11-09-2011 07:25 PM

حول أصول سكان السودان 7

الحداربة في مصادر القرن التاسع الهجري (15 م)
شهد هذا القرن أيضاً مؤلفات هامة في التراث العربي تناولت البجة مثل مؤلفات القلقشندي وابن خلدون وابن الفرات والمقريزي وابن الوردي وأبو المحاسن. وقد لاحظنا – أعلاه – أن القلقشندي قد اعتمد على العمري في أغلب ما أورده من معلومات عن البجة، وجاءت كلها عن الحداربة. كما اعتمد كثيراً في تحديده للمواقع على ابي الفداء وابن سعيد. ولم نكن نتوقع منه اعتماده على ابن سعيد المغربي فيما نقاه عن أخبار البجة. فالقلقشندي ولد وعاش في مصر وعمل في ديوان الانشاء الذي ألف عنه كتابه "صبح الأعشى في صناعة الانشاء" فهو بهذا الوضع على صلة بأحداث البجة أكثر من ابن سعيد الذي عاش في المغرب قبل قرنين من عصر القلقشندي. ولعل هذا يوضح مدى اهتمام المصادر العربية بأخبار البجة.

"جاء في كتابه صبح الأعشى عن البجة: قال ابن سعيد: وهم مسلمون ونصارى وأصحاب أوثان، ومواطنهم في جنوبي صعيد مصر مما يلي الشرق، فيما بين بحر القلزم وبين نهر النيل، على القرب من الديار المصرية." ومن الواضح أن هذه مواطن قبيلة الحداربة لكن جاء الحديث هنا بصورة عامة عن البجة.

ولعلنا نكرر نفس ما سبق أن قلناه عن موسوعة النويري وشحها عن المعلومات عن البجة، فقد كان من المؤمل أن تحتوي موسوعة القلقشندي على يساعد على فهم تلك الحقبة الهامة من تاريخ البجة خاصة وأن القلقشندي ولد في منتصف القرن الثامن الهجري أي بعد نحو ثلاث عقود من نهاية مملكة المقرة المسيحية وما تردد عن اجتياح القبائل العربية للسودان وتوفر المعلومات عنه، غير أننا لم نجد ذلك ووجدنا جل اعتماده على العمري.

أما ابن خلدون الذي عاش في مصر وتوفي فيها في بداية القرن التاسع الهجري (15 م) فقد جاء ذكر البجة ثلاث مرات فقط في كتابه "العبر بمقدمته." النص الأول ورد فيه ما يلي: " ومجالات البجة في شمالي الحبشة ما بين جبل العلاقي في أعالي الصعيد وبين بحر القلزم" والنص الثاني تكرر في المقدمة جاء فيه ما يلي: "وتحت باب المندب جزيرة سواكن ودهلك وقبالته من غربيه مجالات البجة من أمم السودان" وفيما يتعلق بما ذكره ابن خلدون عن قبيلة جهينة فقد تمت مناقشته في موضوع مستقل - في العدد الأخيرمنمجلةالدراسات السودانية - وتبين أن قبيلة جهينة كانت غائبة عن أحداث إنهيار مملكة المقرة المسيحية وما تلى ذلك من أحداث في بلاد النوبة أو بلاد البجة

وقد جعل ابن الفرات الحدربي ملك البجة وخليفة السودان وأعطاه إسماً عربيّأً هو صارم الدين قال في كتابه تاريخ الدول والملوك "أما البجة فبلادهم تجاور بلاد النوبة وملكهم يسمى الحدربي وهو خليفة السودان. واسم ملكهم في الزمان الذي كان السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس "نابكس" [بدون نقط على النون والياءٍ] وينعت بصارم الدين وهو خليفة السودان بزعمهم."

وتبدو هذه المعلومات من الغرابة بحيث يتعزر التكهن بمصدرها، خاصة وأنه ذكرأن الذي أعطاه لقب "الخليفة" هم "السودان." ولست أدري هل يقصد بالسودان هنا البجة فقط أم غيرهم من أمم السودان؟ لأنه لو أراد البجة فقط لأكتفى بذكرهم، ربما أراد أن يقول إن ملكه واسعاً حتى إعتُبرخليفة للسودان. وبالطبع فإن كل ذلك يدخل في أخبار "العجائب والغرائب" التي لا يمت أغلبها بصلة إلى الواقع.

أما ابن الوردي في كتابه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب ص 374" فيبدو عدم اهتنامه في تدقيق الأخبار التي نقلها عن البجة ومدينة عيذاب. فقد نعت البجة ببعض الأوصاف التي تتمشى وعنوان كتابه فقال إنهم "شديدو السواد، عراة الأجساد ويعبدون الأوثان ... وليس بأرضهم قرى ولا خصب وإنما هي بادية جدبة" كما وصف حمعهم للذهب من الصحراء وذكر أنهم أهل أنس مع التجار.

ونقل ابن الوردي معلومات قديمة عن مدينة عيذاب التي كان نشاطها التجاري وكميناء للحج قد توقف في عصر ابن الوردي. قال عنها "مدينة حسنة وهي مجمع التجار براً وبحراً، وأهلها يتعاملون بالدراهم عدداً ولا يعرفون الوزن" ويواصل ابن الوردي عن إدارة المدينة وأن بها "والٍ من قبل البجة ووال من قبل سلطان مصر، يقسمان جباياتها نصفين، وعلى عامل مصر القيام بطلب الأرزاق وعلى عامل البجة حمايتها من الحبشة." ورغم ما ذهبنا إليه من أن ابن الوردي نقل معلوماته من مصادر متقدمة فلو أخذنا ما ذكره عن تقسيم دخل المدينة من الضرائب بين الوالي من قبل الحكومة المصرية والبجة يوضح أن قبيلة الحداربة لا زالت قوية وذات نفوذ حتى عيذاب.

أما أبو المحاسن بن تغري بردي فقد ولد بالقاهرة وعاش فيها وألف كثيراً في التاريخ وتوفي عاو 874 هـ / 1469 م أي بعد نحو قرن ونصف من نهاية مملكة المقرة المسيحية وأقل من أربعين سنة من قيام سلطنة سنار وهي الفترة التي يؤرخ لها بتدفق القبائل العربي في السودان واجتياحها لمناطق النيل وشرقيه وقيام حلف عرب العبدلاب. ومن الغريب في الأمر أن أبا المحاسن لم يتعرض لأي قبائل أو جماعات عربية دخلت مناطق البجة أو السودان.

كل ما ذكره في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ص 378" هي أحاث حروب المسلمين والبجة في بداية القرن الثالث الهجري (9 م) ونقل أبو المحاسن عن ابن فضل الله العمري في وصف سكن بلاد البجة والنوبة والحبشة جاء بعضها كالآتي: "سكان هذه البلاد المذكورة لا فرق بينهم وبين الحيوانات الوحشية لكونهم حفاة عراة ليس على أحدهم من الكسوة ما يستره" فلماذا لم يتتبع أو يتناول زحف وتفق القبائل العربية للسودلن في الفترة التي عاصرها؟ مع العلم بأن المصادر العربية كانت تهتم كثيراً بأخبارالقبائل العربية وتحركاتها.

وأخيراً نأتي إلى المقريزي المشهور بكتاباته واهتمامه بأحداث السودان وبخاصة فترة نهاية مملكة المقرة المسيحية وما تلاها من أحداث، فماذا كتب عن البجة؟ تناول علاقات المسلمين المبكرة مع البجة في كتابيه "البيان والاعرلب عما بأرض مصر من الأعراب" وكتاب "المواعظ الاعتبار بذكر الخطط والآثار" ، وتناول في كتابة المواعظ سواكن وقال عنها :"وأهلها طائفة من البجة تسمى الخاسة ولهم بها ملك" ومن الغريب أنه لم يتطرق إلى ذكر الحداربة الذين تحدث عنهم القلقشندي الذي كان معاصراً للمقريزي.

وتحدث المقريزي كثيراً عن عيذاب ووضح ازدهارها في فترة القرنين الذين توقفت فيها قوافل الحج والتجارة عبر صحراء سينا بسبب تهديد الصليبيين، ثم تناول بداية تدهورها بعد عودة القوافل البرية في بداية عصر المماليك بعد ضعف قوة الصليبيين. ويبدو أن نشاط عيذاب لم يتوقف نهائيّاً بل كانت لاتزال حتي عصر المقريزي على قدر من النشاط، فقد ذكر المقريزي أن رأى قاضيها في القاهرة.

ورغم ان المقريزي أورد معلومات مفصلة عن النوبة في كتابيه "السلوك لمعرفة دول الملوك" و"المقفى" إلا أنه لم يتعرض لأخبار البجة. وكل ما ورد عن البجة بعد انتهاء حروبهم مع المسلمين في القرن الثالث الهجري (9 م) هوما ورد في المواعظ والاعتبار عند الحديث عن عيذاب: " وأهل عيذاب من البجاة ولهم ملك منهم، وبها والِ من قبل سلطان مصر، وأدركت قاضيها عندنا بالقاهرة، أسود اللون، والبجاة قوم لا دين لهم، ولا عقل، ورجالهم ونساؤهم أبداً عراة، وعلى عوراتهم خرق، وكثير منهم لا يسترون عوراتهم، وعيذاب حرّها شديد بسموم محرق."

مدن الحداربــة
مدينة هجر
تردد ذكر عاصمة الحداربة مدينة هجر في المصادر العربية منذ القرن الثالث الهجري (9 م) فقد ورد ذكرها في الاتفاق الذي تم بين البجة والمسلمين عام 216 هـ كما عند ابن سليم (ص 110 – 111) حيث ورد أنها كانت مقر عظيم البجة كنون بن عبد العزيز. وفي مكان آخرذكر ابن سليم أن هجر مقر رئيس البجة. ثم وضح اليعقوبي (مسعد ص 19 و 22) أن "مدينة ملك البجة الحداربة يقال لها هجر، يأتيها الناس من المسلمين للتجارات" وعند الحديث عن مملكة البجة الأولى ذكر أن "مدينة المملكة يقال لها هجر" كما وضح الدمشقي (ص 237) أن ملك الحداربة يسكن هجر.

ولم يرد في المصادر العربية ما يساعد على تحديد موقع مدينة هجر ما عدا ما ذكره ابن سليم من أنها تقع في أقصى بلاد البجة. بناءً على ما ذكره المقريزي من وقوع هجر في أقصى جزيرة البجة اقتُرِح وقوعها في مكان ما بين خور بركة والبحر الأحمر.

واقترح Heuglin موقع هجر في ارتريا نحو 80 كم شرق مدينة كسلا في مكان يعرف بـ Hagr أوHigr على خريطة موزنجر. ويعلق كراوفورد أنه ليس من المعقول أن تكون عاصمة البجة وفيها مسجد وسط إقليم الباريا النيلييين، بالاضافة إلى أن الموقع يعتبر إلى الجنوب أكثر مما يعتقد موقعاً لمدينة هجر.

وثمة مشكلة في ربط هجر أباي نجران بالموضع الذي ذكره اليعقوبي والمقريزي لأنه لا يقع في أقصى جزيرة البجة، فهو أقرب إلى وسطها. وقد اقترح روزيني كما نقل كراوفورد (The Fung Kingdom of Sennarص 105) أن يكون موقع هجر في المكان المعروف في الخرط الحديثة ب Tehagar شرقي فروع دلتا القاش نحو 24 كم شمال غرب مدينة كسلا. . وقد استبعد كراوفورد بعض الآراء التي اقترحت أن يكون موقع هجر في مكان ما شمال غرب مدينة كسلا أو إلى الغرب من خور بركة نحو الساحل.


ويرى كراوفورد أنه بناءً على ما ورد عند اليعقوبي أن هجر كانت عاصمة حاكم الحداربة وقد ارتبطت كثيراً بسواكن فقد أشار إلى ما ذكره Lobo نحو عام 1624 م من أن حاكم سواكن أمير فقير وكانت مملكته تعرف ب "نِكران" Nekran ثم "بالو" Balou ، ألا يؤدي ذلك إلى اقتراح أن البلو حققوا بذلك بالسيطرة على عاصمة الحدارب القديمة ثم سيطروا على سواكن والتي أخذها الأتراك فيما بعد. ويرجح كراوفورد – بناءً على ذلك – أن عاصمة البجة هجر هي Agere Nageran التي ذكرها موزنجر والتي أطلق عليها لوبو Nekran على خط عرض 37 ،16 جنوب سواكن. وربما كان هذا الموقع قرب جبل هجر الذي ذكره ضرار في كتابه تاريخ سواكن والبحر الأحمر (ص 232) أثناء حديثه عن قتال الأشراف والنابتاب.

عيذاب
تعتبر عيذاب من أهم مدن الحداربة قبل تدهور نشاطها التجاري وانتقاله إلي سواكن منذ بداية النصف الثاني من القرن الثامن الهجري (14 م) وقد ارتبط ذكر عيذاب في المسادر العربية منذ وقت مبكر كميناء لتصدير الذهب واستقبال السلع الواردة لمصر عبر البحر الأحمر إلى جانب كونها معبراً للحجاج.

وقد وضح ابن حوقل في كتاب صورة الأرض ص 58 أن ربيعة ومضر تكاملت بالعلاقي لاستغلال الذهب منذ عام 238 هـ. ومنذ ذلك الحين ارتبط اسمها في المصادر العربية بتصدير الذهب حتى اشتهرت بميناء الذهب. وتناولت المصادر نشاط الحداربة في هذا الميدان كما وضح المسعودي في كتابه مروج الذهب (ص 51) مصاهرة الحداربة لربيعة زكيف أدت تلك المصاهرة إلى بروزقوة كلا الجانبين. وكان زعيم ربيعة أبو مروان بشر بن إسحاق في عام 332 هـ "يركب في ثلاثة آلاف من ربيعه وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألف حراب على النُّجُب من البجة بالحجف البجاوية، وهم الحداربة، وهم المسلمون ممن بين سائر البجة"

وضح الادريسي أن الحداربة وحكام مصر يتقاسمون إدارة مدينة عيذاب، فعلى الولاة من قبل مصر "جلب الأرزاق والمعيشة إلى عيذاب وعلى رئيس البجة القيام بحمايتها من الحبشة" كما كانا يتقاسمان أيضاً "جبايتها بنصفين". ووضح الادريسي أيضاً نشاط التجارة الداخلية لعيذاب فذكر أن "أهل عيذاب يتجولون في كل النواحي من أرض البجة يشترون ويبيعون ويجلبون ما هنالك من السمن والعسل واللبن"

ويدل كل ذلك أن الحداربة لم يكونوا فقط بدواً يتجولون في الصحارى ولم يكونوا معزولين عن العالم الخارجي، بل كانوا منظمين تحت رؤسائهم يزاولون الرعي والتجارة، بل وربما صيد السمك أيضاً كما أضاف الادريسي "وبالمدينة زوارق يصاد بها السمك الكثير اللذيذ الطعم الشهي المأكل" لأنه يمكن افتراض أن كل هذا النشاط لا يقوم به الغرباء فقط من سكان المدينة.

وقد أشار ابن بطوطه إلى ما يفيد بمساهمة الحداربة في النشاط البحري حيث وضح أنه عند وصولهم عيذاب وجدوا "الحدربي سلطان البجاة يحارب الأتراك، وقد خرق المراكب، وهرب الترك أمامه فتعذر سفرنا في البحر" ولعل هذا يوضح أن علاقة أسلاف السكان الحاليين بالبحر كانت علاقة ايجابية، خاصة وأن المصادرالرومانية وضحت نشاط سكان هذه المناطق البحري الواسع قبل الاسلام، ويمكن الرجوع إلى بعض ذلك النشاط في كتاب "الوعي بالذات وتأصيل الهوية" لكاتب هذا المقال ص 197 – 198. .

وعندما زار ابن بطوطة مدينة عيذاب في النصف الأول من القرن الثامن الهجري (14 م) ذكر أن ثلث إيرادات المينة لحاكم مصر وثلثاها للحدربي، بينما ذكر الادريسي في القرن السادس الهجري (12 م) أن الايرادات كانت مناصفة بين الجانبين. فهل يدل ذلك ازدياد نفوذ الحداربة في المدينة؟

وقد شهد ميناء عيذاب نشاطا ملحوظاً عندما تحولت أغلب طرق التجارة وطرق الحج البرية عبر سينا إلي عيذاب بسبب تهجي الصليبيين في الشام لسلامة تلك الطرق، وظل الحال كذلك إلى منتصف القرن السابع الهجري (13 م) ويمثل ذلك العصر الذهبي لنشاط ميناء عيذاب.

وبدأ ذلك النشاط في الضمور عندما إعيد نشاط الطريق البري عبر سيناء بين مصر والحجاز في بداية عصر المماليك، وعلق المقريزي أثر ذلك على نشاط ميناء عيذاب قائلاً: "وكانت من أعظم مراسي الدنيا بسبب مراكب الهند واليمن تحط فيها البضائع وتقلع منها مع مراكب الحجاج الصادرة والواردة. فلما انقطع ورود مراكب الهند واليمن إليها وصارت المرسى العظيمة عدن من بلاد اليمن إلى أن كانت أعوام بضع وعشرين وثمانمائة (العقد الثالث من القرن الخامس عشر الميدى نحو 1422 م) صارت جدة أعظم مراسي الدنيا، وكذلك هرمز فإنها مرسى جليل."

وقد قل سلوك طريق الحج البحري عبر عيذاب – كما يقول المقريزي - منذ عام 666 هـ (1267) عندما أخرج الظاهر ركن الدين بيبرس "من البر سنة ست وستين وستمائة (1267 م)" ومن المعروف أن الصليبيين كانو يهددون طريق الحج البري عبر سيناء قبل هذا التاريخ، وزال ذلم التهديد بعد الهزائم التي منيو بها منذ عصر الدولة الأيوبية. ويواصل المقريزي قائلاً: "واستمرت بضائع التجار تحمل من عيذاب إلى قوص حتى بطل ذلك بعد سنة ستين وسبعمائة (1364م.")

وهكذا فقدت عيذاب مكانتها كميناء هام بعد تطور نشاط ميناء عدن وازدهار دور ميناء جدة في النصف الأول من القرن التاسع الهجري (15 م) وانتقل نشاطها إلى ميناء سواكن.

سواكن
يلاحظ عدم اهتمام المصادر العربية المبكرة بمدينة سواكن مثل اهتمامها بباقي جزر وموانئ المنطقة مثل دهلَك وباضع وعيذاب. ربما لأن تلك الموانئ كانت أكثر نشاطاً في القرون الهجرية المبكرة . ومن ناحية أخرى ربما لم يقم المسلمين صلات قوية مبكرة مع الممالك المسيحية في السودان عبر ميناء سواكن لأن صلاتهم التجارية والسياسية تمت عن طريق البر عبر أسوان. وقد وضح القلقشندي أن سواكن بلد الحداربة فذكر: " أن صاحبها الآن من العرب المعروفين بالحداربة ... ويقال في تعريفه الحدربي"

وقد ورد ذكر سواكن في مصادر القرن الرابع الهجري (10 م) كما عند الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب (ج 1 ص 22) وابن حوقل (صورة الأرض ص 60 و 62) باعتبارها إحدى مدن البحر الأحمر. ويلاحط سكوت المصادر العربية عن ذكر مدينة سواكن منذ القرن الرابع الهجري وحتى بداية القرن السابع الهجري (13 م). وقد نقل الأستاذ محمد صالح ضرار في كتابه تاريخ سواكن والبحر الأحمر (ص 22) نصّاً نسبه إلى المسعودي. ولا يوجد ذلك النص في كتب المسعودي المنشورة وهي مروج الذهب وأخبار الزمان والتنبيه والاشراف. وفي واقع الأمر فإن هذا النص ذكره المقريزي في كتاب المواعظ والاعتبار (ص 295) وقد ذكر ضرار هذا النص بعد نص آخر نقله من المسعودي فربما فظن الاستاذ محمد صالح ضرار أنه تابع لنص المسعودي الذينقله.

وفي القرن السابع الهجري وصف ياقوت (معجم البلدان ص 164) مدينة سواكن بأنها "بلد مشهور على ساحل بحر الجار [البحر الأحمر] قرب عَيذاب ترفأ إليها سفُن الذين يقدمون من جُدة وأهلها بجاه سُود نصارى.."

وفي النصف الثاني من القرن السابع الهجري أغار المماليك على مدينة سواكن وبدأت أخبارها تظهر في المصادر العربية. فتحدث ابن سعيد في (كتاب الجغرافيا ج 1ص 22 موقع الوراق) عن نشاطها التجاري، ثم وصفتها المصادر العربية بأنها جزيرة صغيرة "أقل من ميل في ميل وبينها وبين البحر الحبشي [البحر الأحمر] بحر قصير يخاض"

وقال عنها ابن بطوطة "لا ماء بها ولا زرع ولا شجر، والماء يجلب إليها في القوارب، وفيها صهاريج يجتمع بها ماء المطر، وهي جزيرة كبيرة، وبها لحوم النعام والغزلان وحمر الوحش، والمعزى عندهم كثير والألبان والسمن ومنها يجلب إلى مكة وحبوبهم الجرجور، وهو نوع من الذرة كبير الحب يجلب منها أيضاً إلى مكة." .كما ذكر ابن بطوطة أن جزيرة سواكن على نحو ستة أميال من البر، ولا يتفق ذلك مع ما تواتر عن موقعها في المصادر العربية.

ساهمت سواكن – إلى جانب موانئ البحر الاحمر الأخرى مثل عدن وجدة وعيذاب – بدور بارز في ربط الطرق البحرية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط وتزويدها بسلع افريقيا الداخلية إلى جانب ما تمتعت به مناطق البجة من سلع هامة لتجارة المنطقة مثل المعادن والإبل. كما ارتبطت سواكن أيضاً بالطرق الداخلية المتجه إلى الشمال نحو القاهرة وإلى مراكز النيل مثل قوص وأسوان وأبو حمد وإلى الجنوب الغربي نحو كسلا.

أدى كل ذلك إلى إلى بروز دور سواكن التجاري وبخاصة في عصر المماليك الذين ازداد اهتمامهم بتجارة المحيط الهندي. ولذلك سعوا إلى استتباب الأمن في تلك المناطق على الطرق البرية أو البحرية، والمعاملة الكريمة للتجار وبخاصة تجار الكارم كما ذكر العيني في كتابه . ذكر ابن بطوطة أن جزيرة سواكن على نحو ستة أميال من البر (الحاشية التالية)، ولا يتفق ذلك مع ما تواتر عن موقعها في المصادر العربية.

وفي كتابه مسالك الأبصار ذكر ابن فضل الله العمري (ص 245) عن سواكن:
"وجزيرة سواكن ليس بها مملكة مشهورة ولا متاجر مذكورة وكل أهلها مسلمون قائمون بالاسلام، وتجلب منها إلى مصر أغنام حسان يُقتنى بها للفرجة لا للأكل والنتاج ... وأما سواكن ففيها الشريف زيد بن أبي نمي الحسني وهو فيي طاعة صاحب مصر." ولا تبدو معلومات ابن فضل الله العمري عن نشاط مدينة سواكن التجاري متمشية مع ما تواتر عن ازدهار ذلك النشاط منذ بداية عصر المماليك.

وقد أورد السخاوى في كتابه الضوء اللامع في أماكن متعددة الكثير المعلومات عن التجار في مدينة سواكن واتضح أن أولئك التجار لم ينحصروا فقط في الاشتغال بمهنتهم بل كانوا يساهمون في المناشط الأخرى. وكان بين أولئك التجار شخصيات اشتهرت لمكانتها العلمية في مدارس العالم الاسلامية الكبرى في مكة والقاهرة ودمشق. وقد زار بعضهم سواكن من أجل التجارة واستقر فيها لبعض الوقت، ومكث بعضهم لسنوات طويلة وتزوج وأنجب في سواكن، بل وتوفى بعضهم ودفن بها. ولم ينحصر نشاط أولئك العلماء في مدينة سواكن فقط بل امتد ذلك النشاط إلى مناطق الداخل.

وعن سكان سواكن ومنطقتها ذكر كل من النويري (ت 732هـ / 1332 م) في كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب، ج 1 ص 66 موقع الوراق، والمقريزي في المواعظ والاعتبار ص 295 أن أهل سواكن "طائفة من البجة تسمى الخاسة وهم مسلمون" بينما ذكر ياقوت الحموي (626 هـ / 1229 م) في معجم البلدان ص 164 أن أهلها بجاه سُود نصارى ولم يوضح انتماءهم القبلي.

ويوصف البجة عادة بأنهم "سودان" أي سود البشرة كما وصفهم ياقوت، غير أن القلقشندي في كتابه صبح الأعشى (ص 282) جعلهم "أصفى السودان لوناً" وقد وصلت المسيحية إلي سواحل البحر الأحمر قبل دخول المسلمين مصر، بينما اتصل المسلمون بسواكن قبل القرن الرابع الهجري (10 م).

وقد جعل النويري والمقريزي الخاسة سكان سواكن، ووضعهم ابن سعيد على البحر الأحمر لكنه لم يحدد مكانهم. أما القلقشندي فقد جعل الحداربة سكان سواكن ولم يشر إلى الخاسة. والخاسة من القبائل الكبيرة والقديمة في المنطقة، فقد ذكرهم عيزانا في نقشه في القرن الرابع الميلادي الذي ورد فيه أنه ذهب لحرب النوبة الذين أغاروا على عدد من القبائل من ضمنهم قبيلة الخاسة. وحدد ابن حوقل أن مواطن الخاسة ما بين خور بركة وسواحل البحر الأحمر، وذكر أنهم "بطون كثيرة في السهل والجبل".

وذهب الدمشقي في كتابه نخبة الدهر في عجائب البر والبحر ص 237 إلى أن الخاسة يعيشون إلى جوار الحداربة، وقسمهم إلى قسمين: " خاسة السفلى كفار، وخاسة العليا مسلمون، وهم أقل الناس غيرة ونخوة على النساء. وغالب هؤلاء لا يلبسون المخيط، ولا يسكنون المدن" وقد تؤيد معلوماته ما ذكره ابن حوقل من انتشار القبيلة الواسع ما بين خور بركة والبحر الأحمر.

كماربط ابن حوقل قبيلتين أخريتين هما "برقابات وحنديبا" بسواكن فقال عنهما " وتحاذي سواكن برقابات وحنديبا ، وهم خفراء على الحدربية وخفارتهم لعبدك وهم تحت يده وعبدك خال ولد أبي بكر إسحق بن بشر صاحب العلاقي. وبعض هؤلاء القوم في خفارة كوك خال أبي القاسم حسين بن علي بن بشر، وعبدك وكوك رئيسا الحدارب أجمع"

ولم يمدنا ابن حوقل بأكثر مما ورد في النص من الاشارة إلى موطنهم الذي هو بمحاذات سواكن. ولم يتضح هل يتصلون بسواكن أو يعيشون بجوارها. وورد في النص أنهم خفراء على الحداربة، ولم يرد عن القبيليتن أي ذكر في المصادر العربية بهذين الاسمين "بلاقابات وحنديبا". وورد في لسان العرب أن "الخفير هو المجير، وخفير القوم مجيرهم الذي يكونون في ضمانه ما داموا في بلاده، وهو خفير يخفر القوم حفارة، والخفارة الذمة"

وللمزيد من توضيح مفهوم الخفارة التي تعني الجوار نورد ما ذكره ابن سعيد المغربي (القرن 7 هـ / 13 م) عن قبيلة هوارة البربرية (الأمازيغية) حيث قال عن سكان مدينة مسراتة (في ليبيا الحالية): "وأهلها من هوارة تحت خفارة دياب" ودياب بطن من قبيلة بني هلال الذين سيطروا على هذه المناطق وزحزحوا القبائل المحلية قبل عصر ابن سعيد بقرنين من الزمان. وأضاف ابن سعيد – في نفس المكان – عند حديثه عن طلميثة – وهي أيضا مدينة على الساحل الليبي – "وبها قصر فيه اليهود الذين تحت خفارة العرب"

وإذا كانت قبيلتا برقابات وحنديبا خفراء على الحدرابة يعني ذلك أنهم كانوا يمثلون مركز القوة في المنطقة وأن الحداربة كانوا تحت حمايتهم. وهذا يتعارض مع ما ذكرته المصادر بما فيها كتاب ابن حوقل نفسه من أن قبيلة الحداربة أكبر وأقوى قبيلة في المنطقة، ولم يرد أي ذكر لهتين القبيلتين في المصادر الأخري وبخاصة اليعقوبي – الذي كتب في القرن الثالث – الذي فصل الكتابة في تاريخ قبائل وممالك المنطقة.

غير أن الزبيدي نقل رأياً آخر وسع في معنى الخفارة – رغم تحفظه في قبول هذا المعنى - وجعلها تطلق على المُجير والمُجار فقال:يقال فُلانٌ خَفِيرى أَي الّذِي أُجِيرُه وهو أَيضاً المُجِير فكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَفِيرٌ لِصَاحِبِه ... والخِفَارَةُ : الذِّمَّة كالخُفَرَةِ كهُمَزة وهذا خُفَرَتِي وهو بمَعْنَى المُجِير فَقَط ولا يُطْلَق على المُجارِ ففي كلام المصنف إِيهامٌ." وأرى أن ابن حوقل استخدم لفظ الخفارة بهذا المعنى . وبذلك تكون قبيلتا بلاقابات وحنديبا كانتا تحت خفارة الحداربة أي تحت ضمانهم وحمايتهم. ويؤيد هذا الرأي ما ورد في نهاية النص من أن "بعض هؤلاء القوم [القبيلتان] في خفارة كوك[الحدربي]"

ظل ميناء سواكن يساهم بنشاطه التجاري إلى جانب ميناء عيذاب إلى أن بدأ دور عيذاب في التدهور منذ منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، فبدأ نشاط ميناء سواكن في الازدهار وبدأت تحل محل عيذاب في استقبال تجارة البحر الأحمر منذ عام بضع وعشرين وثمانمائة (1422 م) كما ذكر المقريزي. ويبد أن بلُس الذي نقل عنه كراوفورد (ص 122) هذا التاريخ لم يذكر مصدره فتساءل كراوفورد عن مصدره.

وزاد من تدهور الأوضاع قلة العمل في مناطق الذهب وتوقف العمل في استخراج الزمرد في منصف القرن الثامن الهجري (14 م) ووضح المقريزي - في مكان آخر - نهاية النشاط التجاري عبر طريق عيذاب قوص "بعد سنة ستين وسبعمائة"

مدينة بختة
وربما كانت من مدن الحداربة أيضاً مدينة بختة. وقد تردد اسم مدين "بختة" المشهورة بالجمال البختية كثيراً في المصادر العربية. ذكر الادريسي مدينة بُختَة من بين مدن البجة ووصفها بأنها قرية مسكونة وأن بها سوق صغيرو"وحولها قوم ينتجون الجمال ومنها معايشهم وهي أكثر مكاسبهم، وإلى هذه القرية تنسب الجمال البختية وليس يوجد على وجه الأرض جمال أحسن منها ولا أصبر على السير ولا أسرع خطاً وهي بديار مصر معروفة بذلك."

وتبدو جمال البجة من هذا الوصف أجود من غيرها من الجمال التي عرفت بالبخت مثل التى كانت تأتي من مدينة بلخ والتي ذكر الاصطخري في كتابه المسالك والممالك (ج 1 ص 95 موقع الوراق) أنها "المقدمة على سائر البخت بالنواحي". وقد ورد ذكر مدينة بخت عند كل من ابن سعيد والحميري، غير أن اسم المدينة ورد عند ابن سعيد "نجبه" وذكر أن الجمال النجبية تنسب إليها.

ويبدو أنه حدث خطأ في نقل الاسم عند ابن سعيد، فالجمال توصف بالبختية وليس النجبة. ولم تتعرض المصادر الأخرى لهذه المدينة. وقد نقل الحميري بالنص من الادريسي، لكن ابن سعيد اعتمد على معلومات جغرافي اسمه ابن فاطمة ت عام 362 هـ تجول في مناطق افريقيا جنوب الصحراء لكن كتابه المعنون "مماك افريقيا ومسالكها" مفقود. ولم يحدد الادريسي مكان مدينة بختة، وجعلها ابن سعيد على خط عرض 12 وخط طول 65.

ومواقع خطوط العرض في الجغرافية العربية المبكرة لا يختلف كثيراً عن مواقع خطوط العرض الحالية فخط الاستواء في الجغرافيا العربية يقع إلى الجنوب قليلاً من خط الاستواء الحالي. أما خطوط الطول التي تحسب حاليا من خط قرنتش الذي يمر بمدينة لندن فقد كانت تحسب في الجغرلفيا العربية من جزر الكناري الواقعة في المحيط الأطلسي بالقرب من الساحل المغربي.

وعلى كل حال فإن خط طول 65 عند ابن سعيد يقع غرب البحر الأحمر، وخط عرض 22 عنده يقع إلى الجنوب من خط عرض 22 الحالي والذي يمر بمنطقة وادي حلفا. وبناءاً عليه يمكن وضع مدينة بختة في الجزء الشمالي من خور بركة. وهذا الافتراض لموقع المدينة بجعلها قريبة من الموقع المفترض لمدينة هجر، وتحديد هذه المناطق يتطلب تضافر جهود المؤسسات الأكاديمية التاريخية والآثارية.

مدينة صنجة
وقد ورد اسم مدينة أخرى ارتبط اسمها أيضاً بالحداربة وهي مدينة "صنجة". فقد ذكر الطبري أثناء تناوله حملة القمي على البجة عام 241 هـ بأن "المؤن أتت إلى القمي عن طريق البحر "إلى ساحل من سواحل البحر يعرف بصنجة " بينما جاءت في كتاب ابن سليم "صيحة" وقد اتضح مما ذكرته المصادر المبكرة مثل مؤلفات اليعقوبي والمسعودي وابن حوقل أن البجة الذين يقطنون أرض المعدن والذين اتصلوا بالميلمين واختلطوا بهم هم الحداربة. فصنجة أو صيحة التي تقع على ساحل البحر الأحمر تكون من مدن الحداربة.


أحمد الياس حسين
ahmed.elyas@gmail.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1144

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. أحمد الياس حسين
د. أحمد الياس حسين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة