المقالات
السياسة
ياسر عرمان.. عن الشجن، وهزيمة الروزنامة
ياسر عرمان.. عن الشجن، وهزيمة الروزنامة
11-11-2013 04:31 PM



"ما أسهل أن نعود بالذكرى إلى سنين مضت، وما أصعب أن نتحلل من حبائلها دون حنين ممزوج بالأسى". (طفو فوق الذكريات، طارق الطيب).

(1)
في تلك الساعة ونحن جمعٌ جذلٌ فرحان، وممتليء المسام حبوراً بزفاف صديقنا العروس "مجتبى عرمان" ليلة الأحد 10 نوفمبر 2013م بالأملاك بحري، ساهماً كنت أدير حواراً داخلياً على وقع الأنغام الشجية لـ"لفلوت" الموسيقار حافظ عبد الرحمن، تبادر في ذهني بغتة! سؤال فاجع، وأعترف بأني كنت –حينها ولا أزال- محتقناً بأشجان الإستجابة للشحنات عالية الإنسانية الكامنة في رسالة "ياسر عرمان" المعنونة إلى والديه الأم فاطمة عالم والوالد سعيد عرمان بمناسبة بلوغه عامه الـ(51)، والتي تضجُّ بمعانٍ سامقات خارج قاموس "ساس يسوس".. ولربما لم يحن ميعاد قرائتها على النحو الرشيد..
كتب ياسر: (هذا الإحساس هو الأجمل الذي يغشاني في مساء الرابع من أكتوبر يوم مولدي مثل ملايين البشر الغائبين والحاضرين والآتين إلى جمال ونزق الحياة. واليوم قد عبرت بوابة الـ"51" عاماً أود أن أرسل كل اعتذارات الحياة إلى أمي "فاطمة عالم" وأبي "الأستاذ" سعيد عرمان"، لما سببته لهما من رهق وعذابات حينما تجنبت الحياة الآمنة واخترت طريقاً لم يكن محل اتفاقهما، ولكن مع ذلك إحترما دوماً خياراتي وتمنيا لي النجاح حتى في الأشياء التي لم يشاركاني الاتفاق حولها).
في تلك الساعة، وأنا بـ(الصالة الذهبية) ببحري؛ جال في ذهني ذاك السؤال عما إذ اذا كان ياسراً يطلع على تسجيلات (أشرطة وCDs) مناسبات زواج أشقائه [إذ أني حضرت ثلاثاً منها في العامين المنصرمين!].. ولم ألحظ أنني في سهوي البريء ذلك، قد أفضيت بالسؤال إلى إلى رفيقة تلك السهرة السيدة (تهاني أبو سن)، والتي عالجتني بصدق بائن: "والله يا عادل لمن أفكِّر في ياسر في المسألة دي.. قلبي بيتقطَّع". طفقت حينها أتأمل في الملامح الحنينة والحميمة للوالدة "فاطمة عالم" بشلوخها البارزات وهي "تبشِّر" على إبنها العروس وزوجته –وسط شغب الممراح: مجتبى- وفي عينيها كـ(أم) ذلك الشجن الدفين، ولكـأني ساعتذاك أتفرَّس قلب "ياسر عرمان" وهو يكتب رسالته تلك، ومحيا والدته "فاطمة" يملأ روحه، وهو يردد مع الشاعر سيد أحمد بلال:
(وتلك المرأة السمراء الشاحبة
تترك طيفها على الضفتين، وتتمطى في مفاصل الأغنية)..

(2)
ثمة سمة بارزة وسمت نتاج السلف الأول والسابقين من المثقفين والسياسيين في أفريقيا في قرنها العشرين، وهي ظاهرة (تعدد الغوايات) في الحقوق الإبداعية المختلفة بإجادة تامة، مع إلتباس عدد غير يسير منهم بالسياسة والنضال والقضايا الوطنية، وصولاً لدرجة بذل النفس كما هو الحال مع الشاعر الشاعر والمسرحي والمنتج التلفزيون والناشط البيئي النيجيري "كين سارو ويوا" الذي أعدمه نظام الجنرال ساني أباتشا في 1995م، وهي ظاهرة ليست حصرية على المبدعين في حقل اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو العربية، بقدر ما هي "لعنة جميلة" تحمَّل مشاق همومها السنغالي ليوبولد سيدار سنغور [الرئيس الشاعر] والجنوبسوداني تعبان لو ليونق في الشعر والمسرح والنقد والتشكيل، شأنه والكيني الأبرز واثينقو نقوقي، بمثل ما تحمَّلها السوداني الراحل مجدي النور والنيجيري وول شوينكا والمغربي عبد اللطيف اللعبي والسنغالي عثمان سامبين كاتباً روائياً ومخرجاً سينمائياً والسودانيان عمر الطيب الدوش وعفيف إسماعيل، مثالاً لا حصراً.
وعطفاً على ذلك، أقول بأنه من نافل القول إختلافنا حول القيمة الأدبية لنصوص ياسر عرمان (الشعرية) التي يكتبها، كما عبر عدد من الشعراء "المحترفين" على ردهات بعض منتديات الأسافير، لكن المؤكد بأن رسالته إلى والديه آنفة الذكر، تتخطى كونها جزءاً من أدب الرسائل كجنس أدبي معروف، إلى كونها تمثل سفراً بديعاً من سجل أدب (السيرة الذاتية)، والتي أفرد خلالها الكاتب [ياسر] مساحة هائلة للعاطفة الإنسانية المتبصرة في أعلى حالات صدقيتها، إذ جاءت تلك الكتابة (المناجاة) في حيز الثنائية (الإبن/ الوالدين) وهي من أسمى علائق البشرية بطبيعة الحال، وعبر اللغة البسيطة والعميقة، في آن، نجدها وقد إرتفعت بما هو "واقعي وحياتي" إلى مقام شاعري جزل المعاني، ويقول الكاتب اللبناني أمين معلوف عن هذا الضرب من الكتابة: (هنا الأدب يرتقي مع كل صفحة، إلى معناه الأعمق والأسمى.. يجاور الموت بترفُّع ويصارع قوى الفناء ولا يكفر لحظة بالحياة، هنا الأدب يعيد إلى الإنسان قدسيته، وإلى الإيمان برائته).
ويشير الروائي والناقد المخضرم إبراهيم إسحق بشأن "التصنيف الإبداعي للسيرة الذاتية" إلى وجود ثنائية تكاملية بين الإبداع الشعبي والإبداع المدرسي، حيث أنهما قد (يتمايزان) وظيفياً وليس طبقياً، كنتاج طبيعي للتطور المديني الغالب لدى شعوب العالم (إسحق، إبراهيم: السيرة الشعبية: منظور سوداني، مؤتمر الرواية العلمي، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2013). وليس أبلغ من أستاذنا إبراهيم إسحق إلى رد الإعتبار إلى قيمة "نص/ رسالة" ياسر عرمان، من قولٍ وإفصاح..

(3)
كتب ياسر عن والديه وشجن ذكراهما في عيد مولده: (لقد أحباني دونما حدود أو مقابل، أقول لهما ما زلت أؤمن بجمال وبهاء الطريق الوعر واعشق منعرجات الطريق الذي اخترته مع سبق الإصرار والترصد فالحياة دون قضية لعنة. وأشعر بالأسف الشديد لأنى لا أستطيع أن أكون بجوارهما وهما أكثر حوجة إلي في منعطفات الحياة وإنحدار الطريق. وأشعر بالأسى مرة أخرى لغيابي الطويل عن أمسياتهم وعند شروق ضوء النهار ولكنني لو أتيحت لي الفرصة لما كان بإمكاني إلا اختيار الطريق ذاته والخيارات كانت دوماً صعبة والإنسان كان ظلوماً جهولاً).

(4)
وحين دلفت راجعاً إلى المنزل في الساعات الأولى من صباح الإثنين 11 نوفمبر عائداً من تلك الأمسية، ذات الكلفة الروحية الباهضة عن الشجن وخيارات الحياة، والتي إنطرحت في مشهدي: رسالة ياسر وسؤالي "الحرَّاق" بعرس مجتبى، ومض في خاطري أنه لم يعد في الكف من خيار سوى ذاك الحلم: هذا الوطن.. الممكن والمستحيل! أو بتعبير آخر:
لسنا مجرد عابرين في طرقٍ مؤقتةٍ
تجربتي متنقلة
وما زلت أحمل طفولتي ضد تحديد النسل
وأنت لم تكوني صدفةً ولا موضوعاً
ولسنا مجرد عابرين...
(أحبك، سيد أحمد بلال)
عادل إبراهيم "كلر"

أم درمان 11 نوفمبر 2013م

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1555

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#824046 [Mohammed Hago]
0.00/5 (0 صوت)

11-11-2013 10:29 PM
حقا انه مناضل من طينه ( كوش ) الباحث فى المنافى والادغال تاركا الاهل متجاهلا دعوات المخذلين باحثا عن السلام والطعام للجوعى والمحرومين والحريه والانعتاق لبنى وطنه لذلك كان طبيعيا ان يحرم من دف الامومه الحنينه والابوة العظيمه ولاقى ما لاقى فى ان يظل المشروع العظيم الكبير ( السودان الجديد ) الذى يسعنا جميعا باقيا دفع هو ثمنه وحرم من ان يكون بين احضان والديه حقا انها المهمه المقدسه كمرت ( ياسر) مليار مبروك صديقى ورفيق دربى ( مجتبى ) وشكرا نبيلا عادل كلر على مقالك الجميل......


عادل إبراهيم "كلر"
عادل إبراهيم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة