قاطع الطريق الجميل
11-15-2013 08:39 AM


تداعيات


ذات خريف ، خريف 1986م، كنت قد انتميت، وبحرفة ذات حنين اعرفه، الى رغبة صديقي"السماني لوال" في رؤية"منقلا" ، لذلك حرضته على السفر معي الى كادقلي، فالطبيعة هناك وخريف جبال النوبة كفيلة جداً بتقريب صور منقلا" الى ذاكرته.وأغرت فكرتي تلك الاخ "عبد الله حسب الرسول" المعروف ب"عبد الله الشماسي"كي ينضم الى رحلتنا.

طالبت باجازتي- عادة ما أهمل اجازتي السنوية لأني لا اتذكرها وفعل"السماني"و"عبد الله الشماسي"ذلك.وتحركنا من موقف بصات امدرمان- كادقلي بالسوق الشعبي بأمدرمان.عمي"محمد يوسف"إنتهز فرصة وجودي معه بمكتب الترحيلات الذي يملكه فكال لي الكثير من العتاب واللوم لأني نادراً ما أزورهم، وهذه أحدى عيوبي الكثيرة.

كانت كردفان تتباهي بخريفها اليانع، وكان الطريق تطارده الغيمات التى تظلله احياناً، احياناً تغدق عليه ماء السماء،تلك السماء التي تبدو كلوحة تتغير، وتتبدل ملامحها بحركة السحب الراحلة الى حيث تختفي تدريجيا حين نصل الى مشارف جنوب كردفان،إذ تتبدل التربة بداية من "القردود" ، وهي تربة خليط بين الرمل والطين، الى ان تكون قد اصبحت طينية تماما حين التوغل في جبال النوبة.لا أنسي ان رائحة الدعاش تلازم الأنوف معلنة ذلك الاحساس بالخصوبة.

وحين وصولنا الى تلك المدينة الصغيرة "الدلنج" .تلك المدينة التى لا تقاوم، قررنا أن نمكث فيها أياما، خاصة وأن شقيقتي "عوضية"تقيم فيها، وقد كان.

"السماني لوال" بدأ يتأمل فكرتي تلك عن أن جبال النوبة أقرب إلى جنوب السودان."عبد الله الشماسى" أدمن الذهاب الى سوق"الروب"بالقرب من تلك الغابة المخضرة، والتى تختلط فيها أشجار المهوقني مع اشجار البان في جيرة خضراء الالفة. ليلاً تدمن خطواتنا لزوجة الطين في دروب أحياء "الدلنج"، تلك المظللة بالغمام دوماً ، حي"أقوز" هو الحي الذي وثق بحميميته المحرضة على النشوة، خطواتنا على دروبه وقطاطيه ورواكيبه.

في تلك الصباحات الندية يتلون الفضاء بألوان الطيور، تلك التي تجيء من أماكن لا تعرفها الا هى.الزرازير الصغيرة تتراقص بأفواج على ذلك الفضاء، وتحط على قناديل عيش الريف في"الجبرايك"الصغيرة فى الأحياء.اذكر ذلك الصباح، الصباح الذي تميز بتلك "الشكشاكة" الخفيفة التى لا تمنع الجلوس خارج القطية.كنا في انتظار شاي الصباح، ذلك المميز في تلك المناطق بالحليب الطبيعي.وكانت تلك"الشكشاكة" قد بدأت تعلن عن نهاية كرنفال رذاذها الممتع.
انتبهت الى سرب من النمل في انتظامه ذلك الكيميائى وهو ينقل حبات العيش الى حيث مسكنه وكان طريق ذلك السرب من النمل يمر باعواد القنا على صريف القش،نمل يحمل حبات العيش، ونمل في الاتجاه المعاكس فارغ من تلك الحمولة، ذاهب الى حيث جوال العيش المرمي في زاوية داخل القطية.نملة تدخل وتخرج نملة، والعيون منا الثلاثة تتابع تلك الحركة المفعمة بمعاني العمل من اجل الحياه.فجأءة حط عصفور جميل ، أزرق اللون، زرقة زاهية وبها لمعة، وعلى عنقه خط احمر زاهي، ومنقار صغير،حطَّ ذلك العصفور الجميل بالقرب من صف تلك النمال.نظر العصفور الى ذلك السرب العامل،وخيل لي انه ابتسم. ومن ثم بدأ يلتقط حبة العيش من تلك النمال، بمنقاره يلتقط النملة بحبتها وينفضها عن قوتها ويستأثر بها، يلتقط نملة، ويفصلها عن حبة العيش، ويبتلعها، ونحن الثلاثه سكنت فينا الحركة،وقطعنا التنفس حتى نري ذلك الفعل العدواني الغريب من طائر صغير وجميل لا يوحي شكلة مطلقاً بأخلاق قطاع الطرق، ارتبك سرب النمال تجاه ذلك الفعل المعتدي، وبدأنا نلاحظ ارتباك ذلك الصف. ورويداً.. رويداً، وبفعل التقاط الطائر الجميل لحبة العيش من تلك النمال، توقف خط السير. وبعد أن فرت النمال متبعثرة وبنظام،وكأن كل نملة حين تلتقي بنملة أخري تبث اليها باللغة الكيميائية خطة حماية مخزونها من العيش، والطائر المتباهي بألوانه الزاهية يلاحق ما تبقي من تلك القافلة التي بدأت تختفي تدريجياً، حلق الطائر مبتعداً.خيل لي ايضاً أن هنالك ابتسامة على منقاره، من نوع تلك الابتسامات التي عادة ما تعلن عن انتصارات قطاع الطرق، لم أشاهد، للأسف الشديد، ابتسامات رجال النهب المسلح، وحين كنا نستعد للخروج بعد الأفطار صاح بنا"السماني لوال" :"يا مونج تعال شوف"!

ورأينا فعلاً ما يبعث على الاعجاب ، رأينا اصرار تلك النمال على الحياة،رأينا سرب النمال ذاك وقد غير اتجاه سير قافلته حاملاً حبات العيش، وقد اختار طريقاً طويلاً إلى مسكنه، يبدأ بالخروج من باب القطية، محتمياً بجدارها الطيني، وقد كان خروج تلك القافلة سابقاً يتخذ الطرف الايمن من باب القطية، ويتحرك حتي الصعود على أعواد قنا الصريف، ومن ثم ينزل عنها الى حيث مسكنه.أما هذه المرة فالقافلة تخرج من الطرف الأيسر للباب- باب القطية- ومن ثم تدور محازية للجدار، وتنحرف مع الجدار الايسر ، ثم تنحرف مع الجدار الخلفي للقطية، وتصعد الى اعواد القنا محتاطة بحذر له عمق هذه التجربة حتي تدخل حبات العيش الي مسكنها. هكذا حتي النمال تتعلم ذلك الحذر من مغبة ان تفقد حبة العيش.وذكرت"السماني"و"عبد الله الشماسي" بتلك القصة القصيرة جداً للقاص المتأمل"صلاح حسن أحمد"." دخلت نملة وأخذت حبة وخرجت، وجاءت نملة وأخذت حبة وخرجت جاءت اخرى..أخذت حبه وخرجت، جاءت نملة أخذت حبة و خرجت ، إلا ان جاءت نملة عمياء اخطأت المدخل فتبعها الباقون"، وهكذا اضاعت تلك النملة العمياء حياة النمل..ترى هل بالامكان البحث في ممارسات السياسة السودانية عن تلك "النملة العمياء"؟!

كادقلي احتوتنا بخريفها المترع، صعدنا جبالها، تجولنا في وادي "لوفو"، ذلك الوادي بين الجبال التى تقع خلف"قعر الحجر"."السماني لوال"يستحم على شلال"كِلبي" و"الشماسي" يكتب برنامج النشوة على ذاكرته فيعرف ظهيرة الثلاثاء مع(حكومة ) و ظهيرة الاربعاء مع( كنتوشة) وذلك بخبرة قديمة مع الانادي، كان الشماسي يتحسس خطوات المساء المقبل فسربت اليه نسمة مشاكسة صوت دلوكة تنبعث من حي"الرديف" ، بأصوات ذات لكنة محببة تغني:

"يا غيمة أمشي ديارا

ما تقيفي زي محتارة

كان جبتي لينا اشارة

هاك ديل قلوبنا بشارة"!
فانسجمت خطواته مع عذوبة الاصوات و ذهب نحوها و هو يلوي علي شئ
"السماني لوال" يرقص "الكرنق" على قمر يجادل فسحة السلخانة بحي"قعر الحجر"، ويحمل تفاصيل الرقصة في ذاكرته الابداعية كي ينفذها مع فرقة الفنون الشعبية، تري هل تركوك تفعل ذلك يا "مونج"؟!

[email protected]


تعليقات 7 | إهداء 1 | زيارات 3305

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#827444 [فيصل مصطفي]
5.00/5 (1 صوت)

11-15-2013 04:14 PM
يا أيها( يحى فضل الله)
لا أدري لماذا إرتبط إسمك في ذهني
بقصة " تفاصيل " ؟
ربما لأنها متفردة
أو لعلها نسيج وحدها وغير مسبوقة
حتى أنت لن تأتي بمثلها
أو تجرؤ على تخطيها
وها أنت لعدة مرات تحدثنا
عن كادقلي ، كأن كادقلي هذه
قلب العالم ، ليست مدينة صغيرة
في وطن أصبح موقعه في خارطة
العالم باهتاً وعديم الجدوى
حقاً لقد شوقتني كثيراً لرؤية
كادقلي حتى ظننت إنني في
زيارتي القادمة للسودان
لا بد من كادقلي وإن طال السفر
حاشية: صديقنا المشترك " عادل
السعيد" في صنعاء كان حدثني
طويلاً عنك


#827421 [shawgi badri]
5.00/5 (1 صوت)

11-15-2013 03:21 PM
العزيز يحيي لك الود . قرأت لك هذا الموضوع في التسعينات فس جريدة الخرطوم ورسخ في ذهني ، مع كثين مما كتبت .ارجو ان اقرأ لك قصة سندوتشات الجرجير بالجرجير . قالوا بليلة المباشر ولا ذبيحة المكاشر ، وان كان صاحب الدار في القصة طماع .


#827419 [جعفر ابكر]
5.00/5 (1 صوت)

11-15-2013 03:16 PM
شكرا يحي
عدت بنا الي تلك الفسحة قرب خور كلبي بين قعر الحجر والرديف حيث كانت تقام بها رقصات الكرنق في الليالي المقمرة .... لا لشئ فقط لأن الليلة مقمرة. واذكر ان من امهر الراقصين كان موجو وادريس موسي وموجو هذا اختفي في وقت لاحق مهاجرا الي المدن النيلية وقد ترك خلفه اباه واذكر ان بيت ابيه كان اقرب البيوت الي شلال كلبي وكان كجوريا من الطراز الاول. وكنا لا نجرؤ علي بداية صيد السمك من كلبي لا بعد ان يأذن لاني الكجوري والد موجو وهو بدورة لا يصدر الاذن الي في الوقت الذي يحدده هو ويقوم باداء الطقوس علي السنارات ثم نبدأ في اصطياد السمك في وادي كلبي. وقد علمنا لاحقا انه في الواقع يجبرنا علي الانتظار حتي تفرغ الاسماك من اكمال نموها ونشاطها الحيوي بوضع بيضهاوضمان استمرارية دورتها الحيوية ثم يأدن لنا بالاصطياد في تناغم عجيب بين الانسان والطبيعة من حوله. وها نحن في زمان نسخر فيه بجهلنا ونذم فيه الكجور دون التفات او دراسة لدوره ولا الثقافة وتراكم تجارب الاجيال التي يمثلها.
شكرا يحي


#827407 [أبوعمر]
0.00/5 (0 صوت)

11-15-2013 02:51 PM
حقيقة قصة رائعة جدا من إنسان مفعم بروح الأدب والإيحاء وما أحوج نفوسنا لان تنهل من هذه الأساليب الرائعة . إن الرمز الذي استخدمه الكاتب جميل في ان العصفور الوديع يقطع الطريق على النمل الكادح . وهذا أسلوب جديد في الطرح وهو ما نراه هذه الايام أن استغلال النفوذ وهوى النفس صار يطغى على مجتمعنا البسيط . كل من هب ودب يستغل وضعه ونفوذه لمصلحته . نرجو أن نترك السوداني المغلوب في حاله


#827401 [مخلص]
0.00/5 (0 صوت)

11-15-2013 02:30 PM
مازلنا نحلم بالسلام فى تلك الجبال (اليافعة) التى لم نكتشف جمالها بعد رغم سنين العمر
ورغم استمتاعنا برائحة الدعشاش عندما يمسح بخصلاته الناعمة على التلال ويهمس (انهم عائدون).
ومازلنا نامل مع حكامة الدرملى عندما تغنى:
انا دايرة السلام فى البطحة و الجبال
فى كاودة و الليرى و ام دورين كمان
انا دايرة النقارة الكيسة و الكرنق
فى البخصة و المردوم دول اهلى دول اهلى----
و يرمى معها السبارة و الصراعة ذلك اللحن الراقص فى دوائر منتظمة.
ما اجمل تلك الايام و ان شاء الله تعود لتعود ايها المبدع.


#827363 [الجويرابي]
0.00/5 (0 صوت)

11-15-2013 01:29 PM
النمال العمياء في السياسة السودانية كثر .. لكن لا أدري لماذا تبادر الصادق الصديق عيدالرحمن إلي ذهني.


#827287 [كاكا]
0.00/5 (0 صوت)

11-15-2013 11:27 AM
يا حليلا الجبال رسلو ليها الجنجويد .. قاطع طريق متوحش


يحيي فضل الله
يحيي فضل الله

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة