المقالات
السياسة
التسوية والتغيير.. بين الواقع والأحلام
التسوية والتغيير.. بين الواقع والأحلام
11-17-2013 10:56 PM

التسوية والتغيير.. بين الواقع والأحلام

تمهيد:
إن عملية قراءة الواقع السياسي الحاضر في السودان والتنبوء بحدوث تغيير بعينه، أمراً تجاوز أن يكون ضرباً من ضروب التكهُّن، وذلك نتيجة لتراكم التجارب، نمطية تكرار الأخطاء وتشابه النتائج عبر تاريخنا المعاصر. وبالتالي؛ صار من الممكن وبسهولة الوصول إلى إستنتاجات وتوقعات قد لا تبتعد كثيراً عن تصوُّرات محددة الأبعاد والملامح لما قد يحدث بالفعل في المستقبل. يعزز من ذلك التطور الهائل الذي حدث في نظم المعلومات وتوافرها وسبل الوصول إليها وأدوات التحليل والإستقراء والإستدلال. وبناءاً على ذلك؛ نستطيع القول: إن أي تسوية محتملة للأزمة المتطاولة التي تجتاح البلاد ــ إن قُدِر لها أن تحدث ــ سوف تضع الأساس المنهجي لتفكيك ما تبقي من السودان وإعادته إلى ما قبل 1821، أي إلى وضعية ما قبل الإحتلال التركي. هذه المقولة لها ما يبررها ويخرجها من خانة "الإفتراض" إلى ما هو أقرب إلى الحادث واقعاً وموضوعاً، وذلك بناءاً على شواهد دالة وترتيب منمّط، غالباً مايفرز نتائج محددة ومعروفة قياساً على تجارب إنسانية تمت في مناطق أخرى من العالم بشكل عام، وتجربتنا القريبة بشكل خاص. نقول ذلك لأهمية لفت الإنتباه إلى مسألة إعادة قراءة الواقع مرة أخرى، وبصورة لا نطلب منها، ولا حتى نطمح أن ترتفع لمستوى تحقيق إتفاق حد أعلى، أو تشكيل "كتلة تاريخية"، فذلك حلم أصبح عزيز المنال في ظل واقع التعقيدات والإنقسامات الحالية، وإنما فقط نتمنى أن تتمكن هذه القراءة من أن تخرج بما يحافظ على ما تبقي من الدولة السودانية، تاركين أمر تطورها لكي تصبح دولة/أمة لها قدرها لذمة التاريخ. إن المتابع للشأن السوداني والذي يدفعه حدسه ووعيه التاريخي يمكنه وبسهولة التقرير بمثل مقولتنا هذه من دون الوقوع في الشعور بأن ذلك نوعاً من المصادرة، ومع ذلك، تصبح عملية البرهنة عليها أمراً مطلوباً بالرغم من صعوبتها.



السياق العام للأزمة ومحركاتها:
كثيراً مايستحدم مصطلح السياق العام Context في عمليات تحليل الخطاب للإشارة إلى الإطار العام أو الحقل الذي يتحرك فيه هذا الخطاب. وبالتالي؛ وعند نقل هذا المفهوم إلى حقل التحليل السياسي فغالباً ما تكون الإشارة إلى "إطار عام" أيضاً، متضمناً ليس حقل الخطاب السياسي فحسب، وإنما الحقل الإجتماعي، التاريخي، الثقافي والسياسي بعناصره وتكويناته المختلفة التي تُؤطر الخطاب السياسي وتعطيه معناه ومشروعيته. و" المحركات" Driving Force إجمالاً هي القوى الفاعلة والعلاقات داخل هذا الحقل، والتي قد تتمثل في البنيات السياسية، شبكة المصالح، الآيدويولوجيات...إلخ، آخذين في الإعتبار عند التحليل وبالضرورة، علاقات الثابت والمتحوّل داخلها وبينها.

إنطلاقاً من هذا التحديد المفهومي الأولي يمكننا القول إن السياق العام للأزمة التي ظلت تجتاح السودان ومحركاتها، أو الحقل العام، تمثله طبيعة وتركيبة الدولة التي تكونت من بعد الحقبة الإستعمارية Post-colonial State. تتفق كثير من الأدبيات على تعريف هذه المرحلة بما يُسمى "مرحلة البناء الوطني" والتي تقوم فيها القوى الوطنية بمهمة إعادة تشكيل وبناء الدولة من جديد وعلى أنقاض التركة الإستعمارية على كافة المستويات الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والسياسية، وبما يخدم قضايا التقدم. وبالطبع تختلف مراحل البناء الوطني بإختلاف تجارب حركات التحرر والنتائج التي أحرزتها، لكن السمة الأبرز فيها أن حركات التحرر التي تمر بعمليات نضال وتحرير عسكري قاسي ضد الإستعمار تنتهي بهزيمة المستعمر وطرده، كانت دائماً ما تكون أنجح التجارب في تحقيق فترة بناء وطني وتحقيق الإستقرار والتقدم في أوطانها، ويعود ذلك إلى أن فكرة البناء الوطني لدي هذه الحركات أو المنظومات دائماً ما كانت تتخلق من خلال المشروع السياسي أثناء فترة النضال لهذه الحركات والثمن الذي دفعته شعوبها أثناء كفاحها الطويل من أجل التحرر، وهو ما يجعلها عند لحظات الإنتصار وبناء الدولة الوطنية مؤهلة لأن تستبدل كل البنية الإستعمارية ببنية وطنية جديدة بالكامل، وعموماً قإن تجارب العالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تعطينا دروس مفيدة في هذا الصدد.

الشاهد أن حقبة الدولة الوطنية في السودان لم تمر بمرحلة البناء الوطني أو على وجه الدقة لم يكن في سلم أولوياتها الولوج في عملية بناء وطني لأسباب معقدة، أهمها يعود إلى أن فترة النضال ضد المستعمر ونيل الإستقلال لم تكن عملية إنتهت بهزيمة عسكرية وسياسية للمستعمر الإنجليزي، وإنما كانت عملية التحرر نفسها نتاج مساومة معروفة وموثقة أعطى بموجها الإنجليز الإستقلال وحق تقرير المصير للسودانيين، وتبعاً لذلك زجدت القوى السياسية نفسها صبيحة الإستقلال تجلس على نفس الكراسي التي تركها الإنجليز وينفذون نفس الخطط التي رسمها، فكان طبيعياً ومنطقياً يمارسوا أو ينفرض عليهم ممارسة نفس الدور الإستعماري، وأن تنتهي حلقة التطور في الدولة والمجتمع إلى أزمة وطريق مسدود تمثلت في مركب صراع "الهوية" و "توجهات الدولة السودانية"، والتي تفرعت منها أزمات جزئية، هي في الواقع تجلَّيات أو تعبير ات لها تمثلت في:
1. عدم إستقرار النظم السياسية من بعد الإستقلال وإلى الآن، بمعنى؛ إنعدام عملية التداول السلمي للسلطة نتيجة لفقدان أرضية الإتفاق على النظام السياسي أو نظام الحكم الذي لم يتخلق ويتبلور في رحم معاناة النضال الوطني.
2. التدهور الإقتصادي المدمر للدولة، والذي جاء كنتيجة حتمية لــعدم قدرة الأنظمة الوطنية التي ورثت الحكم من الإستعمار على إحداث التحوُّل في بنية الإقتصاد بحيث تكون بنية متطورة لا تخدم رأس المال الإمبريالي أو الإستعمار الجديد، أو حتى مجتمعاتها، وبالتالي لم تفلح في إنشاء علاقات إقتصاد وطنية تتيح الفرصة لجميع السودانيين للوصول إلى مصادر الثروة وعلى قدم المساواة. مضافاً إليه لاحقاً التحوُّل الهيكلي السالب الكبير الذي أحدثه نظام الإسلام السياسي في"البنية المادية للإقتصاد وعلاقاته" الموروثة من الدولة الكولونيالية، والذي من جانب، تم عن طريق تدمير القاعدة المادية للإنتاج والإنتقال بها هيكلياً من نمط إقتصاد منتج إلى نمط إقتصاد خراجي/ريعي/طفيلي. ومن جانب آخر؛ تشويه وتخريب العلاقات الإقتصادية من خلال الربط المحكم لــ"علاقات الإنتاج الريعية" بشروط الإنتماء لكيانات إثنية وقبلية، وجهوية بعينها، والتي وفيما بعد، أصبحت تلعب الدور الحاسم في معادلات علاقات السوق ومواقع تراكم رأس المال ومنافذه. وهذا تطور على صعيد البنية والعلاقات معاً، لا يمكن وصفه في واقع الأمر، بغير أنه أكثر تأخراً وتخلفاً من تلك البنية والعلاقات التي خلفتها الدولة الكولونيالية.
3. إنقسام إجتماعي عميق، أفرز في نهاية المطاف حركة هجرة معاكسة نحو إنتماءات أصغر، بديلة لتلك التي كانت تسعى لإنشاء رابطة سودانية قومية.

ظل هذا الحقل بمحركاته يلعب الدور الرئيسي في تطور هذه الأزمة المتصاعدة، يتجلي بإستمرار في أنماط وأشكال المصادمات والمواجهات بين التيارات والمشاريع السياسية التي إنتظمت الساحة منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا، وبإختلاف نظم الحكم. والجدير بالذكر هنا هو أن تلك المواجهات في بداياتها لم تكن على درجة من الوضوح لتعكس عمق الانقسام الحقيقي في الدولة حول: مسألة الهوية، إشكالية نظام الحكم والتداول السلمي للسلطة ونمط التطور الإقتصادي. ويُرجح كثير من المؤرخين أن السبب يعود إلى أن البنيات السياسية والدولة كانت فتية وخارجة لتوُّها من تجربة إستعمارية، تسود فيها شعارات الإستقلال الوطني الفضاضة. وتجاوزاً للكثير الذي يمكن قوله وتكراره في هذا الصدد، نكتفي بما لخصه د. فرانسيس دينق من أن المحور الأساسي للأزمة كان ـــ ولا يزال ـــ دائراً حول مسألة الهوية وتجلياتها في الحكم والإقتصاد والإجتماع، وقد برهنت بالفعل على ذلك عملية إنفصال الجنوب، إذ أن ماقاد الى الإنفصال واقعياً هي هذه الأسباب وليست غيرها. والمؤسف أنه وبالرغم أن هذا الإنفصال الدرامي كان يجب أن يكون درساً قاسياً ومفيداً لكي تعيد النخبة التي ورثت الدولة الكولونيالية حساباتها وتعود إلى منصة التأسيس، غير أنها انزلقت مرة أخرى في حروب جديدة حاملة نفس أسباب سابقتها.

ملامح التسوية أو التغيير:
في هذه الفقرة سنحاول أن نتخيل التغيير أو التسوية/ التسويات المحتملة، وقد يُطرح سؤال منطقي: ما هي الأسس التي تجعل من "تخيلنا" هذا أو تصوراتنا تمتلك درجة من المعقولية؟ للإجابة على ذلك سنضع أولاً معطيات وفروضات ونستقرئ إفرازاتها أو نتائجها الأقرب، وفق ما تقتضيه المعقولية السياسية بشكل عام، وعلى خلفية التجربة السياسية في السودان.

المعطيات:
المعطى الأول: ضعف النظام: حكمت حركة الإسلام السياسي السودان بالحديد والنار منذ يونيو 1989، وطوال هذه الفترة كانت هنالك ثلاثة عناصر كونت في مجملها الركائز الأساسية التي قام عليها حكم الإنقاذ وطغيانهم:
الأول: الآيديولوجيا الدينية، وهي الركيزة التي صاغت المبرر الديني/الأيديولوجي والمسوُّغ الأخلاقي للإستيلاء على السلطة والإستمرار فيها والإستبداد بها.
الثاني: السيطرة الإقتصادية والإستحواذ على الموارد والمقدَّرات الإقتصادية للدولة، والذي تم تعريفه أو "تأصيله" في لغة الإسلام السياسي بـــ "التمكين". وقد تم ذلك في بداياته عبر إتباع سياسة الإستخصاص أو الخصخصةPrivatization حيث نتج عن هذه السياسة التحوُّل الهيكلي الي ذكرناه في بنية وعلاقات الإقتصاد. هذا مهم للغاية من الناحية النظرية، لأنه ـــ أي هذا التحوُّل الهيكلي ـــ صُمم لكي ينسجم مع سياسة التمكين بكل ما حملته من هيمنة وإستحواذ لصالح الموالين أو المنتسبين للحركة الإسلامية من جانب، وإقصاء الآخر ممن هم خارج أسوارها من جانب آخر، وتحول سياسة التمكين في نهاية المطاف إلى إستحواذ وهيمنة تتم على أسس إثنية وثقافية.
الثالث: الهندسة الإجتماعية، والتي إنبنت على ركيزة الاطار المرجعي الآيديولوجي/الديني الإسلاموعروبي وفرضه كهوية "جامعة" للدولة والمجتمع، وفي ذات الوقت إستخدامها كأداة لقمع وإعادة إنتاج الآخر داخل سياقاتها.

فبالقدر الذي أدت من خلاله هذه العوامل وتفاعلاتها خلال الثلاث وعشرون عاماً الماضية إلى تقوية حكم الإسلام السياسي في السودان، غير أنها أيضاً أدت إلى إضعافه!!. وتفسير هذه المقولة يستند على حقيقة أن قوة النظام الحاكم اليوم تمت بالأساس على حساب إضعاف الدولة، والذي تم على مدى طويل. فالثابت في الدول ذات النظم السياسية الراسخة والديمقراطيات المستدامة، أن الأحزاب/البنيات السياسية فيها تستمد قوتها من قوة الدولة وليس العكس، وذلك نتيجة لــــــ : إحترام النظم القانونية والدستورية، رسوخ هياكل وعلاقات الحكم والإتفاق على أشكال التطور وأنساقه، مما أتاح سلاسة عملية التدوالي السلمي للسلطة وديمومتها. لذلك، نجد أن قوة المؤسسة الحزبية المسيطرة على الدولة/الحكم، ومهما بلغت من شأن وقوة ذاتية طافية في السطح، تظل في الحقيقة ضعيفة إذا نظرنا إليها من خلال نسق الدولة الضعيفة والآيلة للإنهيار، وهذه الوضعية لن تنتج تقدم بل تخلف، وشمولية وإستبداد ومواجهات في نهاية المطاف.

المعطى الثاني: ضعف القوى المناوئة: بشكل عام تتعدد أسباب ضعف القوى المناوئة للنظام الحاكم، منها ماهو ذاتي ذو صلة وثيقة بطبيعة وطريقة ممارسة العمل السياسي والتنظيمي داخل هذه القوى نفسها، والذي يرتد في بعض من أسبابه إلى الخلفية الآيديولوجية لهذه القوى، توجهاتها وخياراتها السياسية وأساليب العمل التنظيمي والقيادة. أما من الناحية الموضوعية فإن ضعف الدولة يلعب دوراً مركزياً أيضاً في إضعاف هذه البنيات، وإذا كان العامل الأخير واضحاً بما يكفي، غير أن العامل الذاتي يصبح أكثر تعقيداً، لأن تحليل هذه الأوضاع الذاتية عند دراستنا لواقع وتاريخ البنيات السياسية المناوئة للنظام في السودان قضية مترامية الأطراف، تتضمن البحث والقراءة لطيف واسع من التباينات الآيديولوجية، والخيارات السياسية المتباعدة، والتي تصل في كثير من الأحيان حد التناقض والتصادم. لذلك فالإكتفاء هنا بالإشارة المختزلة لها ما يبررها في حدود أسئلتنا التي نحاول الإجابة عليها. ومع ذلك فإنه كان ضرورياً.

المعطى الثالث: إنقسام القاعدة الإجتماعية: الإشارة للقاعدة الإجتماعية هنا هو تجاوزاً إشارة للتكوين القومي الجامع ــ إن جاز التعبير ــ والذي يمكن القول أنه شكلاً ومضموناً يجب أن يعكس إتفاق كافة الكيانات الإجتماعية والسياسية في السودان على القضايا الأساسية التي تجعل من الدولة مستقرة ومستدامة. صحيح أن هذه القضايا تختلف بإختلاف المجتمعات والمراحل التاريخية التي إجتازتها، لكن هناك إتفاق عام بأنها لا تخرج من قضايا: الهوية، العدالة الإجتماعية، المساواة أمام القانون وأحقية الوصول إلى مصادرة الثروة والسلطة Access to power and wealth . والمعروف أنه في السودان ومنذ نشوء دولة ما بعد الاستعمار Post- colonial State، لم يتم إتفاق بين كافة الكيانات الإجتماعية والقوى السياسية حول هذه القضايا، وحتى قشرة "وحدة التوجهات" الرقيقة التي تخلقت أثناء مرحلة النضال ضد المستعمر وفي خضم معركة الإستقلال، تعرضت للتآكل بمرور الوقت وتعاقب الأنظمة الوطنية، إلى أن تلاشت تماماً لتحل محلها توجهات التباعد والبحث عن خيارات الإنفصال عن الدولة الأم، وهو ما عبر عنه بجلاء حدث إنفصال جنوب السودان، ومتوقع الحدوث في مواقع النزاعات الأخري.

المعطيات الثلاثة السابقة يمكنها إن تكون بمثابة تلخيص مكثف لأزمة دولة ما بعد الحقبة الكولونيالية في السودان، وبالضرورة كل عنصر يحوي في داخله دينامياته أو محركاته التي أوصلته لدرجة التصنيف كأزمة دخلت بدورها في تفاعل مع الأزمات الأخرى، مما أدى في نهاية المطاف وعبر التفاعل الجدلي لهذه العناصر مجتمعة إلى حالة الأزمة الكلية.

المتعارف عليه هو أن أي حلول لمنظومة أزمة (ما)، لا يتم من خارجها، ولا بإسقاط نتائج تجارب أخرى عليها، بل يتم من داخلها، بمعني؛ أن أي قضية تتميز بأنها ذات "طابع إشكالي" تظل على الدوام حاملة لجينات الحلول في داخلها. وفي هذا السياق تمثل التجارب الأخرى التي أفرزتها التجارب الإنسانية، منظومة قيم وتراث راسخ تقف بمثابة أيقونات لا غني عنها في تطور الشعوب والأمم. وهذا ما يجعلنا نرى أن التغيير والتسوية لا تخرج من الفروضات التي سنتعرض لها أدناه والمبنية قراءة واقع الحراك السياسي الذي أمامنا في السودان، واضعين في الذهن ــ بالطبع ـــ المعطيات سابقة الذكر. ومع ذلك؛ لا يفوتنا التأكيد على أن هذه الفروضات ليست نهاية التاريخ بالنسبة لنا، بإعتبار أن المتغيرات قد تطرح بدائل لم تكن في الحسبان، والتقدير هنا قائم فقط على ما هو أقرب للتحقق، طبقاً لشروط المعقولية السياسية.

الفروضات
1 ــ الثورة أو الإنتفاضة:
هذا الإفتراض له ما يبرره وذلك لإعتبارات عديدة منها:
أولاً: إن الثورات ضد نظم الاستبداد ظلت ثابت تاريخي في الحياة السياسية للشعوب والمجتمعات، برهنت عليها التجارب الإنسانية، ولا نحتاج لاستعراضها هنا لإثبات وجهة نظرنا.
ثانياً: التجربة السودانية على وجه الخصوص ثرية في هذا الصدد. وبالتالي فإن حدوث التغيير عبر إنتفاضة أو ثورة أمر متوقع قياساً على ما هو موروث من الوعي الجمعي المتراكم للسودانيين والتجربة السياسية عموماً، وهو ما علمنا أيّاه التاريخ المعاصر للدولة السودانية.
ثالثاً: ما أُصطلح عليه بالشروط الموضوعية لقيام الثورة، أي ثورة، وهي على وجه الدقة قد إنتصبت واقفة الأن في واقع السودان من حيث هي كشروط موضوعية، لكنها في تقديرنا لم تصل إلى مرحلة النضوج بعد، حتى يكون بمقدروها أن تصنع ثورة أو تحول حقيقي ومصيري في بنية الدولة وعلاقاتها ومنظومة قيمها وهياكلها، لا على مستوى الوعي أو الفعل. وتتلخص هذه الشروط في: الظلم والإستبداد بأشكاله وأنماطه، الإنحلال والفساد بمظاهره المتعددة، التضييق الإقتصادي. لذلك فإن ماحدث خلال الفترة الماضية (سبتمبر) من إنتفاضة عارمة ضد النظام لم يكن ليخرج من هذا الإطار سوى في تقديرات التوقيت.

ويبقى السؤال المركزي الأهم، والذي يمثل التحدي الذي يواجه الثورة/الإنتفاضة المتوقعة هو: هل التغيير الذي تسعى لتحقيقه الإنتفاضة أو الثورة القادمة سينتج عنه، أو بمقدروه أن يؤدي إلى تحوُّل جذري في بنية الدولة وعلاقاتها ومؤسساتها وهياكلها، بحيث يشكّل قطيعة مع تاريخ الظلم والاستبداد، فاتحاً المجال لتطور حقيقي؟ أم سيكرر تجارب أكتوبر 1964، وأبريل 1985؟ إذن الأمر يتطلب قراءة الأحداث السابقة (ثورة سبتمبر) بعناية قبل البحث عن إجابات.

لقد كان قيام الإنتفاضة في سبتمبر من هذا العام في الواقع نتيجة مباشرة ورد فعل للسياسات الحكومية التي قضت برفع الدعم عن المحروقات (المواد البترولية). وقد شاركت في هذه الإنتفاضة الغالبية المسحوقة من السودانيين في كافة مدن الوسط والشرق والغرب والشمال والعاصمة الخرطوم(أو الشمالي النيلي كما وصفها الصديق الشاذلي تيرا). والسمة أو الملاحظات الواجب تدوينها حولها:
أولاً: إن وقودها كانوا صبية المدارس الثانوية والأحياء السكنية، والذين خرجوا إلى الشوارع عن بكرة أبيهم متحدين السلطة إحتجاجاً على الغلاء وتدني مستوى المعيشة.
ثانياً: هذه التظاهرات وخلال معظم أيامها، ظلت بمعزل عن أي قيادة سياسية منظمة!!، وهو ما يؤشر عموماً إلى الفجوة العميقة بين القوى السياسية والقواعد الإجتماعية. والحقيقة المرة إن هذه القوى كانت في مماحكات مع السلطة للتوصل لتسوية ما تتيح لهم المشاركة بأي صورة كانت، والنظام كان يتمنع.
ثالثاً: إستخدام العنف المفرط الذي لجأت إليه السلطة لوقف التظاهرات والإحتجاجات، والذي وصل إلى الحد الذي لم تتردد فيه الحكومة ولو للحظة، من إغتيال الصبية المتظاهرين عن تعمد وقصد وترصد، وهو ما يكشف عن خوف السلطة من التغيير وتبعاته وهذا مفهوم في إطار الصراع السياسي، وفي نفس الوقت إستعدادها للسباحة فوق بحور من الدماء من أجل أن تبقى، وهذا هو الغير مفهوم!!، خاصة في أوساط عامة الناس، والذين كانوا ولأخر لحظة، يراهنون على أن من في السلطة أُناس أهل "مشروع رسالي" وطهارة ووازع ديني سيحول ــــ على الأقل ـــ بينهم وبين دماء المسلمين. وبالتالي كانت صدمة عامة الناس هؤلاء كبيرة، خاصة عند مقارنتهم بين خطاب أهل المشروع الرسالي من جانب، والثقوب التي احدثتها رصاصات أصحاب نفس المشروع في جماجم أطفال المدارس الأبرياء .. أطفالهم من جانب ثانٍ.
رابعاً: التحوُّل السريع الذي حدث في مطالب المتظاهرين من الإحتجاج على إرتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، إلى المطالبة بتغيير النظام!. ويعود ذلك إلى الوعي السياسي التراكمي المستبطن أصلاً لدي المتظاهرين، بالإضافة إلى العنف الذي مارسته السلطة. فنتيجة لسقوط الكثير من الشهداء بدأ مضمون المواجهة بين المتظاهرين والنظام في التحوُّل السريع باستدعاء مخزون الوعي السياسي التراكمي، فكان إن إرتفعت المطالب إلى مستوى أكثر تجريداً، ملخصة كامل الأزمة السودانية في شعار: "حرية، سلام وعدالة ... والثورة خيار الشعب"، إذ يعد إرتفاع الأسعار ولا تدني المستوى المعيشي على صعيد الوعي تمثل أسباباً للمواجهة، وإنما البحث عن الحرية والسلام والعدل، والثورة كمرحلة من مراحل التغيير، وأول الخطوات هي رحيل النظام.

بالطبع؛ أي ثورة أو إنتفاضة هي في نهاية التحليل ناتج تراكمي لسلسلة طويلة من عمليات القهر والإستبداد السياسي مصحوبة في أغلب الحالات بإختلال في العلاقات/التراتبيات الإجتماعية، وكما قلنا ما حدث لا يخرج من هذا التصور، بالتالي فإن الدروس المستفادة من إنتفاضة سبتمبر ليست في التأكيد على نظرية الفعل التراكمي للثورة في عمومياتها، وإنما في التركيز على قراءة عنصرين مهمين في حالتنا هما: غياب التنظيم والقيادة من جانب وعنف السلطة من جانب آخر. هذين العاملين مثلا أُس الإشكالية التي أدت إلى تراجع الإنتفاضة وإنحسارها، وبالتالي الضرورة تقتضي تسليط الضوء عليها بغرض تحليلهما بدقة قبل الإقدام على أي مواجهة في المراحل القادمة.

غياب القيادة:
إن أول ما يجيب على ذلك هو المعطى الذي أشرنا إليه في البداية وأسميناه بـــ "ضعف القوى المناوئة"، والذي كما قلنا تتعدد أسبابه. منها ما يرتد إلى طبيعة تكوين هذه القوى وطريقة إدارة العمل التنظيمي داخلها. فإذا كان بالإمكان تفسير الضعف التنظيمي في إطار الإنهاك الذي حدث لهذه القوى على مدى العقود الماضية، غير أن هناك عامل آخر ــــ وربما يكون هو العامل الأقوى ـــ يقف خلف هذا الضعف ويغذيه، وهو الموقف السياسي الناجم عن الإنقسام الآيديولوجي ــ الاجتماعي وإنعكاساته على القواعد الإجتماعية، فهذه القوى لا هي اليوم ـــ و لا كانت بالأمس ـــ تقرأ من نفس صفحة التغيير They are not all reading the same page فقد ظلت على الدوام ذات سقوفات متباينة، أقصاها ما يدعو للتغير الجذري، بينما أخرى تدعو للإطاحة بالنظام من كرسي السلطة فحسب ووراثة تركته. هذا العامل أثر على حراكها السياسي وأسهم ــــ بجانب سياسات التقسيم والإنهاك التي إتبعها النظام ــــ في خلخلة وحدة الإرادة السياسية تجاه مسألة التغيير وماتبعها من تمزيق للنسيج الإجتماعي. أثبتت هذه المقولة ردود فعل القوى المناوئة وتفاعلها مع إنتفاضة سبتمبر، والتي ظهرت متناقضة ومنزوية لحد بعيد. والأمثلة كثيرة، لكن نكتفي بقليل منها: ففي الوقت الذي كان فيه الأطفال والصبية بالمدارس والأحياء والفرقان يصرعهم رصاص السلطة المرتجفة في رؤوسهم المكشوفة وصدورهم العارية، كانت القوى السياسية المنوط بها أن تكون في المقدمة، تناقش في الصالونات المغلقة والبيوت التي يحاصرها/يحرسها جهاز الأمن "صيغ مبادرات توحيد الصف"!!، وآخرون يبحثون عن متآمرين خياليين يعملون لإزاحتهم من كراسيهم كممثلين لثورة هم لم يكلفوا أنفسهم عناء النزول إليها في الأرض حتى لمعرفة عدد من أُستشهد فيها ا!!، وآخرون ــ كما هو دأبهم ــــ يبتدعون مبادرات وينظمون تظاهرات لا تحضرها حتى عضويتهم الملتزمة، نكاية في قوى التغيير الشابة، وكأنما الثور قد خرَّ صريعاً فخرج الجميع بسكاكينهم لينالوا حصتهم!!. قلة من القادة السياسيين اصطفوا مع المتظاهرين في ميادينهم، وهو موقف ستحفظه لهم ذاكرة الأجيال في صفحة تاريخهم وتاريخ أحزابهم، وسيبقى علامة فارقة في مسيرة الفرز من أجل التغيير، في الوقت الذي طأطأ قادة آخرون رؤوسهم خوفاً من السلطة وطمعاً فيها. ولمثل هكذا مشهد تاريخاً حياً في الذاكرة الجمعية لأجيال ما زال منهم من هم على قيد الحياة. ففي أبريل تم موقف شبيه للذي يجري الأن، فاللذين خرجوا للشوارع "شاهرين هتافهم" حينها، كانوا الشماشة ــــ كما كان يطلقون عليهم في ذلك الوقت ـــــ وجاءت القوى السياسية في نهاية المطاف لتقطف ثمرة الإنتفاضة بمؤامرة حيكت ليلة الخامس من أبريل 1985، ما بين الأخوان المسلمين وآخرون(أنظر: السر محمد سعيد، القوات المسلحة والسياسة في السودان).

وعلى كلٍ؛ فضعف التنظيم والإفتقار للقيادة ليس بالأمر الغريب أو الاستثناء في طبيعة القوى السياسية في السودان، بل سمة ظلت لصيقة بتاريخه ومرتبطة بصورة صميمة بمنهجية الإنتماء للحزب السياسي وطريقة إدارته، والتي وتاريخياً كانت في أساسها، تقوم على الولاءآت القبلية والجهوية (حزبي الأمة والحزب الإتحادي نموذجاً)، ولم تكن مؤسسة على القناعات والخيارات ولا شبكة المصالح السياسية، باستثناء القوى الحديثة أو الجديدة. وحتى هذه القوى الجديدة في مرحلة من مراحل تطورها السياسي والتنظيمي، وبصورة أو أخرى، تأثرت شروط علاقات الإنتماء داخلها بنفس تلك السائدة داخل القوى التقليدية. وهذا النوع من العلاقات التنظيمية الداخلية، دائماً ما تكون هشة وآيلة للتفكك، ذلك لأن الروابط مابين الهياكل القيادية العليا والقواعد التحتية، دائماً ما تكون واهية وملتوية في أغلب الأحوال كنتيجة لضعف قنوات الإتصال وعدم الإلتزام بها. وغني عن البيان القول أن هذه العملية تؤثر في صناعة القرار، توليد القيادات ونقل وتوريث التجارب المرجو منها أن تصبح تراثاً وتقليداً. لذلك نجد أن إرتباط القواعد بقرارات مؤسساتها الحزبية ضعيفاً. وكتجاوز لحالة الضعف هذه تتم عملية صناعة القرار بصورة فوقية، ويتم التواصل في أغلب الأحيان عن طريق الإشارة أو الإيحاء أو التوجيه الذي يقوم به رئيس/ زعيم الحزب، بما هو أقرب لطريقة العمل داخل "الطرق الصوفية". وربما يكون السبب وراء مأزق الإنحلال التنظيمي في جانب من جوانبه، يعود إلى أن هذه القيادات الحزبية تدرك إن العلاقات التي تربطها مع قواعدها ليست هي شبكة المصالح السياسية وحدها، وإنما تتداخل علاقات أخرى أكثر نفوذاً وتأثيراً من علاقات المصالح السياسية تستثمرها للإستمرار في المواقع القيادية داخل هذه المؤسسات السياسية، وهو أمر في نهاية التحليل يُصنف في مظهره كسوء إدارة، نتيجته الأخيرة تعتبر سوء في القيادة. لذلك كان وضعاً طبيعياً أن ينشأ الإنفصال التدريجي ما بين قيادة هذه المؤسسات السياسية وقواعدها حتى بلغ درجة الإنفصال الكامل، والذي عبًّرت عنه الإنشطارات والإنقسامات، أو في أفضل الأحوال ظهور المؤسسة الحزبية المعنية بمواقف متباينة ومتناقضة حيال القضايا التي على المحك. والنماذج لهذه الإنفصالات والمواقف المتناقضة كثيرة في واقع القوى السياسية في السودان. والمتابع للإنشاءات التنظيمية لهذه القوى ومواقفها يجد الكثير من الدروس المستفادة. فعلى سبيل المثال نجد أن قيادة الأحزاب التقليدية تتخذ قرارات ومواقف سياسية معينة، في حين تقف قواعدها على النقيض!! (لاحظ مواقف الصادق المهدي الأخيرة في مقابل مواقف شباب الأنصار وحزب الأمة، وأيضاً مواقف الحزب الإتحادي وشبابه). وأبلغ تعبير لهذه الإنقسامات هي الحركات الشبابية التي تولدت خلال الفترة الماضية (قرفنا، التغيير الأن، شباب من أجل التغيير)، فكل عضوية هذه القوى الشابة كانت في الماضي كوادر ملتزمة لأحزاب، تخلت عنها بحثاً عن منصات جديدة تعبر عن تفكيرها السياسي، طموحاتها ورؤيتها لسودان المستقبل. لذلك كان طبيعياً عندما إندلعت الإحتجاجات الأخيرة أن تظهر هذه الفجوة بوضوح لا تخطئه العين.

عنف السلطة/ الدولة:
إن السلطة أو الحكومة، أي حكومة، مخوَّل لها إستخدام العنف، والثابت أن هذا الإستخدام غير مطلق، بل مربوط ربطاً محكماً بشرطين أساسيين وجوهريين:
أولاً: شرعية السلطة أو الحكومة نفسها: وهنا في واقعنا نجد أن "الشرعيات" التي تدعي الحكومات المختلفة إستنادها عليها كثيرة، فمنها ما يدعي أن شرعية الحكم وبالتالي إستخدام العنف أتت إليهم بتفويض إلهي كما في حالتنا في السودان وحالات أخرى شبيه، أو شرعية الوراثة كما في النظام الملكي. وتعتبر حكومات التفويض الإلهي أو الملكي من أقدم النماذج في تاريخ البشرية، حيث نمت وتطورت في عصور سابقة لم يكن مفهوم الدولة قد تطور بعد إلى شكله الحالي. وم تجدر الإشارة هنا إلى أن نماذج الحكم الملكي الوراثي الموجودة الآن في بعض بلدان العالم الأول، وإن كانت تاريخياً تعتبر إمتداداً لشرعية الحكم الوراثي لنموذج ما قبل تطور مفهوم الدولة، غير أنها من الناحية الموضوعية تمكنت أن تتواءم مع هذا التطور في مفهوم الدولة الحديثة، وبالتالي تحولت إلى حكم أسمي أكثر من كونها فعالية مركزية متحكمة في صناعة القرار كما كانت في سابق عهدها. بينما في المقابل بقي نموذج الدولة الدينية على تخلفه وتتبعه، لا وبل إستدعائه ـــ خاصة في النموذج الإسلامي ـــ لأثر نماذجه الماضية. صفوة القول، إن ما أصبح مترسخاً في التجربة الإنسانية هو: أن شرعية الحكم تُستمد من التفويض الشعبي، وليس من أي مصدر آخر إلهياً كان أم وراثياً.
ثانياً: إستخدام العنف: والذي يجب أن يتم ـــ وبالضرورة ـــ في إطار النظم الدستورية والقوانين المتعارف/المتفق عليها، وذلك للحد من عمليات تخطي حدود الإستخدام القانوني المسموح به للعنف أو القوة لأي أغراض كانت، وفي نفس الوقت، القدرة على محاسبة الجهات التي تستخدم العنف خارج النظم الدستورية والقانونية داخل الدولة. ويحدث إستخدام العنف غالباً من جانب الدولة في إطار وبغرض تحقيق السلام الإجتماعي والعدل (والذي تقع مسألة الأمن التي يتمشدق بها الطغاة كجزئية من جزئياته وليست أساسه) مثل محاربة الجريمة أو إعلان الحروبات بغرض الدفاع وغيرها، وهذه جميعها ــ وكما قلنا ـــ يجب أن تكون مقيدة بالأطر الدستورية والقانونية، ومفهومة لدى الشعب الذي خوَّل سلطته للحكومات لكي تمارس عليه هذا النوع من العنف في النظم الديمقراطية. والمفارقة أنه في حالة الدولة التي تدعي شرعيتها من مصدر غير الشعب (مصدر إلهي أو وراثي ملكي على سبيل المثال) فإن إستخدام العنف فيها دائماً ما كان غير مشروط بأطر قانونية أو دستورية غير تلك التي يصنعها الأمراء والملوك، ولا هو مرهون بموافقة أو رضي الشعب عليه، لأنه بطبيعته مستمد من سلطة متعالية على الشعب والدولة نفسها ـــ أو هذا ما يدعيه الأمراء والملوك على الأقل.

لذلك فقد كانت ــ ولا زالت ـــ نماذج الدول الدينية في حاجة ماسة إلى الإستعانة بالأيديولوجيا لإضفاء الشرعية على العنف، لانه ليس في مقدورها إنتاج وتوطيد السيطرة على الدولة بالقمع والعنف العاري لوحدهما بتعبير أريك فروم. فكان منطقياً أن تكون هناك طبقة إكليروس في عصور الظلام الأوروبية وفقهاء سلطان في الممالك والدول الإسلامية قديمها وحديثها يبررون لهذا العنف، والذي يأتي تارة بأنه إبتلاء من الله، وتارة أخرى بأن ذلك تطبيق للأحكام الإلهية أو الشرعية أو غيرها. ويجتهد فقهاء السلطان هؤلاء عادة في مثل هذه الظروف في إبتداع التخريجات الفقهية لتبرير عنف السلطة. والأثر الراسخ في التاريخ الإسلامي في هذا الصدد هو: "عدم جواز الخروج على الحكام أو ولاة الأمر إلا إذا صدر منهم كفر بواح"!! وبالطبع معلومة الظروف والحقبة التاريخية التي نشأ فيها مثل هذا الفقه وهو العهد الأموي، والذي تم تعريفه حينها بــ"منهج الجبر" ومنظريه بــ"المرجئة"، والذي قام وساد بالخصوص لتبرير عنف بني أمية وعسفهم لتمكين سلطانهم. وربط عدم الخروج على الحكام أو عدم طاعتهم بضرورة ظهور الكفر البواح منهم، أوصد الأبواب أمام محاسبة السلطان على أي جرائم يرتكبونها حتى وأن كانت تحرج أسس الشرعية المتعالية نفسها التي يتمترس خلفها الحكام، لا وبل إرجاء ورفع أمر المحاسبة إلى العالم الأخروي.. عالم الغيب والشهادة. ويمضى علماء السلطان هؤلاء إلى ما هو أبعد من عدم جواز المحاسبة في الدنيا وإرجائها إلى الآخرة، إلى مطالبة الشعوب المقهورة بالصبر والثبات على هذا الحاكم الظالم والدعاء له صباح مساء بالصلاح أيضاً !!، وكل ذلك إتقاء فتنة يعلمون هم .. و(هم) وحدهم أبعادها !!. وفي نماذج الدول الإسلامية الكثير من العبر والدروس، أما في تجربتنا الراهنة، فالحديث فيها ذو شجون يغنينا عن التكرار.

هذا الإستعراض النظري/التاريخي كان من الأهمية بمكان لرؤية الخلفية والأبعاد الحقيقة للعنف الذي إستخدمته الإنقاذ في مواجهة إحتجاجات سبتمبر وكل الإحتجاجات التي قامت ضدها في السابق، والذي فسَّره البعض في إطاره السياسي المعاصر، متجاهلين هذا البعد الآيديولوجي ــ التاريخي الهام، مراهنين على أن مواجهة الإنقاذ ستكون ناعمة وسيسقط حكمهم متى ما وصلت الإنتفاضة إلى "الرقم الحرج"!! نسوا أو تناسوا أن هذه الدولة وهذا النظام لا يواجه هذه المظاهرات "بالعنف العاري وحده"، وإنما بسلاح الآيديولوجيا الدينية، لأنه المبرر الوحيد الذي لا يملك غيره. والرصاصات التي حصدت أرواح الأطفال أطلقتها أصابع تعتقد، لا وبل تؤمن في التبريرات الدينية والآيديولوجية التي تصدر من الدولة وفقهاء السلطان فيها، الذين لم ينسوا نصيبهم من الدنيا أيضاً. ولم يكن مستغرباً لكل من تابع مجريات الأحداث ملاحظة أن كل أئمة المساجد على نطاق السودان إنبروا يرفعون عقيرتهم بالصياح في خطب صلوات الجمع ليحثوا المصلين على عدم جواز الخروج على ولاة الأمور!!، لا وبل طالبوهم بالبقاء في منازلهم والمحافظة على أرواحهم والصبر على بلاء إرتفاع الأسعار، في الوقت الذي تتسرب الملايين التي كان بإمكانها سد فجوة رفع الدعم وإسكات صوت المتظاهرين إلى مطارات العالم، والتبرير أن ذلك إمتحان من رب العالمين واجب الصبر، يثاب عليه المرء في دنياه وآخرته. والمستغرب له كيف أنهم نسوا أو تناسوا أن ينصحوا ولاة الأمر أن الرب أيضاً يملك حق محاسبة المخطئين إن لم يتوبوا ويرجعوا إليه!!!. وقد علق أحد ظرفاء السياسة السودانية على هذا الموقف الميلودرامي بقوله: "إن فقهاء السلطان في السودان يطلبون من الضحية الصبر والثبات على الجوع والموت، في الوقت الذي كان أكرم لهم ولضميرهم الديني أن يطلبوا لها الرحمة من الجناة لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس كما يقول الأثر، خاصة وأن حبال الوصل ممدودة بينهم وبين أهل الحل والعقد في الدولة"!!! وهو أقل ما يفعله من إنبرى ناصحاً لعباد الله في بيوت الله.

وكما سبق وقلنا، طالما أن الدولة تدعي شرعيتها من مصدر إلهي، فإن إستخدام العنف بواسطتها لا يخضع لمراقبة البشر، لأنه بدقة شديدة شأن ماورائي يُحاسب عليه ولاة الأمر في الحياة الآخرة، هذا من جانب، الجانب الثاني والأخطر هو أن من يستخدمون هذا العنف، وخاصة الذين يستعملهم النظام في المواجهات على الأرض، غالبيتهم لا يعتقدون أن ما يقومون به هو جريمة تحاسب عليها الشرائع السماوية والوضعية معاً، إنما يعتبرونه جهاداً في سبيل الله!!! وبالتالي نجد أن قتلهم للمحتجين في تصوراتهم لا يستند على أن هؤلاء البسطاء الذين خرجوا إحتجاجاً على غلاء المعيشة هم بشر لا حول لهم ولا قوة ضاقت بهم سبل العيش جراء هذه السياسات، أو أن لهم حق أصيل ــ أياً كان مصدره ـــ في الإحتجاج والجأر بالشكوى، بل تعاملوا معهم كـ "خارجين" عن الملة أو الدين أو أي تفسيرات قد يتم إيرادها في مثل هكذا شروط. لذلك فالعنف المفرط الذي تم إستخدامه له ما يسنده، ولم تقم به الإنقاذ إعتباطاً، فبالإضافة للعامل الآيديولوجي/الديني، يظهراً طافياً بوضوح في السطح عامل الخوف من سقوط النظام وما يتبعه من زوال السلطة والنعمة وقائمة الثأرات الطويلة.

هذين العاملين: المسوغ الديني والخوف من زول السلطان، هما في واقع الأمر المحركات الرئيسية التي تقف وراء العنف المفرط الذي تم إستخدامه في المواجهة. فالأول: (المسوغ الديني) مثَّل البنية الآيديولوجية اللاشعورية التي شرَّعت لإستخدام العنف، بينما الثاني (الخوف من زوال السلطان) مثَّل العامل السياسي. وفي تحليل علاقة الثابت والمتحوُّل في هذه الحالة، نجد أن المتحوُّل هو العامل الديني وليس السياسي كما قد يُخيل للبعض من الوهلة الأولى، نقول ذلك إستناداً على مقاربة الجابري في هذا الصدد والقائلة أن: "في المجتمعات السابقة للرأسمالية غالباً ما يجب أن يكون البحث فيها هو عن الأهداف السياسية المتخفية خلف السلوك الديني وليس العكس كما في المجتمعات المتقدمة عليها"، ففي المجتمعات الرأسمالية، السياسي هو الذي يبرر للديني، أي أن الدين ينتصب مستقلاً بمعزل عن الموقف السياسي. بينما في المجتمعات السابقة للرأسمالية فالديني هو الذي يبرر للسياسي، وهو موقف يجعل من الدين تابعاً للتحولات السياسية. وإستطراداً؛ فالثابت النسبي في حالتنا هو (العامل السياسي) المتمثل في خوف الإنقاذ من زوال سلطتها ونعيمها، ويتمثل دور البنية الدينية اللاشعوية في الدفاع عنه والتبرير له كعامل متحوّل تبعاً للتحولات التي تعتري الشروط السياسية والإجتماعية. وبالتالي؛ تجعله ــ أي الدين ـــ مجبراً في كل مرحلة من المراحل على إنتاج تبريرات وتخريجات حسبما تقتضيها الظروف. لذلك نجد أنه في الواقع تابع له ــ للعامل السياسي ـــ وليس كما هو متصوراً له أن يكون، ضميراً مستقلاً يحكم الممارسة السياسية. والطريف المحزن في ذات الوقت إن الإسلامويون ولعقود خلت، ظلوا يعملون عكس ما يطرحونه من شعارات، ولم يلاحظ أحد أبداً أو فلنقل لم يصدق أن هناك مسافة كبيرة وشاسعة بين الشعار وحقيقة الممارسة على الأرض، إلى أن تكشفت في المراحل الأخيرة من حكم الإنقاذ. فقد سمعنا كثيراً في الماضي شعارات موغلة في المثالية مثال: "لا لدينا قد عملنا"، والتي هي في الواقع الموضوعي شيئاً غير ذلك.

لذلك فالقمع الذي مُورس كآلية سياسية أثبت أنه كان دفاعاً عن السلطة والنعيم وليس دفاعاً عن الدين، وبتعبيرهم "أنهم فعلاً لدنيا قد عملوا". وقد وقفت الخلفية الآيدويولوجيا الدينية وعلى الدوام وطوال فترة المواجهات(كما رأينا في خطاب فقهاء السلطان) كمبرر شرعي. وبالتالي كان واضحاً لكل ذو بصيرة أن الإنقاذ كانت تدرك ومنذ الوهلة الأولى وعلى المستوى المرجعي، أنها سوف لن تتعامل مع هذه الإحتجاجات بأخلاق ومرجعيات الدولة التي تستمد شرعيتها من شعبها وتُحاكم وتُحاسب على أساسها في الحياة الدنيا قبل الممات، وإنما بإطار ومرجعية ماورائية، أهم ماتعطيه لهم هو أن ترجئ حسابهم ومحكاماتهم ـــ كما شرحنا ــ إلى عالم أخروي، ويقبع بعيداً خلف ذلك الدفاع المستميت بأي وسيلة كانت، رغبة واضحة وصريحة للحفاظ على السلطة والنعيم. وهذا موقف ميكافيللي أو غائية لا تخطئها العين أبداً.

وختاماً لهذه الجزئية نجد إن غياب التنظيم والقيادة من جانب القوى المناوئة وعنف السلطة من جانب النظام كانت هي المطرقة والسندان التي سحقت رغبة الشعب في التغيير، وليست عوامل ثانوية أخرى. فغياب التنظيم والقيادة أفقد قوى التغيير المبادرة والإستمرارية والصمود، إن لم تكن الإرادة في مواجهة العنف ببدائل وأساليب تحد منه. ما لم تنتبه له قوى التغيير هو أن الخطاب الآيديولوجي للسلطة ومشروعها الرسالي قد سقط في مواجهة متطلبات العصر من الناحية النظرية والعملية، وكل ما تبقي منه أو قدمه لنا وللعالم والإنسانية، جبة فقيه سلطان بالية مزقتها من قُبَلٍ فضائح الفساد وشهوات الدنيا، آملين منها ــ أي هذه الجبة البالية ــ أن تستر عورة ما تبقى من خوف من زوال سلطان زائف وجاه ونعيم أصبح حصرياً يُوزع على الأقربين من العشيرة. ولم تفقه هذه القوى أيضاً أنه بالقدر الذي يستمر فيه الضغط على النظام بصورة منظمة ومستمرة حتى وإن كانت بإيقاع بطئ، فإن عامل الخوف يتآكل بالتدريج إلى أن تصبح السلطة عارية أمام شعبها وأمام التاريخ. وإلى أن تكتشف قوى التغيير هذه المعادلة التراكمية للفعل الثوري في حقيقتها البسيطة المتمثلة في الدور الفعال الذي تلعبه القيادة والتنظيم، وتعمل على معالجاته،ا سيمضي علينا زمناً ليس باليسير في مقاومة أمواج وتيارات المد والإنحسار في مسيرة التغيير أو إنتظار نبوءة الأستاذ محمود محمد طه التي قالها في سبيعينات القرن الماضي .

لذلك سيظل التغيير عبر الإنتفاضة أو الثورة إحتمالاً قائماً، ومرهوناً في نفس الوقت، بالمرحلة التي يمر بها السودان حالياً، تتحكم في نتائجه النهائية دينامياته الداخلية الذاتية المتمثلة في أزمة القيادة والتنظيم بالإضافة إلى العامل الموضوعي المتمثل في عنف السلطة وخوفها من الزوال. أما أن تحقق هذه الإنتفاضة شروط التغيير الكامل في علاقات وهياكل ومؤسسات وقيم الدولة الحالية، فهذا أمر فيه نظر ــ كما يقولون!، يمثل حدث الإنتفاضة نفسها وشروطها المتحولة التي ذكرناها آنفاً نقطة البداية في مشروع التغيير. قد يكون ذلك أمراً منطقياً ومفهوماً، لكن الخوف كل الخوف أن لا تسير الإنتفاضة ــ حال حدوثها وهزيمتها للنظام ــ نحو تحقيق التحول الذي أشرنا إليه، بل تعيد إجترار تجارب الردة السابقة التي حدثت في أكتوبر وأبريل، والعناصر المساعدة على حدوث هذه الردة موجودة بالفعل، والتي يقف خلفها الضعف الذي سببته الإنقاذ للدولة من خلال السيطرة الإقتصادية والإنقسام الإجتماعي، فكلها عوامل تجعل من الردة إحتمالاً ممكناً، سواء إن كانت خلفها الإنقاذ عبر ثورة مضادة فيما هو أقرب للنموذج أقرب المصري، أو غيرها. كان من الممكن أن تعمل قوة البنيات السياسية كعنصر يكبح الردة أو الثورة المضادة، لكن تباين الإرادة السياسية حول قضية التغيير وبناء الدولة الحديثة في السودان داخل هذه البنيات، بالإضافة إلي ضعف التنظيم والقيادة كلها أسباب تجعل من الردة واردة بصورة أكبر.

المعروف أن التغيير هو الثابت الكوني والمعرفي الوحيد، وبالتالي حدوثه ــ في أي سياقات أو منظومات مرجعية ـــ أمر حتمي لامفر منه، وما يجب إدراكه وفهمه أنه وفي عالمنا المعاصر وسياقنا الذي نتحدث عنه، مسألة الدولة الدينية بكل صورها وأشكالها أصبحت شيئاً من الماضي ولا تتسق مع مفهوم الدولة الحديثة، وقد أثبتت ذلك الإنقاذ عملياً بنفسها عبر تجربتها التي تشارف الربع قرن من الزمان. وبالتالي فإن ذلك يضاعف من مهمة التغيير لأن زوال الإنقاذ لا يعني زوال نظام سياسي فحسب، وإنما زوال تيار فكري كامل وآيلولته أرفف متاحف التاريخ السياسي، والإنقاذ تدرك ذلك وتعيه تمام الوعي، وذلك ما يبرر العنف المفرط الذي مُورس والذي كان غرضه إرهاب الآخرين تجنباً للتغيير.

إن الفحص الدقيق وإعادة النظر للإنقسامات التي حدثت أخيراً في صفوف الحركة الإسلامية ، ــ وكنا قد تنبأنا بحدوثها في كتابات سابقة ـــ يكشف عن أنها لا تخرج أيضاً من سياق مسألة التغيير إذا نظرنا إليها من خلال إطار مرجعي مختلف، ذلك لأنها تتحرك في مدارات إعادة إنتاج الدولة الدينية في ثوب حداثوي معاصر، وبهذا التجميل أو إعادة التجيير لصراعات السلطة والثروة التي حدثت داخل خيمة الإسلام السياسي، تحاول طرح نفسها كجزء من عمليات التغيير الحالية لكي تجد لها موطئ قدم في الثورة والإنتفاضة وترتيبات سودان ما بعد الإنقاذ.

لذلك نجد أن التغيير الذي نادي به شعار: "حرية سلام وعدالة" إن لم يتضمن في داخله التغيير الهيكلي كرؤية إستراتيجية، تكتيكاتها في المبتدأ هي إعادة التنظيم وتفعيل دور القيادة لقوى الحداثة والتغيير، فإننا وبلا أدنى شك مقبلون على دورة إسلام سياسي جديدة، خاصة إذا تفحصنا بدقة شديدة الحراك السياسي الدائر وموزاناته. أو بتعبير آخر ما نعنيه هو: إذا كان هذا التغيير وعلى المستوى السياسي سيعيد تركيب الحركة الإسلامية من جديد في تروس عملية التغيير القادمة تحت أي مسمى كانت، أو كنوع من الإستثمار السياسي في إنقساماتها لتسريع عمليات التغيير أو الإطاحة بالنظام، فإن ذلك سيكون وهماً كبيراً وخطأً إستراتيجياً لا يغتفر أو كما تقول الفرنجةGrave mistake ، لأنه تكتيكاً عفى عليه الزمن، نقول ذلك لا مكايدة أو مزايدة في أحد أو جهة بعينها، وأنما لحقيقة موضوعية وهي أن المنقسمين أو الخارجين عن الحركة الإسلامية لم نتلمس في خطاب أياً منهم نقداً نظرياً حقيقياً لتجربة الإسلام السياسي في السودان خارج المسجالات والتهديد بكشف مستور الفساد، وهذا النوع من الخطابات ليس سوى نوع من "الملامة" بين رفاق الأمس، وتلويح بالعصى الغليظة ممن لم يجدوا حظاً أو أُبعدوا من قسمة الغنيمة. والشاهد أن كل الذين كتبوا في نقد النظام الحالي من الإسلاميين لم يُلاحظ أبداً أن مدخلهم كان نقدا موجهاً للأسس التي أنتجت هذه الأزمة، إنما ثبتوها تثبيتاً، سواء إن كان ذلك علانية أو تورية، أو بالتجاهل وعدم التعرض لها كما في خطاب د. غازي صلاح الدين العتباني آخر المغادرين لسفينة الإنقاذ الغارقة. إن هذا السيناريو الذي يعيد توفيق الحركة الإسلامية أو إعادة دمجها بأي صورة داخل عجلة التغيير نتيجته التي لا مفر منها، هي تمزيق ما تبقىى السودان على خلفية ماذكرناه من ثبات أسس خطاب الإسلام السياسي والإنقسام الإجتماعي الذي أشرنا إليه آنفاً.
2 ـ التسوية:
الفرضية الثانية هي التسوية السياسية ما بين النظام ومعارضيه، ودائرة المعارضين تشمل القوى المسلحة وأخري لا تتخذ السلاح وسيلة للتغيير. إن فرضية التسوية قائمة على أساس أن إتفاقية (ما) في طريقها بين النظام من جانب، والقوى المعارضة له من جانب آخر. وكل المؤشرات تقول أن التسوية المحتملة القادمة ستكون نسخة شبيهة إلى حد بعيد لإتفاقية السلام الشامل CPA التي وُقعت في يناير 2005 بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان. المنطق الذي يقف وراء هذه الفرضية يتمثل في:
أولاً: الشروط الداخلية التي لا تخطئها العين والمتمثلة في وصول الإحتقان السياسي إلى نقطة حرجة، بحيث لم يعد بإمكان أي طرف من الأطراف المتصارعة على تحقيق إنتصار حاسم في المدي القريب على الأقل، وتقريباً هذه الشروط الموضوعية شبيهة بتلك التي كانت سبباً ــ بالطبع ضمن أسباب كثيرة أخرى ـــ التي أدت إلى جلوس الأطراف المتحاربة على طاولة المفاوضات للتوصل إلى مساومة إستراتيجية.
ثانياً: الضغوط الدولية والإقليمية والتي وكما كانت في السابق سبباً في ضغط أطراف النزاع، أيضاً هي اليوم تسعي بنفس الطاقة لوضع حد للحرب ما بين الحكومة والمعارضة المسلحة التي تمثلها الجبهة الثورية السودانية، وربما آخرين!!.

وعموماً؛ لقد أصبح شائعاً في تقنيات وعلم فض النزاعات أن تكون إستراتيجية المفاوضات بين أي أطراف متصارعة على الحكم في بلدانها ــ خاصة تلك التي تخوض مواجهات مسلحة بينها ــ معتمدة بشكل رئيسي على التوصل عبر سلسلة من المساومات المعقدة إلى تسويات في ثلاثة ملفات رئيسية هي: السلطة، الثروة والترتيبات الأمنية والعسكرية. والمبدأ الأساسي في المفاوضات هو ضرورة حصول التراضي والقبول، ثم إتفاق حول هذه الملفات بأي صورة كانت، يعقبه مباشرة توقيع على صيغة إتفاق نهائي يتم بموجبه إدماج الأطراف المختلفة في ترتيبات نظام حكم إنتقالي. إستراتيجية المفاوضات هذه عادة ما تتبع تبادلية معادلة (فوز ـ خسارة) في تقرير مصير التسويات التي يتم التوصل إليها بين الفرقاء. ومهما يكن من أمر، فقد أثبتت هذه المنهجية نسبة نجاح مقدرة في كثير تجارب فض النزاعات في العالم، إلا أنها أيضاً فشلت في الصمود في والإستمرارية في كثير من التجارب. فمن الناحية النظرية؛ هذه المنهجية يمكن إعتبارها مفيدة وفعالة في عملية الحد من النزاعات ووقف الحرب، أما أن تصنع سلاماً، فهذه مسألة أخرى لا تحققها في كثير من الأحيان في المفاوضات المعادلات الصماء، إنما الإرادة السياسية للأطراف الداخلة في عملية التفاوض، ومن القراءة السليمة والعميقة للوسطاء لواقع الصراع بين الأطراف التي يتوسطون بينها. وأخيراً وليس آخراً قدرة ضمانات الإتفاق على الصمود والتحقق.

ففي تجربة المفاوضات التي أفرزت إتفاقية السلام الشامل في السودان CPA الموقعة في يناير 2005 بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، كانت تقنيات فض النزاع على مستوى عالٍ من الأداء والإحترافية بحيث نتج عنها في نهاية المطاف وثيقة هي من حيث الشكل والمضمون، تصنف كواحدة من أقوى الوثائق التي كُتبت في تاريخ السودان المعاصر. وبالرغم من هذا التوصيف، لم يكن في مقدروها أن تصنع السلام أو الإستقرار، إذ أن نتيجتها المباشرة والملموسة كانت إنقسام السودان إلى بلدين متحاربين بينهما وداخل كل منهما. وإذا كان بالإمكان تفسير ذلك، فإنه وفي تقديرنا يرجع إلى أسباب عدة أهما: أولاً: إنعدام الإرادة السياسية بين الأطراف المتفاوضة للتوصل إلى سلام حقيقي، سببه ليس عدم الرغبة السلام نفسه، ,إنما تباعد التصورات أو المشاريع السياسية لسودان مابعد الإتفاقية، وهو الذي لعب الدور المركزي في ذلك. ثانياً: إنعدام الفهم الدقيق والعميق للوسطاء لطبيعة الصراع والأزمة السودانية، والذي إنعكس من خلال التكتيكيات التي إتبعها الوسطاء في التعامل أثناء المفاوضات، حيث أنها تمت بصورة "مقولبة" أو "منمطة"، أي أُتُبعت فيها نظم وقوالب ومنهجيات فض النزاعات الكلاسيكية أو النمطية بعيداً عن أي إنعكاس أو ظلال لقراءة عميقة للواقع المعقد للنزاع السوداني في أبعاده الثقافية، الإجتماعية، الإقتصادية، السياسية والتاريخية.

وبالتالي؛ آخذين في الإعتبار هذه التجربة القريبة، نتوقع أن أي تسوية قد تتم من خلال أي مفاوضات قادمة بين الحكومة وخصومها أو تحديداً القوى المسلحة، سوف تتبع نفس الخطوات، عليه؛ من المتوقع أن تقود لنفس النتائج أيضاً. الجديد في توقعاتنا هذه المرة هو أن التباعد بين الأطراف المتفاوضة في هذه الحالة سيكون أقل درجة مما كان عليه في إتفاقية السلام الشامل، وذلك مبنياً على التغييرات الطفيفة التي طرأت على طبيعة ومحتوى الصراع بين الطرفين ما بين الماضي والحاضر. فقد كان النظام السوداني في السابق ينظر إلى خصمه الحركة الشعبية لتحرير السودان، كحركة تختلف معه ليس فكرياً فحسب، وإنما دينياً وثقافياً وعرقياً وهي وفقاً لهذه النظرة ــ أي الحركة ــ ليست خصماً يتعارك معها النظام داخل حلبة الوطن الواحد، إنما كائن أتي من كوكب آخر ويجب أن يعود إليه. وقد كان هذا الشعور ـــ في واقع الأمر ــ هو البوصلة الحقيقية التي وجّهت تفاصيل المفاوضات والبنية اللاشعورية التي حركت دافع الرضي والقبول لدى النظام، والسبب في ذلك هو الإختلاف الديني. الأن وبسقوط عامل الإختلاف الديني، تبقت العناصر الأخرى كما كانت في السابق، بالتالي فالنظرة للمتفاوضين الجدد على الجانب الآخر من الطاولة ستظل تحمل نفس السمات منقوصاً منها عنصر الدين، أو بالأصح عدم القدرة على الإرتكاز على الإختلاف الديني كمبرر، وهذا تحول مهم لأنه، يكشف القناع من جانب، عن المسببات والأهداف الحقيقية لدولة الإسلام السياسي، ومن جانب آخر، يسلط الضوء على التحول المتوقع في شيطان تفاصيل المفاوضات المرتقبة. لذلك سيكون تركيزنا على وخلال الفقرات القادمة ــ ونحن نحاول أن نتخيل التسوية ـــ على إلقاء بصيص من الضوء إستراتيجيات المفاوضات وتسوياتها المقبولة من خلال إستعراض توقعاتنا في الملفات السابق ذكرها(السلطة، الثروة والترتيبات الأمنية).

ملف السلطة:
دائماً ما تعتمد المفاوضات في قسمة السلطة على نظرية إحداث التوازن بين الفرقاء، وقسمة السلطة عملياً تعني إعادة توزيع المواقع الدستورية والتنفيذية والتشريعة بين الطرفين/الأطراف المتفاوضة بنسب متفاوتة. والغرض من ذلك واضح، إذ تعني إعادة التوزيع هذه، المشاركة والإدماج في بنية السلطة/الحكومة. والمهم في هذه العملية أن تكون هناك نسبة توزيع متفق عليها، بالتالي فإن العنصر الحاسم في الوصول إلى هذه النسبة أو الصيغة، هو التوازنات والضغوط التي تقع على أو يتعرض لها كل طرف من الأطراف بحيث تدفعه للقبول بهذه النسبة أو تلك، وهنا نجد أن نسبة التوزيع والإدماج في بنية الحكم تقع تحت تأثير يقع خارج طاولة المفاوضات، ألا وهي الأوضاع السياسية والعسكرية أو ميزان القوة. ولشرح ذلك نأخذ حالة إفتراضية كمثال: دعونا نفترض أن كل ما أشتد الضغط على النظام الحاكم عسكرياً وسياسياً يصبح أضعف، وبالتالي أكثر رغبة في التوصل لتسوية وعقد إتفاق حتى يتمكن من تخفيف الضغط عليه، بإعتبار أن إستمرارية الضغط قد تؤدي إلى إنهياره، إذاً هو في نهاية المطاف يتجنب الإنهيار، لذلك نجده في طاولة المفاوضات يبدي مرونة أكبر لكسب الوقت أو تعديل أوضاعه بتغييير ميزان القوى أو الحصول على إتفاق ما لوقف تدهوره عند نقطة معينة. بالنسبة للأطراف المتمردة على النظام فمتي ماكانت أقل تأثيراً أو ضعيفة في موازنة القوة كانت أدوات ضغطها لإنتزاع أكبر قدر من المكاسب أقل تأثيراً. ونموذجا لذلك نسبة التقسيم في السلطة التي حدثت في إتفاقية السلام الشامل بين الحركة الشعبية والحكومة (52% للحكومة و28% للحركة) والتي في الواقع كانت إنعكاس لموازنة الصراع السياسي العسكري على الأرض. كل ما يفعله الوسطاء هو محاولة النجاح في الوصول إلى النسبة الواقعية من خلال الضغط على الطرفين لكشف حدودهم الدنيا التي لا يمكن لهم تخطيها، وهي الحالة التي تسمي (فوز ــ فوز) بإعتبار أن الطرفين قد نالا النصيب الواقعي الذي كان يتوقعه كل طرف داخل سقوفات مطالبه.

لذلك المتوقع أن تكون عملية التسوية في هذا الملف ومن الناحية الفنية قائمة على هذا المنظور والمنهجية، والمتوقع أن تنتج نسبة للحكومة ربما أقل بقليل أو أزيد من نسبة نيفاشا (52% مقابل 28%)، وهذا التوازن الدقيق موضوع لكي لا يتم إستخدام حق الأغلبية في إسقاط الحكومة برلمانياً وإعادة دورة الصراع بأي صورة من الصور. حديثنا هنا سوف لن يتركز في النسب، فهذه عملية تفاوضية تفرضها عوامل كثيرة هي التي تقرر أرقامها، لكن الأهم بالنسبة لنا في تحليلنا هو الشروط التي تجعل من هذه النسب والتمثيل قادراً على الإستمرارية والصمود مهما إختلفت نسب التوزيع. فتجربة حكومة الوحدة الوطنية التي جاءت من رحم نيفاشا أثبتت أن هناك عوامل أخرى غير مسألة نسب التوزيع كانت هي السبب المركزي في تعثر الإتفاقية. فكثير من المحللين يرجعون ذلك إلى تعنت الحزب الحاكم وضعف إرادته السياسية من جانب، والضعف السياسي للآخرين من جانب آخر، خاصة في متابعة التنفيذ. قد يكون ذلك تحليلاً وجيهاً، لكن دعونا ننظر للمسألة من زاوية مختلفة، ماذا لو كان ضمن الإتفاق بنوداً تتضمن إعادة تعريف الكثير من الأشياء المحورية في الدولة؟!. فعلى سبيل المثال فقد تمكن الحزب الحاكم بعد نيفاشا من إمتصاص مسألة التوزيع في ملف السلطة عن طريق إبتداع وظائف وهمية أو نقل سلطات وزارات محددة إلى جهات أخرى، و وهو ما مكنه من الحفاظ على قبضته على الدولة، والأمثلة كثيرة، فكنا نسمع وزراء جاؤوا إلى مواقعهم بموجب الإتفاق، وعندما بدأوا في ممارسة مهامهم اصطدموا بواقع أن سلطاتهم ــ إن وجدت ــ محدودة للغاية، لا وبل في بعض الأحيان تقوم بها جهات لا يعلمون عنها شيئاً وبالتالي أصبحوا وزاراء بلا سلطات تنفيذية حقيقة، فمن الناحية الدستورية هم وزراء يتمتعون بكل ما يتمتع به الوزير من مخصصات وغيرها، إلا ممارسة سلطاته. وهذا يجعلنا نقول أن الأشياء المحورية التي ذكرناها هي ليست في النسب، وإنما في إعادة التعريف لهذه الأجهزة الحكومية ــ "أدوات ممارسة السلطة" ـــ من جديد وتحديد إختصاصاتها بإعتبارها الركن الأساسي لممارسة السلطة، وهي مايعطي لأي تقسيمات تنتج عن أي إتفاق، معني التمثيل والمشاركة الحقيقة. لذلك نرى مسألة إنشاء آليات لها نفوذ مؤثر على الطرفين ضرورة ملحة، وهي ليست لمتابعة جداول ومسارات التنفيذ فحسب، وإنما جدوى المؤسسات وفعاليتها من خلال التأكد من أن السلطات الممنوحة لها حقيقية وتعكس مشاركة فعلية وواقعية. وفي الشروط المحيطة بالتجربة السودانية ليس هناك خياراً غير أن تكون هذه الآليات تابعة مباشرة للراعين للإتفاقية أو المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، للمراقبة قبل وبعد الدخول في أي توزيع للسلطة، حتى تكون هناك ضمانات حقيقية وملموسة بأن السلطة الموزعة بين الأطراف هي سلطة حقيقية وليست مؤسسات مصطنعة لا تأثير لها في حياة الناس أو في مسار السلام.

الجانب الآخر هو المبادئ الدستورية التي تحكم ملف السلطة، وغني عن القول الإشارة إلى أهمية الدستور في هذا الصدد، لأن ذلك معروف بداهة في العمل السياسي وبناء الدولة، وما أجبرنا على إعادة الإشارة هنا إلا تجربة تطبيق إتفاقية السلام السابقة التي لعب فيها الحزب الحاكم دوراً سلبياً بإمتياز. وبنفس القدر الذي تلاعب فيه أيضاً ومن الناحية الإدارية في تمييع قضية قسمة السلطة كما شرحنا عاليه، فإنه أيضاً تلاعب بمسألة الدستور. فقد تم الإتفاق على تكون إتفاقية السلام الشامل جزء لا يتجزاء من الدستور الإنتقالي، وقد حدث ذلك بأن صدرت وثيقة أنيقة الطبع، لكن واقع التطبيق على الأرض كان مختلفاً والذي هزمه النظام عن طريق القوانين والتشريعات والمراسيم. وأيضاً الأمثلة على ذلك حاضرة، فمثلاً نجد في صلب الدستور الإنتقالي هناك نص صريح وشديد الوضوح على الحقوق الأساسية، والتي من ضمنها الحريات المعروفة، ولكي يهزم النظام الدستور وهذه المبادئ، قام بإصدار قوانين مثل: قانون النظام العام، قانون الصحافة والمطبوعات... إلخ من القوانين، وكلها أصابت الدستور الإنتقالي في مقتل حتى اصبح عديم القيمة والفائدة ولا معني له. أيضاً هذه القضية متوقع أن تكون موضوع جدل في المفاوضات القادمة. الشئ الإيجابي الأن هو الحركة الكبيرة التي تنتظم المهتمين بالعمل العام من سياسين، منظمات مجتمع مدني، ومؤسسات تعليمية في العمل على صناعة الدستور وهو جهد مقدر نتمنى أن يصب عائده في الإستقرار.

ملف الثروة:
العلاقة ما بين الثروة والسلطة وطيدة، وقديمة قدم الإنسان، فمعروف أن كل من يملكون السلطة يسعون للإستحواذ على الثروة، بينما ممن يملكون الثروة يحاول دائماً الحصول على السلطة، وهذه المصلحة المتبادلة تاريخياً معروفة. هذه العلاقة الجدلية موجودة وكثيرة الظهور في المجتمعات الإنسانية وتختلف مظاهرها بإختلاف درجة تطور المجمتمعات والنظم الدستورية والقانونية فيها التي ترسم حدود نفوذ كل مجموعة. بالنسبة للأوضاع في السودان فالمبدأ لم يختلف كثيراً، لكن ما يهمنا هنا هو رؤية هذه العلاقة ضمن إطار بحثنا المتعلق بالتسوية المرتقبة.

تختلف مسألة تقسيم الثروة عن تلك المتعلقة بالسلطة في وجوه كثيرة، فهي على الأقل لا تتم بالصورة التي تتم بها مسألة توزيع الحقائب الوزارية، بمعني؛ أن يخصص لكل طرف نسبة من المال أو موراد الدولة تصب في خزينته مباشرة، هي ليست كذلك. إن منطق تقسيم الثروة هنا مرتبط بإعادة توزيع موارد الدولة على مجتمعات تنتمي لها الأطراف المتفاوضة، ودائماً ما تكون الأفضلية للمناطق والمجتمعات الأكثر تأثراً بالصراع. لذلك فمعادلة التوازن هنا في المفاوضات لا تعتمد على ميزان القوة العسكرية أو السياسية بقدر ما تعتمد على واقع الضرر الذي حدث لهذه المجتمعات أو المناطق، وفي العملية التفاوضية إثبات الضرر هو النقطة المركزية في تحقيق المكاسب، هذا مستوى، المستوى الآخر هو الضمانات القوية لتحقيق هذه المكاسب. فالقوى التي تواجه السلطة تتحرك من منطلق أنها مناطقها تضررت على عدة مراحل أولها أنها ظلت مناطق ومجتمعات مقصية ومهمشة من قسمة الموارد لفترات طويلة وهذا هو سبب النزاع، المرحلة الثانية أن النزاع نفسه تم في مناطقها مما سبب إضراراً مضاعف لها وبالتالي تصبح الضرورة هي ليست إعادة التوازن بين الأطراف والمجتمعات المختلفة فحسب وإنما التعويض عن الدمار والخراب الذي سببه النزاع وإعادة الحياة من جميع وجوهها ومن ثم البحث عن التوازن المطلوب.

وقسمة الثروة والموارد تعتمد صيغ ومعادلات مختلفة ذات صلة وثيقة بمتغيرات عديدة منها درجة الإقصاء والتهميش، أوجه الخراب والدمار، مقدار الموارد الموجودة (لا نعني بالموارد المخزون النقدي وإنما كل موارد الدولة الزراعية، الحيوانية، الصناعية، الإستثمارية، الموارد الطبيعية كالمعادن والبترول والغاز والمصادر المائية، والموارد البشرية والعلاقات، وكل ما يصنف كموارد تصب في الدخل القومي للدولة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة). وعادة ما يتم التقسيم هنا بطريقة تفاضلية أو متناسبة مع عوامل التهميش/الإقصاء والضرر، هذا على المدي القصير، أما على المدة الإستراتيجي البعيد فيجب أن يكون التوزيع قائماً على أساس تحقيق مبدأ العدالة الإجتماعية والإقتصادية كحد أدني. الشاهد أنه وعند إستدعاء تجارب الاتفاقيات التي وقعت ما بين الحكومة وخصومها، فقد نصت الإتفاقيات على شئ والذي تم تنفيذه شئ آخر. فالنظام أقر بالتهميش والضرر، وإتفق على إعادة التوازن والإصلاح، لكنه لم يعمل في الواقع على إزالة كل ما أقر بحدوثه. وتفسير ذلك يعود إلى أسباب متشابكة ومعقدة، منها ما يمكن قراءته في إطار عدم رغبة النظام على التفريط في مكتسباته الإقتصادية التي حصل عليها، وهذا يجد منطقه في أسس تفكير النظام نفسه والتي ناقشناها سابقاً عندما تعرضنا لمفهوم "التمكين" الذي إيتدعه النظام ونفذه عبر سياسات مختلفة. أيضاً يمكن قراءة ذلك في إطار العلاقات الإقتصادية المتشابكة التي صنعها النظام، علاقات الريع والنشاط الطفيلي، والتي تضعه في النهاية كنظام فقد السيطرة على النظم الإقتصادية. ومع ذلك؛ وفي الوضع القائم في السودان الأن فإن المسألة أعقد بكثير مما قد يتصور البعض، وهو ما يجعل قسمة الثروة ليست عملية لإعادة توزيع لموارد وإنما لمديونيات كبيرة ومؤسسات إقتصادية منهارة. وعندما أشرنا في بداية هذه الدراسة إلى عملية إضعاف الدولة التي قام بها النظام الحاكم فإن واحدة منها تمت للنظم الإقتصادية في إطار عملية "التمكين" والتي بموجبها آلت مؤسسات إقتصادية تنموية كبيرة لكادر الإسلاميين وتوقفت عن الإنتاج لسوء الإدارة. وفي واقع الأمر، لقد كان الأمر مقصوداً ومتعمداً (تخريب المؤسسات الإقتصادية المنتجة)، فالنظام عندما قام بخصخصة المؤسسات الإقتصادية المنتجة قصد أن يضرب عصافير كثيرة بحجر واحد، أولها تمكين عضويته إقتصادياً بتمليكها هذه المؤسسات، ثانيها: تصفية النشاط السياسي والنقابي في أمكان التجمعات العمالية في هذه المؤسسات والتي كانت تمثل مهدداً لوجوده السياسي (نقابات العمال والمزارعين والحرفيين والموظفين). ثالثها: عندما تنهار هذه المؤسسات يقوم ببناء أخرى بديلة في مناطق تخدم توجهاته السياسية وخيارته الإستراتيجية، وهذا ما حدث، إذا قامت الدولة بتركيز الصرف على التنمية في الإقاليم الشمالية وهو ما فضح توجهات الإقصاء والعنصرية لدى دولة الإنقاذ.

هذه التحولات وعند مناقشتها في قسمة السلطة والموارد نجد أن مسألة التقسيم تتسم بصعوبة بالغة خاصة بعد خروج البترول من المعادلة الإقتصادية مع إنفصال جنوب السودان، أو بمعني أدق أن المناقشات في ملف الثروة ومرة أخرى لن تكون مناقشات لتقسيم موارد موجودة، وإنما لتقسيم مديونيات متراكمة ومؤسسات ينعق فيها البوم. لذلك نعتقد أن هذا الملف يجب أيضاً إعادة التفكير فيه بصورة مغايرة، تكون النقطة المركزية فيه وقبل البدء في أي تفكير حول كيفية التقسيم، هي إعادة الأمور إلى نصابها أولاً، والمعني بذلك هو إعادة المؤسسات الإقتصادية ولو من الناحية الإدارية لوضعيتها القانونية والتنظيمية داخل الدولة إلى ما قبل يونيو 1989. وقد لا يرى البعض أهمية في ذلك الموضوع، لكن فلنتخيل على سبيل المثال مؤسسة كالهيئة القومية للكهرباء والتي بقيت عبارة عن هيكل فارغ بعد أن آلت بصورة غير مفهومة إلى شركة الكهرباء وكذلك وزارة الري التي أصبحت وحدة السدود تقوم بكل أعمالها، ومشاريع زراعية وصناعية كثيرة حدث فيها مثل الذي حدث للهيئة القومية للكهرباء، ناهيك عن الشركات المشبوهة التي تعمل في المجالات المختلفة وذات إرتباط وثيق بالحزب الحاكم. لذلك فإن أي تصور يتم فيه إعادة توزيع للثروة وهي على صورتها الحالية، وطبقاً لما يتخيله الوسطاء (الذين وفي تصوراتهم أن المؤسسات الإقتصادية الحالية مازالت مؤسسات دولة وليست حزب)، هو محض خيال وخداع. إذا المطلوب وقبل بحث تفاصيل إعادة رسم تقسيم الثروة وإستراتيجياتها هو إعادة هيكلتها من جديد وإعادتها لصورتها كمؤسسات تخدم الدولة، بمعنى؛ إستعادتها مرة أخرى من قبضة المؤتمر الوطني، ومن ثم التفكير في كيفية توزيعها بما يخدم التطور الإقتصادي الذي يخدم عدالة التوزيع وتساوي الفرص.

الترتيبات الأمنية:
الثابت في العمليات التفاوضية لأي ترتيبات أمنية وعسكرية، هي أنها تتم وفقاً لقواعد وشروط أساسية ومحددة، تستخرج على ضوئها جداول زمنية للتطبيق. وعادة ما تكون القواعد المتبعة هي: مناقشة الأوضاع الإدارية والعملياتية لجيوش كل طرف من من حيث أماكن تمركز وإنفتاح القوات وحركتها الإدارية أثناء المفاوضات وحين التوصل إلى تسوية، بالإضافة لمسألة إدماج القوات، بينما الشروط هي: وقف إطلاق النار بين الطرفين/الأطراف. وتمثل عملية إدماج القوات بأي تصور يُطرح، النقطة الحاسمة في أي شكل من أشكال المفاوضات، بإعتبارها النتيجة المطلوبة. فعملية الإدماج إما أن تأخذ مسار الإستيعاب الكلي لقوات الأطراف المتمردة في القوات النظامية (الجيش الرسمي للدولة)، كما حدث في إتفاقية أديس أبابا 1972، وإتفاقية سلام شرق السودان بين جبهة الشرق والحكومة عام 2006 أو في نموذج إتفاقية أبوجا نفس العام. أو أن تبقي كل قوة عسكرية منفصلة كما هي في مناطق تمركزها وإنفتاحها، وفي هذه الحالة تتم مسألة الإدماج عبر تكوين قوات مشتركة كما حدث في نموذج إتفاقية السلام الشامل CPA. والوضعيتين يقف خلفها منطق سياسي، فعملية الإستيعاب هي في الواقع عملية تسكين لأفراد القوات المتمردة داخل الجيش من أعلى قمة المؤسسة العسكرية لأدناها بإعتبار أن ليس هنالك خلاف سياسي حول المؤسسة العسكرية للدولة ودورها بواسطة طرفي التفاوض، أي أن هناك درجة من الثقة فيها كمؤسسة عسكرية. أما في حالة أن يتم الدمج عبر مرحلة وسيطة بتكوين قوات مشتركة، فهذا يعني ــ على الأقل ــ أن الطرف المتمرد على السلطة لا يثق في المؤسسة العسكرية التي يحاربها، وإلى حد ما إنعدام ثقة الحكومة في جيش التمرد لأسباب مختلفة. وأيضاَ كلا الحالتين تؤديان إلى نتائج مختلفة، فحالة الإستعياب هي قبول بالأوضاع الراهنة التي تُبقي على المؤسسة العسكرية كما هي، أما الثانية فهي من الناحية الموضوعية تفكير في إعادة تركيب المؤسسة العسكرية من جديد وصياغة دورها في الحياة السياسية والدولة مستقبلاً. والمتوقع في المفاوضات المرتقبة أن يتم الأخذ بالنموذج الثاني وذلك لأسباب عديدة أهمها:
1. القوات التي تحارب النظام الان، وبالإضافة إلى أسباب التهميش والإقصاء التاريخية المعروفة في مناطقها ومجتمعاتها، تنظر إلى الحرب الحالية كإمتداداً للحرب الأهلية السابقة ما بين الجنوب والشمال، وبالتالي فتأثير إتفاقية السلام الشامل سيظل كبيراً في حركتها الحالية ذلك لأن الأسباب المباشرة للنزاع في مناطقها إرتبطت بخروقات حدثت في إتفاقية نيفاشا خاصة في المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق).
2. من الواضح أن مقدار الثقة ما بين الطرفين في مسألة الترتيبات الأمنية متدهور إلى حد بعيد، ويعزز من ذلك التجربة الطويلة لأنظمة الحكم السابقة في السودان والنظام الحالي في نقض العهود وتجربة نيفاشا القريبة، خاصة في جزئية الترتيبات الأمنية والعسكرية.
3. الرأي السائد بأن المؤسسة العسكرية اليوم وخاصة في فترة الحكم الحالي، تعد تلك المؤسسة العسكرية المحايدة بعد السلسلة الطويلة من التمشيط الذي تعرضت له، فهي الأن وأكثر من أي وقت مضى، أقرب لجيش حزبي منه إلى مؤسسة عسكرية لدولة.

بناءاً على العوامل الثلاثة السابقة يصبح الخيار المنطقي هو أن تتم الترتيبات العسكرية وفقاً لتصور وجود ثلاثة جيوش على الأقل وهي: الجيش الحكومي، جيش الجبهة الثورية، وقوات مشتركة. وإذا أعدنا النظر بدقة، سوف نجد أن هذه الجيوش في الواقع ليست ثلاثة وإنما أكثر من ذلك، فعلي سبيل المثال: قوات الجبهة الثورية ليست جيش واحد متماسك وإنما تتكون من خمسة منظمات عسكرية على أقل تقدير هي: جيش الحركة الشعبية قطاع الشمال والذي يتكون من جيشين في جنوب كردفان والنيل الأزرق، جيش حركة تحرير السودان والذي أيضاً يتكون من أكثر من فصيل، جيش حركة العدل والمساواة، قوات من عرب جنوب دارفور. ينطبق الأمر أيضاً على الحكومة، فهناك القوات المسلحة، وقوات جهاز الأمن والمخابرات الوطني، وقوات أخرى غير معرفة الهوية. كل أو معظم هذه التكوينات العسكرية وشبه العسكرية حتماً ستدخل في الترتيبات الأمنية للإتفاقية وستكون أوضاعها على النحو التالي وفقاً ما تقرره القوالب التفاوضية:
1. ستبقي كل قوات في المناطق المتمركزة فيها وتحافظ على أوضاع إنفتاحها على الأرض لحظة التوقيع على إتفاقية السلام.
2. ستنشأ قوة مشتركة بين الجيش النظامي وهذه القوات.
3. ستصمم جداول زمنية لمسارات عمليات الدمج، فض الإشتباكات ونزع السلاح.

هذا هو التصور العام للترتيبات الأمنية والعسكرية، وبالتالي وعملياً خلال الفترة من بداية الترتيبات العسكرية وحتى نهايتها، سوف تتواجد تشكيلات عسكرية وشبه عسكرية داخل الدولة خلال فترة الإنتقال. هذا الوجود العسكري الكثيف، خاصة في ظل بيئة الثقة فيها تكاد معدومة بين الأطراف الداخلة في مرحلة الإنتقال، ستخلق حالة على درجة كبيرة من التوتر، وربما قد تؤدي إلى مصادمات بين الأطراف المختلفة تكون ساحاتها المدن الكبيرة وربما العاصمة نفسها. وهذه الحالة ليست غريبة ولا بعيدة عن الأذهان، فقد حدثت أثناء الفترة الإنتقالية لإتفاقية نيفاشا بالخرطوم. وعموماً قد تتم قراءة مثل هذه التواجد من زوايا مختلفة، فهو قد يكون نوع من التوازن المطلوب في مركز صناعة القرار بالخرطوم على خلفية العنف الذي إستخدمته السلطة ضد التحركات الجماهيرية، أو قد يكون بؤر خاملة لإنقلابات عسكرية من أي طرف أو فوضى عسكرية فكل الإسنتاجات محتملة.

ومع ذلك، وإذا تمسكنا بدرجة من التفاؤل، وطرحنا هذه التصورات القاتمة جانباً سنجد أنه وعلى خلفية وجود عدة جيوش، فالمناقشة ستمضي بإتجاه أن أسس إي إتفاق حول الترتيبات الأمنية يجب أن تحقق نهاياته المنطقية، والمعقول هو أن نتخيل أن هذا الإتفاق سيعمل على خلق جيش جديد بعقيدة قتالية جديدة بناءاً على أسس الأتفاق في جوانبه الأخرى بشكل عام، وهو نفس ماهدفت إليه نيفاشا عندما نصت على القوات المشتركة بإعتبارها نواة لجيش سودان المستقبل. والمؤسف أنه وخلال فترة الإنتقال سعت الحكومة قدر إستطاعتها لإجهاض هذا التصور لأسباب تخصها، فكانت هذه الجزئية واحدة من الأسباب التي أفقدت السلام فرصة الإستمرارية، وبالتالي أعادة دورة الصراع المسلح مرة أخرى. لذلك نجد أن النقطة الجوهرية والتي أصبح لا مفر منها في أي إتفاق لترتيبات أمنية في حالتنا، هي إعادة النظر في المؤسسات العسكرية وشبه العسكرية الأخرى وتعريف دورها في حياة سودان المستقبل، مثلها مثل باقي جميع مؤسسات الدولة، إذا كان بالفعل الهدف هو الخروج من نفق الصراعات المستدامة.

لذلك فالتفاوض حول هذا الملف، وبالواقع السياسي الراهن، يصبح جد قضية جد شائكة لأن هامش التنازلات فيه ضيئل للغاية، فلا الحكومة من المحتمل أن تقبل بسهولة بقضية التواجد العسكري للقوى المعارضة في العاصمة والمدن الكبرى، ولا القوات المعارضة ستقبل بأقل من ذلك. ومع ذلك فعبقرية التفاوض وموازين القوى على الأرض خلال الفترة القادمة قد تفرز مواقف جديدة.

خلاصة القول في قضية التسوية بعد إستعراضنا للملفات الثلاثة، فإن إستنتاجاتنا تتكلم عن نفسها، ففي ملف السلطة القضية المركزية والإستراتيجية هي إعادة تعريف مؤسسات السلطة مرة ثانية وإعطائها صلاحياتها الحقيقية حتى يمكننا الحديث عن سلطة واقعية تؤثر إيجاباً في مشاركة الفرقاء، بمعني؛ يجب أن يكون الصراع في المبتداً من أجل إعادة الإعتبار لمؤسسات الدولة نفسها ومن ثم يكون الحديث عن شراكة أو توزيع عادل للسلطة وغيرها من المتطلبات التي تدعم وتعزز التسوية، وهذه الخطوة هي في كل الأحوال خصماً على سلطة الحزب الحاكم وبلا أدنى شك. وينطبق نفس القول على الثروة، وهي أيضاً تتمثل في إعادة المؤسسات الإقتصادية لحظيرة الدولة ومن ثم التفكير في الخطوة التالية وهي إعادة توزيعها بما يحقق التنمية والمتوازنة وتحقيق العدالة الإجتماعية وغيرها من الشروط، وأيضاً هذا يعني أننا يجب أن ننتزع هذه المؤسسات من قبضة الحزب الحاكم، وهذه قضية شائكة ومعقدة. الجانب الأخير هو الترتيبات الأمنية والعسكرية، ومخلص القول فيه هو التفكير ومن كل الأطراف في تجنب المصادمات التي قد ينتج عنها تجدد الحرب، والتي سوف تكون هذه المرة أكثر دماراً مما قد يتخيله أي إنسان، ومدخل ليس إلى تفكك ما تبقى من السودان وإنما تحوله إلى النموذج الصومالي أو اليوغسلافي أو ربما أسواء من ذلك بكثير. إن ذلك يقتضي أن تمر التسوية في الملفات جميعها ــ إن قُدر أن تكون هنالك تسوية ما ـــ بسلاسة تدعمها إرادة حقيقية لتحقيق السلام مع نظرة إستراتيجية لصنع المستقبل مهما كان حجم التنازلات، للخروج بما تبقي من السودان من نفق التشظي وصراعات الكل ضد الكل.


خاتمة:
وختاماً لهذه المقالة الطويلة والتى حاولنا خلالها أن نتخيل سبل الخروج من الأزمة الحالية للسودان والفوضى المتوقعة، نجد أننا أمام تصورين تفرضهما فرضاً معطيات الواقع الحالي والتجارب التاريخية المتوارثة والمترسخة في بنية الوعي السياسي في السودان. فهما إما إطاحة بالنظام عبر "ثورة/إنتفاضة" أو "تسوية". فإي مخرج هو الأقرب للتحقق، فهذا سؤال قد لا تجيب عليه النتائج المبنية على المصفوفات التي نبنيها للحالتين، لذلك نجد أنفسنا هنا غير معنيين بإرتجال نبؤة عن صورة وتوقيت التغيير، وإنما بالبحث في العلاقات الداخلية لكل فرضية، سواء إن كانت إنتفاضة تتطيح بالنظام أم تسوية تنقل الأزمة لمرحلة جديدة.

فعلي سبيل المثال فمصفوفة الثورة/الإنتفاضة قد تكاملت عناصرها كما أشرنا إلى ذلك في البداية من حيث هي كم تراكمي للظلم والإستبداد بأشكاله وأنماطه، الإنحلال والفساد بمظاهره المتعددة، التضييق الإقتصادي. لكن السؤال أو التحدي الذي يواجه هذه المصفوفة وكما قلنا آنفاً هو: هل بمقدورها أن تصنع تغيير بالفعل، أم أنها ستعيد تدوير الأزمة كما حدث في أكتوبر 1964 وأبريل 1985. إن التحليل الدقيق الذي أجريناه لمكونات الإجابة تلخصت في عوامل ضعف القوى المناوئة والمنوط بها إحداث التغيير من جانب، وعنف السلطة والإنقسام الإجتماعي بالإضافة إلى ضعف الدولة بشكل عام من جانب آخر. فكلها عناصر تجعل من إمكانية إحداث تغيير عميق وإستراتيجي في بنية الدولة كعلاقات، قيم، مؤسسات وهياكل، وإستبدالها بقيم التغيير، يظل أمراً عسيراً طالما أن القوى المناوئة غير قادرة في الوقت الراهن على فرض التغيير بقيمه الجديدة، علاقاته، مؤسساته وهياكله، والحزب الحاكم متمسك بالسلطة حتى آخر نفس ومستعد للتضحية بأي قيمة في سبيل ذلك. لقد أجملنا تصوراتها للحلول في هذه الجزئية بأن تعيد كل القوى المناوئة للنظام قراءة الواقع الجديد وتصورات المستقبل وإعادة ترتيب علاقاتها مع القواعد، وأن تعيد السلطة من جانبها التفكير في إستراتيجياتها، فهدَّ المعبد على رؤوس الجميع لن يقتل الآخرين وحدهم، بل ستشملهم أيضاً قائمة المدفونين تحت الأنقاض. فإذا قدر للإنتفاضة أن تنجح في الإطاحة بالنظام فهذا يعني ومن الناحية الإستراتيجية أن تستصحب معها كل دروس الماضي. أما إذا قدر أن تكون هنالك تسوية كما تصورناها أيضاً فالحوجة ضرورية لأن تكون النظرة هي الإنزلاق في هوة الفوضى.

من الواضح والجلي أن المطلوب في الحالتين هو إحداث تغيير بنيوي في الدولة ككل من حيث هي قيم، علاقات، مؤسسات وهياكل، سواء إن كان ذلك عن طريق ثورة/إنتفاضة أو تسوية، بحيث لا تعيد تجارب إنتكاسات الماضي. والأكثر وضوحاً أيضاً هو أن مقدار التنازلات المطلوبة كبيرة للغاية، وتخطت حاجز القبول بمساومات من أجل بقاء هذا أو ذاك على سدة الحكم، لأن الثمن المقابل لذلك فادح. فالمزايدة على الدولة الدينية بدغدغة مشاعر الجماهير وإلهابها، برهنت السنوات الماضية على أنها مشروع سياسي فاشل بإمتياز وتجربة أفرزت في نهاية المطاف سيطرة وهيمنة جهات بعينها على مصادر الثروة والسلطة. إن الحاجة لدولة مدنية اليوم هي أكثر إلحاحاً أكثر من أي وقت مضى، والعمل لهذه الدولة المدنية يجب أن لا يكون بغرض البحث عن مهارب من المسؤوليات التاريخية أو مزايدة بإنتصار هذا على ذاك وإنما بالتفكير والتنفيذ الحقيقي لمعني الدولة المدنية ودولة المواطنة وسيادة حكم القانون.

التجاني الحاج عبدالرحمن
[email protected]



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2078

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التجاني الحاج عبدالرحمن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة