي أعدها السلطان الناصر محمد عام 716 هـ لمطاردة الأعراب الذين هاجموا قافلة رسول حاكم اليمن إلى السلطان المملوكي في صحراء عيذاب. فدخلت الحملة عيذاب وخرجت منها بحثاً هن الأعراب حتى وصلوا سواكن ولم يعثروا على الأعراب.

وخرجت الحملة من سواكن بحثاً عن الأعراب "فدخلوا البرية يتبعون آثارهم، فساروا سبعة عشر يوماً وفي أثناء سيرهم ظفروا بطوائف نت السودان بقرب المياه وأودية هناك، فقتل العسكر منهم وأسر وسبى وغنم من مواشيهم من الأبقار والأغنام ما ارتفق به الجند، وانتهوا إلى وادي أيتريب في اليوم السابع عشر ... ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى ازبينات وهو جبل صغير على شاطئء نهر أتبرا."

ثم سا روا على نهر أتبرا ثلاث أيام غرباً "والنهر على يمين العسكرثم فوزوا ودخلوا البرية إلى أرض التاكة فانتهوا في اليوم الثالث من دخولهم المفازة إلج جبل كسلان [كسلا] ... وهذا الجبل هو حد بلاد التاكة من الحبشة من السودان." وعند الجبل أغارت عليهم "طائف من الهلنكة [الحلنقة] ... وبأيدي هلنكة الحراب والمزاريب والسيوف ومع بعضهم النبل ... فقاتلهم العسكر ورموهم رشقا واحداً بالسهام، فقتل من هلنكة اربعمائة وستون نفراً وجرح منهم خلق كثير.ولم يتمكن العسكر من أسرهم لأنهم كانوا يرون القتل أحب إليهم من الأسر. وقتل إثنان من ملوكهم ... وعادوا حتى انتهور إلى اربيباب ... فعدلوا إلى جهة الأبواب من بلاد النوبة ، وأخذوا على نهر أتبرا فساروا على شاطئه عشرين يوماً ... ثم انتهوا إلى قبلة الأبواب ... وتوجهوا إلى دنقلة في سبعة عشر يوماً

كان النويري معاصراً للحملة لكنه لم يستفسر أفراد الحملة عن البلاد وطبيعتها وعن السكان وأوضاعهم. وفي واقع الأمر كان اهتمامه فقط بالأخبار المتعلقة بالحملة، وحتى عندما يتعرض للمنطقة وأهلها يكون ذلك بالقدر الذي يكمل معلوماته عن الحملة. ورغم ذلك فإن ما ذكره عن داخل المنطقة يمثل المعلومات المبكرة عن التاكة وكسلا وقبيلة الحلنقة. ويلاحظ أن الحملة سارت ما بين عيذاب وسواكن ثم توغلت حتى كسلا ثم تابعت – في طريق عودتها - نهر عطبرة حتى النيل ودنقلة ولم تصادف في كل هذه المناطق قبيلة أو جماعات عربية عائشة هنالك. ويعني ذلك أن المنطقة كانت خالية من العرب قبل قرن واحد من قيام تحالف العبدلاب.

ونواصل متابعتنا عن البجة وبلادهم في مصادر القرن الثامن الهجري. فالبجة عند الدمشقي هم الحداربة والزنافجة فقط حيث قال في كتابه نخبة الدهر في عجائب البر والبحر ص 237:
"البجة وهم صنفان: حداربة وملكهم يسكن هجر، والزنافجة وملكهم يسكن مدينة نقلين،ووكلهم ينتفون لحاهم ويدعون شعرات يسيرة، وهم عرايا من المخيط، ملتحفون بثياب مصبغة، ولهم مدائن : أوتل وعَدَل وجزيرة دهلك وجزيرة سواكن ومدينة عيذاب فرضة التجار من اليمن ومصر ويتصل بهم طائفة من السودان تسمى خاسة السفلى كفار، وخاسة العليا مسلمون، وهم أقل الناس غيرة ونخوة على النساء. وغالب هؤلاء لا يلبسون المخيط، ولا يسكنون المدن."

أما أبو الفاء الذي تناول في كتابه المختصر في أخبار البشر البجة عند الحديث عن أمم السودان فذكر: "من أممهم البجا، وهم شديدو السواد عراة يعبدون الأوثان، وهم أهل أمن وحسن مرافقة للتجار، وفي بلادهم الذهب، وهم فوق الحبشة إلى جهة الجنوب على النيل." وجاء في كتابه تقويم البلدان "ومن العلاقي يدخل الانسان إلى بلاد البجة" وعن عيذاب: "وبعضهم يجعلها من بلاد البجة" ويبدو واضحاً ضعف وقلة معلومات الدمشقي وأبي الفداء عن البجة.

وهكذا نلاحظ بوضوح أن كل المصادر لم تتناول ما تررد في المراجع الحديثة عن اجتياح القبائل العربية أراضي السودان. ونكرر السؤال هنا: هل لم يحدث ذلك الاجتياح كما روته المراجع؟ ومن أين أتت المراجع بتلك المعلومات؟ يبدو أن المراجع الحديثة العربية وغير العربية قد استندت على الروايات الشفاهية المتداولة بين القبائل في السودان والتي توضح كيف ومتى ومن أين دخل جدود تلك القبائل ومؤسسيها وقدمته باعتباره حقائق تاريخية.

ومن الغريب في الأمر رغم إدراك مؤلفي تلك المراجع أن كل تلك المعلومات ما هي إلا تراث شعبي لا ترقى إلى مستوى الحقائق التاريخية فإنهم استخدموها بكثرة حتى أصبحت من المسلمات وتم التعامل معها باعتبارها حقائق تاريخية. وتأسس على تلك المسلمات (الروايات الشفاهية) تاريخ سكان السودان في العصرالحديث. ومن الغريب أيضاً أن المؤسسات الأكاديمية أخذت أيضاً بتلك المسلمات ولم تستقص لماذا لا يوجد أي سند لتلك المسلمات في المصادر المعاصرة لتلك الأحداث؟

لم يتبق من مؤلفي القرن الثامن الهجري الذين نتناول كتاباتهم غير ابن فضل الله العمري، وقد أرجأنا تناوله حتى النهاية لأن الحديث عن نصوصه يقودنا إلي القلقشندي من مؤلفي القرن الثامن، وسنتناول ذلك تحت عنوان مستقل هو العمري والقلقشندي.

كتابات العمري والقلقشندي
وفي منتصف القرن الثامن جاء ابن فضل الله بنصين أحدهما عن ولاة عربان الوجه القبلي والثاني عن سواكن. جاء النص الأول في كتاب "التعريف بالمصطلح الشريف" كما يلي:

"وشيخ الحواربة سَمُرة بن سالك، وهو ذو عدد جم وشوكة منكية يغزو الحبشة وامم السودان ويأتي بالنهب وبالسبايا، وله أثر محمود، وفعل مأثور، ووفد على السلطان وعقد له لواءاً وشرف بالتشريف وقلد ذلك وكتب [السلطان] الى ولاة الوجه القبلي عن آخرهم وسائر العربان بمساعدته ومعاضدته والركوب معه للغزو متى أراد، وكتب منشور بما يفح من البلاد وتقليداً بأمرة العربان القبلة مما يلي قوص إلى حيث تصل غايته وتركز رايته. ورسم المكاتبة إليه السامي الأمير كمن تقدم."

أما النص الثاني فقد جاء في كتاب "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" (مسعد ص 245) جاء فيه:
"وجزيرة سواكن ليس بها مملكة مشهورة ولا متاجر مذكورة وكل أهلها مسلمون قائمون بالاسلام، وتجلب منها إلى مصر أغنام حسان يُقتنى بها للفرجة لا للأكل والنتاج ... وأما سواكن ففيها الشريف زيد بن أبي نمي الحسني وهو في طاعة صاحب مصر."

ويلاحظ على ما كتبه العمرى عن البجة الاختصار الشديد وبخاصة في موسوعته الكبيرة "مسالك الأبصار"والتي تضم عشرين مجلداً وقد كان العمري مشرفاً على ديوان الانشاء في القاهرة وهو مركز يمكنه من الاطلاع على كل أخبار الدولة والمناطق المجاورة.

فالعمري لم يورد في موسوعته الضخمة غيرالنص السابق عن البجة، مع العلم بأنه أورد نحو اربع صفحات عن مملكة النوبة الذين ربطتهم مع مصر في ذلك الوقت علاقات متطورة. وإذا قارنا ما كتبه العمري مع ما كتبه معاصره النويري عن البجة والنوبة في موسوعته "نهاية الأرب في فنون الأدب" اتضح لنا إلى أي مدى لم يكن العمري مهتماً بأخبار السودان، فقد بلغ ما أورد النويري عن البجة نحو ست صفحات وعن النوبة نحو أربعة عشرة صفحة. وينبغي علينا أن نضع هذا في اعتبارنا ونحن نحكم على نصوص العمري.

ونبدأ بالنص الأول الذي يعتبر من بين الأدلة على عروبة الحداربة. ويبدو أن نص العمري الأصلى قد تعرض لبعض التغيير أثناء النقل والتدوين، فالنص يخاطب "شيخ الحواربة" وليس الحداربة. وقد اتُّفِقَ على قراءته الحداربة باعتبار حدوث بعض التغيير في كتابة الاسم. ثم إن اسم الشيخ في النص " سَمُرة بن سالك" وكذلك في نص القلقشندي في كتابه نهاية الأرب، ولكن في النص الذي نقله القلقشندي من كتاب العمري جاء الاسم " سَمُرة بن مالك" وليس ابن سالك. والملاحظ أن أغلب المؤلفات الحديثة استخدمت النص الأخير الي لم يرد عند العمري صاحب النص الأصلي.

ولنأخذ النص كما ورد عند العمري واصطلح على قراءته "شيخ الحداربة" فنص العمري لم يقل أن شيخ الحداربة عربي ولم ينسبه لأي قبيلة عربية أو غير عربية بل ورد أن السلطان "كتب الى ولاة الوجه القبلي عن آخرهم وسائر العربان بمساعدته ومعاضدته والركوب معه للغزو متى أراد، وكتب له منشور يتولى بمقتضاه بما يفتح من البلاد، وتقليداً بإمرة عربان القبلة مما يلي قوص إلى حيث تصل غايته."

فقد أمر السلطان المملوكي ولاة الوجه القبلي (بصعيد مصر) والعربان أن يساعدوا الشيخ. ووضح النص أن السلطان قلده ولاية العربان. وليس هنالك في نص العمري ما يشير إلى انتماء الشيخ العرقي (الاثني) لكن ورد توضيح العرق في النص الذي نقله القلقشندي في كتابه صبح الأعشى (ج 3 / ص 161 موقع الوراق) عن كتاب التعريف للعمري، قال القلقشندي:

"وأما عرب الوجه القبلي، فقد ذكر في التعريف أنه كان منهم في زمانه نفران: أحدهما ناصر الدين عمر بن فضل. وذكر أن رسم المكاتبة إليه: هذه المكاتبة إلى المجلس السامي أيضاً. وثانيهما سمرة بن مالك . قال: وهو ذو عدد جم، وشوكة منكية، يغزو الحبشة وأمم السودان، ويأتي بالنهاب والسبايا؛ وله أثر محمود، وفعل مأثور. وفد على السلطان وأكرم مثواه، وعقد له لواء وشرف بالتشريف، وقلد ذلك، وكتب إلى ولاة الوجه القبلي عن آخرهم وسائر العربان به بمساعدته ومعاضدته، والركوب للغزو معه متى أراد. وكتب له منشور بما يفتح من البلاد، وتقليد بإمرة العربان القبلية مما يلي قوص إلى حيث تصل غايته . ثم قال: ورسم المكاتبة إليه: السامي الأمير، كمن تقدم."
ورغم أن القلقشندي ذكر أنه نقل النص من كتاب العمري التعريف، إلا أن النص يختلف في بدايته اختلاافاً واضحاً عن نص العمري. يتحدث نص القلقشندي هنا عن عرب الوجه القبلي كما ورد في التعريف، ثم يذكر سمرة بك كامل ويعطيه نفس الصفات التي وسف بها سمرة بن سالك مما يوضح أنه قصد به سمرة بن سالك. ولكن العمري لم يشر في نصه إلى أنه من العرب. فلماذا أضاف القلقشندي سمة العرب في بداية النص؟

يبو أن ما ذكره القلقشندي في كتابه "نهاية الأرب في معرفة أنسابب العرب" يساعد على معرفة السبب في الزيادة التي ألحقها في بداية نص العمري. ذكر القلقشندي (ج 1 / ص 46 مزقع الوراق):

"الحدارية - بطن من العرب بسواكن من بلاد البجاة، ذكرهم المقر الشهابي ابن فضل الله في كتابه التعريف بالمصطلح الشريف ولم ينسبهم الى قبيلة، ذكر انه كان لهم شيخ يسمى سمرة بن سالك، وانه ذو عدد جم وشوكة منكية يغزو الحبشة وامم السودان ويأتي بالنهب وبالسبايا، وله أثر محمود، وفعل مأثور، وذكر أنه وفد على السلطان وعقد له لواءاً وشرف بالتشريف وقلد ذلك وكتب الى ولاة الوجه القبلي عن آخرهم وسائر العربان بمساعدته ومعاضدته والركوب معه للغزو متى أراد، وكتب له تقليداً بأمرة عربان القبلة مما يلي قوص ومنشور له بما يفتحه من البلاد."

وأضاف القلقشندي عند حديثه عن سواكن في كتابه صبح الأعشى (مسعد ص 283):
"وقد أخبرني من رآها أنها جزيرةٌ على طرف بحر القلزم من جهته الغربية قريبةٌ من البر يسكنها التجار. وصاحبها الآن من العرب المعروفين بالحداربة - بالحاء والدال المهملتين المفتوحتين وألف ثم راء مهملة وباء موحدة مفتوحة وهاء في الآخر، وله مكاتبةٌ عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، ويقال في تعريفه الحدربي بضم الحاء وسكون الدال وضم الراء."

فالقلقشندي حكم على الحداربة بأنهم عرب، لأن العمري وضح أن شيخهم سمرة بن سالك قد تقلد إمارة العربان، إذاً فالقرائن – عند القلقشندي – توضح أن العمري كان يدرك هذه الحقيقة وإن لم يذكرها مباشرة ولم يوضح إلى أي القبائل العربية ينتمي الحداربة. إذاً فدليل القلقشندي على عروبة الحداربة بُني بصورة أساسية على أن شيخهم زعيم العربان إلى جانب ما أخبره به مصدره الشفاهي من أن أهل سواكن حداربة عرب.
ونواصل

أحمد الياس حسين
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 535

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. أحمد الياس حسين
د. أحمد الياس حسين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة