المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. أحمد الياس حسين
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية (17)
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية (17)
11-09-2011 08:25 PM

حول أصول سكان السودان 17

إطلاق كلمتي نوبة ومريس ومراحل استخدامهما في المصادر العربية
تناولنا في مقالاتنا السابقة أرقام 12 – 16 ظهور كلمة النوبا واستخدامها في المصادر اليونانية والرومانية، ورأينا أنها كانت تطلق إطلاقاً عامّاً على جميع سكان السودان في الغرب والوسط والشمال. فكلمة النوبا في تلك المصادر مرادفة لكلمة الاثيوبيين. وسنتناول هنا ظهور ومراحل استخدام كلمة نوبة في المصادر العربية.
لم تطلق كلمة النوبة في المصادر العربية في كل الأوقات على منطقة واحدة بعينها، بل ورد إطلاقها عامّاً مرة ومحدوداً مرة أخرى. وفي كلا الحالتين قد يأتي اطلاقها دون الاشارة إلى أي المعنين هو المقصود. وفي هذه الحالة ينبغي على القاريء التعرف على مدلول كلمة النوبة هل هو إطلاق عام أم إطلاق خاص؟ فعندما يقول المسعودي (ج 2 ص 17) "ولمن بأسوان من المسلمين ضياع كثيرة داخلة بأرض النوبة يؤدون خراجها إلى ملك النوبة" فالنوبة هنا تعني – من خلال المفهوم العام للنص – المنطقة الشمالية من مملكة مُقُرة المجاورة لأسوان فقط.
وعندما يقول المسعودي (ص 2/17) "وأما النوبة فافترقت فرقتين" يشير هنا إلى نوبة علوة ونوبة مُقُرة كما وضح في ما تبقى من النص. وأحياناً أخرى ترد كلمة النوبة ولا يوضح النص المعنى المراد بها، وهنا ينبغي علينا أن نتبصر ونتأنى في حكمنا على معنى كلمة النوبة حتى نتوصل إلى دلالتها، أو ما يمكن أن تكون دلالتها. كما في كلمة النوبة في نص عهد البقط عند المقريزي.
ولو رجعنا إلى الفترة التي سبقت دخول المسلمين مصر وجدنا أن المملكة التي كانت تجاور حدود مصر الجنوبية هي مملكة نوباتيا ويطلق على سكانها اسم النوباتيين. وكانت على علاقات طيبة مع البيزنطيين الذين هزمهم المسلمون وأجلوهم من مصر. وسكان مملكة نوباتيا هم أول من تعامل المسلمون معهم من سكان مناطق جنوبي أسوان. ويبدو معقولاً أن المسلمين أطلقوا عليهم اسمهم الذي وجدوه في المنطقة وهو النوباتيين أوالنوباتي وهو الاسم الذي أصبح “النوبة ” فيما بعد في اللسان العربي. فيكون اسم "النوبة" في الوثائق الاسلامية المبكرة راجعاً إلى مملكة نوباتيا المجاورة للحدود المصرية.
وتوجد بعض الأدلة التي تساعد على قبول هذا الرأي. أولاً يرى كثير من المؤرخين أن المسلمين عندما دخلوا مصر وجدوا ثلاث ممالك هي من الشمال إلى الجنوب: مملكة نوباتيا وعاصمتها فرس ومملكة مُقُرة وعاصمتها دنقلة ومملكة علوة وعاصمتها سوبا. فالمسلون تعاملوا مع أول مملكة واجهتهم جنوبي أسوان وهي التي كانت تعرف بنوباتيا.
ويبدو مما ورد عند ابن سليم الأسواني (ت 386 هـ/996 م) أن إطلاق اسم النوبة كان – حتى عصره – يصدق بصورة خاصة على منطقة شمال وادي حلفا الحالية. فقد كتب ابن سليم تاريخه عن كل المنطقة ما بين أسوان حتى حدود علوة وما جاورها جنوباً بالاضافة إلي منطقة البجة. وأطلق على كتابه "أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل" ورغم إنه عرف بمؤرخ النوبة، إلا أنه تناول تاريخ ثلاث مناطق منفصلة فيما عرف ببلاد النوبة وهي: النوبة ومُقُرة وعلوة، مما يؤكد أن لفظ النوبة حتى وقته كان يطلق بصورة خاصة على المناطق الواقعة إلى الشمال من مملكة مُقُرة.
ويبدو الفصل واضحاً في استخدام المصادر العربية لكلمتي "نوبة ومُقُرة" فيما أورده ياقوت الحموي (مسعد ص 166) عندما تحدث عن ملك دنقلة حيث قال: "وكتاباته إلى عماله وغيرهم من كابيل ملك مقرى ونوبة" ورغم أن مملكة مُقُرة تدخل تحت المعنى العام لكلمة "نوبة" إلا أن لكلمة نوبة خصوصيتها في الاستعمال حيث كانت تطلق على الجزء الشمالى لمملكة مُقُرة وهي مملكة نوباتيا.
ويميز ابن سليم بوضوح في أكثر من موضع بين النوبة الذين هم سكان شمال مُقُرة أو نوباتيا وبين سكان مملكة مُقُرة. يقول (مسعد ص 96 ) "أعلم أن النوبة ومُقُرة جنسان بلسانين كلاهما على النيل، فالنوبة وهم المريس المجاورون لأرض الاسلام." فالنوبة متميزون عن سكان مملكة مُقُرة، وبالطبع متميزون عن سكان مملكة علوة. ورغم ان المصادر تطلق كلمة النوبة كثيراً في معناها العام وتريد بها كل المناطق من أسوان وحتى علوة، إلا أنها أطلقت كلمة النوبة على وجهة الخصوص ويريدون بها فقط المنطقة الواقعة ما بين حلفا وأسوان.
فلماذا هذه الخصوصية؟ ربما كان مصدر هذه الخصوصية هو أن أغلب سكان هذه المنطقة الواقعة بين أسوان شمالاً وحلفا جنوباً هم المهاجرون الذين وفدوا من الصحراء الغربية في القرن الثالث الميلادي، واستقروا إلى جانب البليميين ثم أسسوا تحت قيادة سلكو المملكة التي عرفت باسمهم "مملكة نوباتيا" فارتبط اسم النوبة عند المسلمين الأوائل بهذه المنطقة.
حدود بلاد المريس
وقد أطلقت المصادر العربية اسم "المريس" على هؤلاء النوبة سكان هذه المنطقة، ووضح ابن سليم (ص 98 ) أن حدود المريس تمتد حتى بستو في منطقة الشلال الثالث التي هي: "آخر قرى مريس، وأوّل بلد مقرة، ومن هذا الموضع إلى حدّ المسلمين لسانهم مريسي، وهي آخر عمل متملكهم" فمن هم المريس الذين تمتد حدودهم في مملكة مُقُرة؟
ذكر الجاحظ (مسعد ص 405) أن "النوبة هم المريس المجاورون لأرض الاسلام" ووضح المسعودي (ج 2 ص 18) أن: "البلد المتصل بمملكته [ملك مُقُرة] بأرض أسوان يعرف بمريس، وإليه تضاف الريح المريسية، وعمل هذا الملك متصل بأعمال مصر من ارض الصعيد ومدينة أسوان."
وفي أثناء تناوله المشكلة التي أثارها المسلمون الذين اشتروا ضياعاً من سكان منطقة جنوب أسوان ولم تسمح لهم السلطات بتملكها باعتبار أن المواطنين الذين باعوا تلك الأراضي لا يملكون حق التصرف فيها لأن الأرض ملك للملك وما هم إلا عبيدٌ للملك." ذكر المسعودي (2/22) أن السكان لم يقروا بالعبودية للملك وأقرت ملكيتها لمن اشتروها وأضاف:
"وتوارث الناس تلك الضياع بأرض النوبة من بلاد مريس، وصار النوبة أهل مملكة هذا الملك نوعين: نوع ممن وصفنا أحرأر غير عبيد، والنوع الأخر من أهل مملكته عبيد، وهم من سكن النوبة في غير هذه البلاد المجاورة لأسوان، وهي بلاد مريس" فأرض المريس المجاورة لأسوان تعتبر من ضمن بلاد النوبة.
وحدد المسعودي (نفس المكان السابق) "ان أهل مصر يسمون أعالي الصعيد إلى بلاد النوبة مَرِيس" أشار المسعودي هنا إلى مملكة مُقُرة ببلاد النوبة إلى جانب مريس، وفي النص أعلاه ذكر " بأرض النوبة من بلاد مريس " فأحياناً يشير المسعودي إلي مملكة نوباتيا بمريس، وأحيانا يشير إليها كجزء من أرض النوبة.
ولم تنحصر منطقة مريس في المصادر العربية على جنوبي أسوان فقط بل تمتد شماليها. يقول اليعقوبي (كتاب البلدان ج 1 ص 42) موقع الوراق) أن "عجم مصر جميعاً القبط، فمن كان بالصعيد يسمون المريس." وعن مدينة اسنا في صعيد مصر ذكر أنه (ج 1 ص 40)"يقال إن أهلها المريس." ووردت نفس الاشارات تقريبا عند المقريزي (المواعظ ج 1 ص 161 موقع الوراق) حيث فقال: "كان أهل مصر يسمون من سكن من القبط بالصعيد: المريس" وعن مدينة الأقصر ذكر ( ج 1 ص 254) أنه يقال "إنّ أهلها المريس"
وقد تناولت المصادر العربية – التاريخية والجغرافية والقواميس العربية كما في الجدول رقم 1 أدناه – بلد مريس وحددت موقعه وحدوده. غير أن المصادر لم تتفق على بداية الحدود الشمالية لبلاد مريس. فقد اتفق كل من اليعقوبي والمسعودي والزبيدي وابن منظور واليافعي على أنها ممتدة داخل صعيد مصر. جعلها الزبيدي وابن منظور "من بلاد الصعيد" دون تحديد لموقعها في بلاد الصعيد، بينما وضعها المسعودي في أعالي الصعيد على حدود مصر فذكر "ان أهل مصر يسمون أعالي الصعيد إلى بلاد النوبة مَرِيس ... البلد المتصل بمملكته [ملك مُقُرة] بأرض أسوان يعرف بمريس" أما اليافعي فقد جعلها "قرية من قرى مصر." وذكر كل من اليعقوبي والمقريزي أن سكان مدينتي إسنا والأقصر بصعيد مصر يطلق عليهم المريس.
image
ونخلص من ذلك إلى أن المصادر العربية المبكرة والمتأخرة قد وضحت أن الصعيد الأعلى من أرض مصر كان تابعاً لبلاد مريس، وأن سكان بلاد الصعيد من منطقة الأقصر جنوباً كان يطلق عليهم "مريس" مما يعني أن تلك المناطق كانت تعرف ببلاد مريس. وبناءً عليه فإن الحد الشمالي يبدأ – كما في النصوص الواردة أعلاه – من بلاد صعيد مصر ويمكن تحديده بمنطقة الأقصر. أما حد مريس الجنوبي فقد وضعه ابن سليم – الذي مر بالمنطقة – بوضوح في مدينة بستو عند الشلال الثالث والتي قال عنها: "وهي آخر قرى مريس وأول بلد المُقُرة. "
ونقل مسعد عن دي فيار أن حدود مريس الجنوبية كانت تنتهي في مدينة المقس الأعلى عند الشلال الثاني، وأن بيستو تمثل آخر امتداد للغة الكنوز. وهذا لا يتفق مع عبارة ابن سليم الصريحة التي وضحت أن مدينة بيستو عند الشلال الثالث "هي آخر قرى مريس وأول بلد المُقُرة" كما ذكرنا أعلاه.
وقد وردت بعض أسماء مناطق ومدن في بلد مريس، فقد ذكر ابن سليم في كتابه أخبار النوبة ومُقُرة وعلوة (في مسعد، المكتبة السودانية ص 92) أن مدينة بجراش - فرس الحالية – كانت عاصمة مريس، وأن بلدة تقوى عند الشلال الثاني من بلاد مريس. في تاريخه (في مسعد ص 140) واورد ابو صالح عن مدينة ابريم أن بها مسكن "صاحب الجبل ، وجميع من بها مريس."
فبلاد مريس قبل الفتح الاسلامي كانت مقسمة إلى قسمين: القسم الشمالي تحت الادارة البيزنطية يقاسمهم البليميين (البجة) إدارة بعض المناطق، والقسم الجنوبي من بلاد مريس هو مملكة نوباتيا التي تمتد حدودها حتى الشلال الثالث كما ذكرابن سليم. وبالطبع فإن مملكة نوباتيا لم تكن موجودة في عصرابن سليم فقد ضمتها مملكة مُقُرة بعد نحو ثمانية عقود من دخول المسلمين مصر. لكن تحديد ابن سليم بني على امتداد العنصر السكاني المريسي حتى عصره جنوباً حتى الشلال الثالث، ولما كان المريسيون هم سكان مملكة مريس أو نوباتيا فقد وضع ابن سليم حدها الجنوبي عند نهاية هذا العنصر البشري عند الشلال الثالث.
وقد ذكرنا أن سكان هذه المنطقة ينتمون إلى الشعوب التي استقرت في المناطق الوسطى لوادي النيل وأقامت الثقافات المبكرة منذ العصورالقديمة بين صعيد مصر وموقع مدينة الخرطوم الحالية، هي ذات السلالة التي أسست عصر الأسرات في صعيد مصر. وقد تعرضت المنطقة لبعض الهجرات من المناطق الغربية لوادي النيل ومن المناطق الجنوبية مكونة السلالات التي أقامت حضارة كوش في حقبها المتتالية حتى العصر المروي.
وفي القرون القليلة السابقة لفتح المسلمين مصر اشتهرت مجموعتان من سكان هذه المنطقة هما البليميين والنوباتيين. ورغم أن الملك سلكو مؤسس مملكة نوباديا قد أشار في نقشه المشهور إلى عناصر سكانية أخرى في المنطقة إلا أنه لم يسمها، بل ورد اسمي البليميين والنوباتيين فقط. وقد تناولنا بشئ من التفصيل هاتين القبيلتين فيما سبق من مقالاتنا. وقد رأينا أن النوباتيين أسسوا مملكة نوباتيا المسيحية في منتصف القرن السادس الميلادي على حدود مصر الجنوبية. وعلى هذا فإن مملكة نوباتيا قامت على أرض مريس الواقعة إلى الجنوب من أسوان.
مملكة مريس
عندما فتح المسلمون مصر بقيادة عمرو بن العاص وجدوا في بداية الأمر مملكة نوباتيا فحاربوها ووقعوا معها الاتفاقيات كما سنوضح ذلك لاحقاً.
ولذلك احتفظت روايات الاخباريين المبكرة بأحداث المسلمين مع مملكة نوباتيا في أرض مريس. وظلت علاقة المسلمين بأرض مريس ومملكتهم نحو خمسين سنة قبل أن تتحد نوباتيا مع مملكة مُقُرة. وبعد اتحاد المملكتين لم يعد لممكة نوباتيا وجود وأصبحت أرض مريس جزءً من أراضي مملكة مُقُرة.
وفي القرن الثالث الهجري (9 م) – أي بعد نحو قرنين من نهاية مملكة نوباتيا - بدأ تدوين كتب الفتوح والتاريخ والجغرافيا العربية وازدادت – في هذه الفترة - صلة المسلمين ومعرفتهم بالشعوب المجاورين لهم جنوباً. وحملت تلك المؤلفات الروايات المبكرة عن حروب المسلين والنوباتيين الذين عرفهم العرب باسم النوبة، ولم يعد لاسمي النوباتيين ومملكة النوباتيين حياة في ذاكرة رواة الأخبار المعاصرين لظهور المؤلفات في القرن الثالث الهجري والقرون التالية، ولذلك لم يعد اطلاق كلمة النوبة قاصراً على سكان منطقة مريس فقط بل توسع ليشمل الكثير من العناصر السكانية في جنوب مصر.
فالمصادر العربية المبكرة والمتأخرة لم تستخدم كلمة النوباتيين أو مملكة النوباتيين" إذ اختصر العرب كلمة النوباتيين فأصبحت النوبة، وأصبح النوباتيين يعرفون في المصادر العربية بالنوبة. وأطلقوا على مملكة النوباتيين اسم مملكة مريس وهو اسم المكان الذي قامت عليه المملكة. فالجاحظ (في مسعد، المكتبة السودانية ص 405) الذي عاش في القرن الثالث الهجري ذكر أن "النوبة هم المريس المجاورون لأرض الاسلام"
وفي القرن الرابع الهجري (10 م) بين ابن سليم الاسواني - المنسوب إلى أسوان والذي كتب تاريخ المنطقة بعد زيارتها - بوضوح الفرق بين النوبة والسكان المجاورون لهم جنوباً فقال (في مسعد، المكتبة السودانية ص 90 ): "اعلم أنّ النوبة والمقرة جنسان بلسانين، كلاهما على النيل، فالنوبة هم: المريس المجاورون لأرض الإسلام، وبين أوّل بلدهم، وبين أسوان خمسة أميال"
وفي القرن الرابع الهجري أيضاً صور لنا المسعودي (مروج الذهب ج 2 ص 21) الوضع على حدود مصر الجنوبية قبل نهاية مملكة نوباتيا، قال المسعودي:
" كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما افتتح عمرو بن العاص مصر كتب إليه بمحاربة النوبة، فغزاهم المسلمون، فوجدوهم يرمون الحدق وأبى عمرو بن العاص أن يصالحهم، حتى صرف عن مصر، ووليها عبد اللّه بن سعد، فصالحهم على رؤوس من السبي معلومة، مما يسبي هذا الملك المدعو بملك مريس المجاور للمسلمين من غيرهم من ممالك النوبة وغيرها من أرض النوبة المقدم ذكرها فيما سلف من صدر هذا الباب"
يوضح هذا النص بصورة قاطعة أن عبد الله بن سعد حارب النوبة في أرض مريس وأن الملك الذي وقع معه الصلح هو ملك مريسً وليس ملك دنقلة. وهنالك بعض الأدلة الأخرى التي تؤيد وجود مملكة مريس بعد خمسين سنة من حرب عبد الله بن سعد عام 31 هـ.
فقد ذكر أبا مِنا Abba Mina كما ورد في (G. Vantini, Oriental Sources Concerning Nubia, p 36) الذي كتب حوالي عام 700م (81هـ) سيرة بطريرك الإسكندرية اسحق (686-689م/ 67-70هـ) ما يفيد وجود مملكتي مريس (نوباتيا) ومملكة مُقُرة ككيانين منفصلين حتى سنة 700م (81 هـ). وأشار إلى أن العلاقات بينهما كانت متوترة إذ من المعروف أن المسيحية دخلت مُقُرة على مذهب الكنيسة البيزنطية بينما تبعت نوباتيا مذهب الكنيسة المصرية.
قال أبا منا: "في الحقيقة يوجد ملكان في المنطقة، كلاهما مسيحيان، ولكن ليس بينهما سلام، لأن واحد منهما ملك موريتانيا دخل في صلح مع المسلمين، والآخر ملك مُقُرة العظيم ولم يكن في صلح مع المسلمين"
وقد أطلق أبا مِنا لقب "ملك موريتانيا" على "ملك نوباتيا" كما جرت عادة بعض الكتاب الأقباط عندما يتحدثون عن نوباتيا. فقد أورد أبا مِنا نفسه في بقية نصه الذي أشرنا إليه ما يوضح أن مملكة موريتانيا تقع شمال مُقُرة. وقد ذكر John of Nikiou (“La Choronique de Jean de Nikiou” in Vantini. P 43.) الذي كتب عام 686 م (67هـ) أن "بربر منطقتي نوباتيا وأفريقية يدعون بالموريتانيين"
فنص أبا منا الذي كتب بعد خمسين سنة من صلح عبد الله بن سعد مع النوبة يوضح وجود ملكين هما ملك الموريتانيين (مريس أو نوباتيا) الذي كان على صلح مع المسلمين، وإشارة الصلح هنا تعود بالطبع إلى صلح عبد الله بن سعد. والملك الثاني ملك مُقُرة الذي لم يكن في صلح مع المسلمين. ويؤيد هذا أن اتحاد المملكتين تم بعد حروب عبد الله بن سعد التي كانت عام 31 هـ، وهوالرأي الذي قبله كثير من المؤرخين مثل كيروان وعلي عثمان وآدمز.
وقد ذكر الأب ج فانتيني (تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة والسودان الحديث ص 74) أثناء تناوله سيرة بطريرك كنسية الاسكندرية اسحق القبطي أن هذا البطريرك بعث برسالة لكل من ملك موريتانيا (أي نوباتيا) وملك مُقُرة داعياً إليهما إلى التصالح بينهما لأن كلاهما مسيحيان. وكان ملك نوباتيا يمنع وصول مبعوث البطريرك ألى مملكة مًقُرة، كما يمنع وصول رسول مملكة مًقُرة إلى البطريرك عبر أراضيه. وبناءً عليه استنتج فانتيني أن مملكة نوباتيا كانت لا تزال مستقلة عن مملكة مًقُرة في زمن البطريرك اسحق القبطي (686 – 689 م / 57- 70 هـ) . وذكر فانتيني أن لوحة التدشين في كاتدرائية فرس عام 707 م / 89 هـ وضحت اسم ملك مُقُرة مرقوريوس باعتباره الملك الوحيد لكل من نوباتيا ومُقُرةمما يوضح أن المملكتان كانتا متحدتان في عصر هذا الملك.
وقد ورد هذا الحدث في كتاب ساورس بن المقفع تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية ( في مسعد، المكتبة السودانية ص 77 ) لكنه نسب الرسالة من البطرك الى ملك الحبشة وملك مُقُرة. وربما اعتمد فانتيني على مصدر آخر غير كتاب ساورس رغم أنه أورد كتاب ساورس ضمن مصادره، فقد ترجم فانتيني ونشر مجموعة من النصوص السوريانية والقبطية عن النوبة. ويبدو ان فانتيني كان مطمئنّاً لمصدره – الذي لم يوضحه – فقد ذكر أن العلماء استندوا على هذه الرسالة أن ملك مُقُرة كان تابعاً لطائفة الأقباط بينما كان ملك نوباتيا تابعاً لطائفة الروم.
ونعود إلى المصادر العربية التي أطلقت بوضوح "أرض مريس" على المناطق المجاورة لأسوان جنوباً وأطلقت على مملكتها "مملكة مريس" التي حاربها عبد الله بن سعد ووقع معها الصلح الذي اشتهر فيما بعد بمعاهدة البقط. وأطلقت المصادر العربيةعلى سكان مملكة مريس اسم " النوبة "، وهو الاسم الأصلي الذي أتى من الصحراء الواقعة إلى الغرب من النيل وهو " Nobatae".
وقد استخدمت المصادر العربية اسم النوبة أيضاً للدلالة على معنى عام ضم سكان كل الممالك المسيحية: مريس ومُقُرة وعلوة. فأصبح لكلمة النوبة دلالتان، دلالة خاصة تصدق على سكان منطقة مريس ودلالة عامة تصدق علي سكان الممالك المسيحية الثلاث.
ولعل عنوان كتاب ابن سليم يشير بوضوح إلى دلالة النوبة على المعنى الخاص بأهل مريس، فقد فصل فصلاً واضحاً بين النوبة من جهة ومُقُرة وعلوة من جهة أخرى. وقد فعل نفس الشئ أبو صالح الأرمني (في مسعد ص 144) عندما تحدث عن السلطة في ممالك السودان فقال: "ملك النوبة له النوبة وأعمالها وأرض علوة ومُقُرة والأجناس المضافة إليها" فالفصل واضح بين النوبة الذين هم سكان مريس أو مملكة نوباتيا القديمة وبين مملكتي مُقُرة وعلوة.
وعلى هذا فإن اسم النوبة قد مر بثلاث مراحل، المرحلة الأولى 1. النوباتيين: وقد أطلق على سكان مملكة نوباتيا قبل دخول المسلمين مصر. 2. النوبة: أطلقه المسلمون عند دخولهم مصر على النوباتيين سكان الجزء الجنوبي من بلاد مريس. 3. تعميم المصادر العربية لإطلاق كلمة النوبة لتشمل سكان مناطق مريس ومُقُرة وعلوة.



أحمد الياس حسين
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1817

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. أحمد الياس حسين
د. أحمد الياس حسين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة