المقالات
السياسة
اغتصاب وانتحار
اغتصاب وانتحار
11-16-2013 07:52 PM

انتظرته شهرين كان هو حد الفاصل بين حل المشكلة وبين أن تفارق الحياة . درس القانون , وحصل على شهادة فيه , ثم عرج مرة أخرى في دورة طويلة ودرس الطب وعين في المستشفى. كان يعيش في طرف المدينة في غرفة واحدة ملحق بها مطبخ صغير وبرندة سقفها من الخشب في ذلك الفراغ العريض من أطراف المدن. كل الناس في ذلك الحي الذي كان تحت التشييد يحملون فقط حيازات ولذلك ومع أنهم بقوا هناك لعدة سنوات إلا أن خدمات كالكهرباء والماء وتخطيط الشوارع والمدارس والمصحة كان حلما بعيد المنال. كانوا يأتون لهم في كل انتخابات ويقولون لهم لو صوتوا لنا فسنصنع كذا وكذا ثم يصمت التاريخ بصمت الناس. هناك محامي بنى بيتا في تلك الحيازات ورفع جدرانه وركب بابا حديديا وفي الركيزة التي بلطها بالآسمنت سمر لافتة مقروءة (فلان الفلاني محامي أمام كافة المحاكم المدنية والشرعية) وشوارع ذلك الحي ضيقة ولا يمكن للسيارات أو الحافلات من الدخول ولذلك يستعملون العربات التي تجرها الحمير في التوغل إلى البيوت بعد أن ينزل الناس في المحطة الكبيرة قرب المخبز .
كانت تأتي إليه كثيرا كي يراجع معها دروس القانون. وتجلس قربه في منضدة خشبية مستطيلة مطلية ببوهية خضراء وتشرب من ماء الصبارة , وعندما ينتهي الدرس , تضع كتبها ومذكراتها في الحقيبة , وتودعه , وتخرج , وأحيانا تأتي مبكرا فتنظف له البيت , وتضع الكراسي في أماكنها وتغسل و تملأ الصبارة من البرميل في انتظار أن يأتي بالثلج. وفي يوم من الأيام إتصل بها وقال إنه مريض بالحمى وطريح الفراش فجاءت إليه على عجل ونظمت البيت الذي وجدته في حالة فوضى ونظفت الحوش . كانت تنظر إليه كأستاذ لها بعد أن خبرت ودرست أخلاقه . فقد كان عندما يجلس بقربها يحرص على ألا تصطدم يده بيدها وعندما يفتح صفحات الكتاب يحرص على ألا يحدق في عينيها وعندما تقوم لتأتي بماء لا ينظر خلفها . وعندما سمعت صوته المتعب في التلفون جمعت كتبها التي كانت منثورة في المصلاة وخرجت من البيت على عجل دون أن تودع أمها التي كانت تشتغل في المطبخ لأن اليوم كان إجازة . وجدت الباب مفتوحا ووجدت كتبه في الشمس موضوعة في المنضدة الخضراء, ووجدت أطباق الطعام مبعثرة في الأرض , ووجدت صبارة الماء تحتها والذباب يتجمع فوقها . وفور دخولها إلى غرفته لاحظت كوبا كبيرا ممتلئا إلى نصفه بعصير برتقالي اللون . بعد أن حيته مبتسمة وراضية , ورأت الأدوية الموضوعة في طرف فراشه , ذهبت لتكمل تنظيف البيت وحينما عادت كان العطش قد بلغ منها ذروته , وكان العرق يتصبب منها, ويسيل على عنقها . هو لاحظ ذلك فقال لها .
" أشربي باقي العصير دا . "
ترددت قليلا ,ونظرت إليه , ثم مدت يدها وتجرعته . وفي أثناء حمل أوساخ الحوش شعرت بالدوخة وشعرت حينما التفتت لتعرف إن كانت المسافة بينها وبين الغرفة طويلة أم قصيرة أنه يراقبها , ولكنها تجاهلت هذا الإحساس , لأنها لم تشعر به من قبل , وعندما زادت عليها الدوخة وشعرت بالأرض تدور , والسماء تتقلب , اصطدمت بالباب وهي تحاول الوصول إلى السرير وهناك سقطت وغابت عن الوعي , وعندما فتحت عينيها مرة أخرى كانت الشمس قد انحدرت قليلا عن كبدالسماء ,وقبل أن تقوم من رقدتها تلك قالت له وكان في كامل صحته وعافيته .
" أنت عملت فيني شنو ؟ "
فأجابها بهدوء تام .
" أنت انتهيتي خلاص . "
حملت حقيبته التي لم تفتحها في هذا اليوم , وانفلتت من البيت وهي تتعثر وتتأرحج من تأثير الحبة المخدرة التي وضعها في الكوب وكانت الحياة غائمة أمامها وأوصالها ترتجف وترتعد وهي تحس أن هناك وحشا قويا لعب بجسدها وطوح به يمينا ويسارا وعلى بعد ( لفة )واحدة من البيت شعرت بآلام في سلسلتها الفقارية وبأوجاع في كليتيها وأحست بدنو الغثيان من فمها وأن معدتها ترتفع وتهبط . في الحقيبة التي تضع فيها كتبها, وهي مرتمية على المصلاة المصنوعة من الحصير , والتي تذاكر فيها دائما عندما تتعب من المقاعد, والإتكاء على المخدات وجدت ملابسها الداخلية محشورة وسط الكتب , وما هي إلا لحظات حتى أحست بخطوات تقترب منها والباب يفتح والهواء ساخن ينطلق من الفراغ وبوالدتها تقف فوقها , نظرت إليها , وانفجرت باكية , وأخبرت والدتها بكل شيء , ولكن والدتها لم تذهب لتفتح البلاغ المطلوب بل قالت لها ان تسكت وأن تكتم ما في قلبها لأن إخوانها لو عرفوا بهذا فإن جريمة ما ستحدث . أحد إخوانها يشتغل في الشرطة , ويعمر السلاح أمامهم كل يوم , والآخر يعمل حدادا ولكنه مدمن شراب , ويأتي كل يوم وهو مفلوق أو مطعون أو مشلوخ والثالث وهو أطولهم قامة ويصل طوله إلى مترين ونصف يسافر إلى مصر ويشتغل كتاجر شنطة.
مرت الأيام بطيئة وثقيلة وبلا أفق وتحرك الجنين في الظلام وذهبت إليه مع والدتها ذات مساء فأنكر أن يكون هناك حملا ثم اقترح لهم بأن يأتي بشريط الفحص وأن يفحص بنفسه فتم له ذلك وتأكد من الحمل وهنا قال .
" أنا خلاص بساعدك تجهضي الجنين . "
وبعد أيام عندما علم أن ابن عمها طلب الزواج منها إتصل بها تلفونيا وطلب منها أن تقابله فذهبت إليه فقال لها .
" أنا ما عندي ليك حاجة . ود عمك الداير يتزوجك دا خلي يحل ليك مشكلتك . " ثم أخرج لها تقريرا طبيا يثبت أنه عقيم لا يلد وطواه بعناية ووضعه في جيبه وقالت له .
" أنت ما بتلد ! يعني أنا الجنين دا جايبا من وين ؟ "
" والله دي حاجة بتعرفيها إنتي . "
كانت صدمتها تزيد في كل لحظة , وكانت الفجوة بينها وبين المنطق تتسع وتتباعد . ذهبت إليه في ذلك النهار عندما كان مريضا , وهي مبتسمة وقلقة في نفس الوقت , وتريد أن تسدي إليه بعض الجميل والعرفان لعمله المتواصل معها في كتب القانون , وفي تلخيص النظريات , وفي طباعة المذكرات , وتنظيم الكراسات , وتذكرت ذلك اليوم الذي أعطاها فيه مئة جنيه فذهبت لكفتيريا الجامعة , وتناولت إفطارا دسما مكونا من البيرقر والسلطة ومشروبات الفواكه وكيف أنها اشترت كمية من الشوكولاتة و كانت تفتح حقيبتها أثناء المحاضرات لتتناول منها ما تيسر وكيف أنها اشترت بالباقي ( طرحة ) وقرطا وبعض الإكسسوارات . كانت تعلم أن ابن عمها يضع اللمسات الأخيرة على شنطة زواجه منها وأنه جهز الغرفة من الستائر إلى السيراميك , واشترى كل ما يلزمها ويلزمه لزاج سعيد سيرتبط بعقد الأبد , ولكن كل ذلك كان يزيد من شدة صدمتها ويشل عقلها ويجعل الأفق غامضاومشوشاومأساويا . كان يراجع لها منذ السنة الأولى ومنذ تلك اللحظة التي لاقته في المستشفى حينما كانت تريد فحوصات للصداع النصفي فأصبح يتصل بها وتتصل به يوميا وراجع لها في السنة الثانية وها هو بدأ يراجع لها الآن منتصف السنة الثالثة . الآن يغلق التلفون عندما تتصل به .
في ذلك اليوم صباحا شعرت بأمها تقبلها قبل أن تذهب صباحا لعلمها في مكتب الضرائب , كانت الشمس متعثرة في الشروق . لم تشرب شيئا حينما بدأت نظافة البيت ورتبت الدولاب كأنها مسافرة . في العاشرة صباحا ارتمت على السرير وكوب العصير الأسود أمامها . كان العطش يزداد في كل لحظة , وطعم السكر المخلوط بطعم التعاسة يندلق من لسانها حينما مدت يدها بإصرار لا يلين وبعزيمة لا رجوع عنها وتناولت الكوب وتجرعته ببطء كأنها تنتقم من شبح يجلس أمامها ويرى ما تفعله . دخل أخوها الذي يعمل في الشرطة ورأها هادئة ولكن حنجرتها متورمة . إتصل بوالدته التي جاءت على جناح السرعة وتجمع الجيران فسألوها .
" دا شنوا العملتي دا ؟ "
ولكنها لم تستطع أن ترد لأن لسانها تورم , وملأ فمها, وأصبح يضغط ليخرج من شفتيها, وحاولت أن ترد عليهم , وعندما عجزت بعد عدة محاولات متحشرجة, أخرجت ورقة من حقيبتها وكتبت عليها .
" أنا كويسة . "
حملوها إلى المستشفى , وهناك فحصها الطبيب بعد أن مزق ملابسها من أعلى , وحاول أن يعيد إليها التنفس , وكان وهو يفتح ثقبا واسعا في حنجرتها يعلم أنها ذهبت إلى عالم الأرواح . ابن عمها كان يقول لكل من يراه .
" لو كانت ما عايزاني كانت تقول . "
كان نادما ولذلك أحرق الشنطة والغرفة التي اشتراها بعد سنوات من الإدخار وكان يبكي في المقابر بصوت مسموع .
أمها كانت الوحيدة التي تعرف كل تفاصيل ما حدث لها ولكنها كانت صامتة كالحجارة . وكان أخوانها يسألون أنفسهم عن سبب انتحارها . أما ذلك الرجل الذي درس القانون والطب فقد حمل ملابسه وسرايره وصبارة الماء واختفى ..



خالد بابكر أبوعاقلة
[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1994

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#828512 [عادل الامين]
0.00/5 (0 صوت)

11-17-2013 08:18 AM
بقيت تكتب مسلسلات مصرية يا خالد وين رواية"جمهورية الغابة"


#828438 [quickly]
0.00/5 (0 صوت)

11-17-2013 01:21 AM
قصة تعمل وجع قلب ,,,, هو ليه غدر بيها ماالسبب ؟؟ مافي حبكة يا استاذ


#828411 [قصر الشباب و الاطفال]
0.00/5 (0 صوت)

11-17-2013 12:08 AM
هي قصة و ربما خيالية و لكن البت ده لمن تحمل دورتها ما بتنقطع و لا طراش الصباح ده ما جاها لحد ما الجنى بقى فرفور


#828341 [daaan]
0.00/5 (0 صوت)

11-16-2013 09:51 PM
اتمنى ان تكون قصة من الخيال لا ان تكون حقيقية ... لانه تكفينا اهوال عصابة الكيزان


ردود على daaan
[عنكوليب] 11-16-2013 11:29 PM
ما يحصل بالسودان اغرب من الخيال يا دان


#828318 [فارس الصياد]
1.00/5 (1 صوت)

11-16-2013 09:01 PM
اسع القصة دي لزوما شنو ؟


ردود على فارس الصياد
United States [ابوالريش] 11-18-2013 10:16 AM
لزوم نحن ناقصين مغصة


#828313 [الكاهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن]
0.00/5 (0 صوت)

11-16-2013 08:49 PM
أمها كانت الوحيدة التي تعرف كل تفاصيل ما حدث لها ولكنها كانت صامتة كالحجارة . وكان أخوانها يسألون أنفسهم عن سبب انتحارها . أما ذلك الرجل الذي درس القانون والطب فقد حمل ملابسه وسرايره وصبارة الماء واختفى ..
مأســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاه بمعنــــــــى الكـــــــــلمة
اكون كوز


ردود على الكاهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
United States [ابوالريش] 11-18-2013 10:18 AM
ان شاء الله كيزانا يلحقوه ويختفوا


خالد بابكر أبوعاقلة
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة